كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 27

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 27
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

باب: صلاة التطوع

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) رواه مسلم.

وفي رواية لأحمد وأبي داود من رواية عبد الله بن حبشي الخثعمي قال: ((طول القيام)).

وعن ربيعة بن كعب الأسلمي -رضي الله عنه- قال: كنت أبيت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: ((أو غير ذلك؟)) قلت: هو ذاك، قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)) رواه مسلم.

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعة لا يدخل فيها على النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ساعة.

وكانت ساعة لا يدخل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها.

وساعة.......

وكانت ساعة لا يدخل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها.

حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين. متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين" وفي رواية لهما: "وركعتين بعد الجمعة في بيته.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة. رواه البخاري.

وعنها قالت: لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر. متفق عليه، واللفظ للبخاري.

ولمسلم: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)).

وعن أم حبيبة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة)) وفي رواية: ((تطوعاً)) رواه مسلم.

وقد رواه الترمذي وصححه والنسائي وفيه: ((أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر)) قال النسائي: ((قبل الصبح)) وذكر ركعتين قبل العصر بدل ركعتين بعد العشاء.

وعن أم حبيبة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب.

وعن عاصم بن ضمرة عن علي -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعاصم وثقه أحمد وابن المديني وابن خزيمة وغيرهم، وتكلم فيه غير واحد من الأئمة.

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً)) رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه والترمذي وقال: حسن غريب، ووهى أبو زرعة رواته.

يكفي، حسبك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: صلاة التطوع

وذلك بعد ما أنهى الكلام على صلاة الفريضة أردف ذلك بصلاة التطوع.

والصلاة مضى تعريفها، وهي مضافة على التطوع من إضافة المصدر إلى مفعوله، والأصل صلاة المرء أو صلاة المسلم التطوع، والتطوع تفعّل، والأصل في هذه الصيغة أنها تحتاج إلى شيء من الاكتساب، وشيء من المشقة، من تفعل، مثل التكسب في الارتزاق يحتاج إلى شيء من المعاناة، والتطوع هو فعل الطاعة، فعل الطاعة هذا الأصل فيه، سواءً كانت واجبة أو مستحبة، ولكن العرف الخاص حمل هذه اللفظة على ما عدا الواجبات من النوافل والمستحبات، ويجمع أهل العلم على أن الصلوات الخمس فرائض، وكذلك الجمعة إلا في خلاف شاذ لا يلتفت إليه، ويختلفون فيما عدا ذلك كصلاة الكسوف والوتر والعيدين وتحية المسجد، فالخلاف معروف بين أهل العلم، فأما بالنسبة لتحية المسجد قد مضى الحديث فيها، وأن من أهل العلم من أوجبها، وعامة أهل العلم على أنها مستحبة، وصلاة الكسوف نقل النووي -رحمه الله تعالى- الإجماع على أنها سنة، وقال أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، وترجم في صحيحه فقال: باب وجوب صلاة الكسوف، وصلاة العيد يختلف أهل العلم في حكمها، فمنهم من يقول: سنة كما هو المعروف عند المالكية، ومنهم من يقول بوجوبها كالحنفية، ومنهم من يقول بأنها فرض كفاية كالحنابلة وقول للشافعية، هذا بالنسبة لصلاة العيد، وصلاة الكسوف مضى الحديث فيها، والوتر جماهير أهل العلم على أنه سنة، وأوجبه الحنفية للأمر به، والأمر محمول على الاستحباب عند جمهور أهل العلم على ما سيأتي تقرير ذلك كله -إن شاء الله تعالى-؛ لأنه كان -عليه الصلاة والسلام- يصليه على الراحلة، وكان لا يفعل ذلك في المكتوبة، فدل على أن الوتر ليس مكتوباً، ليس بواجب، وإن جاء الأمر به على جهة الاستحباب والندب.

التطوع من أهل العلم من يرى أن التطوع بالصلاة أفضل الأعمال بعد الفرائض ((الصلاة خير مستكثر منه)) ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) ومنهم من يرى أن النفع المتعدي أفضل من نوافل العبادات الخاصة، فيقدمون التطوع بالجهاد لأن فيه النفع العام للإسلام والمسلمين، ثم يليه التطوع بالعلم تعلماً وتعليماً، وعلى هذا لو أن إنساناً انشغل عن بعض النوافل من صلاة أو صيام أو حج انشغل بجهاد كان الجهاد في حقه أفضل، ولو أنه انشغل أو اشتغل بتعلم العلم وتعليم العلم لكان هذا أفضل في حقه، لكن الشريعة جاءت بتنوع العبادات، وطلبت من المسلم أن يضرب من كل واحدة منها بسهم، تنوع العبادات من مقاصد الشرع، فلا يليق بطالب علم أن ينصرف إلى طلبه أو معلم أن ينصرف لتعليم العلم وينشغل عن بقية النوافل؛ لأن هذه النوافل وهذه التطوعات سواءً كانت من الصيام أو الصدقة أو الصيام أو الحج كلها مما يعين على طلب العلم وتحصيله، والانفكاك بين هذه العبادات غير متصور إلا في حال ضيق الوقت، وعند الشح في الوقت ينبغي أن يفاضل بين هذه العبادات وإلا ففي حال السعة على المسلم أن يضرب بسهم وافر من جميع أنواع العبادات، ولا يقتصر على العلم، ويقول: أطلب العلم ليل نهار، ثم بعد ذلك لا يتسنى له أن يصلي ركعتين في وقت فراغه، أو يصوم يوماً من أيام الدهر نافلة ((ومن صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)).

وقل مثل هذا في جميع العبادات في الجملة أهل العلم يكادون يتفقون على أن العبادات التي يتعدى نفعها أفضل من العبادات التي يقصر نفعها على صاحبها، مع أننا لو نظرنا إلى أركان الإسلام لوجدنا أن الشهادتين والصلاة هما الركنان الأول والثاني مع أن نفعهما قاصر على الشخص، والركن الثالث هو الزكاة التي يتعدى نفعها، فهذه القاعدة ليست على إطلاقها، ومع ذلك قد يعرض لبعض العبادات المفوقة ما يجعلها فائقاً بالنسبة لبعض الأشخاص وبالنسبة للأوقات والأماكن، فالقول بالتفضيل المطلق يحتاج إلى تقييد، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يسأل عن أفضل الأعمال ويجيب بأجوبة مختلفة؛ لأن الأجوبة تختلف باختلاف أحوال السائلين، فدل على أنه قد يندب للإنسان أن يتفرغ لطلب العلم، ويقال له: لا تصم نافلة، لما يتميز به من مؤهلات تؤهله أن يكون من المراجع لهذه الأمة، ومن العلماء الذين يرفعون الجهل عنها، ويقومون بحق الله في هذا العلم العظيم، ومنهم من يقال له: التفت إلى الصيام، ومنهم من يقال: التفت إلى الصدقة والنفقات، كل إنسان بحسب حاله، فإذا وجد الشخص الذي لديه الأهلية التامة لحمل العلم يقال له: اتجه إلى العلم، أفضل لك من نوافل العبادات الأخرى، وإذا كانت الأدوات عنده أقل، وقد يتعب في تحصيل العلم، وقد لا يدرك شيئاً يستحق ما يبذل فيه من وقت على أنه قد ضمن له الأجر ولو لم يحصل علماً ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)) ومع ذلك إذا وجد من هذا النوع من أدواته متوسطة أو أقل من المتوسط ويرجى نفعه في أبواب أخرى من أبواب الدين يوجه إليه، ويقال: هذا أفضل في حقك، إذا وجدنا شخصاً ضعيف البنية هل نقول له: إن الجهاد أفضل في حقك؟ أو نقول: طلب العلم لا سيما إذا لحظنا عليه شيء من الذكاء، وشيء من الحفظ والفهم؟ كل إنسان يوجه إلى ما يناسبه.

