كتاب الرجعة من سبل السلام (9)

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة من سبل السلام (9)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

قال -رحمه الله تعالى- في (سُبُلِ السلام) في (كتاب الرجعة، باب العِدَّة والإحداد) الحديث الرابع:

"وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إلَّا إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.

وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ الزِّيَادَةِ: «وَلَا تَخْتَضِبُ»، وَلِلنَّسَائِيِّ «وَلَا تَمْتَشِطُ».

(وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -) اسْمُهَا نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ".

بنت الحارث، أو بنت كعب الأنصارية، أو هما اثنتان. المقصود: أن أم عطية صحابية مشهورة، غسَّلت بنتي النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولها عدة أحاديث، معروفة مُخرَّجة في كتب السُّنَّة، منها: أُمرنا أن نُخْرِج العواتق والحُيَّض، ومنها: كنا لا نعُد الصُفرة والكُدرة، أحاديث معروفة عند أهل العلم.

"صَحَابِيَّةٌ لَهَا أَحَادِيثُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُحِدُّ») بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الدَّالِ عَلَى أَنْ لَا نَافِيَةٌ، وَجَزْمُهَا عَلَى أَنَّهَا نَهْيٌ، «امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ، فِي النِّهَايَةِ: أَنَّهَا بُرُودٌ يَمَنِيَّةٌ يُعْصَبُ غَزْلُهَا، أَيْ: يُجْمَعُ وَيُشَدُّ ثُمَّ يُصْبَغُ وَيُنْشَرُ فَيَبْقَى مُوَشًّى؛ لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ مِنْهُ أَبْيَضَ لَمْ يَأْخُذْهُ الصَّبْغُ، «وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً» بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ قِطْعَةً".

قطعة يسيرة، صغيرة.

"(مِنْ قُسْطٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الطِّيبِ، وَقِيلَ: الْعُودُ (أَوْ أَظْفَارٍ) يَأْتِي تَفْسِيرُهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ الزِّيَادَةِ: «وَلَا تَخْتَضِبُ»، وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَلَا تَمْتَشِطُ»).

الْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ: (الْأُولَى) تَحْرِيمُ إحْدَادِ الْمَرْأَةِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى أَيِّ مَيِّتٍ مِنْ أَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَجَوَازُهُ ثَلَاثًا عَلَيْهِ.

وَعَلَى الزَّوْجِ فَقَطْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".

هذا بالنسبة للمرأة، لها أن تُحِد على أبيها أو على ابنها ثلاثة أيام فقط. ومن عدا المرأة لا يجوز له الإحداد، الرجال لا يجوز الإحداد لهم بالكلية، سواءٌ كانوا أفرادًا أو جماعات. ومن ذلك: إحداد الدول، لا يجوز بحال. وبهذا اللفظ أشنع بلا شك، يحدون أربعين يوم، وأحيانًا أكثر أو أقل. المقصود أن مثل هذا من الأمور الممنوعة شرعًا، فإذا كان موت القريب لا يُحدُّ عليه، فلا يُحدُّ على موت البعيد، لا سيما للجماعة أبعد.

طالب: ...

المقصود أنه له أثر في نفسها، إذا كان له أثر بالغ في نفسها، جاز لها أن تُحِد ثلاثة أيام فأقل.

طالب: ...

على كل حال، إذا أظهرت الحزن بهذا المقدار، والتزمت باللفظ الشرعي، بحيث لا تتعدى في لفظها ولا في تصرفاتها، جاءت الرخصة بذلك؛ لأن بعض الأمور، بعض المصائب، لا يُمكن أن تُحتمَل، بل لا بد أن يبين فيها شيء مما يُظهِر شيئًا من المودة والمحبة والصلة بين الميت ومن يُحِد عليه.

"وَعَلَى الزَّوْجِ فَقَطْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى أَبِيهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَعَلَى مَنْ سِوَاهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَوْ صَحَّ كَانَ مُخَصِّصًا لِلْأَبِ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ إلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَقْوَى عَلَى التَّخْصِيصِ".

نعم، فحديث الباب أرجح منه.

"(الثَّانِيَةُ) فِي قَوْلِهِ: امْرَأَةٌ، إخْرَاجٌ لِلصَّغِيرَةِ بِمَفْهُومِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ عَلَى الزَّوْجِ، فَلَا تُنْهَى عَنْ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِهِ بأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْهَادِي".

الآن، إذا كانت الصغيرة لا يجب عليها إحداد على الزوج، الواجب الإحداد عليه، فلا تُنهى عن الإحداد على غيره أكثر من ثلاثة أيام. لو مات زوجها، وقالت: أنا لا أُحِدَ عليه، ثمَّ مات أبوها فأحدت عليه أربعة أشهر، يعني: على كلامهم، يمشي أم لا؟

طالب: يمشي.

