عمدة الأحكام - كتاب الصلاة (01)

عنوان الدرس: 
عمدة الأحكام - كتاب الصلاة (01)
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب عمدة الأحكام من كلام خير الأنام
تاريخ النشر: 
أحد 16/ شعبان/ 1435 5:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالكتاب الذي يُتولى شرحه -شرح شيء منه- هو العمدة عمدة الأحكام، للحافظ عبد الغني المقدسي، كتاب من أمتن كتب الأحكام المجردة من الأصول المعتمدة، بل هو أصح ما ألف في هذا الباب لطلاب العلم، وجرد من الأصول لأنه من الصحيحين، وشرط المؤلف أن يكون الحديث متفقاً عليه، وقد يخرج عن هذا الشرط قليلاً فيخرج شيئاً من أفراد البخاري، أو من أفراد مسلم، وعلى كل حال جميع ما في الكتاب صحيح، ولسنا بحاجة إلى الكلام على أحاديث الكتاب من حيث الرواية، بل الذي يهمنا ويهم أوساط المتعلمين في مثل هذه الأحاديث الصحيحة جانب الدراية، يكون الاهتمام بشرح متن الحديث دون النظر في طرقه وأسانيده؛ لأنه من أصح الكتب، نبدأ بكتاب الصلاة من عمدة الأحكام.

سم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمناه الله وإياه تعالى، وغفر له ولشيخنا وللحاضرين-:

كتاب الصلاة

باب المواقيت

عن أبي عمرو الشيباني -واسمه سعد بن إياس- قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل-؟ قال: ((الصلاة على وقتها)) قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين)) قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)) قال: حدثني بهن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو استزدته لزادني.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

كتاب الصلاة

الكتاب مضى التعريف به مراراً في كتب مختلفة، وفي هذا الكتاب كتاب الطهارة في موضع أخر، الكتاب مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابة وكتباً، والأصل في المادة الجمع، يقال: تكتب بني فلان إذا اجتمعوا، وقيل لجماعة الخيل: كتيبة، وهو من المصادر السيالة التي تحدث شيئاً فشيئاً، يعني لا تحدث دفعة واحدة، ما في كتاب يوجد دفعة واحدة، يعني إذا كانت الولادة والقيام والقعود يحدث دفعة واحدة فالكتابة تحدث شيئاً فشيئاً؛ لأنها تجتمع شيئاً فشيئاً من الحروف والكلمات، يقول الحريري:

وكاتبين وما خطت أناملهم

 

حرفاً ولا قرؤوا ما خُط  في الكتبِ

يقصد بذلك الخرازين، لا يقرؤون ولا يكتبون، لكنهم يجمعون بين صفائح الجلود فيخرزونها ويجمعون بينها، والجمع كتابة، والمراد بذلك المكتوب، اسم المفعول الجامع لمسائل هذه الفريضة العظيمة وهي الصلاة، والصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، عمود الإسلام الصلاة، من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها كفر إجماعاً، ومن تركها تهاوناً وكسلاً فالقول المفتى به أنه يكفر كفر مخرج عن الملة ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) ((بين المرء والكفر ترك الصلاة)) أو قال: الشرك، المقصود أن شأن الصلاة عظيم، أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وأخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، فمن فقد الصلاة فلا شيء أبقى من دينه أبداً، كل شيء فقد أخره فقد انتهى.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب المواقيت

الباب في الأصل ما يدخل ويخرج منه، وهو في عرف أهل العلم في الحقيقة العرفية عند أهل العلم: ما يضم فصولاً ومسائل غالباً، هذا الباب في الاصطلاح العرفي وهو حقيقة، لا نقول: إن استعماله في المحسوسات حقيقة، وفي المعقولات والمعنويات مجاز، كما يقول من يثبت المجاز، بل هو حقيقة عرفية عند أهل العلم، والحقائق كما تعلمون ثلاث: لغوية وشرعية وعرفية، هذه حقيقة عرفية عند أهل العلم، تعارفوا على وضع كلمة باب لما يضم فصول ومسائل، والباب هنا يضم أحاديث، الكتاب يضم أبواب، وكل باب يضم أحاديث، الحديث الأول من أحاديث هذا الباب يقول:

باب المواقيت

المواقيت: جمع ميقات، والميقات والوقت بمعنى واحد، والمراد به الوقت المحدد لأداء هذه الشعيرة، بحيث لا يجوز أن تقدم عليه ولا يجوز أن تؤخر عنه {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [(103) سورة النساء] كتاباً يعني مكتوباً مفروضاً، موقوتاً يعني في الأوقات المحددة التي جاءت النصوص الصحيحة بتحديدها، ومن أشهر ما جاء في المواقيت حديث جبريل حينما أم النبي -عليه الصلاة والسلام- في الصلوات الخمس في أول الوقت وفي آخره، في اليوم الأول صلى بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في أول الوقت، وفي اليوم الثاني صلى به في آخر الوقت، هذا من أشهر الأحاديث في المواقيت التي تجمع أوقات الصلوات الخمس، ومن أشهرها أيضاً حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم، وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل بحيث لو حصل التعارض بينهما كما سنعرضه -إن شاء الله تعالى- قدم حديث عبد الله بن عمرو، وهو في الصحيح أيضاً، وأما حديث إمامة جبريل في السنن، لم يخرج المؤلف حديث إمامة جبريل؛ لأنه ليس على شرطه، والأصل في شرطه أن يخرج ما اتفقا عليه، ولذا لم يخرج حديث عبد الله بن عمرو، وهو من أجمع الأحاديث في المواقيت.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"عن أبي عمرو الشيباني" واسمه سعد بن إياس الشيباني أبو عمرو، مخضرم أدرك الجاهلية، وعمر طويلاً بحيث عاش مائة وعشرين عاماً "واسمه سعد بن إياس، قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود" فالإشارة التي لا تحتمل معنى آخر تقوم مقام العبارة، هو ما سمى من روى عنه، ما قال: حدثني عبد الله بن مسعود، قال: حدثني صاحب هذه الدار، فهل هذا معين أو مبهم؟ أشار إلى الدار وعين الدار لكن أبهم الصاحب، فإذا كان الصاحب لا يحتمل كفى عن التصريح كما هنا، ولذا خرج الحديث في الصحيحين، صاحب هذه الدار، لكن لو كان للدار أكثر من صاحب، الدار بين ثلاثة شركاء، فقال: حدثني صاحب هذه الدار يكفي وإلا ما يكفي؟ لا يكفي، بل لا بد  من التعيين؛ لأن الإبهام جهالة، والجهالة لا شك أن أقل أحوالها أن تكون عدم علم بحال الراوي، إن لم تكن قدحاً فهي عدم علم بحال الراوي، ولا بد أن يكون الراوي معروفاً بالعدالة، فمثل هذه الإشارة المعينة تقوم مقام التصريح، وهل يكفي في ذلك غلبة الظن؟ إذا كان في البلد أكثر من عالم، لكن في واحد متميز عليهم، فقيل: حدثني عالم البلد الفلاني يكفي وإلا ما يكفي؟ وفيه أكثر من عالم؟ هل يكفي في ذلك غلبة الظن؟ يعني إذا قال: حدثني عالم عنيزة مثلاً هل ينصرف الذهن إلى ابن السعدي أو ابن عثيمين أو غيرهم؟ أو أي عالم من علماء عنيزة ممن قبلهم وممن بعدهم؟ مثال، هنا أشار إلى صاحب الدار هذا تعيين للدار، وليس لها إلا صاحب واحد، وهذا يكفي عن التصريح، لكن إذا كان الاحتمال على حد سواء فلا يكفي ألبتة، فما تقول: حدثني صاحب هذه الدار ولها أكثر من صاحب، ما يكفي، أما إذا غلب على الظن وعرف السامع ولو بغلبة الظن أن المقصود فلان بعينه بأن اشتهر في هذه البلدة، أو اشتهر بملازمة كتاب معين، أو مهنة معينة، في كتب الرجال من يوصف بوصف يشترك معه كثير، لكن يعرف بهذا الوصف دون غيره، فيحكم بغلبة الظن.