وعلى هذا القول بالإطلاق إن أفضل العبادات كذا يحتاج إلى مزيد عناية، والنظر في الأحوال المحتفة بالشخص والمكان والزمان، والله المستعان.

باب: صلاة التطوع

يقول -رحمه الله تعالى-:

"عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- عنهما" لأنه هو وأبوه مسلمان، فيترضا عنهما "قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) رواه مسلم، وفي رواية لأحمد وأبي داود من رواية عبد الله بن حبشي الخثعمي قال: ((طول القيام))".

أفضل الصلاة طول القيام، وقد يفسر القنوت بالقيام لأن للقنوت معاني، له أكثر من معنى، فهل يمكن أن يقال: أفضل الصلاة طول القنوت يعني الدعاء دعاء القنوت المعروف؟ يعني خير ما تفسر به السنة السنة، والحديث رواية أحمد وأبي داود بإسناد جيد لا بأس به، فيفسر به القنوت المذكور في حديث جابر، فيكون المراد بالقنوت في حديث جابر هو القيام المذكور في رواية عبد الله الخثعمي.

الحديث دليل على أن تطويل القيام أفضل الصلاة، ومفهومه أن طول القيام أفضل من طول الركوع والسجود، طيب هذا طول القنوت وطول القيام هل يختص بالنافلة والتطوع أو يشمل الفريضة؟ لأنه جعله في صلاة التطوع، المؤلف ذكر الحديث في صلاة التطوع، ولم يذكره في صلاة الفريضة، هذا إذا كان المصلي فريضة إمام فقد جاء الأمر بالتخفيف، أما إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يصلي بالصحابة، وصلى بهم الصلاة المتوسطة هذا في غالب أحواله، وقد يطيل أحياناً، وقد يخفف لأمر عارض، أما بالنسبة للمنفرد إذا صلى فليطول لنفسه ما شاء، وعرف عنه -عليه الصلاة والسلام- تطويل صلاة النافلة، ولذا الطول يناسب النافلة والحديث عنه يناسب النافلة، ولذا أدرجه المؤلف في صدر صلاة التطوع في أول الباب.

صلى النبي -عليه الصلاة والسلام- بالليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، يعني أكثر من خمسة أجزاء في ركعة واحدة، وقام -عليه الصلاة والسلام- حتى تفطرت قدماه، وهذا يؤيد ما جاء في هذا الحديث من طول القيام وطول القنوت، مع أنه -عليه الصلاة والسلام- كان قيامه وركوعه وسجوده قريباً من السواء، فلا يتصور أن إنساناً يقرأ في ركعة خمسة أجزاء ينقر الركوع والسجود، فإذا أطال القيام وأطال القنوت يطيل الركوع والسجود إلا إذا كان لا يطيق ذلك؛ لأن بعض الناس قد يطيل القيام، ولكنه لا يطيل الركوع، قد يطيل القيام لكنه لا يطيل السجود، وبعض الناس بالعكس، يطيل الركوع، يستطيع إطالة الركوع السجود لكنه لا يستطيع أن يطيل القيام و{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة].

إذا عرف هذا فقد اختلف أهل العلم في المفاضلة بين طول القيام، وفيه حديث الباب: ((أفضل الصلاة طول القنوت)) الذي هو القيام، وليس فيه مستمسك لمن يطيل القنوت في الوتر ويكثر الدعاء، ويكرر ويمل ويشق على المأمومين استدلالاً بهذا الحديث؛ لأن المراد بالقنوت هنا ما فسره الحديث الآخر وهو القيام.

أيهما أفضل طول القيام وفيه حديث الباب أو السجود و((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد))؟ أيهما أفضل؟ من أهل العلم من فضل طول القيام لورود هذا الحديث، ومنهم من فضل طول السجود ليقرب من ربه، وليسأل ربه ما شاء، فقمن أن يستجاب ((وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)) وبعض الناس يستروح إلى طول القيام؛ لأنه يتلذذ بالقراءة، ويستمتع بها، ويخفف بقية الصلاة، وبعضهم بالعكس تجده حريص على الدعاء، وهذا يوجد عند بعض المسلمين تجده حريص على الدعاء ويطيله ويكثره، ويطيل السجود تبعاً له، ويخفف القيام إما لقلة محفوظه، أو لثقل القرآن عليه، يعني بعض الناس الله -جل وعلا- يسر القرآن {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [(17) سورة القمر] لكن هذا بالنسبة لكثير من الناس لا، الذي لم يتجاوز مرحلة المجاهدة ليصل إلى التلذذ بالقرآن، فالقرآن عليه ثقيل، وهذا موجود في بعض طلاب العلم، تجده يمر عليه اليوم واليومان والثلاثة ما فتح المصحف، وبعض طلاب العلم يحرص حرصاً شديداً على أن يحفظ القرآن، ولا شك أن هذا خير عظيم، لكنه إذا حفظه وضمن حفظه هجره، وهذا نسأل الله العافية جاء ذمه يعني هجر القرآن، فعلى الإنسان أن يكون متوازناً في عبادته.

من فضل طول القيام لحديث الباب أو فضل طول السجود مع تخفيف القيام أو العكس لحديث: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) على كل حال يستدل بهذين الحديثين، ومنهم من يوفق بين هذه الأحاديث فيقول: القيام أفضل؛ لأن ذكره أفضل وهو القرآن، والسجود أفضل لما جاء فيه؛ لأنه أقرب إلى الخضوع والتذلل والانكسار والانطراح بين يدي الله -عز وجل-، بخلاف القيام، والنتيجة إذا كان هذا أفضل بذكره وهذا أفضل بهيئته نعود إلى مسألة التوازن، فيأخذ من طول القيام لفضل الذكر، ويأخذ من طول السجود لفضل الحال والهيئة.

قال -رحمه الله-:

"وعن ربيعة بن كعب الأسلمي" وقد يقال له: ربيعة بن مالك، وقد ينسب إلى أبيه أحياناً وإلى جده، هو ربيعة بن كعب الأسلمي -رضي الله عنه- "قال: كنت أبيت مع النبي -صلى الله عليه وسلم-" هذا من فقراء المسلمين من أهل الصفة، يخدم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقد يبيت عنده، يقول: "كنت أبيت مع النبي -صلى الله عليه وسلم-" والصيغة تدل على الاستمرار، يبيت عنده باستمرار، هذا الأصل في هذه الصيغة لكنها جاءت للدلالة على الفعل ولو مرة واحدة، على كل حال الصيغة تدل على أنه قريب من النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقد يبيت عنده فيأتيه بوضوئه وحاجته.

"كنت أبيت مع النبي -عليه الصلاة والسلام-" بهذه المثابة وهو القرب من النبي -عليه الصلاة والسلام-، فيأتيه بوضوئه الماء الذي يتوضأ به، وحاجته يعني ما يحتاج إليه "فقال لي: ((سل))" يعني من باب المكافأة، ((من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له)).