على كلام الشارح يمشي، ما فيه إشكال؛ لأنها صغيرة واللفظ لفظ امرأة، "فِي قَوْلِهِ: امْرَأَةٌ، إخْرَاجٌ لِلصَّغِيرَةِ بِمَفْهُومِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ عَلَى الزَّوْجِ" يعني: لو قالت: خلاص أنا ما أُحِد على الزوج، وهذا قد حصل، يعني: مات زوجها وفي الصف الأول الابتدائي، ورفضت أن تحِد، وتطلع للشارع وتلعب مع الأطفال، وتذهب للمدرسة، ولا تلتزم. نعم، هي غير مُكلفة على كل حال.

والذي يُقدر عليه بالنسبة لها، يُفعَل، والذي لا يُستطاع لا يُستطاع. لكن كلامه: امرأة، مع كلام عائشة -رضي الله عنها-: إذا بلغت البنت تسعًا فهي امرأة، يعني: ما دون التسع ليست امرأة، فلا تُكلَّف بإحداد. وعلى هذا، لا تُنهى عن الإحداد على غيره أكثر من ثلاثة أيام. يعني هذا ماشٍ على المقصِد الشرعي، أم عكس له؟ عكس للمقتضى الشرعي. فإذا لم يجب عليها الإحداد بالنسبة للزوج، فلأن تُمنَع من الإحداد على غيره من باب أولى.

"وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْعُمُومِ، وَأَنَّ ذِكْرَ الْمَرْأَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَالتَّكْلِيفُ عَلَى وَلِيِّهَا فِي مَنْعِهَا مِنْ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَالْكَبِيرَةِ، وَلَا تَحِلُّ خُطْبَتُهَا.

(الثَّالِثَةُ) فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَيِّتٍ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا فَإِجْمَاعٌ، وَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْهَادِي وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: عَلَى مَيِّتٍ، وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا، فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْإِحْدَادَ شُرِعَ لِقَطْعِ مَا يَدْعُو إلَى الْجِمَاعِ، وَكَانَ هَذَا فِي حَقِّ المميتة".

في حق الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، ماذا عندك؟

طالب: المميتة، يا شيخ.

طالب: ...

والْمُتَوَفَّى عَنْهَا هي المميتة، المتوفى عنها زوجها، كالمُغيبة من غاب عنها زوجها.

"وَكَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لِتَعَذُّرِ رُجُوعِهَا إلَى الزَّوْجِ. وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَعُودَ مَعَ زَوْجِهَا بِعَقْدٍ إذَا لَمْ تَكُنْ مُثَلَّثَةً أَيْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا".

أَيْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا، ماذا عندك؟

طالب: مُثَلَّثَةً، يا شيخ.

نعم، أي: المُطلقة ثلاثًا، وهذا معناها.

"وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ بَائِنًا قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَتَا فِي الْعِدَّةِ وَاخْتَلَفَتَا فِي سَبَبِهَا، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكَاحَ فَحَرُمَتْ دَوَاعِيهِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ دَلِيلًا.

الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ".

الإحداد خاص بالمتوفى عنها، من عداها من المُطلقات لا إحداد عليها.

"الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ، وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى حِلِّهِ عَلَى الزَّوْجِ الْمَيِّتِ/ وَذَهَبَ إلَى وُجُوبِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْت عَلَيَّ صَبْرًا.. الْحَدِيثَ سَيَأْتِي، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَفِي سَنَدِهِ غَرَابَةٌ، قَالَ: وَلَكِنْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ، وَهُوَ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ الْحَدِيثُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا. وَلِمَا أَخْرَجَهُ عَنْهَا أَيْضًا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا.

وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَكْتَحِلَانِ، وَتَمْتَشِطَانِ، وَتَتَطَيَّبَانِ، وَتَتَقَلَّدَانِ، وَتَنْتَعِلَانِ، وَتَصْنَعَانِ مَا شَاءَتَا، وَاسْتَدَلَّا بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: «لَا تَحِدِّي بَعْدَ يَوْمِك». هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا بِعَدَمِ الْإِحْدَادِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَهَذَا نَاسِخٌ لِأَحَادِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْإِحْدَادِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَهَا، فَإِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمِرَتْ بِالْإِحْدَادِ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا، وَمَوْتُهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى قَتْلِ جَعْفَرٍ، وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِأَجْوِبَةٍ سَبْعَةٍ كُلِّهَا تَكَلُّفٌ لَا حَاجَةَ إلَى سَرْدِهَا.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي قَوْلِهِ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي التَّقْدِيرِ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَكَامَلُ خِلْقَتُهُ، وَيُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ، فَجُبِرَ الْكَسْرُ إلَى الْعَقْدِ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ".

