كتاب الجنايات من سبل السلام (2)

عنوان الدرس: 
كتاب الجنايات من سبل السلام (2)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 9:15 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

أحسن الله إليك.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا،

قال في البلوغ وشرحه في كتاب الجنايات في الحديث السابع:

"وعن أنس بن مالك، أن جاريةً وُجِد رأسها قد رُضَّ بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟ فلان فلان، حتى ذكروا يهوديًّا، فأومأت برأسها، فأُخِذ اليهودي فأقرّ، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُرضَّ رأسه بين حجرين. متفق عليه، واللفظ لمسلم، الحديث دليل على أنه يجب القصاص بالمُثقّل كالمُحدد، وأن يقتل".

هذه مماثلة، مماثلة، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}[النحل:126]، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}[الشورى:40] هذه مماثلة في القتل، وليست مُثلة، فإذا قتل بالمُحدَّد يقتل بالمُحدَّد، لو قتل بالمُثقَّل يقتل بالمُثقًّل، هذه وُجدت مقتولة، ولا يُدرى من قاتلها وهي في آخر رمق سُئلت: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان، حتى عُدَّ مجموعة حتى إذا ما جاؤوا على ذكر اليهودي الذي قتلها قالوا: فلان؟ يعنون اليهودي، فأشارت برأسها أن نعم، وليس هذا بدليل قطعي وبينة كافية في القصاص، لكنه قرينة، قرينة، يُقرر بها، فإن أقرّ قُتل وإلا فلا، لكنه لما قُرِّر أقرّ، فأمر به النبي- عليه الصلاة والسلام- فُرضَّ رأسه بين حجرين كما فعل بها.

"الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْمِثْقَلِ كَالْمُحَدَّدِ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ بِمَا قتلَ بِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْأُولَى: وُجُوبُ الْقِصَاصِ بِالْمُثَقِّلِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ، وَهُوَ صِيَانَةُ الدِّمَاءِ مِنْ الْإِهْدَارِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِالْمِثْقَلِ كَالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ فِي إزْهَاقِ الرُّوحِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي الْقَتْلِ بِالْمِثْقَلِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ".

لأن المُحدَّد هو الذي يقتل، والمُثقَّل قتله مظنة، وليس بمتيقن، فلا يُقتص به فيكون من قبيل شبه العمد، لكن الحديث نصّ، نصٌّ في هذه المسألة، قد يقول قائل: إن القصة وقعت ليهودي، واليهودي معاهد، ويكون بقتله لهذه المرأة قد نقض العهد فاستحق القتل ولو نقض العهد بأي ناقض مثلاً غير القتل استحق القتل؛ لأنه يكون حربيًّا، فقتله لا من باب المُقاصة، لا من باب القصاص، بقتله هذه المرأة صار حربيًّا، انتقض عهده، فالقتل لا لأنه قتل، وإنما لكونه نقض العهد، قد يقول بهذا من يقول: إنها قصة ليس فيها دليل على القتل بالمُثقَّل وإلا فالأصل أن قتل هذه المرأة بالمُثقَّل لا يقتضي قصاصًا، فالقتل بالمُثقَّل مظنة، وليس بيقين مثل القتل بالمُحدَّد، لكن القتل بالمُثقَّل يقين إذا كان المُثقَّل بالفعل ثقيلًا يقتل بثقله، أو بقوة راميه، ما الفرق بينه وبين المُحدَّد إذا كان مؤداهما واحد وهو القتل؟

لا فرق، نعم.

"وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: «كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إلَّا السَّيْفَ، وَلِكُلِّ خَطَأٍ أَرْشٌ». وَفِي لَفْظٍ: «كُلُّ شَيْءٍ سِوَى الْحَدِيدَةِ خَطَأٌ، وَلِكُلِّ خَطَأٍ أَرْشٌ»، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَدَارُهُ عَلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِمَا، فَلَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا".