"فقال لي: ((سل))" وهي مخففة من اسأل، وجاءت في القرآن مخففة، وجاءت أيضاً على أصلها (واسأل).

"((سل)) فقال: أسألك مرافقتك في الجنة" ما قال: اسأل البستان الفلاني، أو الأرض الفلانية، أو الوظيفة الفلانية، همم القوم تختلف عن همم كثير من المسلمين في عصرنا وما قبله بدهور، لكن ماذا سأل؟ قال: أسألك الأرض المجاورة للمسجد في المنطقة المركزية؟ لا، الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وهكذا ينبغي أن تكون في عرف أوليائه.

"أسألك مرافقتك في الجنة" شيء عظيم يسأل الجنة، هو صحابي جليل يفعل الواجبات، ويترك المحرمات، ويخدم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو حري وخليق بأن يدخل الجنة، ولا نجزم لأحد بشيء، لكن سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- مرافقته، وهل يلزم من مسألته مرافقته أن يكون معه في درجته، أو يكون في مسمى الجنة وعمومها، ولا يلزم أن يكون معه، لكن المرافقة تدل على المنزلة، ما قال: أسألك الجنة، أو تسأل الله لي الجنة، أولاً: النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يملك -عليه الصلاة والسلام- أن يدخله الجنة؛ لأن هذا لله -جل وعلا-، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- يسأل ربه، ويشفع لمثل هذا أن يدخل الجنة، وله الجاه العظيم عند الله -جل علا- أن يشفعه في هذا وأمثاله، لكن لا يملك تلقائياً أن يدخل أحداً الجنة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((لن يدخل أحدكم عمله الجنة)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)) فهو يسأل مرافقته في الجنة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يدعو له، لكن هل يكفي أن يعتمد الإنسان على دعاء غيره من غير بذل سبب منه؛ لأن ترتب الأمور أو ترتب الآثار على أعمالها أو ترتب المسببات على أسبابها لا بد من توافر سبب وانتفاء مانع، ولا يمكن أن يحصل الإنسان على ما يريد بسبب غيره دون أن يبذل جهداً من نفسه؛ لأنه مأمور بأوامر ومنهي عن نواهي، وجاءت خصال موصلة إلى الجنة، لكن من فعلها تضمن له الجنة ولو ارتكب مانع أو قصر في واجب؟ قد يكون أهم من هذا الذي هو سبب في دخول الجنة ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) ((ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) ((ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) لكن هل ينال هذه الفضائل من ينام عن الصلوات؟ هذا بذل هذه الأسباب وموعود بالمغفرة، لكن لا بد من انتفاء الموانع، ولا بد من بذل الأسباب المعينة.

ولذلك قال: "فقال: ((أو غير ذلك؟))" أما تسأل غير هذا؟ أليس حاجة أيسر من هذه؟! لأنه لو قال: الأرض الفلانية قال: خذ "قلت: هو ذاك" يعني ما عندي غير هذا، ما عندي غير الجنة، الهمة محددة، وهي دخول الجنة، ومن لازمها النجاة من النار، وإذا دخل الجنة تنعم بنعيمها الذي أعظمه رؤية الباري -جل وعلا-، التلذذ برؤية الله -جل وعلا-، وما يتبع ذلك من النعيم المقيم، وفي ضمنه النجاة من العذاب الأليم الأبدي السرمدي.

"قلت: هو ذاك، قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود))" فالكثرة مطلوبة، والسجود كناية عن الصلاة، يعني أكثر من الصلاة، ومن لازم الصلاة السجود ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) وهذا يدل على أنه لا حد محدد للركعات التي يتطوع بها الإنسان من النوافل المطلقة في ليل أو نهار، ما في حد محدد: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) وكلما كان أكثر كانت الإجابة أقرب.

الكثرة -كثرة السجود- هل تنافي طول السجود؟ نعم؟ تنافي وإلا...؟

طالب:.......

لأن الكثرة يراد بها في العدد، والطول في الوقت، فهل الأفضل أن يسجد سجدة واحدة في خمس دقائق، أو يسجد خمس سجدات في خمس دقائق؟ في الحديث يقول: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)) لأنه أثر عن بعض السلف أنه يتطوع في اليوم والليلة بعدد كبير وكثير من الركعات، منهم من يتطوع بثلاثمائة ركعة، وإذا اعتبرنا الركعة بدقيقة في أقل ما يجزئ فيحتاج إلى خمس ساعات متواصلة، وذكر ابن المطهر الحلي الرافضي في كتاب: منهاج الكرامة عن علي -رضي الله عنه- أنه كان يتطوع في اليوم والليلة بألف ركعة، لكن شيخ الإسلام قال: الوقت لا يستوعب، لكن ثلاثمائة كما يذكر عن الإمام أحمد -رحمه الله- وعن غيره من السلف، الحافظ عبد الغني المقدسي ثلاثمائة، هل هذا هو الأفضل أو الأفضل أن يصلي بدل الثلاثمائة أقل لكن على طريقة أطول، بدلاً من أن يصلي الركعة بدقيقة يصليها بثلاث دقائق، وبدلاً من الثلاثمائة يصلي مائة، وصفة صلاته -عليه الصلاة والسلام- هي الطول، والحديث يدل على الكثرة، ولعلنا نعود إلى ما ذكرناه وقررناه سابقاً أن على كل إنسان أن يفعل ما يناسبه ويميل إليه، ليأتي إلى هذه العبادة وهو منشرح الصدر، فبعض الناس ميله إلى التخفيف مع الكثرة، وبعضهم ميله إلى التطويل مع التقليل، وكل إنسان يفعل الأرفق به، وما يعينه على لزوم هذه العبادات الذي يعينه على لزومها، لو قيل للإنسان: صل مائة ركعة، يمكن يصلي يوم ولا يصلي يوم ثاني، يعني بالتدريج، يصلي ما كتب له حسب ما يتيسر، وحسب فراغه، وحسب نشاطه يصلي، ولكن لا ينسى هذه الوصية: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)).

قوله: ((بكثرة السجود)) يدل على أنه لا حد محدد لا يزاد عليه ولا ينقص في صلاة التطوع، سواءً كانت بالليل أو بالنهار، وسيأتي في حديث عائشة أنه -عليه الصلاة والسلام- ما كان يزيد على إحدى عشرة ركعة، ويأتي ما فيه مع استحضار هذا الحديث -إن شاء الله تعالى-.

"رواه مسلم".

"وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات" يعني يمكن أن يقال: إنه حفظ هذه العشر من مرة واحدة فلا يدل على لزوم العشر، أو أنه من تكررها حفظها ابن عمر؟ لا سيما وأنه يوجد ما يخالف هذا الحديث في العدد، حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات، وهل الذي يحفظ القول أو الفعل؟ يعني هل رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- يفعلها أو سمعه يحث عليها؟ يعني الحفظ خاص بالقول أو يعم القول والفعل؟ يعم القول والفعل.

"حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها" وسيأتي في حديث أم المؤمنين أنها أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، ويأتي أيضاً ما يدل على أنها أربع ركعات قبل الظهر، وأربع ركعات بعدها، وعلى هذا تكون الرواتب المتعلقة بالفرائض الخمس عشر على حديث ابن عمر، أو اثنتا عشرة، أو أربعة عشرة.