على طريق الاحتياط، الذي هو العشر.

"وَذَكَرَ الْعَشْرَ مُؤَنَّثًا بِاعْتِبَارِ اللَّيَالِي وَالْمُرَادُ مَعَ أَيَّامِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ".

بلا شك، والأيام تابعة لليالي، الأصل الليل.

"فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ اللَّيْلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ".

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، مبني على فتح الجُزءين.

طالب: هذا مبني مُطلقًا، يا شيخ؟

نعم.

"الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي قَوْلِهِ: ثَوْبًا مَصْبُوغًا، دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ كُلِّ مَصْبُوغٍ بِأَيِّ لَوْنٍ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ".

وهو ثوب العَصْب.

"وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَادَّةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ، وَلَا الْمَصْبُوغَةِ إلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ لِبَاسِ الْحُزْنِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْحَرِيرِ، فَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ إلَى الْمَنْعِ لَهَا مِنْهُ مُطْلَقًا مَصْبُوغًا، أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ. قَالُوا: لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ، وَالْحَادَّةُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ التَّزَيُّنِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّهَا تَجْتَنِبُ الثِّيَابَ الْمَصْبُوغَةَ فَقَطْ، وَيَحِلُّ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ مَا شَاءَتْ مِنْ حَرِيرٍ أَبْيَضَ، أَوْ أَصْفَرَ مِنْ لَوْنِهِ الَّذِي لَمْ يُصْبَغْ، وَيُبَاحُ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الْمَنْسُوجَ بِالذَّهَبِ وَالْحُلِيِّ كُلَّهُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوْهَرِ وَالْيَاقُوتِ، وَهَذَا جُمُودٌ مِنْهُ عَلَى لَفْظِ النَّصِّ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي فِيهِ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِهَا الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ الثِّقَاتِ، وَقَدْ صَحَّحَ حَدِيثَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَاتِمٍ. وَابْنُ حَزْمٍ أَدَارَ التَّحْرِيمَ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالنَّصِّ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَدَارَهُ عَلَى التَّعْلِيلِ المُنَاسِب، أعني الزِّينَةِ مُطْلَقًا".

وكُلٌّ على مذهبه، فالظاهرية مذهبهم الجمود على النص، بحيث لا يتعداه إلى ما يُشاركه في العلة؛ لأنهم لا يرون القياس. والجمهور على مذهبهم في تعدي الحكم بالعلة.

"فَبَقِيَ كَلَامُهُمْ أَنَّ ثَوْبَ الْعَصْبِ إذَا كَانَ فِيهِ زِينَةٌ مُنِعَتْ مِنْهُ، وَيُخَصِّصُونَ الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِلْمَنْعِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ثَوْبِ الْعَصْبِ عَنْ النِّهَايَةِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَكْتَحِلُ، دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ الِاكْتِحَالِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَوْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهَا لَا لَيْلًا، وَلَا نَهَارًا، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ الْبَابِ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ، فَمَا أَذِنَ فِيهِ، بَلْ قَالَ: «لَا» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا.

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ؛ لِلتَّدَاوِي، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهَا قَالَتْ فِي كُحْلِ الْجَلَاءِ، لَمَّا سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّيَ وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَهَا، فَأَرْسَلَتْ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجَلَاءِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَا يُكْتَحَلُ مِنْهُ إلَّا مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ يَشْتَدُّ عَلَيْك، فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ، وَتَمْسَحِينَهُ بِالنَّهَارِ".

يعني: أباحته للحاجة، للحاجة الماسة.

"ثُمَّ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَذَكَرَتْ حَدِيثَ الصَّبْرِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا عِنْدِي، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِحَدِيثِهَا الْآخَرِ النَّاهِي عَنْ الْكُحْلِ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى الْعَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرِفَ مِنْ الْحَالَةِ الَّتِي نَهَاهَا أَنَّ حَاجَتَهَا إلَى الْكُحْلِ خَفِيفَةٌ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ، وَالْإِبَاحَةُ فِي اللَّيْلِ؛ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِذَلِكَ.

قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَتْوَى أُمِّ سَلَمَةَ قِيَاسٌ مِنْهَا لِلْكُحْلِ عَلَى الصَّبِرِ، وَالْقِيَاسُ مَعَ النَّصِّ الثَّابِتِ وَالنَّهْيِ الْمُتَكَرِّرِ لَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْإِحْدَادِ".

يكفي.

"أحسن الله إليك.

 والله أعلم.

 وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد.