عمدة الأحكام - كتاب البيوع (09)

سم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

قال الإمام عبد الغني المقدسي -رحمه الله تعالى-، وغفر له ولشيخنا وللحاضرين:

باب: الوصايا

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) زاد مسلم: قال ابن عمر: "ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك إلا وعندي وصيتي ".

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: الوصايا وغير ذلك

الباب في الاصطلاح عند أهل العلم هو عرف خاص لما يضم مسائل وفصول غالباً.

-ترى هذه موسيقى يا إخوان، في فتوى من اللجنة الدائمة بتحريم ذلك، فلا بد أن تغير مثل هذه النغمة.-

والأصل في الباب أنه ما يدخل ويخرج معه، والعرف الخاص عند أهل العلم أن الباب لما يضم فصول ومسائل غالباً، في كتب الحديث يضم أحاديث تشتمل على مسائل، وهو حقيقة عرفية عند أهل العلم، وليس من باب المجاز كما يقوله كثير من الشراح.

الوصايا: جمع وصية، كالضحايا والهدايا جمع ضحية وهدية، ويراد بالوصية ما يخرجه الإنسان من ماله تبرعاً لله -جل وعلا- بالثلث فما دون، وحكم الوصية تخالف حكم الوقف باعتبار أن الوقف لا بد أن يكون منجزاً، لا يحق لصاحبه أن يتصرف فيه إذا عقده، وأما الوصية فلا تثبت إلا بالموت بالثلث فما دون كما سيأتي.

للموصي أن يزيد وينقص حتى تلزم فإذا لزمت الوصية بالموت فلا يجوز تغييرها إلا إذا اشتملت على جنف فيجوز تعديلها، بل يتعين تعديلها على مقتضى الشرع؛ لأن الجنف والحيف والميل يخالف الهدف الشرعي من شرعية الوصية، وقل مثل هذا في الوقف، وهناك مسائل وفروع كثيرة تتعلق بهذين البابين، محلها كتب الفقه، والوقت لا يستوعب الكلام عن كل مسائل هذا الباب.

"وغير ذلك" لأن الباب اشتمل على مسائل أخرى، يأتي بيانها في شرح أحاديثها -إن شاء الله تعالى-.

الحديث الأول: "عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده))، ((ما حق)) يعني ليس من حقه أن يفرط في هذا الشأن، ولذا جاء في بعض الروايات: ((لا يحل لامرئ مسلم)) فدل على أن المراد بالحق المذكور الذي لا يجوز التفريط فيه، بدليل الرواية الأخرى ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه)) أما غير المسلم وقد فرط بأهم المهمات الذي هو الإسلام، لا يطالب بمثل هذا في الدنيا، أما في الآخرة فهو مخاطب بجميع الفروع كمخاطبته بالأصل؛ لأن القول المحقق عند أهل العلم والمرجح أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [(42 - 44) سورة المدثر] فذكروا فروعاً، الجمهور على أن الكافر مخاطب، لكن لا يخاطب بها في الدنيا قبل أن يسلم، ولا تصح منه لو فعلها قبل الإسلام، ولو أوصى بجميع ماله وهو غير مسلم في أعمال البر وفي رعاية اليتامى والمساكين ما نفعه ذلك؛ لأنه لم يأتِ بشرطها {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ} [(54) سورة التوبة] فالكافر لا يقبل منه ما يؤديه على كفره، وقد ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- المطعم بن عدي وغيره من المشركين الذين كانت لهم أعمال، أعمال خيرية، يتعدى نفعها وإحسانها إلى الناس، لكن ذكر أنها لا تنفعه؛ لأنه لم يقل يوم من الأيام: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ما ينفعه، ولذا المخاطبة بمثل هذا على المرء المسلم، وأما الكافر وإن خوطب بها في الآخرة، وعذب بسببها زيادة على ما يعذب به من أجل الإيمان، إلا أنه لا يخاطب بفعلها، ولا يؤمر به، ولا يطالب به.

((ما حق امرئ مسلم)) وفي حكمه المرأة مسلمة؛ لأن النساء شقائق الرجال، لكن التعبير بمثل هذا لأن الغالب أن الأموال إنما تكون بيد الرجال وإلا لو وجدت امرأة مسلمة توجه إليها مثل هذا الخطاب؛ لأن النساء شقائق الرجال، والتكليف واحد.

((ما حق امرئ مسلم)) وصف أول ((له شيء)) وصف ثاني ((يوصي فيه)) وصف لشيء ((يبيت)) كذلك وصف ثالث، ((ما حق امرئ مسلم له شيء)) نكرة في سياق النفي، فتطلق على أدنى شيء تتناوله هذه الكلمة، لكن عرفنا أن السياق سياق إيجاب، بدليل: ((لا يحل لامرئ مسلم)) والواجب مخصوص عند أهل العلم بأي شيء؟ بما إذا كان عليه حقوق واجبة، عليه ديون يجب عليه أن يوصي بها، ويجب عليه أن يثبتها؛ لئلا يؤدي التفريط في كتابتها إلى ضياعها على أهلها، والديون يجب وفاؤها، وهي مقدمة على الإرث، ومقدمة على الوصية؛ لأن الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة: الأول: مؤونة التجهيز، عنده كفن، عنده حنوط، عنده ماء يغسل فيه، في أجرة للغاسل، أجرة لمن يحفر القبر، هذا مقدم على كل أحد حتى الديون، ما يقال: والله يباع الكفن ويسدد ديونه لا، مؤونة التجهيز مقدمة على كل الحقوق.

الثاني: الحقوق المتعلقة بعين التركة كالدَّيون التي بها رهن، متعلق بهذا البيت، فالدين المتعلق بهذه العين مقدم على غيره من الديون، الديون المطلقة التي ليس فيها رهن، ومنها حقوق الله -جل وعلا- كالكفارات.
الرابع: الوصايا، مقدم على الإرث، والحق الأخير: الإرث، خمسة الحقوق، الحقوق خمسة، فتجب الوصية إذا كان بذمته دين، إذا كان في عهدته وديعة وأمانة، لا بد أن يبين، وهل يبين كل شيء؟ يعني حتى ما تعارف الناس على مسارعة الوفاء به، يعني تعارف الناس على أنهم لا يسجلون الأمور اليسيرة، الأمور اليسيرة تعارف الناس على عدم تسجيلها؛ لأنها تسدد، يعني هل يكتب في وصيته ما يقترضه من البقالة، من المخبز من كذا من كذا؟ ما يحتاج هذا، هذا تعارف الناس على المسارعة بسداده، أما الديون التي تستحق الكتابة لأن قوله: ((له شيء يوصي فيه)) هذا المال الذي يوصى منه، لكن هذا الكلام فيمن عليه الديون التي تجب كتابتها، وقل مثل هذا في الحقوق الأخرى، يجب على الإنسان أن يسجل ويكتب كل ما يخشى نسيانه مما له أثر في دينه أو في دنياه، يعني شخص تزوج ثم بعد مضي شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين وقع منه طلقة، عليه أن يسجلها، بعد عشرين ثلاثين سنة وقع طلقة ثانية ينسى الأولى، وبعد عشرين ثانية وقع طلقة ثالثة، خلاص تبين امرأته، إذا نسي الأولى يمكن يعاشر زوجته وهي بائنة، فمثل هذه الأمور لا بد من تسجيلها، وعلى الإنسان أن يحرص على إبراء ذمته، والدين شأنه عظيم، فلا بد من تسجيله.

أنت عندك كتاب لزميلك عارية، وقع بأيدينا كتب كثيرة لأناس ماتوا، وتجد يكتب: هذا الكتاب عارية لفلان، لماذا؟ لأنه لو لم يكتب هذا وتوفي باعوه الورثة وأكلوا ثمنه، لكن من يثبت أن هذا الكتاب لفلان أو علان إلا بالكتابة، ثم بعد ذلك فلان يتعلق برقبتك يوم القيامة، فاحرص على إبراء ذمتك.