حديث أنس حديث الباب في الصحيحين، فكيف يُعارض بحديثٍ يرويه أمثال جابر الجُعفي رافضي خبيث؟

"وَجَوَابُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَنَّهُ حَصَلَ فِي الرَّضِّ الْجُرْحُ، أَوْ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّ كَانَ عَادَتُهُ قَتْلَ الصِّبْيَانِ، فَهُوَ مِنْ السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا تَكَلُّفٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَتْلُ بِآلَةٍ لَا يُقْصَدُ بِمِثْلِهَا الْقَتْلُ غَالِبًا".

بآلةٍ. وأما إذا كان.

"وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَتْلُ بِآلَةٍ لَا يُقْصَدُ بِمِثْلِهَا الْقَتْلُ غَالِبًا كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ وَاللَّطْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَاللَّيْثِ وَمَالِكٍ يَجِبُ الْقَوَدُ".

لأنه عمد، لأنه متعمد ولو لم يتعمد القتل إنما تعمد الأذى والجمهور على أنه لا قصاص في مثل هذا؛ لأنه شبه عمد، فالسوط لا يقتل، والعصا الصغيرة لا تقتل، وهكذا، هذا شبه العمد. فبين طرفي نقيض؛ الحنفية يقولون: المُثقَّل لا يقتل، لا يُقتَل به، ولا يُقتَص به؛ لأنه شبه عمد، ولو كان غاية في الثقل، نفترض أنه أُلقي على شخص سقف، هُدَّ بيت على شخص هذا مُثقَّل، لكن هل يقول الحنفية بالقصاص أو لا يقولون؟  

مقتضى قولهم: إنه لا يُقتل أنه لا يُقتص منه، ولو كان قاتلًا مجزومًا بكونه قاتلًا، ألقى عليه صخرة زنتها مئتا كيلو أو ثلاثمائة كيلو تقتل هذه بلا شخص بلا شك، فهل يُقتل به؟ عندنا طرف مذهب الحنفية لا يُقتل بمثقَّل مطلقًا، وعندنا مذهب المالكية القتل بما يقتل وما لا يقتل إذا قصد القتل إذا قصد الأذى، لا يمكن أن يقصد القتل بسوط، إنما قصد الأذى ولو لم يعلم الأثر المترتب عليه، ونظير ذلك ما يترتب عليه حد لا يلزم أن يكون مرتكبه عالمًا بأنه يُحدّ أو أن عليه كفارة أو عليه تبعة، إنما يكفي أن يكون يعلم أن هذا الفعل محرم، إذا كان لا يدري أنه محرم يعذر بجهله، وإذا كان يدري أنه محرم لا يعذر بجهله، ويؤاخذ بجميع تبعاته؛ لأن الأصل أنه ما دام مسلمًا أن يلتزم بما أُمر به وما نُهي عنه، فمن جاء لا يدري أن المجامع في نهار رمضان يلزمه كفارة، لكنه يعرف أنه محرم أو لا يدري أن فعل المحذور مثل حلق الشعر في الحج مثلاً، يدري أنه لا يجوز، لكن لا يدري أن فيه فدية، قال: والله ما دريت، نقول: لا، ما دام تدري أنه محرم عليك الفدية، وكأن رأي المالكية في هذا تدري أن الأذى محرم عليك التبعة القصاص، ولو كان بسوط ولو لم تقصد القتل إنما تعرف أن هذه الجناية عن عمد، وتعرف أنها محرمة يلزمك تبعتها وهو القوَد في مقابل قول الحنفية، والقول الوسط، وهو قول الشافعية والحنابلة أن المُثقَّل يقتل به إذا كان يقتل غالبًا، والسوط والعصا لا يقتل به؛ لكونه شبه العمد، أما بالنسبة للسيف ونحوه فهذا محل إجماع.

"وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ. وَفِيهِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةٌ منهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَلَا، وَإِنَّ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فِيهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا»، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ: فِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ.