والحكمة من شرعيتها أنها يرقع بها الخلل التي في الفرائض، فأول ما يحاسب عليه العبد من دينه الصلاة، فإن وجدت تامة فقد أفلح وأنجح، وإن وجدت ناقصة قال الله -جل وعلا-: ((انظروا هل لعبدي من تطوع؟)) من أجل أن يكمل النقص من التطوع، وهكذا في جميع العبادات إذا وجد خلل في الفرض يكمل من التطوع، فالصلاة المفروضة يكمل نقصها من التطوعات، هذا يجعل المسلم يحرص على التطوع؛ لأن النقص والخلل والسهو والغفلة أمور ملازمة للإنسان مهما بذل وحرص على الكمال، فإن الخلل لا بد أن يقع؛ فليحرص على ما يكمل به هذا النقص، وهذا الخلل من الرواتب المذكورة ومن غيرها؛ لأنها قد لا تفي هذه الرواتب برفع الخلل الواقع في الفريضة وقل مثل هذا في الزكاة، ومثل هذا في الصيام في الحج وغيرها.

وهنا مسألة يكثر السؤال عنها، وهي أن من استؤجر على عمل موظف، سواءً كان في وظيفة إدارية عادية يحصل منه خلل، يحصل منه خلل في وقت الدوام، تفريط، ثم يقول بعد ذلك: أنا آخذ بعض العمل لأشتغل به في البيت نكمل النقص، ويوجد هذا في المعلمين، ولا سيما بعض الشيوخ الذين يعلمون العلم الشرعي فتجده مدرس تفسير وإلا مدرس حديث وإلا مدرس قرآن وإلا مدرس عقيدة أو غيرها من التخصصات، تجده في عمله الوظيفي عنده شيء من التقصير والتفريط، تجده يتراخى، يعرف أن المحاضرة دخلت فيمر على فلان في مكتب فلان أو على وكيل وإلا عميد وإلا رئيس قسم وإلا شيء ويأخذ عنده بيالة شاي ولو تأخر خمس دقائق أو شيء من هذا، أو في أثناء الدرس تجده يتشاغل بأمور مفضولة على حساب الواجب، ثم يقول بعد ذلك: أنا عندي دروس في المغرب في آخر النهار، أنا عندي نفع وبذل لعله يرقع هذا من هذا، هذه وجهة نظر.

وبعضهم تجده يحرص على أداء الواجب المحاضرة من أولها إلى آخرها جادة في صميم المنهج، لكن ليس له بذل غير ذلك، أيهما أفضل؟ نعم؟

طالب:.......

الثاني أو الأول؟

طالب:.......

أولاً: الكمال لا يمكن أن يتصور أو يتوقع من أحد، وإذا كان للإنسان بذل قدر زائد على الواجب فلا بد أن يكون له تبعات، وهذه التبعات قد تؤثر على العمل الأصلي، وإذا نظرنا إلى النوعيات التي تستفيد منه في العمل الأصلي وفي العمل التطوعي، تجده يحضر عنده في العمل الأصلي من يستفيد ومن لا يستفيد، إضافة إلى أن العمل الأصلي فيه ما يدعو إلى شيء من الخلل، يعني أخذ الحضور مثلاً، معاتبة طالب نائم وإلا منشغل وإلا كذا، هذه مطلوبة من المدرس، لكنها على حساب العمل يعني، بينما عمله التطوعي تجده صافي لطلاب ينتفعون، ما جاءوا إلا للانتفاع والنية والإخلاص فيه أقرب، لكن مع ذلك مهما بذل يجب عليه أن يسعى لإبراء ذمته من عمله الأصلي الذي يأخذ عليه أجراً، يجب عليه أن يسعى لإبراء ذمته، لكن إذا حصل خلل من غير قصد ولا تفريط، ثم كان له عمل تطوع بذل في غير الوقت الأصلي فإنه على الجادة على القاعدة، يكمل له العمل الأصلي -إن شاء الله تعالى-، لكن لا يقول: أنا ما عندي طلاب في الجامعة، طلاب يعني ولو عشرة بالمائة طلاب علم، فأوفر الجهد والتحضير والاهتمام لدروس المسجد، نقول: لا يا أخي، أنت عملك الأصلي هو الذي تأخذ عليه أجراً، إذا كنت لا تطيق الجمع بين الأمرين فلا يجوز لك أن تفرط في العمل الذي تأخذ عليه أجراً، وإن نازعتك نفسك وعجزت عن المقاومة ففي مجالات أخرى يعني، بإمكانك أن تستقيل أو تتقاعد أو..، ثم تتجه إلى ما تراه أنفع.

على كل حال القاعدة مطردة، العمل التطوعي يكمل منه العمل الواجب، وهذه هي الحكمة من مشروعية هذه النوافل، في حديث ابن عمر عشر ركعات وفي حديث أم المؤمنين اثنتي عشرة ركعة، فإذا جمعنا هذه الركعات العشر مع الفرائض السبع عشرة نحتاج إلى تكميل الأربعين إلى ثلاث عشرة، ابن القيم -رحمه الله- يقول: "من طرق الباب أربعين مرة يوشك أن يفتح له" "كيف؟ سبع عشرة الفرائض، وثنى عشرة الرواتب وإحدى عشرة صلاة الليل، كم يكون المجموع؟ يكون المجموع أربعين، وإذا قلنا: إن الرواتب عشر على حديث ابن عمر يحتاج في صلاة الليل أن يصلي ثلاث عشرة، وهي ثابتة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في الصحيح.

"حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات" خفي عليه ما زاد في حديث أم المؤمنين، من الركعتين اللتين قبل صلاة الظهر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فالمرجح أن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، ركعتين قبل الظهر، وفي حديث أم المؤمنين أربع ركعات على ما سيأتي، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، لم تذكر العصر لأنه لا راتبة لها، فالظهر لها راتبة قبلية وبعدية، ووقت الراتبة القبلية من دخول الوقت إلى الشروع في الصلاة، والبعدية من الفراغ من الصلاة، وأذكارها إلى خروج الوقت، وقد تقضى القبلية بعد الصلاة وبعد الراتبة البعدية لأنها مقضية مقضية، فإذا أخرت يعني جاءوا ناس يصلون صلاة الظهر فاتته الراتبة، صلى الظهر ثم يصلي ركعتين الراتبة البعدية، ثم بعد ذلك يقضي الراتبة القبلية الأربع ركعات أو الركعتين على ما جاء في حديث ابن عمر وأم المؤمنين؛ لماذا؟ لأنه لو قدم الراتبة القبلية لصارت الراتبة البعدية قضاء، فتؤدى المؤداة قبل المقضية، فالظهر لها راتبة قبلية وبعدية، طيب العصر؟ العصر ما ذكرت في الحديث؛ لأنها ليس لها سنة راتبة، ليس لصلاة العصر سنة راتبة، وجاء الحث على ما سيأتي على أربع ركعات قبل العصر، وسيأتي الكلام فيها، وصلى النبي -عليه الصلاة والسلام- راتبة الظهر لما شغل عنها بعد صلاة العصر، وهو وقت نهي، وجاء ما يدل على اختصاصه بذلك؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- إذا عمل عملاً أثبته، فالآن عندنا الصلاة الأولى أي الصلوات؟ نعم؟ الظهر، جاءت تسميتها في النصوص الصلاة الأولى؛ ولماذا صارت أولى؟

طالب:.......

أول صلاة صلاها النبي -عليه الصلاة والسلام- مع جبريل حينما علمه الأوقات، فالظهر هي الأولى، والثانية العصر، الأولى لها راتبة قبلية وبعدية، والعصر ليس لها راتبة لا قبل ولا بعد.

"وركعتين بعد المغرب في بيته" تنصيص، فراتبة المغرب الأفضل أن تكون في البيت، وسئل الإمام أحمد أيجزئ صلاة راتبة المغرب في المسجد؟ قال: أرجو، يعني في إجزائها شك، النبي -عليه الصلاة والسلام- واظب على فعلها في البيت، لكن كثير من الناس لا يتيسر له أن يذهب إلى البيت بعد صلاة المغرب، قد يكون مرتبط بعمل، مرتبط بدرس في المسجد، أو بعمل في جهة من الجهات، أو على موعد مع فلان أو فلان، أو يذهب إلى محله وتجارته، فهل الأفضل له أن يصليها في المسجد؟ أما إذا كان عنده درس في المسجد فلا خيار، يعني يصليها في المسجد، لكن إذا كان له محل تجارة أو عمل وظيفي يذهب إليه بعد صلاة المغرب أو مدعو عند صديق أو قريب هل يصليها في المسجد أو يصليها في محله في متجره في محل وظيفته في بيت من دعاه؟

طالب:.......

الأفضل أن يصليها في محله في تجارته في دكانه في مكتبه في المحل الذي دعي إليه للضيافة مثلاً، أو يصليها في المسجد؟ نعم؟

طالب:.......

يعني ما البديل للبيت؟ هل نقول: إن الدكان في ملكه شبيه بالبيت، أو نقول: إنه محل عام يدخل ويخرج منه فهو شبيه بالمسجد؟ لأن الصلاة في البيت شرعت لحكم، منها: أولاً: أنه أخفى عن أعين الناس، ومنها: من أجل أن يقتدي به النساء والأطفال، ويتعلمون الصلاة من صلاته في بيته، فعلى هذا إذا لم يتيسر له أن يصليها في بيته يصليها في المسجد، وإذا كان على موعد وخشي أن يتأخر عليه فأراد أن يصليها على رحلته يستغل الطريق يصليها على راحلته وإلا لا؟

طالب:.......

ماشية، إذا هو واقف يصلي في المسجد، وهو ماشي الدوام باقي عليه خمس دقائق ما في فرصة أنه يصلي في المسجد، يصلي في الطريق في السيارة وإلا ما يصلي؟ هاه؟

طالب:.......

النبي -عليه الصلاة والسلام- ما صلى على الدابة في الحضر، إنما صلاها في السفر، لكن إذا خشي فواتها أو تضييعها في مثل هذا ألا يتجه أن يقال له: النفل مبني على التخفيفـ، له أن يصليها في سيارته على دابته استغلالاً للوقت؛ لئلا يضيع شيء من الواجب، ولا تضيع الراتبة أيضاً.

صلى بجواري أمس في المسجد الحرام صلاة الجمعة شخص، فلما سلم قام وصلى تسليمتين، ولا صلى على الجنائز، يقول: لا بد أن أصلي هذه الركعات لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر عنه أنه كان يصلي بعد الجمعة أربع ركعات على ما سيأتي، يعني إذا كان في المسجد، فهل يفرط في صلاة الجنازة من أجل هذه الركعات الأربع؟ جنائز، وهذا يدخل في باب المفاضلة بين العبادات وهو أمر مهم، هل نقول لمثل هذا: صل على الجنائز وصل الصلوات هذه لئلا يفوتك دوامك لأنه عسكري، والأمر عندهم أشد من المدنيين، صلها على السيارة تلحق، تحصيلاً لهذه القراريط بعدد الجنائز التي يصلى عليها، أو نقول: إن هذه من الأمور المستثناة شرعاً فلا يعارض بها الدوام؟ يعني الدوام هل واحد من الموظفين وقع عقد وفيه استثناء وقت الصلاة؟ ما في أحد يوقع على هذا، لكنه مستثنى شرعاً، إذا أذن تطبق القلم وتمشي تصلي، ولا أحد يستطيع أن يعارضك في هذا، وأنت في وسط الدوام، هذا مستثنى شرعاً، فهل مما يستثنى أيضاً ما يلتحق بهذه الفرائض من نوافلها، يعني ولو أدى ذلك إلى التأخر، يعني هذه أمور عملية يحتاجها الناس كلهم، كل من هو مرتبط بعمل يحتاج مثل هذه المسائل.

الفريضة مستثناة شرعاً لكن النافلة؟ نعم؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

أولى من النافلة، النافلة راتبة ونص عليها ومحفوظة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يخل بها، فهل هي مما يلتحق بالفرائض؟ طيب أذكار الصلاة تقول: العمل أولى؟ نعم؟

طالب:.......

ما هي بسيطة يا أخي تأخذ عند بعض الناس وقت، تأخذ وقت عند بعض الناس، وهو بالإمكان أن يقولها وهو في طريقه، لكن الأصل أنها مرتبطة بالصلاة بمكانها، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقولها وهو جالس، هذه الأمور لا شك أنها مستثناة شرعاً، وليس لأحد أن يطالب، يعني يقول: لماذا تأخرت خمس دقائق؟ صليت الراتبة يلام على ذلك وإلا ما يلام؟ لا يلام على ذلك.

وركعتين بعد المغرب في بيته ما نص على البيت في راتبة الظهر القبلية ولا البعدية مما يدل على أنها في المسجد، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يفعلها في المسجد، ولو فعلها في بيته لعموم حديث: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) لكان أفضل، لكن يبقى أن التنصيص على ركعتي المغرب في البيت يدل على أهمية صلاتها في البيت.

وكذلك ركعتين بعد العشاء في بيته "وركعتين قبل صلاة الصبح" ركعتين قبل صلاة الصبح في بيته أيضاً، ترك التنصيص على البيت في ركعتي الصبح لظهور أمرها، ما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يصليها في المسجد، يصلي التهجد ثم يضطجع وقد ينام، فإذا أذن بلال بالصلاة صلى الركعتين ثم اضطجع، وسيأتي حكم الاضطجاع بعد الركعتين حتى يؤذنه بلال بالصلاة، فكان يصلي الركعتين في بيته، وقد يتعارض فعل هاتين الركعتين في البيت مع التبكير إلى الصلاة والقرب من الإمام والصف الأول وميامن الصفوف، يكون هناك تعارض، فما الذي يقدم؟ هل يصلي ركعتي الفجر في بيته ونقول: أفضل ولو فاتك الصف الأول ولو بعدت عن الإمام لا سيما إذا كان المسجد بعيداً؟ أو نقول: أقرب من الإمام وصف في الصف الأول قريب منه واستمع لقراءته وبكر للصلاة واقرأ ما كتب لك قبل الصلاة ويكون بمجموع هذه الفضائل أفضل مما لو صلاها في بيته؟ الأصل الاقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، فما فعله -عليه الصلاة والسلام- هو الأكمل، فيصلي الركعتين في بيته، ثم يأتي إلى الفريضة.

"وركعتين قبل صلاة الصبح" أولاً: بعد طلوع الصبح يبدأ وقت النهي، فإذا طلع الصبح فلا صلاة إلا ركعتي الصبح فقط، فلو صلاها في بيته وجاء إلى المسجد ووجد الصلاة ما أقيمت يصلي ركعتين اللي هي تحية المسجد؛ لأن الوقت موسع، ونازع بعضهم في كونه من أوقات النهي، وأن النهي يبدأ من الصلاة كالعصر، لكن المرجح أن النهي يبدأ قبل الصلاة من طلوع الصبح.