نقرأ هذا الحديث........ ((له شيء يوصي فيه)) بعض الناس يخاف من هذا الكلام، يخاف من مثل هذا الكلام؛ لأن هناك اقتران بين الوصية والموت، قصة واقعة، نذكر قصة واقعة، شخص كتب وصيته قرأ هذا الحديث وكتب الوصية، ووضعها تحت وسادته، تقلب تقلب يبي ينام، قال: موصي أنا خلاص، معناه أن الموت جاء، ما استطاع أن ينم حتى مزق الوصية، لكن يا أخي ويش العقول اللي تتصور مثل هذا التصور؟ لأنه يكتب في صيغة الوصية كلام متوارث عن السلف: هذا ما أوصى به فلان ابن فلان ابن فلان الحر البالغ المكلف الرشيد، نعم، بعدما شهد أن لا إلا إله الله.. إلى آخره، لكن ما يلزم أن تكون بهذه الصيغة، يكون عندك دفتر وتسجل فيه الذي لك والذي عليك هذا الواجب، هذا بالنسبة للواجب، وتجعل صفحة من هذا الدفتر لما يستحب أن ينفذ فيه جزء من مالك بعد وفاتك وهذه وصية، لا يلزم أن تكون بالأسلوب المتوارث الذي يخافه بعض الناس، قال: ما دخل عينه النوم حتى مزق هذه الوصية؛ لأنه ويش يفهم؟ يفهم اقتران الوصية بالموت، ما يلزم يا أخي، ولذلك الصحابة لما كانوا يسارعون إلى الخيرات، ماذا صار لابن عمر؟ "فو الله ما مرت علي ليلة" ابن عمر هذا الصحابي المقتدي المؤتسي المبادر المسارع المسابق "ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك إلا ووصيتي عندي" لكن على المسلم أن يهتم بحقوق العباد؛ لأنها مبنية على المشاحة، أما كونه عنده مال ويوصي بأعمال البر والخير هذا مطلوب، وجاء الحث عليه من قبل الشارع، لكن أهم من ذلك ما يجب في ذمته، وهو مرتهن به، مرتهن بدينه.

((له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين)) وفي رواية: ((ليلة)) وفي رواية: ((ليلتين أو ثلاثة)) وكل هذا يدل على المسارعة، وأن الوقت لا مفهوم له، كما جاء في سفر المرأة بدون محرم ((لا تحل لامرأة تؤمن بالله أن تسافر مسافة يوم)) جاء يومين، وجاء ثلاثة، كل هذا يدل على أن العدد لا مفهوم له، وأن الوصف المؤثر هو السفر، وهنا المطلوب المسارعة بالوصية وليس المقصود الحد.

((له شيء يوصي فيه)) وكانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين ثم نسخت بالمواريث، ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) وعرفنا أن الواجب بالنسبة لما يجب في ذمته وما عدا ذلك مما يستحب له يكون حكم الوصية مستحب "زاد مسلم" طيب الأول من خرجه؟ الكلام الأول الذي قبل: زاد مسلم؟

طالب:........

متفق عليه، هذا الأصل في شرط الكتاب أنه من الصحيحين، من البخاري ومسلم، هذا شرط المؤلف، وقد يزيد من أفراد البخاري، أو من أفراد مسلم ما يحتاج إليه.

"زاد مسلم: قال ابن عمر: "فو الله ما مرت علي ليلة" طيب والرسول يقول: ((ليلتين)) كيف ما مرت عليك ليلة؟ نعم فهم ابن عمر أن المقصود المسارعة والمبادرة "ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك إلا ووصيتي عندي" كتب ما يجب وما ينبغي.

ابن عمر له مواقف من هذا ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) فكان بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً.

وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) قال عبد الله: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" كلها مبادرات من ابن عمر -رضي الله عنه وأرضاه-، والمسلم يسمع قال الله وقال رسوله، الأوامر المؤكدة، والنواهي المغلظة وما كأن الأمر يعنيه، لا يا أخي لا تقول: والله المقصود عاد وثمود، لا، المقصود أنت، حتى في قصص الماضين ليس المقصود الأمم السابقة، وليس المقصود والمراد من سياقها المتعة، لا، ما هو المقصود أنك تتسلى بها، لا، مضى القوم ولم يرد به سوانا {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [(111) سورة يوسف] ما هي المسألة تذكر النصوص على أنها تقرأ للبركة كما يفعله بعض متعصبي المذاهب، بعض متعصبي المذاهب يجعلون الدساتير أقوال الأئمة، وأما النصوص من الكتاب والسنة تقرأ للبركة، هذا الكلام ليس بصحيح {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ} [(59) سورة النساء] لمن؟

طالب:.......

نعم، هنا يرد عند الاختلاف، أما والله القول الفصل في قول فلان أو علان هذا ما هو بصحيح، نعم قد يرجع إلى فلان وفلان لبيان قول الله وقول رسوله عند من لا يدرك ذلك.

قال عبد الله: "والله" يقسم "ما مرت علي ليلة منذ سمعت" طيب وهذا..، لكن هل منا أحد الليلة بيكتب وصيته بعد هذا الكلام؟ ترى ما..، سبحان الله العظيم! القلوب رانت عليها الذنوب، ونسمع الكلام، وسمعناه، وقرأناه، وشرحناه، وشُرح لنا، وإلى الآن ما سوينا شيء، نعم اللي عنده وفي ذمته مال لا يجوز له أن يفرط بحال، خلاص في ذمتك حقوق سجلها يا أخي؛ لأن هذا الدين شأنه عظيم، النبي -عليه الصلاة والسلام- رفض أن يصلي على من في ذمته ثلاثة دراهم، ترى ما تعادل ريال ثلاثة دراهم، سجل يا أخي، الذي عليك احرص عليه، والذي لك الأمر إليك، إن بنيت أمرك على المسامحة، وقلت: المستطيع يؤدي وغيره تعفو عنه، فالله -جل وعلا- أحق بالعفو، وأبشر من الله -جل وعلا- بما يرضيك، لكن الحقوق التي بذمتك ولو قلت سجل، لكن ما تدري متى يفجأك الوقت، يعني تظنون أن الإنسان لا بد أن يمر بمراحل يبدأ به المرض شيئاً فشيئاً فشيئاً، شهر شهرين ثلاثة، ثم يدخل العناية، ويأخذ له..، ما هو بصحيح، كم شخص عمر ولا سكن، فرش وأثث ولا سكن، ويش يصير؟ هذا كثير ترى، مما ذكر: تزوج بالليل وجلس بعد صلاة الفجر تصب له القهوة ومكانه، الأمر ليس ببعيد يعني، ......... نتصور أننا لا بد نمر بمراحل مر بها من سمعنا، مرض شيئاً فشيئاً، لا، لا ما هو بصحيح، فليحرص الإنسان على إبراء ذمته؛ لئلا يتعلق به الناس، والشهادة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تكفر كل الذنوب -المعروف الشرك ما يدخل في هذا- لكن تكفر جميع الذنوب إلا الدين، فالدين شأنه عظيم، فليحرص الإنسان على المبادرة بوفائه، إذا لم يستطع يسجل: في ذمتي لفلان ابن فلان، وطلاب العلم يتداولون الكتب، بعض الناس ما يرضى أن تكتب على كتابه: أن هذا الكتاب عارية عندي، اكتب بقلم يمكن مسحه، وإذا خشيت من ورثتك أنهم يمسحنه؛ لأنه يمسح الكلام، بعض الناس يتصرف، وجاء بعض الكتب تمسح الأختام، وقف لله تعالى ثم يمسحونه، يبيعونه.