قُلْتُ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ، فَقَدْ اتَّضَحَ الْوَجْهُ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْآلَةِ فِي إزْهَاقِ الرُّوحِ، بَلْ مَا أَزْهَقَ الرُّوحَ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَتْلُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ: ذَهَبَ إلَى قَتْلِهِ بِهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعَن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْأُنْثَى، وَكَأَنَّهُ اَسْتَدِل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى} [البقرة: 178]، وَرُدَّ بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ أَنَّ الذَّكَرَ يُقْتَلُ بِالْأُنْثَى، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ الْآيَةِ".

يعني منطوق الآية أن الذكر يقتل بالذكر، والأنثى تقتل بالأنثى، هذا منطوق الآية، ومفهومها أن الذكر لا يقتل بالأنثى، وأن الأنثى لا تقتل بالذكر، لكن هذا المفهوم ملغى؛ لأنه معَارض بمنطوق أصرح منه.

"وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُقَادُ بِالْمَرْأَةِ، وَتُوَفَّى وَرَثَتُهُ نِصْفَ دِيَتِهِ، قَالُوا: لِتَفَاوُتِهِمَا فِي الدِّيَةِ، وَلِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الدِّيَةِ لَا يُوجِبُ التَّفَاوُتَ فِي النَّفْسِ؛ وَلِذَا يُقْتَلُ عَبْدٌ قِيمَتُهُ أَلْفٌ بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، وَقَدْ وَقَعَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ ِالْمُسَاوَاة فِي الْجُرحِ أَنْ لَا يَزِيدَ الْمُقْتَصُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْجُرْحِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْقَوَدُ بِمِثْلِ مَا قُتِلَ بِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126]، وَقَوْلِهِ: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ غَرَّضَ غَرَّضْنَا لَهُ، وَمَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ»، أَيْ مَنْ اتَّخَذَهُ غَرَضًا لِلسِّهَامِ، وَهَذَا يُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ السَّبَبُ الَّذِي قُتِلَ بِهِ يَجُوزُ فِعْلُهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ كَمَنْ قُتِلَ بِالسِّحْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَفِيهِ خِلَافٌ، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إذَا قَتَلَ بِاللِّوَاطِ، أَوْ بِإِيجَارِ الْخَمْرِ أَنَّهُ يَدُسُّ فِيهِ خَشَبَةً، وَيُؤجِرُ الْخَلَّ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ".

في المحرم لا اعتبار للمماثلة؛ لأن المماثلة إنما هي فيما يجوز وما جاء فيها من قضايا وقصص نبوية كلها فيما يجوز فعله، لا فيما يحرم فعله، وأما المحرم فيحرُم ابتداءً، ويحرُم تبعًا، فلا تجوز المماثلة في المحرم؛ لأن الخطأ لا يعالج بخطأ، والمنكر لا يعالج بمنكر، إنما المنكر تجب إزالته بما لا يترتب عليه منكر، ولا شك أن من قتل بشيء محرم سقاه خمرًا حتى مات لا يقال: يُسقى خمر حتى يموت، إنما يُسقى ما هو أقرب شيء إليه كالخل مثلاً من المباحات حتى يموت، لكن لو سقاه خمرًا وقال واحد: الخل يمكن ما يميت، وإنما نسقيه أسيد المجزوم أنه يميت.

طالب:...

أكيد يموت، لكن يقول: الخل يمكن ما يموت.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

لكن هذا الخل فيه مماثلة؟ هو الخمر قد يتخلل ويصير خلاً، فهو أقرب الأشياء إليه، لكن قد لا يموت، قد يُسقى من الخل فلا يموت.

طالب:...

الخل المركز قاتل الإكثار منه، المركز الإكثار منه قاتل، لكن قد يصنع به هذا يسقى خلًّا إلى ما لا نهاية ولا يموت، والمقصود إزهاق روحه يموت، المقصود أنه جاء الحديث كما سيأتي: «لا قود إلا بالسيف» سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

طالب:...

لا، الأصل أن الإجماع جميع مجتهدي الأمة.

طالب:...

معروف أن أكثر الإجماعات كما قال الشوكاني :لا تجعل طالب العلم يهاب الإجماع.

