شرح العقيدة الواسطية (14)

عنوان الدرس: 
شرح العقيدة الواسطية (14)
عنوان السلسلة: 
شرح العقيدة الواسطية
تاريخ النشر: 
خميس 27/ Muharram/ 1436 1:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقوله:       وقوله:  وقوله:  وقوله:          ﭨﭩ  وقوله:              ﭯﭰ  وقوله:  وقوله:   ﭟﭠ    وقوله: ﰒﰓ  وقوله:  وقوله:     وقوله:  وقوله:  وقوله:   .

هذه الآيات شُرحت في الدرس الماضي هذه تكلمنا عليها في الدرس الماضي وقفنا على هل ينظرون.

وقوله:        ﯸﯹ  وقوله: ﭞﭟ  وقوله:    وقوله:           وقوله:  وقوله:   ﮚﮛ  وقوله: ﯤﯥ  وقوله: ﯧﯨ ﯭﯮ      ﯴﯵ .

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقوله الله -جلَّ وعلا-:         هذه من الآيات التي تثبت صفة الإتيان لله -جلَّ وعلا-  هل هذه استفهام إنكاري معناها النفي فمعناها ما، وينظرون ينتظرون، والمراد بهؤلاء الكفار ما ينتظرون، والدليل على أن هل بمعنى النفي الاستثناء بعدها، {هل ينظرون إلا} يعني ما ينظرون إلا وينظرون ينتظرون، ولو كان النظر هنا المراد به الرؤية البصرية لعدَّاها بإلى لتعدت بإلى، وجوه ... إلى ربها ناظرة فالنظر المراد به البصري يعدى بإلى، وهنا هل ينظرون إذا قلنا معناها ينتظرون، والاستثناء من أعم الأحوال ومن أعم الأشياء، هل ينتظرون شيئًا إلا ما استثني إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك مجيء الله -جلَّ وعلا- وإتيانه لفصل القضاء في بمعنى مع وليست للظرفية؛ لأن الظرفية تقتضي الإحاطة في هنا بمعنى مع، والمراد بها المصاحبة {إلا أن يأتيهم الله مع ظلل من الغمام}، ويبين ذلك ما سيأتي، {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً} كما سيأتي، هل ينتظرون إلا أن يأتيهم الله -جلَّ وعلا- لفصل القضاء بينهم ولمحاسبتهم ومجازاتهم، فالكافر ماذا ينتظر؟ هل يرجو ثواب الله وقد أنكره وأنكر وجوده وأنكر ربوبيته وأنكر ألوهيته ونسب نعمه إلى غيره، ماذا ينتظر مثل هذا؟

في جميع الأمور كل ينتظر نتيجة عمله، العبد الآبق ماذا ينتظر من سيده؟ لا شك أنه لا ينتظر منه خيرًا في الغالب، المهمل في دراسته ماذا ينتظر في الامتحان؟ المهمل الذي لا يذاكر، فكل ينتظر نتيجة عمله، المؤمن الموحد العامل التقي هذا ينتظر ثواب الله -جلَّ وعلا- وإكرامه وإنعامه عليه ورحمته له ومغفرته وستر ذنوبه، هذا ما ينتظره المسلم المؤمن الموحد، أما الكافر ماذا ينتظر وقد حرم الله عليه الجنة، وإذا حرم الله عليه الجنة فما يكون مأواه؟ مأواه النار -نسأل الله السلامة والعافية- {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} والمراد به: السحاب، ويخصون به السحاب الأبيض والملائكة تأتي مصاحبة، الملائكة لتنفذ أمر الله -جلَّ وعلا- في هؤلاء، {خذوه فغلوه ثم الجحيم صلّوه} هذا جزاؤه {وقضي الأمر} نفذ أمر الله -جلَّ وعلا- وحكمه الذي لا يتغير ولا يتبدل, وقوله: {هل ينظرون} مثل سابقتها {إلا أن تأتيهم الملائكة}, يعني لقبض أرواحهم أو يأتي ربك؛ لفصل القضاء كما في الآية السابقة, أو {يأتي بعض آيات ربك} وفسرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بطلوع الشمس من مغربها (أو) هذه للترتيب (أو) هذه لأي شيء؟ ما معناها؟ أو للتقسيم؟

طالب: ...........