على كل حال احرص على إبراء ذمتك بأي وسيلة تراها نافعة، نعم.

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: ((لا)) قلت: فالثلث؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثـتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك)) قال: فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقباهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن مات بمكة)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني:

"عن سعد بن أبي وقاص" أحد العشرة المبشرين بالجنة.

سعيد وسعد وابن عوف وطلحة

 

وعامر فهر والزبير الممدحُ

وهذا منهم، من العشرة، يعني ما بعد الأربعة ذكر الستة، وهذا منهم، من العشرة المبشرين بالجنة، وسيرته وأخباره ومناقبه واعتزاله للفتن معروف، وبلاؤه وغناؤه في الجهاد معروف أيضاً، والرجل مرض في حجة الوداع، واشتد به الوجع فخشي أن يموت، فعاده النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره؛ لأنه عله أن يخلف، وقد خلف بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- أكثر من أربعين سنة، وانتفع به أقوام، وانتفعت به الأمة، في الفتوح، وتضرر به آخرون من طوائف الكفر، ومناقبه في كتب الصحابة موجودة.

"عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني عام حجة الوداع" الإمام الأعظم، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يعود المرضى، وقد جاء الحث على ذلك، وأن عيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه، ونقل النووي -رحمه الله تعالى- أن عيادة المريض سنة، الإجماع، نقل الإجماع على أن عيادة المريض سنة، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يقول: باب وجوب عيادة المريض، تجب عيادة المريض، لكن هل تلزم كل أحد؟ لا، إنما عيادة المريض جاء الأمر بها، والنووي نقل الإجماع على أنها سنة، فهل يخفى عليه ترجمة البخاري: باب وجوب عيادة المريض؟ يعني إذا قال إذا نقل الإجماع على أن صلاة الكسوف سنة، مع قول أبي عوانة في صحيحه: باب وجوب صلاة الكسوف، نقول: قد يذهل عن مسند أبي عوانة، لكن هل يذهل عما في صحيح البخاري؟ إذا غفل عن صحيح البخاري يتذكر أين؟ ماذا يتذكر إذا غفل عن صحيح البخاري؟ ولا نتصور أن مثل النووي، مثل من ينتسب إلى العلم، أو كثير ممن ينتسب إلى العلم في هذه العصور قد يخفى عليه بعض البدهيات، وهذا خلل في التحصيل، تجد طالب العلم يعنى بالأجزاء والمشيخات، وليست له أدنى عناية في صحيح البخاري، هذا خلل في المنهجية، جزء بي بي، وجزء ألف دينار، وجزء كذا، ومشيخة فلان، ومشيخة علان، ويهتمون بها طلاب العلم، ويتركون صحيح البخاري، وأمثال صحيح البخاري، يعني ما بعد القرآن إلا صحيح البخاري، فعلينا أن نعنى به، ونوليه العناية التامة الفائقة، ولا نقتصر على المختصرات، كم فات من علم عظيم وخير على من يعتني بالمختصرات، ويترك الأصول، تقرأ تحفظ مختصر البخاري، لكن ما يمر بك مثل هذا الحكم باب: وجوب عيادة المريض، الذي هو فقه أهل الحديث، تراجم البخاري هي فقه أهل الحديث، إمام الصنعة الإمام البخاري، فيقول: باب وجوب عيادة المريض، والرسول -عليه الصلاة والسلام- الأسوة والقدوة زار، زار المرضى الشريف والوضيع، بل زار غير المسلمين، زار اليهودي، واستغل الزيارة في الدعوة إلى الله -جل وعلا-، ومنا من يعود المرضى، يتردد على المستشفيات طلباً للأجر والثواب من الله -جل وعلا-، وفي طريقه ذهاباً وإياباً ينظر من المنكرات ما يتكلم بكلمة، هذا أمر لا بد أن نتنبه له، وليس معنى هذا أننا يا فلان يا علان، لا، لا بالرفق واللين، بالكلمة الطيبة، وتبرأ ذمتك، وينفع الله به كلام ينتفع به الخلق، بالرفق واللين مجرد إشارة أو شيء يعني ينبئ عن أنك ليست براضٍ عن هذه الأعمال، أما التواطؤ على السكوت هذا الذي جعل المنكرات تستشري وتزيد، وكل يوم طالع لنا مصيبة بسببها، فعيادة المريض سنة.

أيضاً استغلال الوضع، والظرف، يوسف -عليه السلام- لما دخل السجن واحتاجوا إليه، تركهم دعاهم إلى التوحيد، وهكذا ينبغي أن يكون كل مسلم داعية حسب موقعه، ولا يتصور الإنسان أن الأمة ليست بحاجة إليه، الأمة بحاجة إليك، أنت تعطي مواعيد، الناس كلها اللي يبون مواعيد بحاجة إليك، لاحظت شيء قل كلمة طيبة، طبيب، والمرضى كلهم بحاجة إليه، والمريض مثل الغريق بس تملي عليه إملاء ويقبل -إن شاء الله-، لو لم يكن في ذلك إلا إبراء الذمة.

معلم مع طلابه، داعية، شيخ، قاضي، عالم، كل في موقعه، عامي، هناك أمور يدركها الناس كلهم من المنكرات يؤدي ما عليه، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لما زار اليهودي عرض عليه الإسلام، فنفعه الله -جل وعلا- بزيارة النبي -عليه الصلاة والسلام- فأسلم.

"جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني في عام حجة الوداع" في أواخر أيامه -عليه الصلاة والسلام- مكث بعدها ثلاثة أشهر وأيام "من وجع اشتد بي" يخبر، فالإخبار عن الوجع بل عن شدة الوجع لا ينافي الصبر، إذا كان لمجرد الإخبار دون جزع، ودون تسخط، ودون تشكي لا بأس، وهذا لا ينافي الصبر، يقول: "من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى" وهذا أيضاً إخبار بأنه بلغ الوجع مبلغه، حتى أنه خشي من الموت، "وأنا ذو مال" صاحب مال، (ذو) من الأسماء الستة أو الخمسة، تعرب بالحروف، وهي هنا خبر مرفوع بالواو، (ذو) مضاف ومال مضاف إليه.

"ولا يرثني إلا ابنة" بنت واحدة "أفأتصدق بثلثي مالي؟" يعني البنت هذه يكفيها الثلث، والباقي يتصدق به، "أفأتصدق بثلثي مالي؟" قال: ((لا))" طيب لو أنجزه، أنجز الثلث، الثلثين أخرجه من عهدته، لكنه في هذه الحالة مريض، أما في حال الصحة له أن يتصدق، والخلاف في الشخص الذي يريد أن يتصدق بجميع ماله، وقد فعل ذلك أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-، فإن كان عنده من اليقين والثبات والصبر والتحمل مثل ما عند أبي بكر يجوز له ذلك وإلا فلا، إن كان يبي يتصدق بجميع ماله، ويجلس عالة على الناس يتكففهم ويسألهم هذا لا.