"وركعتين قبل الصبح" ومعلوم أنها في البيت "وكانت ساعة" وكانت هذه الساعة ساعة "لا يدخل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها أحد" يصلي فيها هاتين الركعتين، ويضطجع على شقه الأيمن حتى يؤذن للصلاة من قبل المؤذن.

"حدثتني حفصة" من الذي يقول: حدثتني؟ ابن عمر وهو إيش؟ أخوها "حدثتني حفصة بنت عمر أم المؤمنين -رضي الله عنهما-: أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين" هما راتبة الصبح "متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين" هذا يدل على أن النهي يبدأ من طلوع الفجر، وعلى هذا إذا طلع الفجر فلا صلاة غير هاتين الركعتين، وذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقضي الوتر في هذا الوقت، لكن لا كلام لأحد معه -عليه الصلاة والسلام- الذي انتهى وتره إلى السحر، يعني قبل طلوع الفجر، وإذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر، وعلى هذا من فاته الوتر يقضيه إذا خرج وقت النهي بارتفاع الشمس.

"كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين" خفيفتين حتى قالت عائشة -رضي الله عنها-: "لا أدري أقرأ بفاتحة الكتاب أم لا؟" تعني النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهذا مبالغة في التخفيف، يصلي ركعتين خفيفتين، تقول عائشة -رضي الله عنها-: "لا أدري أقرأ بفاتحة الكتاب أم لا؟" وتخفيف ركعتي الفجر هو السنة، وسيأتي ما يقرأ فيهما.

"وفي رواية لهما -يعني للبخاري ومسلم يعني من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: "وركعتين بعد الجمعة في بيته" يعني متصلة بحديثه السابق، نعم؟ متصلة بحديثه السابق، فقوله: حفظت من النبي -عليه الصلاة والسلام- عشر ركعات: ركعتين وركعتين وركعتين وركعتين وركعتين، هذه عشر، ثم قال: "وركعتين بعد الجمعة في بيته" كم يكون المجموع؟ يكون المجموع ثنتي عشرة، العشر، وركعتين بعد الجمعة،

العد الإجمالي يختلف مع العد التفصيلي، يقول: حفظت من النبي -عليه الصلاة والسلام- عشر ركعات، ثم عد ثنتي عشر ركعة، فقوله: "عشر ركعات" يعني المتكررة في كل يوم، يعني ما يتكرر في كل يوم، وأما الجمعة فلا تتكرر، فلا تحسب مع العد الإجمالي.

"ركعتين بعد الجمعة" وجاء ما يدل على أنها أربع ركعات، وجاء ما يدل على أنها ست، ابن القيم -رحمه الله- يجمع بين هذه الروايات بأنه إن صلاها في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في البيت صلاها ركعتين، ولذا قال: "وركعتين بعد الجمعة في بيته" والجمعة ليست لها راتبة قبلية، ليست كالظهر.

إفراد الركعتين بعد الجمعة في بيته ألا يمكن أن يشملها ما تقدم ركعتين بعدها، يعني بعد الظهر، ويكتفى عن إفراد الجمعة؟ أو نقول: إن الجمعة وقت مستقل كالصبح؟ ولذا لا تجمع ولا يجمع إليها، لا تجمع مع العصر ولا تجمع العصر معها، فهي وقت مستقل، ولذلك أفردت راتبتها، وإلا لو كانت قائمة مقام الظهر، أو هي الظهر والخطبتان عن الركعتين الأوليين لما احتاج إلى التنصيص إلى قوله: "وركعتين بعد الجمعة في بيته.

قال -رحمه الله-: "وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة" رواه البخاري" هذا لا شك أنه يدل على تأكد الأربع قبل صلاة الظهر، وهي التي جاء فيها: "أربع ركعات بعد الزوال لا يرد الدعاء بعدها" وأما ركعتي الصبح فالتأكيد عليها جاء في أحاديث منها أنه كان لا يدعها سفراً ولا حضراً.

"وعنها" يعني عن عائشة -رضي الله عنها- "قالت: لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر" متفق عليه، واللفظ للبخاري" يذكر عن الحسن البصري أنه أوجب ركعتي الفجر، ولكن عامة أهل العلم على أنها سنة، من الرواتب ومؤكدة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يكن ليدعها لا في سفره ولا حضره كالوتر، ولم يكن على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على هاتين الركعتين.

"متفق عليه، واللفظ للبخاري، ولمسلم: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))" وهذا أيضاً يدل على تأكدها.

((خير من الدنيا وما فيها)) يعني النفوس معلقة بالدنيا وزخرفها وأعناق الناس تشرئب إليها وإلى أربابها وأصحابها، بغض النظر عن هاتين الركعتين، وما هو أهم من هاتين الركعتين من الفرائض، يعني هل نظرة عموم الناس إذا رأوا رجلاً ثرياً يمتطي سيارة فاخرة، يعني يدخل في قلوبهم من الهيبة مثل ما يدخل قلوبهم من شخص لا تفوته تكبيرة الإحرام؟ لا، وعلى هذا لو أن شخص أدرك ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح لو عرضت عليه الدنيا يوافق وإلا ما يوافق؟ يعني لو قيل له: هذا ألف أو مليون بها الركعتين، ألا يمكن أن يقول: نأتي بركعتين بدقيقتين غير هاتين الركعتين؟! والمليون متى يجمع؟ يعني هذا في حسابات الناس العادية، هذا في حساباتهم العادية، لكن ومع ذلك: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) بما فيها من الأموال كلها، ومن المتع كلها، ومن زينتها وزخرفها، وجميع ما يستمتع به الناس ويستلذون به كله لا يعادل ركعتي الفجر، والدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة، لكن هل الناس يقدرونها قدرها، بل العكس وجد من يعبدها من دون الله، وجد من يعبد الدرهم والدينار، وجد من يعبد الوظيفة، وجد من يعبد المركز الاجتماعي وغير ذلك، وحب الشرف، وحب المال، هذه من أعظم ما يقضي على دين المرء: ((وما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لهما من حب الشرف والمال لدين المسلم)) يعني التهالك على حب الشرف، وحب المال، حب الرئاسات، حب الجاه هذا هو الذي أهلك الناس، وتجد بعض الناس متماثل مستقيم قبل أن يملك شيء من الدنيا، أو قبل أن يحصل له شيء من المنصب أو الجاه، ثم بعد ذلك تجده يتنازل شيئاً فشيئاً إلى أن يفقد أغلى ما يملك، وبعض طلاب العلم نسوا القرآن، نسوه، حفظوه ثم نسوه؛ لماذا؟ لأنهم اشتغلوا، إما بمساهمات عقارية أو أسهم أو غيرها، تجده يلتحق بهذه الأعمال ثم ينسى نفسه، وينسى ربه، وينسى دينه، وينسى أسرته، كم تقدر الكارثة والخسارة إذا نسي القرآن بعد أن حفظه؟ أو صلى صلاة لا يعقل منها شيء، أو فرط فيما أؤتمن عليه من أسرة من زوجة من أولاد من بنين وبنات، وعمل ووظيفة واجبة، يفرط فيها من أجل حطام الدنيا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) يعني لو أن شخصاً جاء قبل صلاة الصبح مع الأذان وبإمكانه الوقت يستوعب إلى هاتين الركعتين وعشر ركعات بخمس تسليمات، ثم صلى ركعتين، وجاء قال واحد: هذا مليون، قال: هات، نصلي غيرهن، ثم صلى ركعتين، وقال الثاني كذلك، والثالث والخامس قال: تقضى بعد صلاة الصبح أو بعد طلوع الشمس، كل هذا لا يعدل شيئاً عند الله -جل وعلا-.