للإبهام؟ نعم خير أبح قسِّم بأو وأبهم، للإبهام وإيش معنى للإبهام هنا؟ أنه على الكافر أن يكون حذرا، والحذر أيضًا مطلوب من المسلم؛ لأنه مادامت روحه في جسده على خطر، لكن الآية في الكفار, هل ينتظرون إلا أحد ثلاثة أشياء إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وحينئذٍ يفوت الفوت ما عاد يمديهم يفعلون شيئًا, ينجيهم من عذاب الله -جلَّ وعلا- إذا قُبضت أرواحهم انتهى كل شيء، إذا بلغت الروح الحلقوم انتهى كل شيء, أو يأتي ربك لفصل القضاء كما جاء في الآيات السابقة أو يأتي بعض آيات ربك وهو طلوع الشمس من مغربها, وهي آية عظيمة، حد فاصل بين الوقت الذي تقبل فيه التوبة وبين الوقت الذي لا تقبل فيه الرجعة, إذا طلعت الشمس من مغربها خلاص انتهى، لا ينفع نفسًا إيمانها فما الذي ينتظره الكافر؟ وقل مثل هذا في المفرط من المسلمين ما ينتظر إلا أن تقبض روحه على معصيته، أو يأتي بعد قبض روحه الرب -جلَّ وعلا- لفصل القضاء، أو تطلع الشمس من مغربها، وحينئذٍ لا ينفعه توبته، وإن كان مسلمًا لكن عنده شيء من التفريط، من مات وهو على معصيته ما مصيره؟ مات وهو على المعصية والمعصية دون الشرك، أما إذا كان بالشرك أو بالنفاق الأكبر -نسأل الله السلامة والعافية- فمآله النار خالدًا مخلدًا فيها، أما ما دون الشرك مات وهو يباشر الفاحشة مثلاً، أو مات وهو يعاقر الخمر -نسأل الله السلامة والعافية- أو مات على أي معصية من المعاصي هذا خطر؛ لأن المعاصي تجر إلى ما قبلها، يعني ومما قيل في قول الله -جلَّ وعلا-: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها} الخلود هنا ما سببه؟

قالوا: لأن هذه المعصية الجريمة العظيمة تجر إلى ما يقتضي الخلود، ففيها التحذير من هذه الجريمة الكبرى، جريمة كبيرة جدًا موبقة من الموبقات، ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دما حرامًا, هذه الجريمة تجر إلى ما يقتضي الخلود, {وضُربت عليهم الذلة والمسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون..}، {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}، أول الأمر عصيان وعدوان، ثم بعد ذلك كفروا وقتلوا الأنبياء، فجرتهم المعاصي إلى هذه الموبقة التي ضُرب عليهم بسببها الذل والمسكنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة -نسأل الله السلامة والعافية-، فهنا الخلود -كما يقول بعض أهل العلم-: ليس لهذه المعصية، وهذه المعصية وإن كانت كبيرة وموبقة من الموبقات وفاعلها على خطر عظيم حتى قال ابن عباس: إنه لا توبة له, وهذا صحيح عن ابن عباس، يعني: أنه لا يوفق للتوبة في الغالب, مثل هذا وقد يتوب الله عليه فيمحو أثر هذه المعصية, فمما قيل في معناها؛ لأن الخلود مشكل على مذهب أهل السنة والجماعة وهذا أشرنا إليه سابقًا, الخلود سببه ما يقتضي الخلود وهو الكفر مثلاً، الكفر له أسباب، له مقدمات، تساهل ثم تهاون بالمكروهات ثم المحرمات ثم الموبقات، ثم هذه تجره إلى أن يكفر فيقتضي حكمه الخلود في النار -نسأل الله السلامة والعافية-.

{ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} العصيان والعدوان جرهم إلى أن كفروا وقتلوا الأنبياء، ثم بعد النتيجة في الدنيا والآخرة ما سمعتم، من مات وهو على معصية من المسلمين لا شك أنه بعض أهل العلم يقول: من مات على شيء بُعث عليه، لكن ماذا عمن مات على معصية بسبب يقتضي أو ذكر له فيه الشهادة وهو على معصية، قوم يشربون الخمر ويزاولون الفاحشة في بيت سقط عليهم البيت, ماذا يقال في مثل هذا؟ هذا كل الذنوب على هذه الشاكلة ما لم يصل إلى حد الكفر، كلها تحت المشيئة {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}, لكن هل هذا الهدم ما جاء في الهدم أنه شهادة؟ الآن افترض أن الناس في المسجد يصلون ثم انهدم عليهم المسجد, شهادة أو ما هو شهادة؟ الغريق شهيد والهديم شهيد وما أشبه ذلك, لكن ماذا على ما لو انهدم عليهم البيت أو غرقوا وهم يزاولون معصية؟ الهدم سبب فإذا وجد ما يمنع من نفوذ هذا السبب لم يترتب عليه أثره هذا قول الجمهور، فمثل هؤلاء لا يستحقون الشهادة, لكن ذكر ابن العربي في عارضة الأحوذي أن عليهم معصيتهم ولهم شهادتهم، لكن هذا فيه شيء من التساهل بهذه المنكرات من جهة، والأمر الثاني أنهم جاؤوا بما يمنع الشهادة بالنسبة له؛ لأنه في آن واحد، والجهة غير منفكة في آن واحد، في وقت واحد، في ظرف واحد، زاولوا ما يقتضي العذاب وما يقتضي الرحمة.