"أفأتصدق بثلثي مالي؟" يعني ويترك الثلث الثالث لهذه البنت "قال: ((لا)) قلت: فالشطر يا رسول الله؟ يعني النصف "قال: ((لا)) قلت: فالثلث؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير))" وفي رواية قال: ((العشر)) وما زال يزيده حتى بلغ الثلث والثلث كثير، في مثل هذا أحياناً يأتي الإنسان عنده الرغبة الشديدة في الخير، فمثل هذا يبدأ به من الأدنى، لكن بعض الناس منصرف، عنده الملايين والمليارات، وهل يقال: لمثل هذا الثلث كثير أو يقال له: أبو بكر تصدق بجميع ماله؟ النصوص الشرعية تأتي بهذا وهذا علاج لأحوال الناس وأوضاعهم، شخص شحيح ممسك، يقول: يا أخي أبو بكر تصدق بجميع ماله، وعسى هذا يتصدق بالعشر، إذا قلت له مثل هذا الكلام، لكن شخص مندفع جاب لك أمواله كلها، تقول: يا أخي يكفي العشر، واترك مالك لنفسك وورثتك، نعم، فالنصوص الشرعية علاج، لما جاء عبد الله بن عمرو وهو مندفع يريد أن يقرأ القرآن كل يوم قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((اقرأ القرآن في شهر)) لكن هل يحسن أن يقال لطلاب العلم: يكفي منكم أن تقرؤوا القرآن في شهر مع الانصراف الذي نلاحظه؟ لا، يقال لهم: إن عثمان يختم في ركعة، وفلان يختم في كل يوم، أقل الأحوال أن طالب العلم يقرأ القرآن في ثلاث، يقال مثل هذا لمن؟ للمنصرف، لعله أن يرعوي، لكن المندفع تقول: لا يا أخي، جزء في يوم تتدبر هذا الجزء أفضل لك من ختمة، فالنصوص تأتي علاج لأمراض الناس، فالداعية والمعلم والعالم إذا رأى في الناس انصراف وتفريط أورد عليهم من نصوص الوعيد، والعكس فيما إذا كان في مجتمع فيه إفراط وغلو، أورد عليهم نصوص الوعد، والأصل التوسط، يعني الأصل أن ينظر إلى هذا مثلما ينظر إلى هذا، لكن في المجتمع المتوسط، أما إذا وجد غلو وإفراط وتشريد تقرأ نصوص الوعد، وأن رحمته وسعت كل شيء، وإذا وجد مجتمع ثاني مفرط متساهل مضيع للواجبات مرتكب للمحرمات، هات نصوص الوعيد، ومثل هذا فيما إذا جاءك شخص مندفع يخرج من جميع أمواله تقول: لا يا أخي، العشر، الثمن، الخمس، إلى أن تصل الثلث كثير، حد، كما فعل النبي -عليه الصلاة والسلام-.

"قلت: فالشطر يا رسول الله؟ -النصف- قال: ((لا)) قلت: فالثلث؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير))" من أهل العلم من أخذ من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((الثلث كثير)) قاعدة يدخلها في جميع أبواب الدين، طيب، الغبن في الأموال، اشتريت سيارة بخمسين ألف، سألت عنها، قالوا: ما تسوى إلا أربعين، نقول: لا، بعد شوية، ما وصل الثلث؛ لأن الثلث كثير فما دونه قليل، يعني مفهومه أن ما دون الثلث قليل، تسوى خمسة وثلاثين، لا، غبن هذا، أو سبعة عشر، الثلث، نعم، لو ثلاثة وثلاثين قلنا: الثلث، والثلث كثير، إذن لك الخيار، خيار الغبن، منهم من قال: يمسح ثلث الرأس؛ لأن الثلث كثير، ومنهم من..، في مسائل كثيرة يجعلون الثلث حد، في قضايا متعددة، ومنهم من يقول: كل باب له ما يخصه، وأن هذا الثلث كثير في باب الوصايا، وما عدا ذلك ما جاءت قاعدة عامة من الشرع، اشترى سيارة تسوى عشرين ألف بخمسين ألف، فالثلث كثير، نقول: لا، لا يقول شخص آخر لا يرى تعميم مثل هذا الكلام، لا، يقول: ذلك يوم التغابن، الدنيا ما فيها غبن، الغبن كله في الآخرة، نعم، الغبن كله في الآخرة، الدنيا ما فيها، كلها ما تسوى غبن، يعني الذي ما يجري هذا قاعدة شرعية، والذي يجريه قاعدة شرعية يستعملوه في أبواب الدين كلها، الثلث والثلث كثير، لكن هل هي قاعدة عامة أنت مدين بمائة ألف تقول: خذ هذه خمسة وثلاثين أكثر من الثلث والثلث كثير، ما هو بصحيح، يوجب عليك صلوات وصيام، تصوم عشرة أيام وتقول: والله صمت الثلث والثلث كثير؟ لا، لا هذا لا يدخل في مثل هذا أبداً.

في بعض الروايات: ((كبير))، ((إنك أن تذر ورثـتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة)) (أن) جاءت بفتح الهمز وكسرها ((خير من أن تذرهم عالة)) فقراء ((يتكففون الناس)) يسألون الناس بأكفهم، يسألون الناس بأكفهم ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك)) هذا من فضل الله -جل وعلا- ورحمته للأمة أن جعل النفقة الواجبة فيها أجر، بل جعل اللذة فيها أجر "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟" قال: ((نعم، أرأيت لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟)) قال: نعم، قال: ((فكذلك الحلال)) فيه أجر، نعم، لكن مثل هذا يحتاج إلى نية.

((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك)) تشتري حليب لطفلك فيه أجر، تشتري أدنى شيء نفقة لأولادك فيه أجر، لكن استحضر النية، وأنك تؤدي بذلك واجب أوجبه الله عليك، ولا أقل من أن يستحضر الإنسان النية العامة، يعني إذا عزبت النية في كونه يدخل بقالة يأخذ خبز يحتاج إلى نية، لكن أقل الأحوال النية العامة في ميزانية المصروف الشهري، وأنت داخل المحل الكبير تأخذ أغراض لمدة شهر، تنوي بذلك التقرب إلى الله -جل وعلا-، وأنك تؤدي هذا الواجب، أما بالنسبة لكل فرد فرد هذا ما في شك أن فيه مشقة على الناس، نعم، يعني بعض الناس يجعل يوم وليكن اليوم الذي يستلم فيه المرتب الشهري لقضاء الحوائج، ميزانية الحوائج لهذا الشهر، والله خمسة آلاف مثلاً ادخل المحل الكبير بهذه النية، وتجري لك الأجور إلى مثله من الشهر الثاني.

((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك)) النية العامة تنفع، ولذلك المزارع إذا زرع ينوي بذلك الخير، وأن يستحضر بذلك وقت الزراعة أن يؤكل منه، من الناس، من الدواب، من الطيور، كل هذا فيه أجر، لكن ما يلزم أن ينوي أن كل ما أكل منه يكتب له أجر، النية العامة تكفيه، بل مثل هذا يقول بعض أهل العلم: أن مثل هذا لا يحتاج إلى نية، الأجر رتب عليه وهو ما نوى، وقل مثل هذا في الفرس التي يربطها للجهاد في سبيل الله، ثم تشرب من الماء يكتب له الأجر، ولو لم يقصد شربها، كما جاء في الحديث الصحيح، ولم لم ينوِ شربها من الماء؛ لأنه إنما ربطها في سبيل الله، وفضل الله واسع، فعلينا أن نري الله -جل وعلا- منا الإخلاص، وقصد التقرب إليه -جل وعلا-.

((حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)) هذا من حسن العشرة والتعامل، يعني تأخذ اللقمة وتضعها في فيها، بعض الناس يأنف من هذا ويتكبر، لكن هذا لا شك أنه من العشرة بالمعروف، وبعض الناس إذا دخل البيت مثل الإمبراطور ما يريد أحد يتنفس، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في خدمة أهله {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [(228) سورة البقرة] تريد منك احترام وتقدير مثلما تريد منها، هي امرأة إنسانة كاملة الحقوق، ويبقى أن الرجل هو الراعي، وهو القوام على من تحت يده، لا نقول: إن المرأة مثل الرجل، لا، أما المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله -جل وعلا- فضل الجنس على الجنس {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [(228) سورة البقرة] لكن لا يعني هذا أنك تستغل هذه القوامة وهذه الدرجة لتجعلها مسخرة مذللة، لا يا أخي؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [(228) سورة البقرة] لك حقوق ولها حقوق، وتريدها تتعامل معك باحترام وتقدير احترمها وقدرها هي إنسانة لها حقوق ولها مشاعر ولها نفس مثلك، وابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "إني لأتجمل لها كما أحب أن تتجمل لي".

((حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)) يعني في فمها، وهذا أيضاً من الأسماء الخمسة، أو الستة على الخلاف في السادس، وهناك مرفوع ذو مال، وهنا في فيّ امرأتك.

"قال: فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة))" يعني السياق هل يدل على أنه راغب في البقاء أو راغب في الموت، يعني كونه يموت في الدار التي هاجر منها، وتركها لله -جل وعلا- هذا ما فيه شك أنه بالنسبة له منقصة، ولذلك رثى النبي -عليه الصلاة والسلام- سعد بن خولة؛ لأن هذا شيء تركه لله -جل وعلا-، فكونه يموت فيه وقد تركه لله -عز وجل- الأكمل أن لا يموت فيه، وأن لا يبقى فيه حتى يموت، ولذا لم يترك للمهاجر فرصة إلا ثلاثة أيام، يبقى في البلد الذي هاجر منه، فقوله: "أخلف بعد أصحابي؟" هل يعني هذا أنه متشوف لطول المدة أو متشوف للموت؟ ويش يدل عليه السياق؟ "قال: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به))" كأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يسليه، وقوله: أصحابي، يعني كأن الرفقة كلهم مشوا وأنا بقيت، يدل على أنه راغب في الحياة أو غير راغب؟ يعني الأسلوب يدل على أنه غير راغب، بدليل أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سلاه "فقال: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة))" هذا تسلية له، إنك يعني إذا خلفت تكسب خير، ولذا بعض الناس في مثل هذه الظروف، وفي أيام الفتن والمحن يتمنى أن لو مات، ويغبط من مات، نعم يأتي في وقت من الأوقات تزداد الفتن والمحن بحيث يخشى الإنسان على دينه، يمر بصاحب القبر فيقول: ليتني مكانك، لكن في مثل هذه الأيام -ولله الحمد- أبواب الخير مفتوحة، افعل الخيرات، اذكر الله، أقل الأحوال الذكر اللي ما يكلفك شيء، وأنت الآن تظن أن غرسك اكتمل، وأن الجنة تنتظرك؟ لا يا أخي لا تظن هذا، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر الباقيات الصالحات كل جملة شجرة في الجنة، اغرس يا أخي، والجنة قيعان، وجاء في الخبر أن أخوين استشهد أحدهما وبقي الآخر أربعين يوم بعده، فرؤي المتأخر أفضل من ذلك، لماذا؟ كم صلى من فرض؟ صلى مائتين فرض، وصام، وذكر الله -جل وعلا-، وأتى بأنواع من العبادات، مثل هذا ما يتيسر للي مات خلاص انقطع عمله، إلا إن كان هناك من الأمور التي تجري بعد الموت.

((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة)) فالإنسان يتمنى طول العمر من أجل إيش؟ زيادة العمل، زيادة الرصيد، ما يتمنى طول العمر ليبني العمارات الشاهقة، ويكدس الأموال الطائلة، وتزيد أرصدته في البنوك إلى أن يكسب الملايين، بل مئات الملايين، هذه من أجل إيش؟ ترى ما زاد على العيش على الكفاف عذاب في الدنيا قبل الآخرة، تدرون هناك ناس يراقبون الشاشات ليل نهار، ويش حياتهم هذه؟ زاد الدولار أخذ له حبة، ارتفع عنده الضغط، نقص ما أدري إيش؟ اللين، أخذ حبة، انخفض عنده السكر، هذه حياة هذه؟! ملايين يناظرونها في الشاشات، ما يستطيعون..، ما يأكلون، ولا يتلذذون على فرش، تعطلت منافعهم، ومع ذلك وراء هذه الشاشات لا يذكرون الله إلا قليلاً، فالإنسان يتمنى طول العمر من أجل إيش؟ ((فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة)) هذا الذي يتمناه الإنسان، بعض الناس يوسع الآمال ويطولها على شان إيش؟ على شان يرى الأموال، ويرى الأولاد، ويرى..، لأنه تبع، هذا ما هو بهدف، الهدف الشرعي من وجودك تحقيق العبودية {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [(56) سورة الذاريات] أما والله زادت ملايينك وإلا نقصت والله هذه وبال عليك، حلالها حساب وحرامها عقاب، ولن تزول قدماك حتى تسأل، من أين اكتسبت؟ وفيما أنفقت؟ وقد تنفق الأموال الطائلة عندك مليار قد تنفق خمسمائة مليون، وتكون من الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، قد تبني بالخمسمائة مليون ألوف المساجد، ثم ماذا؟ تكوم من الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فعلى الإنسان أن يحرص، ماذا فعلت؟ اكتسبت الأموال، طيب من أين؟ كيف اكتسبت؟ حيل، غش، ربا، خيانة، سرقات، وإلا إيش؟ حلال، طيب حلال، فيما أنفقتها؟ أنفقتها ابتغاء مرضاتك، وطلباً لجنتك، لا، أنفقت ليقال: فلان جواد، هذا كلام من لا ينطق عن الهوى، يعني وجد من يصرف إذا جاءه الفقير وعنده مجمع من التجار وكذا صرف له الشيك، على شان إيش؟ على شان يشوفونه التجار، ووجد أيضاً بعد من يتصرف يروح إلى..، يدخل مباشرة يكلم البنك احجزوا المبلغ، يعني كلام من لا ينطق عن الهوى، وإلا قد يقول قائل: يا أخي الناس فيهم خير، وفيهم بركة، لكن الإنسان يحرص على نيته، وقد يفني الإنسان عمره في تحصيل العلم، وفي تعليمه للناس وتوجيههم، ويستفيد منه خلائق، يدخلون بعلمه الجنة، وهو أول من تسعر به النار، فليكن الإنسان على حذر، يحقق هذه العبودية التي من أجلها خلق والهدف، شوف ((لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة)) هذا الذي..، من أجل هذا يتمنى الإنسان طول العمر، يقول: ((ولعلك أن تخلف)) ولعلك هذه صيغة ترجي، وهي في القرآن لا تخلف واجبة كما يقول أهل العلم، والكلام في السنة جاء ما يدل على هذا وعلى هذا، لكنه هنا تحققت، تحقق هذا الرجاء.

((ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام)) الأمة بكاملها انتفعت بتخلفه، حيث عمر بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- أكثر من أربعين سنة ((حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون)) انتفعت الأمة، وتضرر به الكفر والكفار، وحصل على يديه من الفتوح ما حصل، الجهاد الصريح ضرب فيه بسهم وافر، لكن الفتن هل أقحم نفسه في الفتن؟ لا، اعتزل، يأتي ابنه: يا أبتاه، الناس اقتسموا الملك، اقتسموا الدنيا، قال: لهم الدنيا، وهو معتزل بالعقيق.

((ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون)) وهذا هو الحاصل ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم)) يعني ما تركوه لله -جل وعلا- أمضه لهم، ولا تردهم على أعقابهم بأن يسكنوا ويستوطنوا البلدان التي تركوها من أجل الله، والهجرة شأنها عظيم في الإسلام، وهي باقية، باقية إلى قيام الساعة، وهي الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، من بلاد البدع، بلاد المعاصي إلى بلاد السنة، بلاد الاستقامة والالتزام عند من يعينك على تحقيق الهدف، هذه الهجرة، وهي باقية إلى قيام الساعة، وهي واجبة، ولا يجوز البقاء بحال بين ظهراني الكفار، والخطر على المسلم وعلى ذريته معروف يدركه كل أحد، وكمن طفل من أبناء المسلمين تنصر وإلا تهود وإلا ترك دينه؛ لأنه بيضطر يدرسه في مدارسهم، يدرسه دياناتهم، يقول: والله إحنا عندنا حرية ونزاول أعمالهم ما هو بصحيح، عندك حرية وأنت طالع نازل ذاهب آيب تشوف الكفار وأعمالهم وكفرهم وفجورهم تشوف معاصيهم الظاهرة والباطنة ما هو بصحيح، إذا كان أهل العلم يوجبون بل يحرمون البقاء في بلد ولو كان إسلامي، ليس فيه عالم يفتي الناس، ويدلهم على الحق، ويدلهم على الخير، ويرشدهم إليه، منهم من أفتى بتحريم البقاء في مثل هذا البلد، فكيف بالإقامة في بلاد الكفار؟! ونحن -ولله الحمد- في هذه البلاد نعيش نعم، نعم لا تخطر على البال، يعني أنواع مما يرضي الله -جل وعلا- موجود عندنا، نعم عندنا شيء من الخلل عندنا نقص، عندنا معاصي، والخبث كثر، نسأل الله -جل وعلا- أن يعيد الأمة إلى دينها.

((لكن البائسُ)) أو البائسَ، لماذا؟ لأنها مخففة.

وخففت (إن) فقل العملُ

 

...................................

{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [(63) سورة طـه] وإلا الأصل إن هذين، ((لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)) يتوجع له، لكونه مات في البلد الذي هاجر منه، الذي تركه لله -جل وعلا-، نعم.

وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الثلث، والثلث كثير)).

نعم هذا من كلام ابن عباس يقول -رضي الله عنهما-: "لو أن الناس غضوا" نقصوا "من الثلث إلى الربع"؛ لأنه ما دام الثلث كثير فالمطلوب ما هو دونه إلى الربع أو الخمس، وقد فعله أبو بكر -رضي الله عنه-، وقد رضي أبو بكر بما رضي به الله لنفسه، الرب -جل وعلا- رضي بالخمس {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ} [(41) سورة الأنفال] يقول: رضيت بما رضي به الله لنفسه، الخمس.

يقول: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الثلث، والثلث كثير))" وكل هذا من أجل مراعاة حقوق الورثة، فيراعي الإنسان..، وألزم ما عنده من يمون، وكفى به إثماً أن يضيع من يمون، فهم أولى الناس ببره وعطفه، لكن لا ينسى نفسه، فماله الذي يقدمه لنفسه، لكن لا ينظر إلى النصوص التي تحث على الصدقة وينسى من تحت يده؛ لأن بعض الناس ما يستوعب الأمور مكتملة، ما يستوعب الأمور من جميع وجوهها، فيسمع الحث على الصدقة وأن ماله ما قدم، ومال الوارث ما أخر وكذا، يقول: ما علي من الوارث، قد يقول هذا الكلام فينساه، فيقال له: لا يا أخي أنت غض من الثلث؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((الثلث كثير)) وهذا أيضاً يقال فيه مثلما قيل في الحديث السابق، نعم.

قال -رحمه الله تعالى-:

باب: الفرائض

عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)) وفي رواية: ((اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر)).

باب: الفرائض

الفرائض: جمع فريضة، الفريضة النصيب المقدر المفروض للوارث، ويدخل فيه تبعاً ما جاء في هذا الحديث التعصيب؛ لأن الفرائض الأصل فيها الفروض المقدرة في كتاب الله -جل وعلا-، الستة المعروفة، النصف ونصفه ونصف نصفه، النصف والربع والثمن، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، الثلثان والثلث والسدس، هذه الفرائض، يعني المفروضة المقدرة، ويلحق بها التعصيب الوارد في مثل هذا الحديث، من باب الإلحاق، ويراد بالفرائض قسمة المواريث، جمع فريضة، فعيلة بمعنى مفعولة، مثل جريحة بمعنى مجروحة، قتيلة بمعنى مقتولة، قد تطلق الفرائض ويراد بها الواجبات في أبواب الدين كلها، ولذا يقول أهل الحديث: إنه ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بالحديث عند العشرين، وما قبل ذلك يشتغل بالفرائض، هل معنى هذا أنه يشتغل بالمواريث؟ لا، يشتغل بعلم الحلال والحرام، ثم يبدأ بطلب الحديث، والخلاف في متى يبدأ الطالب بالحديث معروف عند أهل العلم، والأولى أن يبدأ به من التمييز كغيره من العلوم.

المقصود أن الفرائض بالاصطلاح الخاص يراد بها قسمة التركات والمواريث؛ لقوله -جل وعلا-: {نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [(7) سورة النساء] فهي مفروضة.

"عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ألحقوا الفرائض بأهلها))" هذا صاحب نصف، لا بد أن يعطى النصف ما لم يوجد حاجب يحجبه حجب نقصان، هذا صاحب نصف أو ربع يعطى نصفه أو ربعه ما لم يوجد حاجب حجب حرمان أو نقصان، أو مانع من موانع الإرث، المقصود أن مثل هذه لا بد من أن تؤدى إلى أهلها ((ألحقوا الفرائض بأهلها)) الفرائض الله -جل وعلا- تولى قسمتها، ولم يكل ذلك إلى أحد، ما ترك هذا إلى اجتهاد الناس، بل تولى قسمتها كالزكاة.

((فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)) صاحب النصف أخذ نصفه، صاحب الربع أخذ ربعه، وصاحب السدس..، بقي عندنا يعطى المعصب، يعطى العاصب، والعاصب له ما بقي بعد الفروض، يعطى ما بقي بعد الفروض، فإذا لم يوجد صاحب فرض العاصب يأخذ المال كله، توفي شخص عن ابن فقط ماله لابنه، توفي شخص عن زوجة وأم وابن، الزوجة تأخذ الثمن، والأم تأخذ السدس، والابن يأخذ الباقي، توفي شخص عن ابن وبنت للذكر مثل حظ الأنثيين، طيب البنت صاحبة فرض ((ألحقوا الفرائض بأهلها)) البنت لها النصف، نعم؟ نعم لا بد أن لا يوجد عاصب، وهو أخوها، فإذا وجد هذا العاصب صار للذكر مثل حظ الأنثيين {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [(11) سورة النساء] وهذه قاعدة الفرائض أن الذكر له نصيب اثنتين من النساء إلا في باب الإخوة لأم، وهذا من وجوه تفضيل جنس الذكر على جنس الأنثى؛ لأنهم هم أهل التبعات، وهم أهل النفقات، وهم أهل البذل، فعليهم من الالتزامات ما لا يوجد نظيره في النساء، ولذلك فضل الرجال على النساء في هذا الباب، وجاء تفضيل الرجل على المرأة في الضعف في خمسة مواضع، هنا في المواريث، في الإرث، والثاني: على النصف، نعم في الشهادة، القوامة ويش دخلها يا إخوان؟ يعني على المرأة نصف قوامة الرجل؟ نعم؟ الشهادة {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [(282) سورة البقرة] الثالث؟ هاه؟ الدية، دية المرأة نصف دية الرجل، الرابع؟

طالب:........

إيش؟

طالب:........

ما أسمع والله.

طالب: العقيقة.

عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، بقي واحد، الصلاة، تصلي نصف صلاة الرجل؟ نعم؟

طالب:........

إيش هو؟

طالب:........

يعني نصف صلاة الرجل تصلي؟ أنا أقول: على النصف، على النصف، نعم؟

طالب:........