وهل يؤثر في النية -في نية الإنسان-؟ لأن بعض الناس من باب الفضول إذا حج شخص قال: كم تبيع علي الحجة؟ خسرت خمسة آلاف أعطيك مائة ألف، ثم قال: لا مانع، وهو يريد أن يختبره، هل يؤثر على نيته بعد الفراغ من العبادة أو لا يؤثر؟ نعم؟ إذا كان الندم على المعصية توبة، فالندم على العبادة بعض الناس يحج وإذا رجع من الحج قال: ليتني ما حجيت، والله تعبنا تعب شديد، ليتني ما حجيت ها السنة، هذا لا شك أنه يخدش في العمل، فكيف بالمساومة في أمور الدنيا؟! لأنه يوجد في فضول الناس، فضول عوام الناس وقد يوجد عند بعض الملتزمين كم تبيع علي حجك؟ كم تبيع علي صيامك؟ كم؟ كل هذا من العبث بالدين والدنيا كلها لا شيء بالنسبة لهاتين الركعتين، فما بالكم بما هو أعظم منهما مما افترض الله على الإنسان؟! والله المستعان.

سعيد بن المسيب جاءه من يخطب ابنته لابن الخليفة، ويقول له: جاءتك الدنيا بحذافيرها، قال: كيف؟ قال: ابن الخليفة يخطب البنت، جاءتك الدنيا بحذافيرها، قال: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة فما ترى أن يقص لي من هذا الجناح؟!

الدنيا كلها ما في يد الخليفة وما في أيدي الناس، وما في أيدي الملوك في سائر الأقطار كله لا يزن عند الله جناح بعوضة، ماذا يقص لسعيد بن المسيب الذي يعرف حقيقة الدنيا ويعرف حقيقة الآخرة؟! ماذا يقص له من هذا الجناح؟ لكننا في غفلة، نحن في غفلة عما خلقنا له، والله المستعان.

قال -رحمه الله-:

"وعن أم حبيبة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من صلى))" أم حبيبة بنت أبي سفيان أخت معاوية واسمها: رملة، تزوجها النبي -عليه الصلاة والسلام- وهي بالحبشة مهاجرة بعد أن ارتد زوجها، وجاء ما يدل على أن أبا سفيان جدد العقد للنبي -عليه الصلاة والسلام- بعد أن أسلم على الكلام الذي عرف وذكره أهل العلم في الطعن في حديث التجديد، ولكن لا يمنع ما دام في صحيح مسلم، لا يمنع أن يجدد العقد، وإن كان العقد صحيحاً سارياً من باب جبر الخاطر؛ لأنه كبير قوم، ويرى أن ابنته أخذت من غير إذنه وقهراً عنه، لا يمنع أن يعطى مثل هذا جبراً لخاطره، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن)).

"-رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة)) وفي رواية: ((تطوعاً))" التطوع يخرج الفرض؛ لأن من اقتصر على الفرائض يقول: أنا صليت ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة وزدت خمس ألا يحصل لي هذا الوعد يبنى لي بيت في الجنة، الرواية تقول: ((تطوعاً)) والتطوع لا يكون إلا بعد أداء الفريضة.

((من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة)) وهذا يدل..، الصيغة ((من صلى)) ((بني)) هل تدل على الملازمة أو أنه في كل يوم يبنى له بيت في الجنة؟ جواب الشرط بني مرتب على صلى، جواب الشرط بني له بهن بيت في الجنة مرتب على من صلى، فإذا صلى ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة، ثم إذا صلى ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة، قد يقول قائل: في كل يوم يبنى للمسلم بيت في الجنة؟ أو يكفيه أنه إذا لزم هذه الثنتي عشر الركعة يبنى له بيت واحد في الجنة ولو طول عمره؟ وماذا عما لو أخل في بعض الأيام؟ إذا قلنا: إنه للملازمة والدوام والاستمرار إذا أخل ولو في يوم من الأيام ما حصل له بيت في الجنة، وإذا قلنا: إن فضل الله واسع، وما عنده لا يمكن أن يحد، رتبنا الجواب على الشرط، وقلنا: إنه بمجرد ما يصلي ثنتي عشرة ركعة يبنى له البيت في الجنة، وفضل الله واسع، يعني ولا يقال: الإنسان يعمر مائة سنة وفيها كم من يوم؟ السنة ثلاثمائة وخمسين، وعشرين سنة سبعة آلاف، إذا ضربتها في متوسط العمر مثلاً السبعين احذف منها الخمس عشرة قبل البلوغ يبقى خمس وخمسين اضرب السبعة آلاف في ثلاثة عشرين ألف، كم يبنى له؟ حدود عشرين ألف بيت، يقول: وين المساحة التي بتأخذ كل واحد عشرين ألف بيت؟ أولاً: عموم الناس كثير منهم لا يحافظ على هذه الصلوات رغم ما ورد في فضلها، الأمر الثاني: أن آخر من يدخل الجنة، يخرج من النار ويدخل الجنة آخرهم ماذا أعد له في الجنة؟ يقال له: تمن، فتنقطع به الأماني ما يعرف المسكين، فيقال: أيرضيك أن يكون لك ملك أعظم ملك في الدنيا؟ فيقول: إي وربي، فيقال: هو لك ومثله ومثله وعشرة أمثاله، هذا آخر من يدخل الجنة ويخرج من النار، عشرة أمثال أعظم ملك في الدنيا، تصور ملك هارون الرشيد، عشرة أمثاله لآخر من يخرج من النار ويدخل الجنة، يعني نتكاثر عشرين ألف بيت أو ثلاثين ألف بيت؟! فما عند الله لا يحد وخزائنه ملأى، لا تغيظها النفقة، يعني ماذا أنفق منذ أن خلق الخليقة؟ يده سحاء الليل والنهار، وفي الحديث القدسي: ((لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد وسألوا فأعطى كل واحد مسألته ما نقص من ملكه شيء)) لكن على الإنسان أن يبذل، يسمع مثل هذه الأمور ويفرط، يسمع أحاديث الترغيب فيها الأمور العظيمة التي لا يمكن أن تقدر بحساباتنا ويفرط، ويسمع بالمقابل الأهوال الشديدة ويفرط أيضاً فيترك الواجبات ويفعل المحرمات، وصنيعه صنيع المكذب، لكن الشهوة غلبته والكسل ففرط في جنب الله، ثم يجد جزاءه يوم لا ينفع مال ولا بنون.

"رواه مسلم، وقد رواه الترمذي وصححه، والنسائي وفيه" الحديث الإجمالي: ((من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بيت في الجنة)) هذا مجمل، فصل في رواية الترمذي والنسائي فقيل: ((أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها)) وهو مطابق لحديث ابن عمر وشاهد له في الجملة إلا فيما يتعلق بما قبل صلاة الظهر ففي حديث ابن عمر ركعتين وفي حديث أم حبيبة أربع.

((أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر)) قال النسائي: ((قبل الصبح)) والفجر صلاة الفجر وصلاة الصبح إلا أن قوله: قبل الصبح يحتمل أن يكون قبل طلوعه، لكن رواية الترمذي مفسرة.