{أو يأتي ربك} يعني لفصل القضاء، {أو يأتي بعض آيات ربك} فسرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بطلوع الشمس من مغربها، وهناك ثلاث آيات إذا وجدت لا تنفع التوبة: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها, ثلاث آيات -كما في الصحيح صحيح مسلم- الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها, لا ينفع نفسًا إيمانها ولا ينفع توبة بعد ظهور إحدى هذه الآيات الثلاث، إذا قلنا: أولهن الدجال، ما الفائدة من طلوع الشمس من مغربها؟ الكلام في اقتران هذا الحكم بالثلاث كلام طويل لأهل العلم وفيه إشكال، لكن أكثر النصوص قيدت إغلاق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها ولو كان الدجال قبلها، نعم ما يكون، وقال -جلَّ وعلا-:    كلا هذه تأتي للزجر والردع وتأتي للتنبيه كما هنا مثل: {كلا إذا دكت الأرض دكًّا دكًّا}، والدَّك كما هو معروف التسوية دكًا، وهذا {دكا} الثانية قالوا: هذا تأكيد لفظي، ومنهم من يقول: إنها تأسيس وليست بتأكيد، يعني أنه دك بعد دك، والمكان إذا دك مرة، ثم أعيد دكّه مرة ثانية كان أبلغ في الدك، والتسوية والتأسيس عند أهل العلم خير من التأكيد؛ لأن التأكيد ما يأتي بفائدة زائدة إلا من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى ليس فيه فائدة زائدة بخلاف التأسيس، {وجاء ربك} يوم القيامة {والملك} مَن الملك هذا؟ جبريل أو جنس؟ جنس (ال) هذه للجنس، فالمفرد المقترن بـ(ال) الجنسية يفيد العموم بدليل قوله: {صفًّا صفًّا}؛ لأن الواحد ما يأتي صفوفًا يعني: صفًّا بعد صف، يعني: صفوف، والواحد ما يأتي صفوفًا ولا صفًّا واحدًا، والشاهد {وجاء ربك} فيه إثبات صفة المجيء بعد إثبات صفة الإتيان لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنكر هذه الصفة صفة المجيء والإتيان المعطلة من الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة أيضًا عطلوا هذه الصفات الفعلية المقترنة بالمشيئة، وأثبتها أهل السنة، وإثباتها لا يقتضي التشبيه بمخلوق إلا أنهم أثبتوا إثباتًا مع التنزيه بدون تكييف ولا تمثيل، فلا يقال: كيف يأتي؟ ولا يقال: كيف يجيء؟ لأن السؤال عن الكيفية بدعة. نعم، نعرف المعنى وأن لها معاني معلومة مفهومة وليست طلاسم ولا نفوض كما يفعل المفوضة يقولون نثبت اللفظ من غير اعتراف بمعنى نقول لا لها معاني الصفات كلها لها معاني وأسماء الله الحسنى كلها لها معاني لكن الكيفيات مجهولة لا ندري كيف يأتي، كما سيأتي في حديث النزول حديث النزول ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل إلى السماء الدنيا فيقول إلى آخر الحديث ينزل على وجه يليق بجلاله وعظمته، وأما الأسئلة التي أُوردت على الحديث من قبل النفاة فلا تؤثر في إثبات ما أثبته الله -جلَّ وعلا- لنفسه وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام- ولا يعوقنا مثل هذه الشبهات عن الإثبات، بل الكيفية نكلها إلى الله -جلَّ وعلا-؛ لأن الكيفية لا تعرف إلا برؤية الشيء نفسه أو برؤية نظيره إذا قيل كيف فلان؟ وفلان ما شافه المخاطَب قال مثل فلان في الطول والعرض والبياض وغيره من الصفات بمعرفة النظير بمعرفة الشيء نفسه أو برؤية نظيره أو بالخبر الصادق ولم يردنا خبر عن الله وعن رسوله ببيان الكيفية، أما الأفهام والأوهام والتوقعات والتخيلات هذه إذا أخطأت في المخلوقين فكيف بالخالق الذي تبلغه الأفهام ولا تدركه الأوهام، كثير من الناس يسمع شخص يتكلم في الإذاعة مثلاً ويتخيله على شيء ثم إذا رآه إذا بالصورة تختلف تمامًا كثير هذا وهذا في مخلوق فكيف بالخالق، والله المستعان، وجاء ربك والملك صفًا صفا، وسيأتي ما أثير على حديث النزول في شرحه -إن شاء الله تعالى- والأجوبة عنها لكن مع الأسف أن هذه الشبهات وصلت إلى عوام المسلمين في قعر بيوتهم من خلال هذه القنوات المفسدة..، وقال -جلَّ وعلا- ويوم يعني اذكر يوم تَشقق السماء بالغمام تشقق إذا السماء انشقت فهي تشقق ثم يخرج منها الغمام ويتتابع ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ونزل الملائكة التنزيل بهذه الصيغة يقتضي التدريج بخلاف النزول الذي هو جملة واحدة فينزل ملائكة السماء الدنيا فيكونوا في الصف الأول ينزل ملائكة السماء الثانية ويكونوا في الصف الذي يليه وهكذا يكونون صفوفًا صفًا صفا على ما تقدم، ونزل الملائكة تنزيلاً هذه الآية ما الشاهد فيه؟ لإثبات المجيء وإتيان الله -جلَّ وعلا- تشقق السماء إنما يكون لمجيء الله -جلَّ وعلا- نعم ليس في الآية ذكر لمجيء الله –تعالى- لكن تشقق السماء بالغمام إنما يكون لمجيء الله -عز وجل- كما سبق في الآية السابقة           .

انتهينا من صفتي المجيء والإتيان، ما الفرق بين المجيء والإتيان؟ إذا قيل: جاء زيد أو قيل: أتى زيد، هل هذا من المرادف وتكونا صفة واحدة أو هما صفتان صفة واحدة أو صفتان؟ يعني المجيء شيء والإتيان شيء {جاء ربك والملك صفا صفا} غير أو يأتي ربك صفة واحدة، مترادفتان، من أهل العلم من ينفي الترادف في اللغة، ما فيه شيء اسمه ترادف، كل لفظة ترد في اللغة لها معنى، فعلى هذا الإتيان يختلف عن المجيء وإن اشتركا في أصل في قدر يشتركان فيه، لكن الإتيان له ما يحتف به, والمجيء له ما يحتف به, هذا بالنسبة للمخلوق, أما بالنسبة للخالق والإثبات إجمالي على مقتضى ما جاء في النصوص فقط، وجاء في إتيانه -جلَّ وعلا- أنه يأتي -جلَّ وعلا- والغمام أيضًا يأتي والملائكة يأتون وبعض الآيات تأتي {وجاء ربك والملك} يعني: والملائكة {صفًا صفا} فالذي يظهر أن المجيء والإتيان بالنسبة لصفة الخالق على ما بلغنا، وأما ما لم يبلغنا فلا ندركه لا يمكن أن ندركه ما لم يبلغنا بخبر صحيح، الذي يظهر أنهما مترادفان بدليل السياق واحد في الآيات، وأما بالنسبة لما في لغة العرب فقد يوجد هناك فروق إذا قيل: جاء زيد أو أتى زيد يمكن هناك فرق دقيق في لغة العرب، قد يدركه بعض الناس وقد لا يدركه آخرون، وموضوعه كتاب "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، هذا أورد فيه فروق بين ألفاظ يجزم الناس بأنها لا فرق بينها وأوجد فروقًا، كما في قولهم في الجلوس والقعود، وفي القاموس الجلوس: القعود، وقيل: الجلوس من قيام، والقعود من غيره يعني من اضطجاع مثلاً مضطجع فقعد، لكن ماذا عن متكئ فجلس وليس من قيام، المقصود أن مثل هذه الألفاظ المتقاربة جدًا ينفي بعضهم الاختلاف بينها، وأنها مترادفة من كل وجه كما قالوا في الجلوس هو القعود، ومنهم من يقول: لا، لا ترادف في اللغة فلا بد أن يوجد فرق بين الجلوس والقعود فقالوا ما قالوا، لكن يرد عليهم بعض الأحاديث: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» طيب لو دخل المسجد فلم يجلس اضطجع مباشرة ثم قعد مخالف أو موافق للحديث على القول بعدم الترادف؟ ما جلس والنهي عن الجلوس والجلوس ما حصل؛ ولذا يذكرون عن الظاهرية أنه إذا دخل المسجد وهو لا يريد أن يصلي يضطجع ينام، وحينئذٍ لا يقع في مخالفة الحديث الذي يظهر هنا أن المجيء والإتيان صفة واحدة، وعلى كل حال يراجع مثل كتاب الفروق لينظر ما بين اللفظتين من اختلاف.

طالب: ............

لا بد من إثباتها. بعد هذا ما جاء في صفة الوجه لله -جلَّ وعلا-، في قول الله -جلَّ وعلا-:  ويبقى وجه ربك يعني: لا يفنى؛ لأن قوله -جلَّ وعلا-  بعد قوله –تعالى-: ﭿ  يعني: لا يفنى  وجه مضاف، ربك: رب مضاف إليه والكاف مضاف إليه، وذو وصف للمضاف أو المضاف إليه؟ وصف للمضاف الذي هو الوجه بدليل أنه مرفوع، ولو كان وصفًا للمضاف إليه لقال: ذي الجلال،  والوصف أو التابع عمومًا المتعقب لمتضايفين هل يطرد أن يكون تابعا للمضاف باستمرار، أو يكون تابعًا للمضاف إليه باستمرار، أو مرة يأتي تابعًا للمضاف ومرة يأتي تابعًا للمضاف إليه؟ نعم الأخير، بدليل أنه هنا قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال}، وفي آخر السورة قال: {تبارك اسم ربك ذي} فهنا تابع للمضاف، وهناك في آخر السورة تابع للمضاف إليه، فإذا قلت: جاء غلام زيد الفاضل، كيف تحرك الفاضل؟ بم تحركها؟

طالب: ..................

لا ما يجوز أبدا، الجواز ما يجوز لا بد من أحدهما فاضل والثاني من الأَم الناس، لكن أنت مَرّ عليك وتقرأ في كتاب هذا الكلام، كيف تشكِّل، كيف تشكل الفاضل؟

طالب: ..........