العتق، من أعتق رجل كمن أعتق امرأتين، هذه خمسة مواضع ولا سادس لها، المرأة على النصف من الرجل في هذه الخمسة المواضع في الشرع، ثم يأتي من يطالب أن المرأة كالرجل، وأنها جنسه، وشقيقة الرجال، ويأتينا من يقول: إن لو استعرضنا آيات المواريث لوجدنا أن المرأة على النصف في ثلاث آيات، وثلاث آيات متساويين، والسابعة سجال، مرة هذا ومرة هذا.

كل هذا تلبية لرغبات أعداء، يُتنازل معهم إلى هذا الحد، هذا ديننا، لا بد أن نعتز بديننا {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [(33) سورة فصلت] ولا عليك من أحد، لا بد منه، ما نجعل الدين متهم في قفص، والسعيد من يدافع عنه، أبداً، ما له حاجة بأحد، هذا ديننا، الذي يدخل بطوعه الله يحييه، واللي ما يدخل جهنم موعود إياها، أما أن نستحيي ونستخفي بديننا على أن الأمم كلها ضدنا ما علينا منهم، فلا بد أن نعتز بهذا الدين، وعلى المرأة أن ترضى بالشرع، وعلى الرجل الذي لم يكتب له حظ في هذه الدنيا أن يرضى ويسلم، نفس الشيء:

كن صابراً للفقر وادرع الرضا

 

بما قدر الرحمن واشكره واحمدِ

ما تقول لي: والله فلان يملك مليار وأنا ما أملك ريال نشتري به خبز، هذا ما هو بشغلنا، أنت لك ما يترتب على وضعك من الثواب والعقاب، وذاك أيضاً عليه تبعات، وأنت تحسبه سالم؟! بكرة يتمنى أنه مثلك، لا تظن أنك مظلوم أبداً، فالمرأة يجب عليها أن ترضى وتسلم، والرجل كذلك، ولو رأى أن فلان فضل عليه ما يضر {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وانتهينا؟ {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [(65) سورة النساء] لا بد من التسليم، وقدم الإسلام كما يقول أهل العلم: لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، ويش معنى إسلام يا أخي؟ أنت رضيت بأن تكون مسلم، بل شرفك الله -جل وعلا- بالإسلام، ومنّ عليك أن هداك للإسلام، الإسلام هو الاستسلام والانقياد والتذلل والخضوع لله -جل وعلا-، أنت ما ترجو والله شيء من فلان أو علان تقول: بكيفه يعطيني وإلا ما يعطيني الأمر واحد، لا، أنت ترجو جنة عرضها السماوات والأرض، ولا يكفي أنك في جنة وإلا في صحراء ترعى من حشائش الأرض، لا، إما في جنة وإلا في نار، فريق في الجنة وفريق في السعير، لأنه قد يقول قائل: والله الجنة تبي تكاليف، وحفت بالمكاره، أنا ما عندي استعداد، أنا أتستدح، يعني لو البديل أنك ترعى بالحشائش بالبرية ومتى ما جاءك الموت تموت سهلة، لكن نار تلظى {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} [(36) سورة فاطر] ما هي المسألة سهلة، {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [(77) سورة الزخرف] بس ما تهيأ، يعني مو بالبديل، إنك إما جنة عرضها السماوات والأرض وجاء في وصفها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذه جنة، لكن تقول أنت: والله أنا أتستدح ما عندي استعداد نسوي تكاليف، لكن عندك صبر على النار؟ هذا الإشكال، فعلى الإنسان أن يرضى ويسلم، ولو أن الإنسان طار فرحاً وشوقاً، واستمر لسانه رطباً بذكر الله -جل وعلا- وشكره لأنه هداه للإسلام، نعمة لا يقوم بها..، لا يعدلها شيء هذه النعمة.

شخص من عامة المسلمين أسره الكفار، فكتب لصاحب له: أن الكفار أسروني، فكتب صاحبه: اشكر الله، شكر الله، ثم كتب له ثانية، وقال: سلسلني الكفار وقيدوني، فكتب له صاحبه: اشكر الله، شكر الله، ماشي، طيب، قيد معه أسير آخر يهودي، كتب لصاحبه، قال: اشكر الله، قال: معي واحد ساحبه معي، قال: اشكر الله، اشكر الله، أصيب اليهودي ببطنه فصار ما يمسك، ما جاء طلع، وهذا مربوط معه...، فكتب له صاحبه: اشكر الله، قال: وبعدين إلى متى؟ أشد من ها الحالة اللي أنا أعيشها؟ قال: نعم، اشكر الله إن لم تكن مثلهم، فشكر الله من خالص قلبه، فانفك القيد فخرج يمشي، يعني تصور شخص مأسور عند الكفار ومسلسل معه يهودي مبتلى بالبطن، ما يمسك، تصور حاله يقول له: اشكر الله؟ نعم يشكر الله؛ لأن الإنسان مهما حصل له من أمور الدنيا الدنيا ماشية، تنتهي يوم اثنين ثلاثة انتهى، لكن الآخرة ما لها نهاية، لا تنتهي، يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت،....... يؤتى بالموت ويذبح على هيئة كبش، فالدين هو رأس المال، وما فات الإنسان من أمور الدنيا الأمر سهل، يعني الأمر مقدور عليه سهل، الدنيا ماشية، افترض أن الإنسان ما عنده ما يأكل ولا يشرب صبر واحتسب إلى أن تضائل جسمه يوم نقص نقص إلى أن مات، ويش ما بيده حيلة، عليه الصبر والاحتساب، وإنما يوفى الصابرون... بعد ذلك {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [(10) سورة الزمر] والله المستعان.

((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)) ألا يكفي أن يقال: فلأولى رجل حتى يقال ذكر؟ في رجل أنثى؟ تجي؟ لكن هذا تأكيد، طيب هذا في العصبات والأصل أنهم من الرجال، لكن ماذا عن العصبة من النساء؟ بنت وأخت، ألحقنا الفرائض بأهلها أعطينا البنت النصف، دورنا أولى رجل ذكر ما لقينا إلا ها البنت ويش نسوي؟ الرسول يقول: ((فما بقي فلأولى رجل ذكر)) ما في رجل ذكر، نعم، الإشكال اللي أنا أطرحه مفهوم وإلا ما هو مفهوم؟ نعم ما هو الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((ألحقوا الفرائض بأهلها)) ألحقنا الفرائض بأهلها أعطينا البنت النصف ((فما بقي فلأولى رجل ذكر)) إحنا ما عندنا إلا ها الأنثى الأخت.

طالب:.......

لا، لا ما لا هي عاصب في مثل هذه الصورة عاصبة، لكن كيف نخرجها على هذا الحديث؟ يعني عندنا بنت وأخت وابن عم مثلاً، ما يقول ابن العم هذا: أنا أولى رجل ذكر؟ ما يمكن يقوله؟ تبي تعطيه إياه؟

طالب:.......

لأن عندنا ((أولى)) في جهات متعددة للتقديم والتأخير، الجهة، القرب، القوة.

فبالجهة التقديم ثم بقربه

 

وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا

البيت من وين؟ من الشاطبية؟ ما يمكن يجي من الشاطبية؟ الوزن واحد؟

طالب:.......

لا، منظومة الجعبري في الفرائض؛ لأنه قد يقول قائل: والله هذا البيت وزونه وزن الشاطبية، يمكن ما..، نعم؟

طالب:.......

