شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 08

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 08
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأهلاً بكم إلى شرح كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

يتولى شرح أحاديث هذا الكتاب صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، والذي نُرحب به مع مطلع حلقتنا، فأهلاً ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: بقي شيء يسير في حديث أسماء بنت أبي بكر، لعلنا نستكمل ما تبقى منه على أن ندخل في الحديث الذي بعده إن شاء الله. تفضل يا شيخ.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول العيني في أحكام حديث أسماء، يقول: دلَّ الحديث على أن من أفطر وهو يرى الشمس قد غربت، يرى، الرؤية هذه بصرية؟

المقدم: لا.

نعم، إنما يظن، وهو يرى هو من الرأي لا من الرؤية.

وهو يرى الشمس قد غربت، فإذا هي لم تغرب، أمسك بقية يومه وعليه القضاء، ولا كفارة عليه.

المقدم: أليس الأولى في اللغة أن يقول: يرى أن الشمس، إذا كانت الرؤية ليست بصريَّة، وإذا كانت بصريَّة يقول: يرى الشمس؟ إذا كانت الرؤية الأولى بمعنى الاعتقاد: يرى أن.

ما يلزم. على كل حال، هي من الرأي.

يقول: دلَّ الحديث على أن من أفطر وهو يرى الشمس قد غربت، يرى أن هذه تأكيد للجملة، أن الشمس قد غربت، والشمس قد غربت بدون تأكيد. يعني دور (أن) هذه لا علاقة لها بالرؤية، إنما دورها في تأكيد الجملة التي بعدها.

ويرى الشمس قد غربت، فإذا هي لم تغرب، أمسك بقية يومه وعليه القضاء، ولا كفارة عليه.

يعني هل يتصوَّر أحدٌ أن يقول: عليه كفارة؟ يعني في حالة ما إذا كان فطره بجماع مثلاً، يعني غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، فجامع، ثمَّ تبيَّن أنها لم تغرب، عليه كفارة أم لا كفارة عليه؟ أمسك بقية يومه، وعليه القضاء، ولا كفارة عليه.

وبه قال ابن سيرين وسعيد بن جبير والأوزاعي والثوري ومالك وأحمد والشافعي وإسحاق. وأوجب أحمد الكفارة في الجماع، يعني أحمد وافقهم في وجوب الإمساك بقية اليوم، وعليه القضاء. أما بالنسبة للكفارة في الجماع، فأوجبها الإمام أحمد. ورأي الإمام مالك- كما تقدَّم- في الأكل عن عمد في رمضان، فيه الكفارة، إذا أكل مُتعمدًا في رمضان، عليه الكفارة. لكنه هنا مع الجمهور في أنه لا كفارة عليه، يعني في الأكل.

وأما إذا أكل ناسيًا أو شرب، فعليه القضاء ولا كفارة عليه عند مالك.

يعني الفرق بين العمد والنسيان عنده أن العمد فيه كفارة، والفِطر بالأكل والشرب كالفِطر بالجماع، عنده. لكن إذا أكل أو شرب ناسيًا، عليه القضاء ولا كفارة عليه، وهذا تقدَّم تقريره.

أوجب أحمد الكفارة في الجماع.

المقدم: مع تفريق أصحابه بين النفل والفرض، أم لا يا شيخ؟ مالك.

نعم، معروف، تقدَّم بحث المسألة كاملة.

روي عن مُجاهد وعطاء وعروة بن الزبير أنهم قالوا: لا قضاء عليه، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا.