ما يلزم يا أخي، لكن الحديث عن من؟ المجيء لمن؟ للغلام فهو المتحدث عنه، فالذي يغلب على الظن أنه وصف للغلام، لكن ما فيه ما يمنع من أن يكون الموصوف به السيد، الإعراب بالحروف كما هنا {ويبقى وجه ربك ذو} {تبارك اسم ربك ذي} هذا ما فيه إشكال؛ لأن الإعراب بالحروف متميز بنفسه ما يحتاج إلى تمييز، لكن الإشكال فيما إذا كان الإعراب بالحركات كما مثلنا، وهذا باعتبار أنه ليس فيه قاعدة مطردة يشكل على كثير من الناس، لكن السياق قد يستدل منه ويستشف منه المراد، هل التابع للمضاف أو للمضاف إليه؟ المقصود أنه عندنا الوصف تابع للمضاف للوجه، فالموصوف بكونه ذا الجلال والإكرام هو الوجه؛ لأن المؤولة يقولون: {ويبقى وجه ربك} المراد به ذاته، ولو كان المقصود به الذات لكان الوصف يعني المقصود بالذات من الآية، الآن المقصود من الآية الحديث عن الوجه أو عن الذات؟ عن الوجه؛ لأنه وصف وتميز وصفه بالإعراب بالحروف، فالحديث عن الوجه وعلى هذا يثبت الوجه لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، هؤلاء يقولون: إذا أثبتنا لله وجهًا شبهناه بالمخلوق؛ لأن المخلوق له وجه، وذكرنا مرارًا قول إمام من الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه التوحيد أنه قال: جاءت النصوص بإثبات الوجه لله -جلَّ وعلا- وله وجه يليق بجلاله وعظمته لا يشابه وجوه المخلوقين، فإذا كانت وجوه المخلوقين متباينة، فكيف بالتباين بين الخالق والمخلوق؟ كيف يقال: إن وجه الخالق يشبه المخلوق؟ لأن المؤول النافي ما وصل إلى هذه المرحلة التي هي التأويل والنفي إلا بعد أن شبه، شبه الخالق بالمخلوقين، نقول: كيف بالتباين الحاصل بين وجوه المخلوقين؛ الإنسان له وجه، الحمار له وجه، الكلب له وجه، القرد له وجه، البعوضة لها وجه، الجرادة لها وجه، هل هذه الوجوه متساوية يمكن مشابهة بعضها إلى بعض؟ هل هذه متشابهة هذه الوجوه وهي في مخلوقات تشترك في قدر مشترك، فكيف يشابه وجه المخلوق من لا يشاركه في شيء إلا الوجود المطلق؟ هذا موجود وهذا موجود، وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، وجود هذا لا يشبه وجود هذا، فإذا كان لا قدر مشترك بين الخالق والمخلوق، والله -جلَّ وعلا- لا يشبه أحدًا من خلقه {ليس كمثله شيء}، فإذا كان التباين في وجوه المخلوقات، فكيف بالفرق بين الخالق والمخلوق؟ لا يمكن أن يتصور أنه يشبهه شيء {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

{ويبقى وجه ربك ذو} صاحب الجلال والعظمة {والإكرام} وهو -جلَّ وعلا- صاحب الإكرام فهو الذي يكرم خلقه {ولقد كرمنا بني آدم}، وهو أيضًا صاحب الإكرام الذي ينبغي أن يعظَّم ويكرم يعظم في النفوس ويكرم؛ لأن ضد الإكرام الإهانة، فإذا كانت شعائره تعظم..، ولا بد من تعظيمها وإكرامها وعدم امتهانها في القلوب فكيف بالله -جلَّ وعلا-؟ وقال -جلَّ وعلا-: {كل شيء هالك إلا وجهه} كل شيء محكوم عليه بالفناء والهلاك {كل من عليها فان} يعني كالآيات السابقة كل شيء هالك إلا وجهه ومعناها هو معنى الآية السابقة، ماذا عن بعض المخلوقات التي قرر أهل العلم أنها باقية وليست فانية؟ قالوا: ثمانية أشياء لا تفنى، ثمانية أشياء من المخلوقات لا تفنى، وهنا {كل شيء هالك إلا وجهه}.

ثمانية حكم البقاء يعمها      .

 

من الخلق والباقون في حيز العدم

هي العرش والكرسي نار وجنة

 

وعجْب وأرواح كذا اللوح والقلم

ما الذي استثنى هذه الثمانية، ابن آدم يفنى ولا يبقى فيه إلا عجْب الذنب، دعونا ممن استثني بالنصوص مثل الشهداء والأنبياء وحياتهم في قبورهم حياة برزخية، لكن هذه الثمانية باقية هنا {كل شيء} {كل من عليها} من صيغ العموم، فهل نقول: إن هذا العموم مخصوص أو عموم أريد به الخصوص؟ يعني هناك فرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص فيما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في إثبات صفة الوجه لله -جلَّ وعلا- بعد قوله -جلَّ وعلا-: {كل من عليها فان  ويبقى وجه ربك}، {كل شيء هالك إلا وجهه}، قلنا: إن أهل العلم ذكروا أشياء لا تفنى، فهي مستثناة من هذا العموم بمخصص إن قلنا: إنه عام مخصوص..، إن قلنا: أنه عام مخصوص وورد ما يخصصه، وأما إن قلنا: إنه عام أريد به الخصوص؛ لأن الواقع يشهد بوجود مخلوقات لا تفنى، لكن هذه المخلوقت لا يمكن الاطلاع على بقائها أو إدراك بقائها إلا بالنص، فيكون من العام المخصوص هذه الثمانية التي يجمعها قول الشاعر، أظنه السيوطي:

ثمانية حكم البقاء يعمها        .