نعم، فهناك جهات لا بد من مراعاتها، قد يقول قائل مثلاً: أخ وعم أيهما أقرب؟ الأخ أقرب، يقول: عم الرجل صنو أبيه، أنا مثل أبوه الحين، ويش لون تقدمونه علي؟ نقول: لا، عندنا موازين شرعية، شخص فلاح عند رجل، لا يمت له بأي صلة من جهة النسب إلا أنه قديم عنده، من خمسين سنة وهو فلاح بالمزرعة هذه، توفي الرجل قال: أنا أحق من عياله، أنا قبلهم جاي بالمزرعة، ترى واقعة، يقول: أنا بهذه المزرعة عند فلان قبل ما يتزوج، أنا أحق من أولاده، هذا كدي وهذا كدحي، لا، ما لك......، واقعة مثل هذه، تقع من بعض العوام؛ لأن الرسول قال: ((فلأولى رجل ذكر)) العم يقول: لا، لا أنا صنو..، أنا مثل أبوه بنص النبي -عليه الصلاة والسلام-، نقول: لا، كل شيء له موازينه، كل شيء له شروطه وقيوده وحدوده، الشرع ما تركنا همل، فإذا وجد العاصب بالنفس فهو أولى رجل ذكر، لكن ما وجد العاصب بالنفس ننظر إلى عصبة بالغير أو مع الغير، والمسألة ما تحتمل بسط وإلا نجيب لكم كل اللي يرد هنا، فننتبه لمثل هذا؛ لأنه قد يقال: إشكال هذا، فلأولى رجل ذكر ما عندنا والله إلا أخت، ما عندنا رجل ذكر.

"وفي رواية: ((أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله))" يعني على ما جاء في كتاب الله، ولا اجتهاد لمجتهد، ما في اجتهاد لمجتهد ((أقسموا الفرائض على كتاب الله)) لأن الله -جل وعلا- لم يترك لأحد اجتهاد، لكن هل في الفرائض مسائل اجتهادية؟ نعم؟ في مثل: الحمارية، وفي مثل المشركة، وفي مثل ثلث الباقي يوجد في كتاب الله؟ نعم؟

وإن يكن زوج وأم وأب

 

فثلث ما يبقى لها مرتبُ

زوج وأم وأب، للزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، لماذا قلنا: ثلث؟ مراعاة للفظ القرآن، ولماذا قلنا: الباقي؟ لئلا تزيد على الأب، والقاعدة أن للذكر مثل حظ الأنثيين.

وهكذا مع زوجة فصاعدا

 

فلا تكن عن العلوم قاعداً

وين الرحبية؟ من بدهيات العلوم هذه، تقرأ في المتوسط، تحفظ في المتوسط.

وفي رواية: ((أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله)) ثم يأتي من يصنف في الأحوال الشخصية ويجتهد، وظروف العصر تغيرت، وما أدري إيش؟ والضغوط.....، ما هو بصحيح، كل هذا لا قيمة له، هذا كلام لا قيمة له.

((أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر)) يعني اللي يبقى بعد الفرائض هو للعصبة، والأصل في العصبة الرجال، الذين هم تعصبوا بأنفسهم، لا بغيرهم ولا مع غيرهم، ثم بعد ذلك إذا لم يوجد هؤلاء، لم يوجد أولى رجل ذكر نأتي إلى من تعصب بغيره ثم مع غيره.

نعم اقرأ.

وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله أتنزل غداً في دارك بمكة؟ قال: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع؟)) ثم قال: ((لا يرث الكافر المسلم))...

ما في أو دور؟ من رباع أو دور؟ ما في عندك؟

طالب:.......

والمفترض أنه في مثل هذا إذا قال: في نسخة كذا أثبت شيء، وفي نسخة كذا، والصواب ما أثبته لأني رجعت إلى كذا وكذا، لا بد، طيب في نسخة وبس، نعم.

((وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟)) ثم قال: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)).

نعم وهذا الحديث "عن أسامة بن زيد" الحب ابن الحب، حب النبي -عليه الصلاة والسلام- وابن حبه -رضي الله تعالى عنهما- "قال: قلت: يا رسول الله أتنزل غداً؟ هذا متى؟ يوم الفتح "أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟))" ما ترك شيء، باعها؛ لأن أبا طالب خلف أربعة أولاد: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، ورثه طالب وعقيل، وجعفر وعلي ما ورثا من أبيهما، لماذا؟ لأنهما مسلمان، وقد مات كافراً، والمسلم لا يرث الكافر، طيب، باعها عقيل، طيب وين طالب؟ طالب قتل قبل ذلك.

"((وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟)) ما ترك شيء، باعها، وبهذا يستدل من يقول بجواز بيع بيوت مكة، لكن من الذي باعها؟ هل يستدل بفعله؟ ما يستدل بفعله، باعها حال كفره، لا يستدل بفعله.

"ثم قال: ((لا يرث الكافر المسلم، ولا الكافر المسلم))" نعم انقطعت الصلة بين المسلم والكافر، القرابة وجودها مثل عدمها {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [(10) سورة الحجرات] هذه الإخوة الصادقة، إن زاد عليها وجود أخوة نسب كان له حقان، وإذا انقطعت أخوة الدين فلا قيمة للنسب، وأما ما جاء في قوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [(65) سورة الأعراف] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [(73) سورة الأعراف] هذه أخوة نسب، ما هي بأخوة دين، الأخوة بينهم موجودة، لكنها أخوة لا تنفع، ولا قيمة لها، تقطعت بهم الأسباب، خلاص انقطعت، العلائق كلها انقطعت بالموت، لا ينفع إلا أخوة الدين.

((لا يرث المسلم الكافر)) نعم هذا حكم شرعي أن المسلم لا يرث الكافر؛ لأن من موانع الإرث اختلاف الدين

ويمنع الشخص من الميراثِ
رق وقتل واختلاف دين

 

واحدة من علل ثلاثِ
...................................

اختلف الدين خلاص لا توارث ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)) وهذا قول جماهير أهل العلم، أما كون الكافر يرث المسلم فهذا إجماع، وأما كون المسلم يرث الكافر فالجمهور على منعه لهذا النص الصحيح الصريح، ومن أهل العلم من قال: يرث؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وكما يجوز أن يتزوج المسلم كتابية دون العكس يرد مثل هذا، ومنهم من يقول: إذا أسلم قبل قسمة التركة يرث ترغيباً له في الإسلام؛ لأنه ما دام التركة موجودة، ثم أسلم فقيل: ما ترث يخشى عليه أن يرتد، فيورث ترغيباً له في الإسلام، وهذا قول عند بعض أهل العلم، لكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، خلاص هذا حكم شرعي، مسلم مسلم يتحمل التبعات، أنت شريت الجنة، ما شريت حطام الدنيا بهذا الإسلام، فالقول المرجح هو ما يدل عليه هذا الحديث، وأن المسلم لا يرث الكافر البتة والعكس.

قد يقول قائل: ما دام الدار دار أبي طالب ويش دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا؟ هي الأصل للجد عبد المطلب، الأصل أنها لعبد المطلب، طيب من أين يكون للنبي -عليه الصلاة والسلام- نصيب بها؟

طالب:.......

نعم، أبوه مات قبل جده.

طالب:.......

قد يكون له دار، وقد يكون له نصيب بأي وجه من وجوه التمليك، فلما هاجر النبي -عليه الصلاة والسلام- وتركها لله تصرف فيها عقيل، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في مثل هذه الأمور ليس بصاحب مشاحنة ومشادة، الدنيا لا تسوى عنده شيء -عليه الصلاة والسلام-، يعني أعطى بعض المؤلفة قلوبهم غنم بين جبلين، عطاء من لا يخشى الفقر، فإذا كانت الدنيا عند الله -جل وعلا- لا تساوي جناح بعوضة فكذلك هي عند نبيه ومصطفاه ومجتباه -عليه الصلاة والسلام-، الذي هواه تبع لما جاءه عن ربه ((ما يسرني أن لي مثل أحد ذهب)) عرض عليه أن تحول جبال مكة ذهب، ما لي وللدنيا، ((ما يسرني أن لي مثل أحد ذهباً تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين إلا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا)) من الجهات كلها، هذا من كانت الآخرة همه، أما من كانت الدنيا همه فالمسألة تختلف، والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

"