لو قال: حدثني بياع الخلقان مثلاً، هذا موجود في تراجم الرواة، المعروف ببياع الخلقان، تعرفون الخلقان،  عرف به شخص بعينه، ويوجد من ينافسه في هذه المهنة، لكن يغلب على الظن المراد به هذا ويكتفون به، على كل حال هذه الإشارة تقوم مقام التصريح كما هنا "حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود" الصحابي الجليل، ابن أم عبد، أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي من مشاهير الصحابة ومن علمائهم.

"قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-" السائل هو ابن مسعود "سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل-؟ قال: ((الصلاة على وقتها))" يأتي من الأسئلة ما فيه أي الأعمال أفضل؟ ويأتي أفعل التفضيل من غير سؤال، أفضل الأعمال كذا، وتجيء الأجوبة من النبي -عليه الصلاة والسلام- مختلفة، هنا الجواب قال: ((الصلاة على وقتها)) وفي بعضها يجيب النبي -عليه الصلاة والسلام- بالإيمان، وفي بعضها يجاب بغير هذين، فإما أن يقدر (من) فيكون من أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، من أحبها إلى الله الإيمان، مع أنه أفضلها على الإطلاق، بل هو شرط لصحتها كلها، وقد يكون السائل غنياً باذلاً فيقال له: أحب الأعمال إلى الله البذل والإنفاق في سبيل الله، وقد يكون شجاعاً مقداماً فيقال له: أحب الأعمال إلى الله الجهاد في سبيل الله، وقد لا يكون صاحب مال، وليس بقوي في بدنه، لكن لديه تميز في ذكائه وفطنته وفهمه وحفظه فيقال: أفضل الأعمال وأحب الأعمال إلى الله طلب العلم الشرعي، فكل شخص يجاب بما يناسبه، ولذا تعددت أجوبة النبي -عليه الصلاة والسلام-، والسؤال واحد، فإما أن يقدر (من) فيكون المجاب به من أفضل الأعمال، وإما أن يقال: إن الجواب يختلف باختلاف أحوال السائلين.

أي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل-؟ أحب أفعل تفضيل، تشترك الأعمال المذكورة في كونها محبوبة عند الله -جل وعلا-، ويزيد بعضها على بعض في هذا الوصف "إلى الله -عز وجل-" العرف يخص هذين الفعلين في الله -جل وعلا-، فلا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً فضلاً عن غيره "إلى الله -عز وجل- قال هذا الجواب: ((الصلاة على وقتها))" وجاء في بعض الروايات: ((الصلاة لوقتها)) المقصود أن الصلاة أداء الصلاة في وقتها هو أفضل الأعمال، طيب ماذا عن الصلاة في وقتها وبعد وقتها؟ الصلاة قبل وقتها لا تصح؛ لأن دخول الوقت شرط لصحة الصلاة، اللهم إلا إذا كانت مجموعة جمع تقديم فلا بأس، الصلاة على وقتها، وماذا عن الصلاة بعد وقتها؟ إذا كان معذوراً، وأخر الصلاة حتى خرج وقتها كما سيأتي في شغل النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما شغله الكفار عن صلاة العصر حتى غربت الشمس هذا معذور، لكن إذا تعمد تأخير الصلاة عن وقتها، قبل وقتها لا تصح، وبعد وقتها يرى جمع من أهل العلم أنها كما لو أديت قبل وقتها لا تصح، ولذا لا يأمر بقضائها، بل حكم بعضهم بكفره، كفر من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها، ويقول: أبداً الصلاة غير صحيحة، ووجودها مثل عدمها، كما لو صلاها قبل الوقت، وهذا أفتى به بعضهم، ونقل عليه ابن حزم الإجماع، لكن هذه من المسائل النادرة التي نُقل الإجماع على النقيضين فيها، نقل غيره الإجماع على وجوب القضاء، قضاء الصلاة بالنسبة لمن تعمد تأخيرها حتى خرج وقتها، وعلى كل حال عامة أهل العلم على أن من أخر الصلاة حتى خرج وقتها متعمداً فقد ارتكب إثماً عظيماً، وموبقة من الموبقات، لكنه لا يكفر، ويجب عليه أن يقضيها، وتداول الناس فتوى عن إمام من أئمة المسلمين بالنسبة لمن يوقت الساعة على الدوام، يعني بعد خروج الوقت، يوقت الساعة للساعة السابعة فإذا انتبه من نومه صلى الصبح وذهب إلى دوامه، أمر خطير، أمر عظيم جداً، والفتوى فيه قوية، لكن عامة أهل العلم على أنه لا يكفر، وإن أتى موبقة من الموبقات، يخشى عليه من أن يخرج من دينه، كما قال بهذا بعض أهل العلم. "((الصلاة على وقتها)) قلت: ثم أي؟" أي بالتنوين، كذا قال بعضهم، وجزم آخرون بأنها لا تنون، لماذا؟ لأن المضاف إليه منوي، ثم أي؟ يعني ثم أي الأعمال بعد ذلك؟ فلا تنون "قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين))" الوالدان هما سبب وجود الولد، هما السبب في وجوده، وهما من أعظم الخلق منة على الولود، وحقهما من أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى، والعقوق كبيرة من كبائر الذنوب، وجاء فيه من نصوص الوعيد ما جاء، حتى جاء ((فليعمل العاق ما شاء فلن يدخل الجنة)) ((والرحمة لا تنزل على قاطع رحم)) فضلاً عن عاق، وإذا تقاطع المسلمان وتهاجرا لا ترفع لهما الأعمال حتى يصطلحا، فيكف بمن عق والديه؟ وإذا كان التأفيف كلمة من حرفين هما أخف الحروف حرام، ومنصوص عليه في القرآن فكيف بما دونه؟! فلينتبه الولد عموماً وطالب العلم على وجه الخصوص من هذه الموبقة، نسأل الله السلامة والعافية، يلاحظ على بعض طلاب العلم أنه من أيسر الأمور أن يحضر صاحبه يضرب البوري أو الجرس يجده جاهز متأهب قبل الحضور، ينتظر صاحبه، ويخرج معه، ويذهب إلى أي مكان يريده، لكن إذا قالت الأم: أريد أن أذهب إلى المكان الفلاني أو إلى أختك الفلانية أو خالتك أو كذا تبرم، وقال: هو مشغول، وهو بصدد تحصيل علم، أو بعمل صالح، كل هذا لا يجوز، هذا أهم، إذا كان الجهاد لإعلاء كلمة الله -جل وعلا- لا يجوز إلا باستئذان الوالدين فكيف بغيره؟! فلينتبه طالب العلم لهذا.

"قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))" فدل على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله، ولأهل العلم تفصيلات في هذا، إذا كان الجهاد متعيناً فله حكم, وإذا كان هناك من يقوم به وهو من طرق الكفايات له حكم، على كل حال هذه الخصال المذكورة هي من أحب الأعمال إلى الله، وهي من أوجبها على المسلمين. "قال: حدثني بهن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" تأكيد هذا أنه لم ينقل ذلك بالواسطة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بل تلقاها مباشرة من النبي -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: "ولو استزدته لزادني" ولو استزده من الخصال لزادني، قلت: ثم أي؟ قلت: ثم أي؟ إلى آخره، لكن هذا من باب الرفق من الطالب بالمعلم، ومن آداب طالب الحديث أن يرفق بشيخه، وأن يتحين الفرص والأوقات المناسبة للسؤال، وأن لا يضجر الشيخ ويكثر عليه، إذا رأى أن الوقت غير مناسب ينصرف، ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن يقيل ينام في منتصف النهار إلى باب من يريد أن يسأله، ابن عم الرسول -عليه الصلاة والسلام-، كل شخص يتشرف أن يطرق الباب مثل ابن عباس، ولا يطرق الباب ينتظر حتى يأتي الوقت المناسب والظرف المناسب للسؤال، ليأتي ليسمع حديث من شخص من الأشخاص، والذي في النص من الأنصار، ثم يقيل، ننظر إلى هذا الأدب الرفيع من هذا الإمام الحبر الوجيه ابن عم النبي -عليه الصلاة  والسلام-، وتجد الطالب يأتي في كل وقت يسأل ولا يستشعر أن المسئول بشر مثل الناس، ومن السهل أن يتصل في منتصف الليل، أو بعد منتصف الليل، الساعة الواحدة أو الثانية يتصل من غير استشعار لاستثقال ولا شيء، فعلى طالب العلم أن لا يضجر شيخه؛ لأن الشيخ بشر في يوم من الأيام يعطيك كلام لا يرضيك، يغضب كما يغضب الناس، ويرضى كما يرضون، وعليه ضغوط مثلما على غيره، فعلى كل حال على طالب العلم أن يرفق بالشيخ، كما أن الشيخ عليه أن يهتم بطلابه، وأن يوليهم عنايته، وأن يرحب بهم، فهم وصية النبي -عليه الصلاة والسلام-، فالطالب مطالب، والشيخ مطالب، والله المستعان.

سم.

عفا الله عنك.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس.

عندك في المتن قال؟ ما هو من المتن؟ تفسير المروط والغلس؟

طالب: لا.

لا من المتن.

طالب: هذا الموجود يا شيخ.

عفا الله عنك.

المروط: أكسية معلمة تكون من خز، وتكون من صوف، ومتلفعات: متلحفات، والغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني:

"وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يصلي الفجر" والصيغة تدل على الاستمرار "يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعاتُ" أو متلفعاتِ، وصف للنساء أو حال؟ نساء نكرة وإلا معرفة؟ نكرة، والنكرة بحاجة إلى وصف أو إلى بيان الهيئة التي هي الحال؟

لكن وصفن بكونهن من المؤمنات ألا يكفي هذا؟ يجوز الأمران، لا شك أن النكرة حاجتها إلى الوصف أعظم من حاجتها إلى بيان الهيئة، لكن إذا تم الوصف وتحددت النكرة، وتميزت بوصفها ساغ بيان هيئتها، على كل حال يجوز الأمران.

متلفعات، وفي رواية: متلففات، والمعنى متقارب، وملتحفات كما يقول المؤلف بمروطهن، المروط: جمع مرط، وكما يقول المؤلف: أكسية معلمة تكون من خز وتكون من صوف "ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس" يصلي الفجر في أول وقتها، لا سيما وقد عرف من حاله -عليه الصلاة والسلام- أنه يطيل القراءة في صلاة الصبح، فإذا كان بعد انقضاء الصلاة، ما يعرفن من الغلس، دل على مشروعية التبكير بصلاة الصبح، والمبادرة بها بعد التحقق من طلوع الصبح، لا يحملنا مثل هذا أن نخاطر ونصلي الصبح في قبل وقتها، لا، بل علينا أن نتأكد من طلوع الصبح، فإذا طلع الصبح بادرنا بصلاة الصبح؛ لأن هذا كان ديدنه -عليه الصلاة والسلام- أنه يصلي الفجر بغلس، بل الغلس موجود بعد انقضاء الصلاة، يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات، وفي هذا أن للنساء أن يحضرن الصلاة مع الرجال، لكن هذه مشروط ومقيد بأمن الفتنة، وأن تخرج المرأة في كامل الستر، تفلات غير متطيبات، بالمروط يخرجن، ثياب موصوفة، قس هذه الثياب بالثياب التي يلبسها نساء العصر، الذي عمره فوق الأربعين منكم أدرك ما كان يلبسه النساء في أول الأمر، يعني قبل ثلث قرن، والاختلاف كبير جداً بينما كان يلبس وما يلبس الآن، هنا متلفعات متلففات، متلحفات بالمروط، أكسية من صوف، وقد تكون من خز، لكنها سابغة من جهة ضافية وافية تجر من ورائها ومع ذلك متينة، ومع الأسف الشديد أنه يوجد من تحضر لصلاة التهجد بثياب أشبه ما تكون بالعارية، كاسية عارية، يعني يوجد من العبايات النسائية التي الآن تعرض في أسواق المسلمين من غير نكير مع الأسف الشديد، من تصف ما تحت الثياب ما هو ما تحتها، إضافة إلى كونها من الزينة التي لا يجوز إبدائها ولا إخراجها، يضاف إلى ذلك كونها ضيقة تبين عما تحتها، لا تستر إلا العيوب، ويوجد الآن عبايات بحيث لو قال القائل ولعل هذا من خطوات الشيطان أنه ما فائدة هذه العباية لو اكتفت المرأة بثوب يكون أوسع وأفضل كان أولى؟ ويجد من يوافقه؛ لأن هذه العبايات لو عمت بها البلوى، لكن يوجد -ولله الحمد- من نساء المسلمين العدد الكبير متسترات، وهذه خطوات الشيطان، يعني ما يمكن يأتي دفعة واحدة، يأتي بالشر يخففه شيئاً فشيئاً إلى أن يقدم عليه بقوة وحزم، هذه العبايات التي توجد في أقدس البقاع، وعلى نساء المسلمين شأنها خطير، يعني لو نادى منادي بإلقاء هذه العبايات لأنها شر وفتنة وجد من يؤيد حتى من الأخيار؛ لأنها مناظر كريهة مقلقة، يقول: مثلما في البلدان الأخرى تلبس ثوباً واسع، وهذه خطوة من خطوات الشيطان، بحيث أن هذا الثوب الواسع ضيقته فيما بعد، وقال: ما له داعي هذا الثوب، هذه خطوات الشيطان، وقد نهينا عن اتباع خطواته، وهذه أعمال المنافقين، بل هي من أوائل وظائف إبليس {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} [(27) سورة الأعراف] هذه وظيفة من وظائف إبليس الأولى، وهي وظيفة أتباعه إلى قيام الساعة، في آية الأحزاب {قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [(59) سورة الأحزاب] إلى أن قال: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ} [(60) سورة الأحزاب] والارتباط بين الآيتين وثيق، المنافقون هم الذين يدعون إلى طرح الجلباب وإلقائه.

يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات هذا ((لا تمنعوا إماء الله بيوت الله)) يعني ليس من حق الزوج أن يمنع زوجته مع أمن الفتنة من شهود الصلاة مع الجماعة، لكن لا بد أن تؤمن الفتنة، ولا بد أن تخرج على وضع شرعي كاملة الستر غير متطيبة، ويوجد من يحضر إلى صلاة التهجد مع السائق الأجنبي تناقض، والله تناقض، فهل يظن بمثل هذه والقلوب بيد الله والنوايا لا يعرفها إلا علام الغيوب، لكن غلبة الظن توحي بأن هذه أرادت أن تخرج مع الناس، شافت الجيران يطلعون قالت: أطلع، لكن الذي يرجو الله والدار الآخرة يرتكب محرم ليؤدي سنة؟! هذا لا يكون أبداً، قد يقول قائل: الجهة منفكة، لها أجر حضورها الصلاة، وعليها وزر ركوبها مع السائق بدون محرم، فالجهة منفكة، نقول: يا أخي قد لا يكون المطلوب شيء بالنسبة للمحظور، يعني لا يغيب عنا بعض ما قاله بعض الأشعرية من وجوب غض بصر الزاني عن المزني به، والجهة منفكة، هو مطالب بغض البصر ومطالب بترك الزنا، ما حصل هذا لا بد يحصل هذا، هذا الكلام ليس بصحيح، هذا استخفاف واستهتار، يعني ما منع هذا إلا من أجل هذا.

"فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس" وفسر المؤلف -رحمه الله تعالى- الغلس بأنه اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، فالغلس والدلس والغبش ألفاظ متقاربة، يعني عدم الوضوح في الرؤية، فالذي يأتي بالغلس لا يكاد يميز بالتحديد من هو، والذي يدلس على الناس ويظهر السلعة على وجه لا عيب فيها، ويخفي العيب هذا منهي، وهذا التدليس معروف في السلع، والتدليس في الحديث أيضاً معروف عند أهله، وعلى كل حال هذا الحديث دلالته ظاهرة في استحباب تقديم صلاة الصبح في أول وقتها، وهو قول جمهور أهل العلم، وأما الحنفية يرون استحباب الإسفار للأمر به، جاء الأمر بالإسفار ((أسفروا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم)) وهذا الخبر متكلم فيه، لكن على فرض ثبوته المراد بالإسفار تحقق طلوع الصبح، التحقق من طلوع الصبح؛ بأن لا يكون الصبح هل طلع أو ما طلع؟ تأكد من طلوع الصبح ثم صل صلاة الصبح، نعم.

عفا الله عنك.

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية, والمغرب إذا وجبت, والعشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر، والصبح كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصليها بغلس.

الهاجرة ما فسرها؟ المؤلف ما فسرها؟ هاه؟

هذه ما فيها شيء.

قال -رحمه الله- الهاجرة: هي شدة الحر بعد الزوال.

هذا الإشكال في الطبعات الجديدة الأخيرة بعضها يفوت على بعض المحققين شيء من الكتاب، فطالب العلم عليه أن يعنى بالطبعات القديمة؛ لأن الذي تولى الطباعة والتصحيح علماء، وكان الهدف -والله أعلم بالمقاصد- من نشر الكتب في أول الأمر نشر العلم، ثم بدأ يخف الأمر حتى صار القصد التجارة، فالكتب المطبوعة قديماً سواء كان منها الكبار أو الصغار في الغالب متقنة؛ لأن الذي يتولى الطبع علماء، أما الآن يوجد في بعض المطابع الآن التي هي من أشهر المطابع، وأكثر المطابع نشر وتوزيع مئات الألوف من النسخ يوجد من يطبع كتب المسلمين من غير المسلمين، بل شباب كثير منهم ضايع، وبدون شاشات يطبعون، الله المستعان كيف يطلع الكتاب؟ كيف يخرج الكتاب بهذه الكيفية؟ إذا كان الخطأ في عنوان الكتاب الأصلي كيف تثق بكتاب هذه طباعته؟!

نعم جزء القراءة خلف الإمام هذا كتاب للإمام البخاري -رحمه الله- مكتوب عنوان الكتاب جزء القراءة خلف الصلاة، إذا كان عنوان الكتاب خطأ كيف تثق بمحتوى الكتاب؟! والآن مر علينا في حديثين إسقاط، اللهم إلا إذا كان المحقق معروف بجودته ودقته وتحريه ووقف على نسخ لم يقف عليها من طبعه الطبعة الأولى لا بأس، والعصر الذي نعيشه عصر سرعة، الشخص الذي عنده معرفة وخبرة ودربة ما عنده استعداد يقضي الأوقات للنظر في حركة، في حرف، في فاصلة، في كذا، لا، بل صار بعض المشاهير الكبار يكتفون بمجرد وضع الاسم، يجعلون هناك ورش يسمونها ورش التحقيق يجمعون فيها من الشباب ومن رخص أجره، يعني من رخصت أجرته، يحشدون فيها الجموع ويحققون وينشرون، ويضع اسمه في النهاية، فمشكلة الآن لما دخلت النيات صار الإنسان يتحرى ويتثبت.

على كل حال في الحديث الثالث يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن جابر -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة" الهاجرة شرحها المؤلف أنها شدة الحر بعد الزوال، وسميت بذلك لأن العمل يهجر فيها، يترك العمل لشدة  الحر "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة" يعني بعد الزوال، والهاجرة الأصل فيها شدة الحر، فالعمل يهجر يعني يترك لشدة الحر، فصارت تطلق على الوقت الذي يقع بعد الزوال مطلقاً، فيعم ما بعد الزوال في جميع الفصول، فالحديث فيه دليل على المبادرة بصلاة الظهر بالجملة، لكن يبقى أنه خص منه ما دل عليه حديث الإبراد ((إذا اشتد الحر فابردوا)) قد يقول قائل: إن دخول شدة الحر في هذا العموم قطعي، أنتم معنا في هذا وإلا نزيد تفصيل؟ الآن النص يقول: "يصلي الظهر بالهاجرة" وعرفنا أن الهاجرة هي شدة الحر التي تكون بعد الزوال، وكونه يصلي الظهر في الهاجرة يعني أنه يصلي الظهر بعد زوال الشمس مباشرة، الهاجرة شدة الحر، وجاء ((إذا اشتد الحر فابردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) إذا قلنا: إن الحديث بعمومه، إذا نزلنا الهاجرة ما بعد الزوال مطلقاً سواء كانت في الصيف أو في الشتاء أو في الربيع أو في الخريف صارت الهاجرة تعبيراً عما بعد الزوال مباشرة، فما العمل في هذا الحديث مع أحاديث الأمر بالإبراد؟ هل نقول: إن هذا عام في الفصول كلها وأحاديث الإبراد خاص بما إذا اشتد الحر؟ نقول: دخول فصل الصيف في حديث الباب دخول قطعي، كيف دخول قطعي؟ لأن التسمية إنما جاءت لما بعد الزوال في فصل الصيف، فهل قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا اشتد الحر فابردوا)) ناسخ لهذا، أو مخصص له؟ يعني هل هو رافع رفع كلي للحكم بحيث إذا اشتد الحر نبرد، وإذا كنا في فصل آخر غير فصل الصيف نعجل بصلاة الظهر كما يقتضي هذا الحديث بعمومه؟ لأن الهاجرة صارت تساوي ما بعد الزوال مباشرة، ولا شك أن دخول فصل الصيف في هذا الحديث دخول قطعي؛ لأن الأصل في الهاجرة شدة الحر، نعم؟

طالب:......

مخصص لكن الآن مو الحديث دلالته على المبادرة بصلاة الظهر في شدة الحر دلالته قطعية، ودلالته على المبادرة بصلاة الظهر في فصل الشتاء ليست قطعية ظنية، فكيف نرفع بالمخصص الدلالة القطعية ونترك الظنية؟ أو يبقى هذا للمبادرة في صلاة الظهر في الهاجرة في الحر ويكون الحديث الثاني ناسخ؟ الآن السعي وشدة السعي بين العلمين في بطن الوادي سنة، فعلها النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى أن الإزار ينكشف عن الركبتين من شدة سعيه -عليه الصلاة والسلام-، لكن إذا نظرنا إلى سبب السعي ما هو؟ سبب المشروعية الأول، يعني كل وادي ينبغي الإسراع فيه، أو هذا الوادي لأنه حصل فيه إسراع؟ يعني ما العلة في مشروعية السعي؟ يعني هذا الوادي على وجه الخصوص السرعة فيه؟ لكن ما في علة قبل فعله -عليه الصلاة والسلام- باعثه لفعله -عليه الصلاة والسلام- على الإسراع؟ هاجر، سعي هاجر بين العلمين حتى تسرع للصعود فوق الجبل لترى القادم، طيب هل يشرع السعي للمرأة أو ما يشرع؟ الآن مشروعية السعي بسبب امرأة، ونحن نقول: لا يشرع للمرأة للنصوص الكثيرة التي عندنا في مطالبة المرأة بالستر، ومن تمام الستر أن تمشي مشي ولا تسرع، فنقول: دخول المرأة في المشروعية قطعي؛ لأن السبب امرأة، ورفع مع كونه قطعياً بما دلت عليه النصوص الأخرى، وهنا من هذا النوع، يصلي الظهر بالهاجرة، طيب الهاجرة شدة الحر، قلنا: إن الهاجرة نقل معناها من الخصوص إلى العموم بمعنى المبادرة بصلاة الظهر بعد زوال الشمس، ثم رفعنا أخص ما يدل عليه الحديث بالمخصص، نظير ما قلنا في مسألة السعي، التنظير واضح وإلا ما هو بواضح؟ طيب نأتي بمثال ثاني ((لا صلاة -على ما سيأتي- بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)) إذا مرت بك سجدة تلاوة تسجد وإلا ما تسجد؟ المسألة يأتي تقريرها لكن مناسبتها هنا، تسجد وإلا ما تسجد؟  تسجد لماذا؟

طالب:......