وروي عن عُمَر أيضًا روايتان، في ((شرح المُهذَّب)) للنووي: إذا أكل أو شَرِبَ أو جامع ظانًّا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، فبان خلافه، فقد ذكرنا أن عليه القضاء، وبه قال ابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان وعطاء وسعيد بن جبير ومُجاهد والزهري والثوري، كذا حكاه ابن المُنذر عنهم، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وأبو ثور والجمهور. إذا أكل أو شَرِبَ أو جامع ظانًّا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، يعني سوَّى بين المسألتين، فالحكم واحد فيما ذكر عند هؤلاء العلماء، مع أنهم في مذاهبهم بعض الفروق. يعني إذا جامع عند أحمد مثلاً، ثمَّ طلع الفجر عليه مع نهايته، يعني عنده النزع جماع عنده. فإن استمر بعد طلوع الفجر، هذا لا إشكال، إن استمر أنه مُجامع في نهار رمضان، وهو يعلم ذلك. لكن إذا نزع مع طلوع الفجر مثلاً ظانًّا بقاء الليل عنده ثمَّ تبيَّن له طلوع الفجر أنهى العملية مثلاً، فعنده أن مجرد النزع جماع وعند غيره لا. ويُشبَّه هذا بالخروج من تبعة المغصوب مثلاً، إذا كان في أرض مغصوبة مثلاً، فتاب في أثنائها وأراد الخروج منها، يأثم أم لا يأثم؟

المقدم: ما يأثم.

هو من توبته إلى أن يخرج، هو مُستعمل لمال غيره بلا إذنه، فهو نظير المسألة عند أحمد.

وعند غيره أن هذا مما لا يتم الواجب إلا به، لا يُمكن أن يتم الحكم والبراءة من المغصوب إلا بخروجه منه. ومثل هذا التصرُّف بغير إذن المالك مما لا يتم الواجب إلا به، فالنزع في مثل هذه المسألة مثل الخروج من الأرض المغصوبة، لا يتم الواجب إلا به.

وعند الحنابلة: معروف أن النزع جماع عندهم، يعني يأخذ الحكم.

فبينهم فروق دقيقة في مثل هذه المسائل، ما أشار إليها النووي، هي موجودة في كتب الفروع مُفصلة.

وقال إسحاق بن راهويه وداود: صومه صحيح ولا قضاء عليه، وحُكي ذلك عن عطاء وعروة بن الزبير والحسن البصري ومُجاهد، واحتجوا بقوله- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [رواه البيهقي وغيره] في غير هذا الباب بأسانيد صحيحة من رواية ابن عباس.

واحتج أصحابنا بقوله تبارك وتعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [سورة البقرة 187] وهذا قد أكل في النهار. وأجاب أصحابنا عن حديث «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ» أنه هنا محمولٌ على رفع الإثم، فإنه عامٌّ خُصَّ منه غرامات المُتلفات، وانتقاض الوضوء بخروج الحدث سهوًا، والصلاة بالحدث ناسيًا، وأشباه ذلك، فيُخصُّ هنا بما ذكرنا.

خلاصة ما يقول: إن الإثم يرتفع، وأما ما يترتب على الفعل فيكون من باب الحكم الوضعي. الحكم التكليفي يرتفع، بالنسبة للحكم التكليفي الذي هو الإثم يرتفع. لكن الحكم الوضعي، وهو من باب ربط الأسباب بالمُسببات. يعني «تجاوز عن أمتي الخطأ» شخص أخطأ فقتل، نقول: تجاوز؟ نعم قتل خطأَ، تجاوز عن الإثم، لكن التَبِعَة من الدية والكفارة، لا بد منها، وهذا من باب ربط الأسباب بالمُسببات. قيم المُتلفات، أروش الجنايات، كل هذه من باب ربط الأسباب بالمُسببات، وهو من الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي.

وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب الصوم، باب إذا أفطر في رمضان ثمَّ طلعت الشمس، قال- رحمه الله-: حدثني عبد الله بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكرٍ- رضي الله عنهما- قالت: أفطرنا على عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم غيمٍ، فذكره. ولم يُخرَّجه في مُسلم، من أفراد البخاري.

المقدم: أحسنَ الله إليك، كأنني فهمت، وقد يكون فهمي فيه خطأ، لكن فهمت أو أنت تفرِّق بين مسألة من أكل في الليل ظانًّا بقاء الليل، أنك تُفرِّق بين المسألة العامة التي تكون لعامة الناس وبين المسألة الفردية التي يحصل من الإنسان فيها تفريط.

هناك ظن مبني على أصل، وظن مبني على تفريط.

فالمبني على الأصل، على الأصل.

