كتاب الرجعة من سبل السلام (21)

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة من سبل السلام (21)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:45 م

سماع الدرس

تفضل.

نعم.

أحسن الله إليك.

 بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 قال -رحمه الله تعالى- في البلوغ وشرحه في باب الحِضانة:

"بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرٌ مِنْ حَضَنَ الصَّبِيَّ حَضْنًا وَحِضَانَةً، جَعَلَهُ فِي حِضْنِهِ أَوْ رَبَّاهُ فَاحْتَضَنَهُ، وَالْحِضْنُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَهُوَ مَا دُونَ الْإِبْطِ إلَى الْكَشْحِ وَالصَّدْرِ، أَوْ الْعَضُدَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَجَانِبُ الشَّيْءِ، أَوْ نَاحِيَتُهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَهو فِي الشَّرْعِ: حِفْظُ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِأَمْرِهِ وَتَرْبِيَتُهُ، وَوِقَايَتُهُ عَمَّا يُهْلِكُهُ، أَوْ يَضُرُّهُ.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَقَعَ بِضَمِّهَا فِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ غَلَطٌ".

يعني هل هو عبد الله بن عمرو بن العاص أو عبد الله بن عمر بن الخطاب؟ المُثبَت أنه بفتح المهملة ابن عمرو بن العاص، وما في بعض النسخ ابن عمر فهو غلط؛ لأن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو.

"أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَتْ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً؛ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ، وَقَدْ يُضَمُّ وَيُقَالُ: الْإِعَاءُ، الظَّرْفُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً؛ هُوَ كَكِسَاءٍ جِلْدُ السَّخْلَةِ إذَا أَجْذَعَ يَكُونُ لِلْمَاءِ وَاللَّبَنِ كَمَا فِيهِ أَيْضًا: وَحِجْرِي بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُثَلَّثَةٍ فَجِيمٍ فَرَاءٍ حِضْنُ الْإِنْسَانِ، لَهُ حِوَاءً بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بِزِنَةِ كِسَاءٍ اسْمُ الْمَكَانِ الَّذِي يَحْوِي الشَّيْءَ يَضُمُّهُ وَيَجْمَعُهُ.

 وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِحِضَانَةِ وَلَدِهَا إذَا أَرَادَ الْأَبُ انْتِزَاعَهُ مِنْهَا، وَقَدْ ذَكَرَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ صِفَاتٍ اخْتَصَّتْ بِهَا تَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَهَا وَأَوْلَوِيَّتَهَا بِحِضَانَةِ وَلَدِهَا، وَأَقَرَّهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ذَلِكَ، وَحَكَمَ لَهَا. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، وَأَنَّ الْعِلَلَ وَالْمَعَانِيَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.

وَالْحُكْمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَضَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:  رِيحُهَا وَفِرَاشُهَا وَحَرُّهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْك حَتَّى يَشُبَّ، وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي قِصَّةٍ.

وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ إذَا نَكَحَتْ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْحِضَانَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ".

يعني ما لم يقم مانع وصف مانع بالأم من أن تكون أولى بالحضانة إذا لم تكن أهلًا للحضانة ترتب على كونه عندها من ولدٍ أو بنتٍ أنه يضيع في نفسه، في بدنه، في دينه، يُخشى عليه، يُخاف عليه إذا تُرك عند أمه، فحينئذٍ ينتقل للأب إذا كان كفئًا للحضانة، فالملاحظ في الحضانة حق أو حظ المحضون.

"قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَابْنُ حَزْمٍ إلَى عَدَمِ سُقُوطِ الْحِضَانَةِ بِالنِّكَاحِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ عِنْدَ وَالِدَتِهِ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، وَكَذَا أُمُّ سَلَمَةَ تَزَوَّجَتْ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَبَقِيَ وَلَدُهَا فِي كَفَالَتِهَا، وَكَذَا ابْنَةُ حَمْزَةَ قَضَى بِهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِخَالَتِهَا وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، قَالَ: وَحَدِيثُ ابْنِ عمروٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ مَقَالٌ، فَإِنَّهُ صَحِيفَةٌ".