لا، لا تقول: ليست بسبب، قل: لأن السجدة ليست بصلاة والنهي عن الصلاة، يعني أقل من ركعة ما يسمى صلاة، ليس بصلاة، وإن كان بعض أهل العلم يقول: صلاة ويشترط لها جميع ما يشترط في الصلاة، ولا تسجد في هذا الوقت، ولكن خلنا على القول الذي هو قول ابن عمر ويرجحه بعض أهل العلم إن السجدة ليست بصلاة، سبب المنع من الصلاة في هذا الوقت؟ النهي، لكن أصل النهي مبني على إيش؟ قل في الوقت الموسع كما سيأتي أنه من باب المنع؛ لئلا يستمر الإنسان يصلي حتى يصلي وقت الطلوع ووقت الغروب؛ لأنها إذا طلعت وغربت تطلع بين قرني شيطان فيسجد لها الكفار، الآن كل الصلاة ممنوعة من أجل السجود، ونقول: نسجد للتلاوة لأنه ليس بصلاة، ترون نظير ما عندنا سواء بسواء، أنا ما أدري كثير من الإخوان منتبه لهذا الأمر أو ما هو بمنتبه؟ نعم؟

الآن ما جاء النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر؟ على ما سيأتي في هذا الدرس إن أمكن، جاء النهي عن الصلاة ((لا صلاة)) ونحن نقول على القول الذي يرجحه كثير من أهل العلم أن السجود ليس بصلاة، إذاً نسجد للتلاوة، نسجد مع طلوع الشمس ومع غروبها؛ لأن السجود ليس بصلاة، وأصل المنع من الصلاة في هذا الوقت كون الكفار يسجدون، ونهينا عن مشابهتهم، فنهينا عن السجود ونقول: إن السجود ليس بصلاة؛ لأدلة أخرى تنتشل هذا السجود من كونه صلاة؛ لأننا منعنا من الصلاة ما منعا من السجود الذي لا يصحبه صلاة، وأقل من ركعة عند جمع من أهل العلم ليس بصلاة.

ترى التخصيص في مثل هذا الموضع يحتاج إلى انتباه شديد؛ لأن التخصيص إخراج بعض أفراد العام، فإذا قلت مثلاً: أعط بني تميم كل واحد ريال، أو أعط الطلاب كل واحد ريال، ثم بعد ذلك تقول: لا تعطِ، قال مثلاً: لا تعطِ بني تميم ثم قال بعد ذلك: أعط الحفاظ منهم هذا مخصص، أخرج أفراد العام الذين لا يتناولهم الوصف، وأدخل من يتناوله الوصف الخاص، وهم الحفاظ منهم، إذا أردت أن تخرج من هؤلاء الحفاظ الذين يتناولهم الوصف الخاص بوصف آخر، أعط الحفاظ منهم ثم تستثني بعد ذلك من الحفاظ من يتناوله وصف آخر، لو مثلاً قيل: لا تعط بني تميم، ثم قيل: أعط الحفاظ منهم، ثم قيل: لا تعط من الحفاظ من أخواله هذيل مثلاً، وهو حافظ، أنت تخرج النص الخاص بما هو أخص منه، نعم هنا عندنا وصف خاص، عندنا اللفظ العام المبادرة بالصلاة؛ لأننا وضعنا مكان الهاجرة ما بعد الزوال مباشرة، والهاجرة هي شدة الحر، فهي أخص مما بعد الزوال في الشتاء أو في الربيع، أو في الخريف لكننا أخرجنا الوصف الأخص بما هو أخص منه ((إذا أشتد الحر فابردوا)) والعصر يعني يصلي العصر والشمس نقية، يعني بيضاء، وتكون في أول وقتها، بعد مصير ظل كل شيء مثله؛ لأنه جاء التفصيل في حديث عبد الله بن عمرو، وقت الظهر إذا زالت الشمس والزوال ميل الشمس إلى جهة الغروب، هذا هو الزوال وهو الدلوك {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [(78) سورة الإسراء] وهو ميلها إلى جهة المغرب، الدلوك سمي الزوال دلوك ليش؟ لماذا؟ يقول الزمخشري وغيره: لأن الناظر إلى الشمس في هذا الوقت تؤلمه عينه فيدلكها، هذا الدلوك، هذا وقت الظهر من زوال الشمس، كما في حديث عبد الله بن عمرو، إذا مالت الشمس يعني إلى جهة المغرب حتى يصير ظل الشيء كطوله، الحنفية يرون أن وقت الظهر يمتد من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، ووقت العصر من مصير ظل الشيء كطوله عند الجمهور إلى غروب الشمس، وعند الحنفية من أن يصير مثليه إلى غروب الشمس، الأدلة صريحة في كون ظل الشيء كطوله، ما الذي دعا الحنفية أن يخالفوا الحديث الصحيح الصريح؟ نأتي بحديث عبد الله بن عمرو هنا لأنه لم يرد في الكتاب، وهو أهم حديث في الباب، لماذا؟ ما الذي دعاهم إلى أن يخالفوا هذا الحديث؟ تمسكوا بحديث دلالته غير ظاهره "إنما مثلكم ومثل من قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً من أول النهار إلى منتصفه بدينار، ثم استأجر أجيراً من منتصف النهار إلى وقت العصر بدينار، ثم استأجر أجيراً من وقت العصر إلى غروب الشمس بدينارين" فقال: "اليهود والنصارى" نعم اليهود هم الذين عملوا في النصف الأول، والنصارى هم الذين عملوا في وقت الظهر، والمسلمون هم الذين عملوا من وقت العصر إلى غروب الشمس، فقال اليهود والنصارى: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً، قالوا: مقتضى ذلك أن يكون وقت الظهر أطول من وقت العصر؛ لأن وقت النصارى وقت الظهر، ووقت المسلمين وقت العصر، وقالوا: نحن أكثر عملاً، فيقتضي ذلك أن وقت الظهر أطول من وقت العصر، طيب كلامهم صحيح وإلا غير صحيح؟ يعني على قول الجمهور إلى مصير الظل كطوله، أولاً: من أجاب من أهل العلم بأنهم قالوا: مجتمعين، اليهود والنصارى نعم من أول النهار إلى وقت العصر أطول بلا شك، واليهود وقتهم أطول من وقت المسلمين لا إشكال في هذا، لكن الإشكال في وقت النصارى، هل هم أطول أو أقل؟ يعني على القول بقول الحنفية وقت النصارى أطول، لكن على قول الجمهور هل يكون وقت النصارى أطول من وقت المسلمين أو لا؟ نعم؟ كيف؟ أنت لو نظرت إلى التقويم في هذا اليوم مثلاً، الساعة كم يؤذن الظهر؟ وكم يؤذن العصر؟ وكم يؤذن المغرب؟ التقويم معكم مبذول ولله الحمد، يؤذن الظهر الساعة كم؟ اثنا عشر وعشر، والعصر؟ ثلاث وأربعين؟ يعني قل: ثلاث ساعات ونصف الظهر، لكن العصر كم؟ من أربع إلا ثلث إلى سبع، يعني ثلاث ساعات وثلث، وذاك كم؟ ثلاث ساعات ونصف، ولذا يقرر ابن حزم أن وقت الظهر حتى على قول الجمهور أطول من وقت العصر في كل عصر وفي كل مصر، يعني يكون الفرق عشر دقائق خمس دقائق، أحياناً ربع ساعة، المقصود أنه أطول، الأمر الثاني لو صح لو حسبنا ووجدنا أنه.... نتمسك بمثل هذا اللفظ المتشابه ونترك الألفاظ الصريحة الصحيحة؟ يعني هذا نظير من يستدل بأن الحائض تقرأ القرآن، يستدل على أن الحائض تقرأ من قوله -عليه الصلاة والسلام- لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) يقولون: الحاج يقرأ القرآن، بعد شديد في الاستدلال، يعني عندنا أدلة صحيحة صريحة في الباب قريبة بين أيدينا سيقت من أجل هذا الموضوع نفسه، يعني ما سيقت من أجل أمر آخر، فنتشبث بها ونترك الصريح؟ قول الجمهور بلا شك أرجح.