"وَذَهَبت الْهَادَوِيَّةُ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الِاقْتِصَاصُ إلَّا بِالسَّيْفِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ -رضي الله عنه- عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ.

 قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: طُرُقُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَاحْتَجُّوا بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَبِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِمَا ذُكِرَ. وَفِي قَوْلِهِ: "فَأَقَرَّ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْإِقْرَارُ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ كَرَّرَ الْإِقْرَارَ".

وهذا في جميع الأقارير مثل الإقرار بالزنا، حيث قال جمع من أهل العلم بأنه لا بد أن يقر أربع مرات كعدد الشهود على ما جاء في حديث ماعز، وأما ما عداه فإنه يكفي الإقرار مرة واحدة، نعم.

"وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: «أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا غَرَامَةَ عَلَى الْفَقِيرِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْغُلَامِ فِيهِ الْمَمْلُوكَ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ خَطَأً، وَأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- إنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَرْشَ جِنَايَتِهِ فَأَعْطَاهُ مِنْ عِنْدِهِ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ، وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ".

وهذا أولى ما يُحمل عليه الحديث أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ضمنه، باعتبار أن مواليه فقراء، فوداه الأذن من بيت المال وإلا فالأصل أنه يقاد به الأذن بالأذن، وتؤخذ قيمتها، تؤخذ قيمتها إذا كانت عن خطأ من السيد إلا إذا كانت قيمة الأذن أكثر من قيمة العبد الجاني فيُسلم هذا العبد الجاني لأولياء المجني عليه؛ لأنه لا يغرم العبد وزيادة، ويسلم بكامله، برمته إليهم، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي يظهر أنه دفع الأرش هذا من بيت المال.

"وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ حُرًّا، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً، وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ فُقَرَاءَ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا إمَّا لِفَقْرِهِمْ وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ الْجِنَايَةَ الْوَاقِعَةَ عَلَى الْعَبْدِ إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَمْلُوكًا -كَمَا قال الْبَيْهَقِيّ-، وَقَدْ يَكُونُ الْجَانِي غُلَامًا حُرًّا غَيْرَ بَالِغٍ وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ عَمْدًا فَلَمْ يَجِدْ أَرْشَهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَكَانَ فَقِيرًا فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، أَوْ رَآهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَوَجَدَهُمْ فُقَرَاءَ فَلَمْ يَجْعَلْهُ عَلَيْهِمْ؛ لِكَوْنِهِمْ فُقَرَاءَ، وَلَا عَلَيْهِ لِكَوْنِ جِنَايَتِهِ فِي حُكْمِ الْخَطَإِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

وَقَوْلُهُ: "وَلَمْ يَجْعَلْ أَرْشَهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ"، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَمْدَ الصَّغِيرِ يَكُونُ فِي مَالِهِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ".

عمد الصبي والمجنون حكمه حكم الخطأ بالنسبة للبالغ المكلف، عمد الصبي والمجنون حكمه حكم الخطأ لا يقاد به، وتحمل جنايته العاقلة، وليست عليه، نعم.

"وَقوله: "أَوْ رَآهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ" يَعْنِي مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ خَطَأٌ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ وَمَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ عَمْدٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ. وبالجملة فلا بد من احتمال للحديث كما لا يخفى".

سقط عندنا، وبالجملة.

طالب: وبالجملة فلا بد من احتمال للحديث كما لا يخفى.

نعم، هذا سقط، فلا بد من؟

طالب: من احتمال للحديث كما لا يخفى.

طالب:...

نعم؛ لأنه لا يمكن أن يُهدر، لا تهدر الجناية سواء كانت في النفس أو في الطرف لا يمكن أن تهدر جناية على مسلم ألبتة.

طالب:...

موجودة، لكنها بعد، أخرها قليلاً، ولا عليهم لكونهم فقراء، والله أعلم.

نعم.

"وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: أَقِدْنِي، قَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي فَأَقَادَهُ ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَجْتُ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُك فَعَصَيْتنِي، فَأَبْعَدَك اللَّهُ وَبَطَلَ عَرَجُك، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يُدْرِكْ جَدَّهُ، وَقَدْ دُفِعَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ لِقَاءُ شُعَيْبٍ لِجَدِّهِ. وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ تَزِيدُهُ قُوَّةً، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ في الْجِرَاحَاتِ حَتَّى يَحْصُلَ الْبُرْءُ مِنْ ذَلِكَ".

وتؤمن السراية.

"وَتُؤْمَنَ السِّرَايَةُ".

على كل حال إشارة إلى الإرسال في الحديث إلى الخلاف في الاحتجاج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، على الخلاف المراد بالجد، فإن كان عبد الله بن عمرو بن العاص، ومنهم من يقول: إن شعيبًا لم يسمع من جده عبد الله بن عمرو، ومن قال: إن الجد محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص قالوا: إن محمد تابعي، وليس بصحابي، والخبر مرسل، وبرجَّح أنه عبد الله بن عمرو وأن شعيبًا سمع منه كما صرح بذلك في مواضع.

"قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الِانْتِظَارَ مَنْدُوبٌ بِدَلِيلِ تَمْكِينِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ الِاقْتِصَاصِ قَبْلَ البرء".

يعني وليس بواجب، الانتظار مندوب ويعرض على صاحب الشأن ويُخبر بالتبعة أنه احتمال أن يزيد الجرح، أو لا يبرأ، أو تترتب عليه آثار، فإذا تنازل عن هذه الآثار فالأمر لا يعدوه، يعطى مقابله، وإذا زاد تكون الزيادة هدرًا، مثل الذي عُرِج هنا، أصيب بالعرج، أُهدِر؛ لأنه قيل له...، نعم.

"وَذَهَبت الْهَادَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ وَاجِبٌ، وَإِذْنُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالِاقْتِصَاصِ كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ".

طالب:...

لأن هناك أشياء لا يمكن فيها المماثلة، لا تؤمن السراية الزائدة، هذا إذا أُمنت السراية الزائدة وكان الجرح هذا ينتهي إلى حد، يعني له حد ينتهي إليه بحيث لا يختلف من فلان إلى علان يقاد به، وإذا كان لا ينتهي إلى حد فإن فيه الأرش، أرش الجناية.

طالب:...

إنه يفعل به حتى يعرج؟

على كل حال، مثل هذه الأمور تتفاوت فيها الأنظار، وتتفاوت الوقائع من شخص إلى شخص، فالأمر موكول فيها إلى اجتهاد القاضي، يعني فيما دون النفس لا شك أنها لها تبعات، ولها آثارًا، قد لا تقدر بأمور كلية عامة، لكن إذا كان الجرح ينتهي إلى عظم مثلاً يقتص منه؛ لأنه له نهاية، لكن شيء لا ينتهي إلى عظم لا يؤمن منه أن يزاد فيه أو ينقص هذا تكون فيه الحكومة، نعم.

"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْها وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ» بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مُنَوَّنٌ، "عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ" هُمَا بَدَلٌ مِنْ غُرَّةٍ وَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ لا للشك، «وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرَثَتهَا»".

للتقسيم للتقسيم أو للشك، يعني بعض الجنايات من هذا النوع فيها عبد، وبعض الجنايات من هذا النوع فيها وليدة، فإذا كان المجني عليه الساقط من بطن الأم ذكَر غرّة عبد، وإذا كان أنثى فوليدة؛ لأن أو هنا للتقسيم، وليست للشك، ويمكن أن تأتي للتخيير، وهو مُخيَّر أن يأخذ عبدًا أو وليدة، أو الجاني يدفع عبدًا أو وليدة.

 المقصود أن أو لها معاني منها ما ذكره للتقسيم.

"«وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرَثَّهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُ»، وفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَالْعُقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا".

والعَقل.

"والعقل على عصبتها، وَمِثْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، فَضَمِيرُ وَرَّثَهَا يَعُودُ إلَى الْقَاتِلَةِ، وَقِيلَ: يَعُودُ إلَى الْمَقْتُولَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَاقِلَتَهَا قَالُوا: إنَّ مِيرَاثَهَا لَنَا، فَقَالَ: لَا، فَقَضَى بِدِيَتِهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا "فَقَالَ حَمَلُ" بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، ابْنُ النَّابِغَةِ بِالنُّونِ بَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةً فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الْقَاتِلَةِ «الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اسْتَهَلَّ؟» الِاسْتِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ حَيَاتُهُ بِصَوْتِ نُطْقٍ، أَوْ بُكَاءٍ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أوله مَضْمُومَةً".

يعني يُهمَل ويُلغى.

"بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أوله مَضْمُومَةً وَتَشْدِيدِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ مَجْهُولٌ مِنْ طَلَّ، وَمَعْنَاهُ يُهْدَرُ وَيُلْغَى وَلَا يُضْمَنُ، وَيُرْوَى بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ مَاضٍ مِنْ الْبُطْلَانِ".

ومثل ذلك بطل.

"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ" .

"فِي الْحَدِيثِ مَسَائِلُ:

 الْأُولَى: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنِينَ إذَا مَاتَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ وَجَبَ فِيهِ الْغُرَّةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ انْفَصَلَ عَنْ أُمِّهِ وَخَرَجَ مَيِّتًا، أَوْ مَاتَ فِي بَطْنِهَا، فَأَمَّا إذَا خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً".

لأنه إنسان، نفس كاملة الحقوق، ولو كان ابن يوم، إذا خرج حيًّا حياة مستقرة، ثم جُني عليه فهو كامل الحقوق. ولو كان مشوهًا، ولو كان معوقًا، حقوقه كاملة؛ لأنه ما دامت روحه في جسده فهو مسلم كامل الحقوق، وبعض الناس يتساهل إذا كان المولود معوقًا أو مشوهًا، أو قرر الأطباء أنه يغلب على الظن أنه لا يعيش كل هذا لا تجوز الجناية عليه بحال، ولو كان ولو كانت هذه صفته، ويسأل دائمًا أنه إذا فُحص على الجنين وقيل: إنه معوق أو مشوه أو فيه كذا أو فيه كذا، فهل يجوز إسقاطه؟

 لا يجوز إسقاطه، والله المستعان، إلا إذا تعرضت حياة الأم للخطر، فالمحافظة على حياة الأم أولى من المحافظة على حياة الجنين، ولو كان سليمًا مئة في المئة إذا كانت أمه في خطر وخطر إن بقي في بطنها أنها تموت بسببه، مثل هذا يُخرج من بطنها.

"وَلَكِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ جَنِينٌ بأن تَخْرُجُ مِنْهُ يَدٌ، أَوْ رِجْلٌ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْغُرَّةِ، وَقَدْ فَسَّرَ الْغُرَّةَ فِي الْحَدِيثِ بِعَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ وَهِيَ الْأَمَةُ، وقَالَ الشَّعْبِيُّ: الْغُرَّةُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ".

يعني عُشر دية الأم، عُشر دية الأم، يعني خمس من الإبل، ومن الدراهم خمسمائة أم ستمائة؟ من الدراهم، عُشر دية الأم كم؟

طالب:...

خمسمائة أم ستمائة؟

هنا يقول: خمسمائة، لعل الصرف في عهد الإمام الشعبي حينما قال: خمسمائة الدينار بعشرة دراهم، وحينئذ تكون دية الدية عشرة آلاف، والمرأة على النصف خمسة آلاف والعشر خمسمائة وإلا فالأصل أن الصرف الدينار اثنا عشر درهمًا، والدية اثنا عشر ألفًا، ودية المرأة الحرة ستة آلاف وعُشرها ستمائة.

"وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مِائَةُ شَاةٍ، وَقِيلَ: خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، إذْ هِيَ الْأَصْلُ فِي الدِّيَاتِ، وَهَذَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ. وَأَمَّا جَنِينُ الْأَمَةِ".