"وذكر ركعتين قبل العصر بدل ركعتين بعد العشاء" لكن هذه الرواية خطأ، شاذة غير محفوظة، فالمحفوظ أنها بعد العشاء وليست قبل العصر.

ثم قال -رحمه الله-:

"وعن أم حبيبة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار))" في حديثها الأول: ((أربع قبل الظهر وركعتين بعدها)) وفي حديثها الثاني: ((أربع قبل الظهر وأربع بعدها)) فهل نقول: إن الرواتب عشر كما جاء في حديث ابن عمر؟ أو ثنتي عشرة كما جاء في الرواية الأولى من حديث أم حبيبة، أو في حديثها الثاني أربع قبل الظهر وأربع بعدها فتكون الرواتب أربع عشرة؟ منهم من يرجح حديث ابن عمر، وهذا هو المشهور عند الحنابلة أن الرواتب عشر، ومنهم من يرجح حديث أم حبيبة فيقول: إن الراتب اثنتا عشرة عملاً بالزيادة، وأما أربع قبل الظهر وأربع بعدها فالذي يظهر أن الأربع بدلاً من الثنتين بعد الظهر ليست من الرواتب؛ لأنه في حديثها الآخر ركعتين، في حديث ابن عمر ركعتين بعد الظهر.

((حرمه الله على النار)) يعني منعه وحجبه عن دخولها، والمحرم هو الممنوع ((حرمه الله على النار)) فماذا يكون مآله؟ الجنة.

"رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب".

ثم قال: "وعن عاصم بن ضمرة عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي قبل العصر أربع ركعات" وجاء أيضاً في الحديث الذي يليه: ((رحم الله امرأ صلى أربعاً قبل العصر)) "أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين" فيدل على أن هذه الأربع تكون بسلامين.

"رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعاصم بن ضمرة هذا تكلم فيه أهل العلم" فوثقه جمع وضعفه تكلم فيه آخرون، قال: "وثقه أحمد وابن المديني وابن خزيمة وغيرهم، وتكلم فيه غير واحد من الأئمة".

المعلق محقق الكتاب سليم الهلالي هو جيد معروف بالتحقيق في هذا المجال، لكن علق على قوله: "وثقه أحمد" قال: إن كان يعني ابن حنبل فلم أر هذا التوثيق صريحاً عنه، نعم قال عنه كما في إكمال تهذيب الكمال: عاصم عندي حجة، وأي توثيق أعظم من هذا وأقوى منه؟

إن كان يعني ابن حنبل فلم أر هذا التوثيق صريحاً عنه، نعم قال عنه: عاصم عندي حجة، هذا توثيق وإلا لا؟ حجة أعظم من ثقة، وأي تصريح فوق هذا؟!

"وثقه أحمد وابن المديني وابن خزيمة وغيرهم، وتكلم فيه غير واحد من الأئمة" يقول المعلق: كابن المبارك والجوزجاني وابن حبان، وأين هؤلاء ممن تقدم من أحمد وابن المديني وابن خزيمة، تكلم فيه ابن المبارك، تكلم فيه الجوزجاني وابن حبان، هؤلاء لا يعدلون بالأئمة كأحمد وابن المديني، فأقل الأحوال أن يكون الحديث حسناً.

هذه الأربع الركعات قبل صلاة العصر ليست من الرواتب، بل هي من النوافل المطلقة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها لينال هذه الدعوة: ((رحم الله امرأ صلى أربعاً قبل العصر)) فلا يفرط فيها إلا محروم؛ لأن من من المسلمين يستغني عن رحمة الله؟ نعم ليست من الرواتب كما هو الشأن في الأربع قبل الظهر، أو كراتبة المغرب البعدية أو راتبة العشاء أو غيرها من الرواتب، ليست بمثابتها لكنها مشروعة، والفرق بين الرواتب وغيرها من النوافل المطلقة أن الرواتب آكد، ولذا منها ما يلزم ويلازم في السفر والحضر كركعتي الصبح، ومنها ما المرجح تركه في السفر كبقية الرواتب، فما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يلازم في سفره إلا الوتر وركعتي الصبح، فلم يكن يتركهما سفراً ولا حضراً، وجاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما- ترك الرواتب، وقوله: "لو كنت مسبحاً لأتممت" يعني أن المسافر الرخصة الإلهية في حقه أنه يتخفف من بعض الفريضة الرباعية تقصر ولا تتم، فكونه لا يتنفل أرفق به وأقرب إلى مقاصد الشرع لما يشتمل عليه السفر من المشقة، لكن الرواتب المطلقة السنن النوافل المطلقة غير الرواتب هذه لو استكثر منها الإنسان باعتبار أن ما جاء وما ورد إنما هو في الرواتب دون المطلق فلو استكثر منه الإنسان كل ركعة بأجرها، وليحرص الإنسان على لزوم هذه الرواتب، ولزوم الإكثار من التعبد في الحضر؛ لأنه إذا مرض أو سافر يكتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً، فإذا كان في حال الصحة وفي حال الإقامة مفرط، فماذا يكتب له في السفر؟ ماذا يكتب له في حال السفر؟ لا شيء، اللي ما يعمل في الحضر ما يكتب له في السفر؛ لأنه يكتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً، فإذا مرض إن كان له سابقة في حال صحته فإنه يكتب له ما كان يعمله في تلك الحال.

يعني نظير ذلك يعني في أمورنا العادية والاختبارات لأن التنظير لا سيما في هذه الأيام يرسخ، مع الاختبارات بعض الجهات تقسم الاختبار إلى قسمين شفوي وتحريري، فيختبر بنصف الدرجة على التحريري والنصف الثاني على الشفوي، بعض الناس يختبر الشفوي ويضيق الوقت على التحريري أو يريد المدرس أن يتخفف؛ لئلا يصحح الأوراق الكثيرة فيعطي يقول: خلاص الذي لا يريد الاختبار التحريري نضاعف له درجة الشفوي، لأن المسألة نظام لا بد أن يختبر تحريري، فيخير الطلاب يقول: الذي لا يريد أن يختبر التحريري نضعف له الدرجة، واحد من الطلاب قال: أنا لا أريد التحريري، أنا يكفيني ضاعف لي الدرجة، ويصر على المدرس، والمدرس يقول: ليس من مصلحتك، اختبر تحريري أفضل لك، يقول: لا لا، ضاعف لي الشفوي، يصر عليه وهو آخذ صفر في الشفوي، مثل الذي يفرط في النوافل في وقت الحضر وفي وقت الصحة صار آخذاً صفر، وماذا يكتب له إذا مرض أو سافر؟ لا يكتب له شيء، فعلى الإنسان أن يغتنم العمر، يغتنم الشباب، يغتنم الصحة، يغتنم الفراغ، ليكتب له من بعد إذا احتاج إلى شيء من ذلك إذا فيه عنده رصيد ينفعه إذا مرض أو سافر أو ضعف أو عجز، والله المستعان.

((رحم الله امرأ صلى أربعاً قبل العصر)) وهي بسلامين كما يدل له قوله: "يفصل بينهن بالتسليمة على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين".

"رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه والترمذي وقال: حسن غريب، ووهى أبو زرعة رواته" وهى أبو زرعة رواته، وابن خزيمة صححه، وحسنه الترمذي، وعلى كل حال المتجه أنه حسن.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.