 

من الخلق والباقون في حيز العدم

هي العرش والكرسي نار وجنة

 

وعجْب وأرواح كذا اللوح والقلم    .

هذا يقول: عنده سؤال يتعلق بالوجه، ما الفرق بين ذكر الوجه في الآية الأولى، وذكره في  الآية الثانية؟ وهل ذكر الوجه في الآية الثانية دليل لنفاة الصفات القائلين بأن الوجه هو الذات؟

قالوا في قوله: {ويبقى وجه ربك} ذاته؛ لأن البقاء ليس خاصًا بالوجه، بل بجميعه -جلَّ وعلا-، بل لذاته بما تحتويه من صفات، ومثل ذلك {كل شيء هالك إلا وجهه} يعني ذاته كذا قالوا، لكن النص قطعي في إثبات الوجه لله -جلَّ وعلا- فلا بد من إثباته ولا يستطيع إنكاره أحد لا المعتزلة ولا الأشاعرة ولا غيرهم، لا يستطيع أحد أن يقول: إن الوجه لم يثبت في القرآن كما حاول بعض غلاة الجهمية محو بعض الآيات يمحوها محوًا منها، من أجل أن يقول: ما ورد هذا في القرآن -نسأل الله السلامة والعافية- يعني إثبات الوجه لا بد منه، فإما أن يبقى على لفظه بما يحتمله من معنى، بما يليق بالله -جلَّ وعلا- كما هو مقتضى سلف هذه الأمة وأئمتها مقتضى قولهم، أو يؤول، هم أولوه وما الداعي إلى تأويله؟ هل يوافقون على أنه يقتضي التشبيه، وعرفنا أن للمخلوقات وجوه لا يشابه بعضها بعضًا، لا يلزم منه التشبيه، فإذا كان السبب باطلاً فالمسبب الناتج عنه أبطل، يعني هل يتصور أن يقول قائل في قوله -جلَّ وعلا-: {كل شيء هالك إلا وجهه} إذا أثبتنا الوجه أثبتنا له البقاء، وحكمنا لما عداه من صفات الله -جلَّ وعلا- مما يتعلق بذاته -تعالى الله وتبارك- أنه يفنى، هل يلزم من هذا هذا؟ لا يلزم من هذا هذا، بل إذا بقي الوجه بقي ما عداه، والتنصيص على الوجه لا شك أنه له حكمة بالغة، لو قال: ويبقى ربك، ما المانع أن يقول ويبقى ربك، كل شيء هالك إلا ربك، لو أراد الحديث عن الذات، لكنه أراد الحديث عن الوجه والتنصيص عن الوجه؛ ولذلك وصف الوجه ما وصف الذات؛ لأنه لو أراد وصف الذات لقال ذي الجلال والإكرام فلا مستمسك لهذا؛ لأن الوسيلة باطلة، والسبب الذي من أجله فروا من الإثبات باطل فما يترتب عليه باطل أيضًا.

وقوله -جلَّ وعلا-: {ما منعك ..}، هناك آيات مثل قوله -جلَّ وعلا- ﮜﮝ البقرة: ١١٥  هل المراد به الوجه أو الجهة؟ يعني أنت في سفر، في البر، ولا استطعت أن تحدد جهة القبلة فاجتهدت وصليت إلى جهة، ثم بعد ذلك تبين لك أن الجهة غير التي صليت إليها جهة الكعبة، يصح أن تقول: {فأينما تولوا فثم وجه الله} يعني الجهة التي صليت إليها، وقيل بهذا أن هذه الآية ليست من آيات الصفات عند بعض أهل العلم، لكن ما المانع أن يراد بذلك الوجه الذي أثبته الله -جلَّ وعلا- لنفسه، {فأينما تولوا فثم وجه الله}؛ لأن المصلي إذا قام في صلاته فإن الله -جلَّ وعلا- قِبل وجهه؛ ولذا نُهي أن يبصق في جهة القبلة، لا مانع ولا محظور من إثبات صفة الوجه لله -جلَّ وعلا- من هذه الآية كغيرها من الصفات التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى-.