المقدم: وهذا يستقيم أن يكون في ظن مبني على أصل عند عامة الناس مثلاً؟

مبني على أصل يظنون بقاء الليل، ويستمرون حتى يتبيَّن لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

لكن شخص في مكانٍ مُظلم مُفرِّط، ويستمر في الأكل، ما رأيت خيًاط أبيض ولا خيطًا أسود! ثمَّ بعد ذلك يسمع الناس يصلون، فينتبه أن الفجر قد طلع، هذا بلا شك مُفرِّط. فلا بد من بذل الأسباب؛ لمعرفة طلوع الصبح.

المقدم: ولا تطرد هذه القاعدة بالنسبة للفِطر؛ لأن الأصل بقاء النهار، حتى على عامة الناس.

الأصل بقاء النهار، نعم، الأصل بقاء ما كان. واليقين لا يُزال بالشك. يطردون الشك فيما يغلب على الظن، فيُدخلون فيه الظن، فاليقين لا يُزال حتى بالظن.

المقدم: تتكاثر الأسئلة في هذا المجال وما يمر شهر رمضان إلا ونسمع مثل هذه الأشياء كثيرًا، الذي يقول: أكلت بعد الأذان بخمس دقائق، والذي يقول: استيقظت وهو يأذن وأكلت وشربت ماءً ونحو ذلك، يعني الناس يسألون عن هذا كثيرًا، هل من ضابط حيال هذه المسألة واضح ودقيق، يا شيخ؟

ما فيه شك، الضابط الشرعي واضح وهو أن الإمساك من أول طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وكون الإنسان يتساهل ولا يعهد إلى من يوقظه، أو يضع من الأسباب ما يترتب عليه استيقاظه قبل طلوع الفجر وتناول السحور. بعض الناس يقول: أمامي عمل شاق، والنهار طويل والحر شديد أو كذا، فيضطر أو يضغط عليه مثل هذا الشعور أن يأكل، فمثل هذا ليس بمبرر. لابد أن يعهد لمن يوقظه أو يبذل من الأسباب وينفي موانع عدم الاستيقاظ، وإلا فلا مندوحة من إمساك جزءٍ من الليل؛ لأنه لا يتم الواجب إلا به؛ لأن مراقبة الفجر بدقة، هذا لا يُدركه خواص الناس فضلاً عن عوامهم. فأهل العلم يُقررون: أن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، ويُمثلون بهذه المسألة: كإمساكِ جزءٍ من الليل، وغسل جزءٍ من الرأس. فلابد من الاحتياط للعبادة، لابد أن يبرأ من عهدتها بيقين.

المقدم: قبل ما نشوف إذا أحد من المشايخ عنده سؤال، ما فيه مانع تفضل يا شيخ ما عندك شيء؟ فيه يا شيخ الآن الذين ليسوا في مدن وهذا كثير. يعني مثل البادية، ليسوا في مدن ولا هناك مساجد، يعتمدون إما على التقويم على أقرب مدينة لهم، وقد ما يكون عندهم تحرٍّ في مسألة غروب الشمس أو طلوع الفجر، أقرب مدينة مثلاً تبعُد خمسين أو ستين كيلو، وهذه تأتي كثير لنا الأسئلة سواءً في الإذاعة أو غيرها، من الموجودين في البراري في الصمان وغيرهم، وبعضهم يعتمد على الساعة التي أنتجتها شركة مطوَّرة وأقرتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، على أقرب إحداثية لمكانهم، ويستمر على هذا.

أولاً مثل هؤلاء الحاجة تجعلهم يعرفون الفجر، وأما بالنسبة للغروب فلا يخفى على أحد. مثل هؤلاء في الغالب، تجدهم يعرفون طلوع الفجر، ويعرفون أيضًا ما يحتاج إليه من النجوم ليهتدوا بها ويستدلوا بها. بخلاف أهل المدن الذين كُفوا وأُريحوا من هذه الأمور. أما أهل البادية فهم في الغالب يعرفون، والنصوص واضحة في هذا. ووضعهم وعيشهم شبيه بوضع المسلمين قبل وجود هذه الأسباب، فهم يعرفون في الغالب. وإذا اعتمدوا على ما يعتمد عليه أهل الحاضرة من اعتماد التقويم، على الكلام الذي قيل فيه وأنه مُتقدِّم أو متأخر، كلام طويل لكثير من الناس. ومازالت الفتوى على التقويم، من عمل به تبرأ ذمته، ممن ليس من أهل الاجتهاد.