"والعصر والشمس نقية" تصلي العصر من مصير ظل الشيء كمثله أو كطوله، إلى أن تغرب الشمس، وقت الاختيار إلى وقت الاصفرار الذي جاء النهي عن الصلاة فيه، لكن الوقت يستمر وتكون أداء إلى غروب الشمس، بدليل ((من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) إذاً وقت صلاة العصر ينتهي بغروب الشمس، كما أن وقت صلاة الصبح ينتهي بطلوعها، يستمر الوقت من مصير ظل الشيء كطوله إلى غروب الشمس، لكن وقت الاصفرار تأخير الصلاة إلى هذا الوقت مكروه عند أهل العلم، وإن كان مجزئاً صلاته صحيحة، وهي أداء، الصلاة أداء، ولو لم يدرك من وقتها إلا ركعة.

"والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت" يعني سقطت الشمس، سقطت في مغربها بحيث لا يراها الرائي، غابت الشمس عن الرؤية، إذا وجبت يعني سقطت {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [(36) سورة الحـج] يعني سقطت؛ لأنها تنحر قائمة فإذا نحرت سقطت على الأرض، صلاة المغرب بداية وقتها من غروب الشمس إلى مغيب الشفق في قول الجمهور بدلالة حديث عبد الله بن عمرو، وفي حديث إمامة جبريل بعض المسائل التي يحسن إيرادها هنا، في اليوم الأول صلى العصر عند مصير ظل الشيء كطوله، وفي اليوم الثاني صلى الظهر عند مصير ظل الشيء كطوله، يعني في اليوم الأول صلى العصر في أول وقتها، وفي اليوم الثاني صلى الظهر في آخر وقتها، نلاحظ أنه في اليوم الأول صلى العصر متى؟ عند مصير ظل الشيء كطوله، وصلى الظهر في اليوم الثاني عند مصير ظل الشيء كطوله، يعني صلى العصر في أول وقتها، وصلى الظهر في اليوم الثاني في آخر وقتها، والحديث يدل على أن الوقت واحد، الذي صلى فيه العصر بالأمس هو الذي صلى فيه الظهر باليوم، وبهذا يقول المالكية أن هناك وقت مشترك بين الصلاتين، يصلح لأداء أربع ركعات هي الظهر وهي العصر أداء، هذا الوقت المشترك، لكنه في حديث عبد الله بن عمرو يقول: ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس إلى مصير ظل الشيء كطوله ما لم يحضر وقت العصر، إذاً ماذا نصنع بحديث إمامة جبريل؟ لا بد أن نجعله موافقاً لحديث عبد الله بن عمرو، وهو صحيح صريح في المواقيت، وهو متأخر، وهو أيضاً أصح مخرج في مسلم، طيب ماذا نصنع؟ لا بد أن نقول: إنه صلى انتهى من صلاة الظهر عند مصير ظل الشيء كطوله، انتهى من صلاة الظهر، وفي اليوم الأول شرع  في وقت صلاة العصر عند مصير ظل الشيء كطوله فلا اشتراك، إيش معنى هذا؟ نجعل هنا حد فاصل، نجعل هذا هو مصير ظل الشيء كطوله في اليوم الثاني انتهى هنا عند مصير ظل الشيء كطوله، وفي اليوم الأول هنا بدأ، فرق بين البداية والنهاية ليتفق الحديثان، إذاً لا اشتراك، فالراجح هو قول الجمهور.

"والمغرب إذا وجبت" إلى مغيب الشفق، يعني كل جزئية فيها أقوال، وفيها استدلالات، ولو ذهبنا نفصل كل شيء الظاهر أنه ما نأخذ ولا المواقيت في مدة الدرس، لكن الخلاف في الشفق الجمهور على أنه الأحمر، والحنفية يقولون: هو الأبيض، وثبت عن ابن عمر أنه فسر الشفق بالأحمر، بالحمرة، وابن عمر من العرب الأقحاح فيؤخذ بقوله، ورد فيه حديث عند الدارقطني لكنه ضعيف، لكن تفسير ابن عمر معروف، فالشفق المراد به الحمرة، فالمرجح قول الجمهور.

يقول: "والعشاء" بداية وقتها مغيب الشفق الأحمر، وأداؤها أحياناً يقدمها، وأحياناً يؤخرها، نأتي إلى وقت العشاء، أولاً: وقت المغرب، كثرة الخلافات تجعل الإنسان يقدم ويؤخر، ولكن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق، عند الشافعية ليس لها إلا وقت واحد بعد غروب الشمس مباشرة إذا انتهى من أسبابها توضأ واستتر ومثل للصلاة وأدى الصلاة، يقولون: إن الوقت لا يزيد عن ربع ساعة من غروب الشمس؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- صلى المغرب في حديث إمامة جبريل في اليوم الأول والثاني حينما غابت الشمس، لو كان لها وقت ثاني يمتد لفعلها في أوله في اليوم الأول، وفي آخره في اليوم الثاني، كما في الصلوات الأخرى، لكن حديث عبد الله بن عمرو، يدل على أن لها وقتين كغيرها من الصلوات، العشاء من مغيب الشفق إلى الخلاف في نهايته، في حديث إمامة جبريل صلى بهم في اليوم الثاني عند ثلث الليل، وفي حديث عبد الله بن عمرو، ووقت صلاة العشاء من مغيب الشفق إلى منتصف الليل الأوسط، وجاء في الحديث الصحيح ((ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى)) فهذا الحديث يدل على أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، فعندنا ثلاثة أحاديث، حديث إمامة جبريل يدل على أن الوقت ينتهي بثلث الليل، وحديث عبد الله بن عمرو يدل على أنه ينتهي بمنتصف الليل، لكن كيف يقول: منتصف الليل الأوسط، يعني هل يكون الشيء الواحد ثلاثة أنصاف؟ طرفان ووسط؟ الثاني هو الأوسط؟ كيف يقول: نصف الليل الأوسط؟ الأوسط إنما يكون إذا كان هناك ثلاثة، يكون هناك أول وأوسط وأخير، صح وإلا لا؟ إذاً كيف يقول: إلى منتصف الليل الأوسط؟ نعم؟

صفة لليل، يعني إلى منتصف الليل الواقع في وسطه، وهذا وصف كافي حقيقة، قد لا يحتاج إليه، لكنه تصريح بما هو مجرد توضيح، الواقع في وسط الليل، طيب منتصف الليل قد نقول: لهذه فائدة، منتصف الليل الأوسط؛ لأن الليل يختلف، حد الليل يختلف، هل الليل من غروب الشمس إلى طلوعها؟ أو من غروبها إلى طلوع الفجر، أو من صلاة العشاء إلى طلوع الشمس، أو من وقت صلاة العشاء إلى طلوع الفجر؟ يعني هل يمكن أن يقال: إن الليل يبدأ من صلاة العشاء؟ هذا معروف قول عند الفلكيين من غروبها إلى طلوعها، لكن عند الشرعيين من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، لكن هل يمكن أن يقال: إن الليل يبدأ من صلاة العشاء؟ ما في نص يدل على أن الليل يبدأ من صلاة العشاء؟ طيب قيام داود ينام نصف الليل من غروب الشمس وإلا من صلاة العشاء؟ ما يمكن من غروب الشمس، على كل حال الحقيقة لليل تختلف باختلاف النصوص، ولعل قوله: الأوسط يدلنا على أن المراد في منتصفه بين غروب الشمس الليل الشرعي الذي يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فنقسم هذه المدة، ويكون نهاية وقت صلاة العشاء من غروب الشمس مثلاً من السابعة إلى الرابعة إلا ربعاً، نقسم هذا الوقت إلى قسمين، ويكون هذا هو نهاية وقت صلاة العشاء.