وقوله -جلَّ وعلا-: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} في إثبات صفة اليد لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته {ما منعك} الخطاب لإبليس توبيخ {ما منعك} ما الذي منعك أن تسجد لما خلقته، وهو آدم بيدي، والتثنية تنفي التأويل، التثنية نص في المراد؛ لأنها لو كانت جمع كما في قوله: {بأيد} احتملت التأويل، لكن {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}، هل يقال في اليد هنا، هل يمكن تأويلها بالنعمة؟ ونِعمُ الله لا تعد ولا تحصى، فيقول: بنعمتي، نعم الله لا تعد ولا تحصى ولا تقيد باثنتين، هل يمكن أن يقال: بقوة؟ لأن من معاني اليد القوة، ومن معاني اليد النعمة، ومن معانيها الجارحة وغير ذلك من المعاني، المقصود أن لها معانٍ وصحيحة في لغة العرب، لكن في هذا السياق يمكن أن نقول: نعمة؟ {لما خلقت بيدي} يعني بنعمتي، ما يمكن؛ لأن نعم الله لا تعد ولا تحصى، هل نقول: إن المراد باليد القدرة هنا؟ لا يمكن، لماذا؟ لأن إبليس المخاطَب مخلوق بالقوة بقدرة الله -جلَّ وعلا-؛ لأنه قال له: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}؟ قال: أنا مخلوق بيديك التي معناه القدرة، فلم يبق إلا اليد الحقيقية اللائقة بالله -جلَّ وعلا- وله يدان على ما يليق بجلاله وعظمته «وكلتا يديه يمين»، كلتا يديه يمين، وجاء وصف إحدى اليدين باليمين والأخرى بالشمال والأخرى بشماله مع قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وكلتا يديه يمين» فالمقصود بكلتا يديه يمين أنهما على حد سواء، وليست إحداهما بأفضل من الأخرى كما هو شأن يد المخلوق؛ اليد اليمنى أفضل وأشرف من اليد اليسرى، فهو من هذه الحيثية كلتاهما يمين، ومن حيث وقوع إحداهما في جهة والأخرى في جهة أخرى صح أن توصف إحداهما بأنها يمين والأخرى شمال على ما يليق بجلال الله وعظمته، ولا ندخل في تفصيل، لكن للتوفيق بين هذا وهذا؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح «وكلتا يديه يمين»، وجاء أيضًا وصف الأخرى بالشمال.

{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} والله -جلَّ وعلا- خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ولا شك أن مثل هذا يدل على شأن، شأن عظيم لهذه الأمور التي فعلها الله -جلَّ وعلا- بيده، ولا يعني أن الله -جلَّ وعلا- لما كتب التوراة بيده لموسى أن التوراة أفضل من القرآن، الجميع أعني التوراة الصحيحة السالمة من التحريف والتبديل من كلام الله -جلَّ وعلا- ولا بد من الإيمان بها؛ لأنها من كتبه -جلَّ وعلا- أعني التوراة السالمة من التحريف والتبديل والقرآن أيضًا كلامه، لكنه كتب التوراة بيده؛ لأن نزولها جملة، وأما القرآن فنزوله منجّم مفرّق، على كل حال كون الشيء مفضل من وجه لا يعني التفضيل المطلق وإيش معنى هذا الكلام؟ لما يكون إبراهيم -عليه السلام- أول من يكسى يوم القيامة هل يعني هذا أنه أفضل من محمد -عليه الصلاة والسلام-؟ لا، تفضيل من وجه، لكن بقيت وجوه كثيرة يفضله ويفوقه محمد -عليه الصلاة والسلام- فيها موسى، لما يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة»، ذكر أنه لما يقوم من قبره، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري هل بعث قبلي أم جُوزي بصعقة الطور، يعني: ما صعق مع الناس، المقصود أن فضل موسى في هذا يثبت، لكن يبقى أنه من وجه، ويفوقه ويفضله محمد -عليه الصلاة والسلام- من وجوه، مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن التفضيل بين الأنبياء والقصة في تفضيل موسى من قبل اليهودي على محمد والعكس عليهما الصلاة والسلام معروفة؛ ولذا قال -عليه الصلاة والسلام-: «لا تفضلوا بين الأنبياء»، مع قوله -جلَّ وعلا-: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}، فالتفضيل فيه النص والنهي عنه فيه نص نص صحيح لكن التفضيل هو الأصل فالأنبياء فضل الله بعضهم على بعض، وأما التفضيل الذي يتضمن ازدراء المفضول والحط من شأنه هذا هو المنهي عنه كما في القصة، يعني اليهودي تنقّص النبي -عليه الصلاة والسلام- ويُخشى من المسلم في هذه المشادة وهذه المشاحة أن يتنقص الطرف الآخر، فحسم الباب ونُهي عن التفضيل بين الأنبياء، فأقول: التفضيل من وجه لا يقتضي التفضيل من كل وجه؛ فالتوراة كونها كتبت بيده -جلَّ وعلا- لا يعني أنها أفضل من القرآن.

{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} في هذا إثبات اليد الحقيقية اللائقة بجلال الله وعظمته التي لا تشبه يد المخلوق، ولا يمكن تكييفها ولا تمثيلها ولا تصورها؛ لما ذكرنا سابقا أن معرفة الحقيقة والكنه إنما تكون بالرؤية أو برؤية المثيل أو بخبر الصادق ولم يوجد شيء من ذلك.

{وقالت اليهود يد الله مغلولة}، اليهود هم بنو إسرائيل من ذرية إسحاق بن إبراهيم -عليه السلام- من ولد له يقال له يهوذا بالذال، لما عربت صارت بالدال؛ لأن التعريب يقتضي تغيير بعض الحروف لا يُبقي الكلمة على ما كانت عليه، أو من الهَوْد وهو الرجوع في قوله: {إنا هدنا إليك} ورجعنا، المقصود أن هؤلاء اليهود تتابعت عليهم نعم الله -جلَّ وعلا- وتوالت، لكنهم قوم فيهم لؤم وخِسَّة يقابلون النعم بالكفر، ومما قالوه: {قالت اليهود يد الله مغلولة} يعني محبوسة عن الإنفاق، محبوسة عن الإنفاق، لماذا؟ قالوا يوجد فقراء كيف تقولون: إن الله هو الغني فلِمَ يوجد فقراء؟ وقالوا أيضًا مما قالوه: {إن الله فقير}؛ لأنه طلب الإقراض {إن تقرضوا الله} ولا يمكن يطلب الاقتراض إلا محتاج -على حد زعمهم-، لكن هل الاقتراض وهذا من تعنتهم، وإلا يعرفون يعرف كل غبي أن الله -جلَّ وعلا- غني حميد، وأن الاقتراض حينما يطلبه الله -جلَّ وعلا- لا لذاته تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، هم قالوا: فقير؛ لأنه طلب الاقتراض وقالوا: يد الله مغلولة؛ لأنه وجد أغنياء، كيف ما ينفق عليهم؟

{وقالت اليهود يد الله مغلولة} محبوسة عن الإنفاق، كما في قوله -جلَّ وعلا-: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} يعني: لا تمسك عن الإنفاق فتكون كالمغلول الذي غلت يده إلى عنقه وربطت بها، {ولا تبسطها كل البسط..} إلى آخر الآية.

{غلت أيديهم}، هذا دعاء دعاء عليهم أو خبر عنهم وليكن خبر عنهم أنهم غلت أيديهم؛ ولذا صاروا هم أبخل الناس وأشد الناس شحًّا وحرصًا على الدنيا وأشدهم بخلاً، {غلت أيديهم ولعنوا} طردوا من رحمة الله -جلَّ وعلا-؛ لأنهم قالوا هذا الكلام القبيح في ذات الله -جلَّ وعلا-، والشاهد يد الله هل ما أخبر الله عنهم أنهم غلت أيديهم؛ لأنهم أثبتوا اليد لله -جلَّ وعلا- أو لأنهم وصفوا يد الله -جلَّ وعلا- بأنها مغلولة فعوقبوا بأن غلت أيديهم، والجزاء من جنس العمل {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} والباء هذه سببية و(ما) هذه يحتمل أن تكون مصدرية، يعني لعنوا بسبب قولهم، أو تكون موصولة والعائد محذوف، والتقدير: ولعنوا بما قالوه يعني بالذي قالوه.

{بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} فيد الله ملأى سحاء الليل والنهار لا تغيضها النفقة، «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد فسأل كل واحد منهم مسألته وأعطي ما سأل ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»، كما في الحديث القدسي المشهور، ففي هذه الآيات إثبات اليد لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بعظمته وجلاله ولا يتعرض لتأويلها ولا لتحريفها ولا تكييفها؛ لأن ذلك سببه ما ذكرنا عن أولئك المبتدعة، وتم الرد عليهم فيما تقدم، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
يقول هذا: لم أفهم قولكم في قوله تعالى: (فلما آسفونا)
ج: 

يقول هذا: لم أفهم قولكم في قوله تعالى: (فلما آسفونا) فرجعت إلى كتب التفسير فوجدت أن معناها أغضبونا أو أسخطونا، ذكر ذلك البغوي والشوكاني وغيرهم، وقال ابن المنظور في اللسان: الأسف المبالغة في الحزن والغضب، فما رأيكم في معنى هذه الصفة التي ذكر ابن منظور، هل تثبت لله معنى المبالغة في الحزن والغضب أم أحدهما؟
الأسف جاء بمعنى المبالغة في الحزن (يا أسفى على يوسف) جاءت بمعنى في الحزن وجاءت بمعنى الغضب، كلا المعنيين ثابت في لغة العرب ومعروف وله ما يدل عليه من أقوالهم وأشعارهم، لكن المثبت لله -جلَّ وعلا- ما دلت عليه النصوص، ما دلت النصوص على إثباته وهو الغضب، أما الأسف فلا يوجد ما يدل على نسبته لله -جلَّ وعلا-، والكلمة الواحدة تحتمل أكثر من معنى كما أن اليد على ما سيأتي في لغة العرب تأتي بمعنى الجارحة وتأتي بمعنى النعمة وتأتي بمعنى القوة، لكن ما يثبت لله -جلَّ وعلا- إلا ما يليق به -عز وجل-.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
سبق أن تقرر أننا لا نثبت شيئًا من الصفات إلا ما ورد به نص من كتابه أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فكيف نقرر ذلك في إثبات الصفات لله –تعالى- بقياس الأولى؟
ج: 

المقرر عند أهل السنة والجماعة ويكرره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أولى به، شريطة أن يكون كمال في حق الخالق.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
يقول: ما درجة حديث: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم» حديث الخروج إلى المسجد؟
ج: 

أما حديث: «أعوذ بنور وجهك» هذا الذي يذكر في كتب السيرة هذا مضعف عند أهل العلم، أما «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم» هذا حديث الخروج إلى المسجد ما هو هذا هو؟ نعم «وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل... إلى آخره» حديث الخروج إلى المسجد حسن -إن شاء الله- لا بأس به.