يعني من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي صحيفة وجادة، يطعن فيها بهذا، لكن الجمهور على قبول ما نقل بواسطتها إذا صح السند إلى عمرو بن شعيب.

"لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيفَةٌ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَبِلَهُ الْأَئِمَّةُ، وَعَمِلُوا بِهِ، الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وإسحاق".

والحُميدي.

" الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ".

والحميدي وإسحاق.

"وَالْحُمَيْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وأَمْثَالُهُمْ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْقَدْحِ فِيهِ. وَأَمَّا مَا احْتُجَّ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ دَلِيلًا إلَّا مَعَ طَلَبِ مَنْ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ الْحِضَانَةُ وَمُنَازَعَتِهِ".

نعم؛ لأنها لما تزوجت ما طلب الأب أن ينتزع المحضون منها، فبقي في يدها، وكونه أولى به من أمه إذا تزوجت فهذا حقٌّ له، إذا لم يطالب به سقط، كما لو أن الأم تركت الولد عند أبيه ورأت أنه من المصلحة ولم تطالب به فالأمر لا يعدوها.

"وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ طَلَبِهِ، فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ لِلْأُمِّ الْمُزَوَّجَةِ أَنْ تَقُومَ بِوَلَدِهَا، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقِصَصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ حَصَلَ نِزَاعٌ فِي ذَلِكَ، فَلَا دَلِيلَ فِيمَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاحِدَةُ حَبَّاتِ الْعِنَبِ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا غُلَامُ هَذَا أَبُوك، وهذا أمك»".

وهذه.

"«وَهَذِهِ أُمُّك، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ".

يعني وقت التخيير إذا ميّز، إذا ميّز يعني يخير الطفل إذا ميّز، وصار يعرف شيئًا من مصلحته ويميل ميلاً ناتجًا عن تمييز، مجرد أنه يقال له: تريد أباك أم أمك وهو ما يميز ولا يدرك مثل هذا اختياره مثل عدمه، فلا بد من ربطه بالتمييز.

"بوك

 

 

 

الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ بَعْدَ اسْتِغْنَائِهِ بِنَفْسِهِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْأَبِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ إلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ الصَّبِيُّ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَحَدُّ التَّخْيِيرِ مِنْ السَّبْعِ سِنِينَ.

وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى عَدَمِ التَّخْيِيرِ، وَقَالُوا: الْأُمُّ أَوْلَى بِهِ إلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى بِنَفْسِهِ فَالْأَبُ أَوْلَى بِالذَّكَرِ وَالْأُمُّ أَوْلَى بِالْأُنْثَى، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ في عَدَمِ التَّخْيِيرِ، لَكِنَّهُ قَالَ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، قِيلَ: حَتَّى يَبْلُغَ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفَاصِيلُ بِلَا دَلِيلٍ. وَاسْتَدَلَّ نُفَاةُ التَّخْيِيرِ بِعُمُومِ حَدِيثِ: «أَنْتِ أولى بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الِاخْتِيَارُ إلَى الصَّبي مَا كَانَتْ أَحَقَّ بِهِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَامًّا فِي الْأَزْمِنَةِ أَوْ مُطْلَقًا فِيهَا فَحَدِيثُ التَّخْيِيرِ يَخُصُّهُ، أَوْ يُقَيِّدُهُ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الصَّبِيُّ أَحَدَ أَبَوَيْهِ فَقِيلَ: يَكُونُ لِلْأُمِّ بِلَا قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْحِضَانَةَ حَقٌّ لَهَا، وَإِنَّمَا ينتقل عَنْهَا بِاخْتِيَارِهِ، فَإِذَا لَمْ يُخَيَّرْ بَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ، وَقِيلَ: وَهُوَ الْأَقْوَى دَلِيلاً والأقوم قيلاً أنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛ إذْ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْعَةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اسْتَهِمَا»، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَنْ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ وَلَدِي؟ فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اخْتَرْ أَيَّهمَا شِئْت» فَاخْتَارَ أُمَّهُ فَذَهَبَتْ بِهِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.