المقدم: قال- رحمه الله تعالى-: عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ- رضي الله عنهما- قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ» قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ.

راوية هذا الحديث: الرُّبَيِّعِ، بالتصغير والتثقيل، بنت مُعوِّذ بن عفراء الأنصارية النجاريَّة، من صغار الصحابة، من المُبايعات تحت الشجرة. قال العيني: ولها قدرٌ عظيم.

الأنصاريَّة النجاريَّة، يعني لو عكسنا وقلنا: النجاريَّة الأنصاريَّة؟

المقدم: الحلقة الماضية قلنا: إذا كان سيبدأ بالأقل ثمَّ يصعد، فما فيه مانع. أما إذا قدَّم الأهم، خلاص أو العكس.

إذا قدَّم الأعم، لا بد من أن يأتي بالأخص ولا عكس. لو قال: النجارية، ما نحتاج أن نقول: الأنصارية؛ لأنها معروفة، بنو النجار من الأنصار. اللهمَّ إلا إذا اشترك أكثر من فرع في أكثر ... يعني يُسمى باسمٍ واحد أكثر من فرع من أكثر من قبيلة.

يعني لو قلت مثلاً: العتيبي العصيمي، فلا تكتفي بالعصيمي؛ لأنه يوجد عصيمي غير عتيبي مثلاً، فلا تكتفي به ولو قدمت الفرع.

أما إذا كان الاسم تُفرِّد به في هذه القبيلة، فيُكتفى بالأخص. فإذا أُتي بالأعم، يؤتى بالأخص والعكس.

سؤال من أحد الحضور: بايعت تحت الشجرة، يا شيخ، شجرة الرضوان؟

نعم، ذكروا هذا.

سؤال من أحد الحضور: وبايعن على ماذا؟ النساء في بيعة شجرة الرضوان بايعن على ماذا؟

نعم، صحيح، كلام صحيح.

المقدم: المبايعة قد تكون التي جاء فيها النص {الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [سورة الممتحنة 12].

بيعة النساء على .... أما بيعة الشجرة فمعروف أنها على القتال.

المقدم: نعم، وهل جاء النص على أنها من المُبايعات معهم تحت الشجرة؟

ذكروا في ترجمتها أنها من المُبايعات تحت الشجرة، حتى العيني ذكر هذا.

فهل يقال: إن قولهم من الشجرة، سبق قلم أو بايعت على ما يُبايع عليه فيما يخُصُّها. وقد يشترك بعض النساء في بعض الغزوات، في نقل الماء أو مداواة جرحى أو شبه ذلك.

المقدم: هي، يا شيخ، بنت مُعوِّذ بن ...؟

ابن عفراء.

المقدم: كيف تكون لها صُحبة ومُعوِّذ صغير في معركة بدر، يا شيخ؟ معاذ ومُعوِّذ، ألم يكونا صبيانًا في معركة بدر؟

لكنها من صغار الصحابة.

المقدم: يعني تحقق لها صحبة؟ إذا قلنا: إن معاذ ومُعوِّذ ...

بدر قبل وفاته- عليه الصلاة والسلام- بتسع سنوات.

المقدم: طيب، ومُعاذ كان صبيًّا،

ماذا تتوقع معاذًا ومعوذًا الذين اشتركا في قتل أبي جهل

 يعني لن يتجاوز أربعة عشر عامًا بأي حال.

وأربعة عشر عامًا ما يتزوج؟ خمسة عشر يتزوج، عادي.

على كل حال، هي منصوص عليها أنها من الصحابة.

هذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب صوم الصبيان، وقال عُمَر لنشوان في رمضان: ويلك، وصبياننا صيام؟! فضربه. وقال عُمَر لنشوان في رمضان: ويلك، وصبياننا صيام؟! فضربه. نشوان يعني: سكران. أتظنه شخصًا اسمه نشوان؟ لا سيما وأنه مُستعمل الآن هذا الاسم، فالسامع والقارئ يظنه اسم شخص. نشوان يعني: سكران.

ويلك، وصبياننا صيام؟! يعني أنت رجل مُكلَّف وتشرب في نهار رمضان، والصبيان صيام. فضربه.

المقدم: في نهار رمضان كان أم في عاشوراء؟

وقال عُمَر لنشوان في رمضان، في رمضان.

سؤال من أحد الحضور: جلده عشرين يا شيخ؟

زيادة.

سؤال من أحد الحضور: هل هذا كافٍ- مثلاً- للعقوبة التعذيرية الآن؟

تُقدَّر بقدرها، العقوبات التعذيريَّة تُقدَّر بقدرها. لا سيما وأن الشُّرب حده قد يصل إلى القتل.

المُدمن- رأي شيخ الإسلام وابن القيم وجمعٌ من أهل العلم- أنه إذا لم يرتدع بالحد، يُقتَل، وأن هذا من باب التعزير ومتروك للإمام. وإن كان جمعٌ من أهل العلم أيضًا- الجمهور- يرون أن حديث القتل منسوخ، حديث معاوية، الجمهور على أنه منسوخ، ومنهم من يقول: مُحكَم، كابن حزم وغيره. ومنهم من يقول: هو مردهُ إلى الإمام، يكون من باب التعزير، فحينئذٍ يكون مُحكمًا.

قوله: باب صوم الصبيان، يعني هل يُشرَع أم لا؟ ومطابقة قول عُمَر- رضي الله عنه- للترجمة في قوله: وصبياننا صيام.

ومُطابقة الحديث في قوله: وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا.

"أَرْسَلَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ" في ((المصباح)) غدا، غدوًا من باب قعد. ذهب غدوَّةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس. وجمع الغدوْة: غُدى، مثل: مُديَّة ومُدى. هذا أصله ثمَّ كَثُرَ حتى استُعمِل في الذهاب والانطلاق أيَّ وقتٍ. ومنه قوله- عليه الصلاة والسلام-: «واغدُ يا أُنيس» أي: وانطلق. ولا يلزم أن يكون في أول النهار.

والغداة: الضحوة، وهي مؤنثة. قال ابن الأنباري: ولم يُسمَع تذكيرها. ولو حملها حاملٌ على أول النهار، جاز له التذكير.

والجمع: غدوْات.

المقدم: بالفتح؟

غُدوة مثل خطوْة، خطوات، فيُقال: غدوات مثل خطوات.

لو حملها حاملٌ على أول النهار، جاز له التذكير. ما معنى يجوز له التذكير؟ يحذف الهاء؟ كيف يجوز له التذكير؟

يعني يُعاملها معاملة المذكر، يعيد عليها ويُشير إليها بلفظ المذكر وإشارة المذكر، لكن يُعيد عليها الضمير بالمذكر.

يعني مثل ما يُقال في المكان والبقعة، تُذكّر باعتبار المكان، وتُؤنّث باعتبار البقعة. جمع التكسير يُذكَّر باعتبار الجمع، ويُؤنَّث باعتبار الجماعة، تقول: قام الرجال، وقامت الرجال، وهكذا.

"عاشوراء": هو عاشر المُحرم، وفيها لغات المد والقصر مع الألف بعد العين. وفيها لغات المد والقصر، المد: عاشوراء، والقصر مع الألف بعد العين. المد والقصر مع الألِف عاشوراء، وعشوراء بدون ألف، بالمد مع حذف الألف. فاعولاء أو فعولاء.

في ((المصباح)) أيضًا: قوله- عليه الصلاة والسلام-: «لأصومن التاسع يوم عاشوراء» فعاشوراء عنده تاسع المُحرم. والمشهور من أقاويل العلماء، سلفهم وخلفهم: أن عاشوراء، عاشر المُحرم، هذا عند من؟ عند ابن عباس. وينقل كلامًا لابن عباس طويل، منه هذا.

وقوله- عليه الصلاة والسلام-: «لأصومن التاسع يوم عاشوراء» فعاشوراء عنده التاسع من مُحرم. هكذا نسب إلى ابن عباس، وغيره أيضًا نسب إلى ابن عباس أن عاشوراء هو التاسع وليس العاشر.

ومعلومٌ أن اللفظ يأباه، يأبى هذا الكلام.

فعاشوراء عنده تاسع المُحرم، والمشهور من أقاويل العلماء، سلفهم وخلفهم: أن عاشوراء عاشر المُحرم، وتاسوعاء تاسع المُحرم. استدلالاً بالحديث الصحيح: أنه- عليه الصلاة والسلام- صام عاشوراء، فقيل له: إن اليهود والنصارى تُعظمه، فقال: «فإذا كان العام المُقبل، صُمنا التاسع» فإنه يدلُّ على أنه كان يصوم غير التاسع، فلا يصحُّ أن يعِد بصوم ما قد صامه. واضح أم ليس بواضح؟

المقدم: صحيح؛ لأنه كان يصومه أساسًا.

يصومه من الأصل.

وقيل: أراد ترك العاشر وصوم التاسع وحده، خلافًا لأهل الكتاب، وفيه نظر؛ لقوله- عليه الصلاة والسلام- في حديث «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده». ومعناه: صوموا معه يومًا قبله وبعده؛ حتى تخرجوا عن التشبه باليهود في إفراد العاشر.

واختلف العلماء: هل كان واجبًا ونُسِخ بصوم رمضان؟ أو لم يكن واجبًا قط؟ واتفقوا على أن صومه سُنَّة مُستمرة، وتقدَّم في صوم يوم عاشوراء.

وأما تاسوعاء: فقال الجوهري: أظنه موَّلدًا. وقال الصاغاني: موَّلد، فينبغي أن يُقال: إذا استُعمِلَ مع عاشوراء، فهو قياس العربي لأجل الازدواج. إذا قيل: تاسوعاء وعاشوراء، يكون عربيًّا لأجل الازدواج. وإن استُعمِلَ وحده، فمُسلَّم، إن كان غير مسموع.

ابن القيم في ((زاد المعاد)) بعد كلامٍ طويل عن يوم عاشوراء، فصَّل تفصيلًا طويلًا عن اليوم، فقال- رحمه الله-: فصلٌ: وأما الإشكال السادس، وهو قول ابن عباس: اُعدد تسعًا وأصبِح يوم التاسع صائمًا، فمن تأمَّل مجموع روايات ابن عباس تبيَّن له زوال الإشكال وسعة علم ابن عباس؛ فإنه لم يجعل عاشوراء هو يوم التاسع، يعني كما قال بعضهم. بل قال للسائل: صُم اليوم التاسع واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر، الذي يعدُّه الناس كلهم يوم عاشوراء.

لما جاءه السائل، قال له: صُم اليوم التاسع، هل يعني هذا أنه يكفي عن العاشر؟ العاشر مسكوتٌ عنه، واكتفى ابن عباس- رضي الله عنهما- بمعرفة السائل، يعرف أن السائل يصوم يوم عاشوراء، فقال له: صُم التاسع، يعني أيضًا معه.

فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصومه كذلك. فإما أن يكون فِعْلُ ذلك هو الأولى، يعني عند ابن عباس لما اقتصر على التاسع، هذا هو الأولى عنده. يعني دون الحادي عشر، أولى من الحادي عشر؛ لا أنه أولى من العاشر. وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به والعزم عليه في المستقبل، ويدلُّ على ذلك أنه هو الذي روى «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» وهو الذي روى: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بصيام يوم عاشوراء، يوم العاشر. وكل هذه الآثار عنه يُصدّق بعضها بعضًا، ويُقرر بعضها بعضًا.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم ونفع بعلمكم.

نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير.

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

لقاؤنا بكم – بإذن الله – مع حلقةٍ قادمةٍ وأنتم على خير.

شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.