جاء الترغيب بقيام داود ينام نصف الليل، ويقوم ثلث الليل، وجاء الترغيب بقيام ثلث الليل؛ لأنه وقت النزول الآلهي، قد يقوم قائم من منتصف الليل ويصلي ما كتب له، ويمل من الصلاة قبل ثلث الليل، يعني على حساب أن الليل يبدأ من غروب الشمس، لكن إذا قلنا: إن الليل يبدأ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، أو إلى طلوع الشمس، على كل حال لشيخ الإسلام كلام دقيق يجعل النصوص متفقة، وأن قيام الليل يبدأ من ثلث الليل؛ لأنه لو حسبنا الليل من صلاة العشاء منتصف الليل يوافق الثلث الذي هو من غروب الشمس.

"والعشاء أحياناً وأحياناً" أحياناً يقدم وأحياناً يؤخر، هل هذا تشهي ورغبة؟ هو يرفق بالمأمومين، ويسبر أحوالهم "فإذا رآهم اجتمعوا عجل" لئلا يشق عليهم بالتأخير "وإذا رآهم أبطئوا أخر" ليلاحظهم؛ ليدرك الناس هذه الصلاة مع الجماعة، وتعرفون الأنظمة الآن تلزم الأئمة بالصلاة في وقت محدد، ولا شك أن المصلحة مراعاة في مثل هذا، لما كان الناس على هوى واحد، ونفسهم واحد، ويدورون مع الدين حيثما وجههم توجهوا، يمكن أن يقال لهم: يؤخرون إيش المانع؟ لكن الآن لو يتأخر الإمام خمس دقائق عن العادة وقع الناس في محرمات، بل قد يترك بعضهم الصلاة، على كل حال ملاحظة المأمومين أمر مطلوب.

"والصبح كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يصليها بغلس" على ما تقدم، نعم.

وعن أبي المنهال سيار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- فقال له أبي: كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"عن أبي المنهال سيار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي" لماذا لم يقول: دخلت وأبي؟ قال: دخلت أنا، أنا إعرابها إيش؟ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، يؤتى به لمجرد الفصل بين الضمير المتصل وما عطف عليه، ولا بد من الفصل إذا كان الضمير ضمير رفع متصل وأردنا أن نعطف عليه لا بد من الفصل، إما بضمير الفصل، أو بأي فاصل ما.

وإن على ضمير رفع متصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد

 

عطفت فافصل بالضمير المنفصل
في النظم فاشياً وضعفه اعتقد

"دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي" الصحابي الجليل "فقال له أبي: كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي المكتوبة؟" كأنه يسأل عن وقتها فأجيب بذلك، لا يسأل عن كيفيتها، كيفية أدائها وعن صفتها، إنما يسأل عن أوقاتها، فهم الصحابي ذلك فأجابه فقال: "كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى" يعني الظهر، الظهر هي الصلاة الأولى، لماذا؟ لأن جبريل أول ما صلى بالنبي -عليه الصلاة والسلام- صلاة الظهر، فعرفت بالصلاة الأولى "التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس" يعني تميل وتزول، تميل إلى جهة المغرب وتزول "ويصلي العصر" يعني في أول وقتها "ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية" الشمس "حية بيضاء نقية" وفي هذا ما يدل لمذهب الجمهور وأن صلاة العصر يبدأ وقتها من مصير ظل الشيء كطوله "والشمس حية بيضاء نقية، ونسيت ما قال في المغرب" وقد نسي ما سمعه وما حضره مع النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكنه مضبوط من جهة آخرين، فصلاة المغرب كما تقدم يبدأ وقتها من غروب الشمس إلى مغيب الشفق "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة" وقد جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- دخل المسجد وهم ينتظرون العشاء حتى كانت تخفق رؤوسهم من النعاس، فقال: ((إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم)) يعني في الثلث الأول، في ثلث الليل، لولا المشقة لكان تأخيرها إلى الثلث أفضل "وكان يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة" وقد جاء النهي عن تسمية العشاء العتمة، النهي عن مشابهة الأعراب ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم)) فجاء النهي عن ذلك، فلا تسمى العشاء العتمة، لكن قد يقول قائل: إنه جاء، أعتم النبي -عليه الصلاة والسلام- بصلاة العشاء، وجاء في النصوص ما يدل على إطلاق العتمة كهذه، على كل حال كونها لا تسمى إلا العتمة، ويغلب عليها هذا الاسم بحيث ينسى اسمها الأصلي هذا هو المنهي عنه، وما جاء في مثل هذا يدل على الجواز أحياناً، وأن النهي لمجرد الكراهة.

"وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها" يكره النوم قبل صلاة العشاء؛ لئلا يسترسل في نومه فتفوته الصلاة، إما مع الجماعة، أو في وقتها، المقصود أنه لا يعرض صلاته للخطر، فإذا خشي على صلاته أن تفوته، ومثل هذا الكلام يوجه إلى الموظفين الذين يأتون إلى بيوتهم قبيل صلاة العصر، لا ينامون قبل الصلاة فيعرض صلاتهم للفوات "وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها" يعني بعد صلاة العشاء السهر مكروه، لكن إذا كان على خير، إذا كان في علم، أو في أمر من أمور المسلمين العامة فلا شك في استحبابه، وأنه مطلوب، وقد سمر النبي -عليه الصلاة والسلام- مع بعض أصحابه، وترجم عليه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في باب السمر في العلم من كتاب العلم، وعلى كل حال الناس ابتلوا الآن في السهر، ولا يستثنى من ذلك إلا القليل النادر، حتى بعض من ينتسب إلى العلم يسهر، بل يوجد من يسهر إلى الصبح، الذي يسهر إلى الصبح حتى يؤديها مع جماعة من المسلمين أحسن من الذي ينام قبل دخول وقتها بقليل فيعرضها للفوات، وعلى كل حال السهر في الجملة خلاف السنة الإلهية، فالليل سكن، لكن إذا انشغل بما هو أهم لا شك أنه مأجور، وكان العلماء يبحثون المسائل ويتدارسون العلم حتى يفاجئوا بأذان الصبح، ومنهم من يقسم الليل أثلاث، يصلي ويقرأ ويكتب، على كل حال إذا استغل بما يرضي الله -جل وعلا- فلا بأس -إن شاء الله تعالى-، ولو جاء على جميع الليل، وإن كان العمل في النهار أفضل، لكن الإشكال إذا استغل فيما لا ينفع، وأعظم من ذلك إذا استغل فيما يضر.

"وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه" وهناك ما يعرفن، إيش الفرق؟ هناك ما يعرفن من الغلس، وهنا يعرف جليسه، فرق واضح، هذا جنبه جليسه، وأولئك النساء بعيدات عن الرجال ما يعرفن. "حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة" بالستين إلى المائة من الآيات، بالستين إلى المائة من المائدة أو من الشعراء؟ أو المقصود من الآيات المتوسطة؟ المقصود من الآيات المتوسطة، نعم اقرأ.

وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم الخندق: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)) وفي لفظ لمسلم: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) ثم صلاها بين المغرب والعشاء.

وله عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: حبس المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة العصر حتى أحمرت الشمس أو أصفرت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً)).

في هذا الحديث يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم الخندق" حينما اجتمع الأحزاب حول المدينة للقضاء على النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، للقضاء على الدين وأهله، حينما تآمرت طوائف الكفر على المسلمين، واجتمعوا للقضاء على الدين وأهله، ولكن الله -جل وعلا- أبطل كيدهم، وأرسل عليهم الرياح التي فرقتهم "قال يوم الخندق: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم))" الضمير يعود على الكفار، ((ملأ الله قبورهم)) وعاد الضمير على غير مذكور للعلم به، فإذا كان مرجع الضمير لا يشك فيه، ولا يوقع في لبس جاز حذفه ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)) الصلاة الوسطى في قوله -جل وعلا-: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [(238) سورة البقرة] وجاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة يختلف أهل العلم فيها، عائشة -رضي الله عنها- أمرت أن يكتب: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر" وهنا شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس يراد بها صلاة العصر، وفي الرواية الأخرى: حبس المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة العصر، فهذا نص صحيح صريح يدل على أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر، والخلاف معروف بين أهل العلم، فمن قال: هي صلاة العصر وهم الأكثر وهو القول الراجح استدل بهذه النصوص، منهم من قال: الصلاة الوسطى صلاة المغرب، كيف تأتي صلاة المغرب؟ يقولون: قبلها صلاتان نهاريتان وبعدها صلاتان ليليتان، باعتبار أن الفجر تقع في الليل الذي هو الظلام، وهي أيضاً وسطى بالنسبة لعدد ركعاتها، وسطى بين الثنائية والرباعية، فهي ثلاثية، ومنهم من يقول: الصلاة الوسطى الظهر، ومنهم من يقول: صلاة الصبح، ولكل أدلته، لكن القول المرجح في المراد بالصلاة الوسطى أنها صلاة العصر كما هنا.

((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى)) وفي هذا الدعاء على عموم الكفار، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، قد يقول قائل: لماذا لم يصل النبي -عليه الصلاة والسلام- هذه الصلاة صلاة الخوف في وقتها؟ يصلي صلاة العصر في وقتها صلاة الخوف، ومعلوم أن جمهور أهل السير يرون أن غزوة ذات الرقاع قبل غزوة الخندق، فلماذا لم يصلها صلاة الخوف في وقتها؟

طالب:.....

من أهل العلم من يقول: إن صلاة الخوف لا تشرع في الحضر، ويستدل بمثل هذا، لا سيما وأن جمهور أهل السير على أن غزوة ذات الرقاع التي صلى فيها النبي -عليه الصلاة والسلام- صلاة الخوف كانت قبل الخندق في الرابعة.

قول آخر؟

الإمام البخاري ويرجحه ابن القيم يذهب الإمام البخاري وهو الراجح عند ابن القيم إلى أن غزوة الخندق قبل غزوة ذات الرقاع، فعلى هذا تكون الصلاة المؤخرة إلى أن خرج وقتها قبل مشروعية صلاة الخوف فلا إشكال، وهو الذي يرجحه البخاري؛ لأنه وضع الخندق في الترتيب قبل غزوة ذات الرقاع في صحيحه، وهذا ما يميل إليه ابن القيم، ويرون مشروعية صلاة الخوف في الحضر والسفر.

"وفي لفظ لمسلم: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) ثم صلاها بين المغرب والعشاء" صلى العصر بين المغرب والعشاء، يجب قضاء الفوائت فوراً، ويجب الترتيب، ولا يسقط الترتيب عند أهل العلم إلا بنسيانه أو بخشية فوات اختيار الحاضرة عندهم، لكن هنا صلاها بين المغرب والعشاء، هل صلاها بين صلاتي المغرب والعشاء أو بين وقتي المغرب والعشاء؟ نعم؟

في حديث جابر: فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب، هذا يدل على أن المراد بقوله: ((ثم صلاها بين المغرب والعشاء)) يعني بين وقتي المغرب والعشاء، صلاها بعد غروب الشمس، ثم صلى بعدها المغرب ثم العشاء، و"له" الضمير هذا يعود لمن؟ لمسلم.

"وله عن عبد الله بن مسعود قال: حبس المشركون النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة العصر حتى أحمرت الشمس أو أصفرت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر))" هناك صلاها بين المغرب والعشاء، يعني حتى غربت الشمس، كما في الرواية الأولى، وهنا يقول: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) إلى متى؟ حتى أحمرت الشمس أو أصفرت معناه أنه يمكنه أن يصليها في وقتها، فهل أخرها إلى غروب الشمس كما تدل عليه الروايات السابقة؟ أو صلاها حينما أحمرت الشمس أو أصفرت؟ الأول يعني أخرها إلى أن غربت الشمس؟ قبل غروب الشمس، إذاً الروايات الأولى التي تقول: صلاها بين المغرب والعشاء، الآن الروايات بينها اختلاف أو ما بينها اختلاف؟ يعني هل نقول: إن مثل هذا الوقت وقت النهي المغلظ الشديد لا تصلى فيه الفريضة كما يقول الحنفية مثلاً، ولذلك أخرها حتى صلاها بين المغرب والعشاء؟ نعم؟

طالب:......

لا، لا، هذه شغلوهم حتى أحمرت الشمس أو أصفرت، وهناك حتى غابت الشمس، نعم؟

طالب:......

نعم الخندق يوم واحد وإلا أيام؟ نعم؟ أيام في يوم شغلوهم إلى أن غابت الشمس، وفي يوم ثاني شغلوهم حتى آخر الوقت، وهنا صلاها في وقتها قبل غروب الشمس، وفي اليوم الذي قبله أو بعده الله أعلم في اليوم الذي غابت فيه الشمس صلاها بين المغرب والعشاء، فالخندق أيام وليس بيوم واحد.

"حبس المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عن صلاة العصر حتى أحمرت الشمس أو أصفرت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً))" ممن ينتسب إلى العلم في هذه الأوقات يقول: لا تدع على الكفار، أدع لهم بالهداية، ولا تقل: يذل فيه أهل معصيتك، هم في حال كونهم أهل معصية ندعو عليهم أن يذلوا ونرجو لهم الهداية، لكن هنا ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً فيه دلالة صريحة على الدعاء عليهم بالهلاك وبالعذاب، وجاء في الموطأ عن سعيد وغيره يقول: أدركنا القوم، يعني الصحابة وهم يدعون على عموم الكفار، قد يقول قائل: هذا مخالف للسنن الإلهية، السنن الكونية أن من الكفار من يسلم، فلماذا ندعو عليهم؟ أو لماذا لا ندعو لهم بالهداية؟ أو لا ندعو على عمومهم، نقول: كما ندعو لعموم المسلمين، ومنهم من يعذب ندعو لهم بالرحمة والمغفرة، وأن الله يتجاوز عنهم ويدخلهم الجنة، لكن منهم من يعذب، فإرادة الله -جل وعلا- ومشيئته نافذة، لا يردها شيء، لكن إذا دعونا نحن مأمورون بأن ندعو لأنفسنا ولأولادنا وللمؤمنين على جهة العموم، كما أننا ندعو على الكفار على جهة العموم، ومشيئة الله نافذة، ولذا لما دعا النبي -عليه الصلاة والسلام- على فلان وفلان نزل قوله -جل وعلا-: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [(128) سورة آل عمران] إلى آخره، فمن أراد الله هدايته يستثنى من هذه الدعوة كوننا نحن مأمورون بأن ندور مع الإرادة الشرعية لا مع الإرادة القدرية، نقف عند هذا، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.