وَظَاهِرُهُ تَقْدِيمُ الْقُرْعَةِ عَلَى الِاخْتِيَارِ، لَكِنْ قُدِّمَ الِاخْتِيَارُ عَلَيْه، ولِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: إنَّ التَّخْيِيرَ وَالْقُرْعَةَ لَا يَكُونَانِ إلَّا إذَا حَصَلَتْ بِهِ مَصْلَحَةُ الْوَلَدِ، فَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ أَصَوْنَ مِنْ الْأَبِ وَأَغْيَرَ مِنْهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى قُرْعَةٍ، وَلَا اخْتِيَارِ الصَّبِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّهُ ضَعِيفُ الْقَوْلِ، يُؤْثِرُ الْبَطَالَةَ وَاللَّعِبَ، فَإِذَا اخْتَارَ مَنْ يُسَاعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا الْتِفَاتَ إلَى اخْتِيَارِهِ، وَكَانَ عِنْدَ مَنْ هُوَ أَنْفَعُ لَهُ، وَلَا تَحْتَمِلُ الشَّرِيعَةُ غَيْرَ هَذَا".

نعم إذا وُجِد أمّ متساهلة في التربية تترك الطفل يلعب وينام ويقوم على راحته، ولا تأطره على ما ينفعه، والأب عنده شيءٌ من الحزم والاحتياط والتحري وضبط الولد وعدم تركه في اللعب واللهو، أطره على ما ينفعه فلا شك أن مثل هذا اختيار لا ينظر إليه، لا ينظر إليه؛ لأنه سيسبب ضياع الولد، وبالعكس لو كان الأب منشغلًا عن الولد في تجارته، ولا يدري عنه، والأم متفرغة للولد، وتربيه على ما يقتضيه الشرع فإن الأم حينئذٍ تكون أولى به من الأب، والمنظور أولاً وآخرًا في الحضانة حظ المحضون، حظ الصبي.

"وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ»، وَاَللَّهُ يَقُولُ: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ تَتْرُكُهُ فِي الْمَكْتَبِ أَوْ تُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ وَالصَّبِيُّ يُؤْثِرُ اللَّعِبَ وَمُعَاشَرَةَ أَقْرَانِهِ، وَأَبُوهُ يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَحَقُّ بِهِ، وَلَا تَخْيِيرَ، وَلَا قُرْعَةَ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، انْتَهَى. وَهو كَلَامٌ حَسَنٌ.

وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَقْعَدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْأُمَّ فِي نَاحِيَةٍ وَالْأَبَ فِي نَاحِيَةٍ، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا فَمَالَ إلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِهِ»، فَمَالَ إلَى أَبِيهِ فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ. وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ رَافِعٍ، ضَعَّفَهُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.

وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الصَّبِيُّ فَقِيلَ: إنَّهُ أُنْثَى، وَقِيلَ: ذَكَرٌ وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ تَخْيِيرُ الصَّبِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الاختيار، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَقْعَدَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَهُمَا، وَدَعَا أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ فَاخْتَارَ أَبَاهُ؛ لِأَجْلِ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَلَيْسَ مِنْ أَدِلَّةِ التَّخْيِيرِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْحِضَانَةِ لِلْأُمِّ الْكَافِرَةِ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ لَمْ يُقْعِدْهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَهُمَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَهْلُ الرَّأْيِ وَالثَّوْرِيُّ.

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا مَعَ كُفْرِهَا، قَالُوا: لِأَنَّ الْحَاضِنَ يَكُونُ حَرِيصًا عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ عَلَى دِينِهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ، وَقَالَ: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] وَالْحِضَانَةُ وِلَايَةٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، كَمَا عَرَفْت قَرِيبًا.

وَحَدِيثُ رَافِعٍ قَدْ عَرَفْت عَدَمَ انْتِهَاضِهِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ هَذِهِ، وَكَيْفَ تَثْبُتُ الْحِضَانَةُ لِلْأُمِّ الْكَافِرَةِ مَثَلاً، وَقَدْ اشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ عَدَالَةَ الْحَاضِنَةِ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْفَاسِقَةِ فِيهَا؟".

فالكافرة من باب أولى، إذا كان لا حظ للفاسق فيها فالكافر من باب أولى.

"وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِي غَايَةٍ مِنْ الْبُعْدِ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا فِي الْحَاضِنَةِ لَضَاعَ أَطْفَالُ الْعَالَمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ أَطْفَالُ الْفُسَّاقِ بَيْنَهُمْ يُرَبُّونَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهُمْ الْأَكْثَرُونَ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ اُنْتُزِعَ طِفْلٌ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا لِفِسْقِهِ، فَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِعَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ.

نَعَمْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْحَاضِنِ عَاقِلًا بَالِغًا، فَلَا حضَانَةَ لِمَجْنُونٍ، وَلَا مَعْتُوهٍ، وَلَا طِفْلٍ؛ إذْ هَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ لِمَنْ يَحْضُنُهُمْ وَيَكْفِيهِمْ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ حُرِّيَّةِ الْحَاضِنِ، فَقَالَتْ بِهِ الْهَادَوِيَّةُ وَأَصْحَابُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالُوا: لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ".

وهو مشغول بأعمال سيده، مشغول بخدمة سيده عن هذا المحضون.

" وَقَالُوا: لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَتَوَلَّى غَيْرَهُ وَالْحِضَانَةُ وِلَايَةٌ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي حُرٍّ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أمه".

من أمته.

"وقال مالك في حر له ولد من أمة".

من أمته.

"من أَمَتِهِ: إنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُبَعْ فَتَنْتَقِلْ، فَيَكُونُ الْأَبُ أَحَقَّ بِهِ، وَاسْتَدلَّ بِعُمُومِ حَدِيثِ: «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا»، وَحَدِيثِ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أخرجه الأول".

أخرج الأول.

"أَخْرَجَ الْأَوَّلَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَحَسَّنَهُ السُّيُوطِيّ، وَأَخْرَجَ الثَّانِيَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وقَالَ: وَمَنَافِعُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِلسَّيِّدِ فَحَقُّ الْحضَانَةِ مُسْتَثْنًى، وَإِنْ اسْتَغْرَقَ وَقْتًا مِنْ ذَلِكَ كَالْأَوْقَاتِ الَّتِي تُسْتَثْنَى لِلْمَمْلُوكِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ وَعِبَادَةِ رَبِّهِ".

يعني مثل أوقات الصلوات وأوقات الصيام، لا شك أنها مؤثرة في حق السيّد، لكن مع ذلك هي مستثناةٌ شرعًا، وبالنسبة للأجير أيضًا هي مؤثرة في حق المستأجِر، لو أن أجيرًا من المسلمين استأجره شخص، ثم إذا أذن خرج إلى الصلاة، قال: استأجرتُك وقت النهار كله، كيف تخرج للصلاة وأنت أجير عندي؟ نقول: هذا مستثنى شرعًا، لا يدخل في العقد.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

تفضل.

طالب:...

من، الفسق مانع.

طالب:...

والأصل إذا كان الفسق، إذا كان الأم والأب بينهما فرق في العدالة والفسق، وفسق هذا مما يتعدى إلى المحضون. نفترض أن الأب فاسق يشرب الخمر مثلاً، هل يؤمن أن يُجعل عنده صبي؟

لا يؤمن، فالأم أحق به ولو تزوجت فينتقل حقه إليها؛ لوجود المانع، لو أن الأم والمحضونة بنت مثلاً متساهلة في أمر الاختلاط، وأمر دخول الناس عليها، وخطرٌ على البنت أن تبقى عندها، نقول: الأب أحق بها؛ لأن هذه الأمّ فاسقة بفسقٍ يؤثر على المحضون، فلا بد من مراعاة هذا، نعم.

طالب:...

أي؟

طالب:...

الذي هو، قال: «اللهم اهده» فيه كلام لأهل العلم، فيه كلام لأهل العلم، لكن في أول الأمر لا مفر منه ولا محيد أن في أول الأمر أسلم أحد الأبوين، وبقي الآخر، فما عُرف أنه انتزع الولد من أحدهما دون الآخر.

طالب:...

المقصود أن المراعى والملحوظ هو حق المحضون، فإذا كان عليه ضرر في دينه أو في دنياه أو في بدنه فلا يبقى في يد من هو بيده.

اللهم صل على محمد.

 الأسبوع القادم الدرس كله سبل إن شاء الله تعالى؛ لأن الأسبوع الماضي ما فيه، السبل تجاوزناه فيقضى في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.