خمس من الإبل؛ لأن دية الأم خمسون، وعُشرها خمس.

"وَأَمَّا جَنِينُ الْأَمَةِ فَقِيلَ: يُخَصَّصُ بِالْقِيَاسِ عَلَى دِيَتِهَا، فَكَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ قِيمَتُهَا فِي ضَمَانِهَا، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِي جَنِينِهَا الأَرْشَ مَنْسُوبًا إلَى الْقِيمَةِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى جَنِينِ الْحُرَّةِ، فَإِنَّ اللَّازِمَ فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، فَيَكُونُ اللَّازِمُ فِيهِ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهَا.

المسألة الثالثة".

يعني قيمة الدية الكاملة نصف عشر الدية يعني الكاملة دية الذكر مئة من الإبل نصف العُشر خمس من الإبل، ألف دينار نصف العُشر خمسون دينارًا، وهكذا.

طالب:...

هو الأصل أنه لا تثبت أحكامه إلا إذا نُفخت فيه الروح، لا تثبت أحكامه إلا إذا نُفخت فيه الروح، وتثبت أحكام الأم بالتخليق، يعني ما يتعلق به إذا نفخت فيه الروح، وما يتعلق بالأم، فإذا صُوِّر بان فيه خلق إنسان، وهذا من أحكامه هو، لكن لو تعرض لامرأة فأسقطت ما وصل إلى حد نفخ فيه الروح لا شك أن هذه تُقدر بقدرها.

طالب:...

 يعني الخلاف هل الأصل الإبل، وما عداها مقيس عليها أو الأصل الدنانير، وما عداها مقيس عليها أو الأصل الدراهم، وماعداها مقيس عليها، هذا خلاف بين أهل العلم، وكلٌّ على أصله، ومنهم من يقول: إنها كلها أصول، كلها أصول، ويعامل الإنسان بما يتعامل به غالبًا، فأهل البادية يعاملون بالإبل، وأهل الحاضرة يعاملون بالدراهم والدنانير وهكذا.

"الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: «وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُثْبِتُ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَهُوَ الْحَقُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَتْلَ كَانَ بِحَجَرٍ صَغِيرٍ، أَوْ عُودٍ صَغِيرٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ بِحَسْبِ الْأَغْلَبِ فَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَالْحَنَفِيَّةُ تَجْعَلُهُ مِنْ أَدِلَّةِ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْمُثْقَلِ.

الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلِهِ: عَلَى عَاقِلَتِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْعَاقِلَةُ هُمْ الْعَصَبَةُ، وَقَدْ فُسِّرَتْ بِمَنْ عَدَا الْوَلَدِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، فَقَالَ أَبُوهَا: إنَّمَا يَعْقِلُهَا بَنُوهَا فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: «الدِّيَةُ عَلَى الْعَصَبَةِ، وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ»، وَلِهَذَا بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ: "بَابَ جَنِينِ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْوَالِدِ وَعَصَبَةِ الْوَالِدِ لَا عَلَى الْوَلَدِ".

 قَالَ الشَّافِعِيُّ: ولَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ الْعَصَبَةُ، وَهُمْ الْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَفُسِّرَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَةِ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ. وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ يَأْتِي فِي الْقَسَامَةِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَ جَمَاعَةٌ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: لَا يُعْقَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ".

أي ولا تزر وازرة وزر أخرى، كلٌّ جنايته برقبته، لكن صحَّ ما يُخصِّص هذه النصوص، ولا مفر من القول بها.

"مُسْتَدِلِّينَ بِمَا عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: ابْنِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ»، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ، ولَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ»، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَزَاءُ الْأُخْرَوِيُّ أَيْ لَا يَجْنِي عَلَيْهِ جِنَايَةً يُعَاقَبُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ لَيْسَا مِنْ الْعَاقِلَةِ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال.

 الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّمَا هُوَ مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ» يُظْهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ مُدْرَجٌ فَهِمَهُ الرَّاوِي".

نعم، السجع من البيان، ومن البيان السحر، والسجع من شبيه بالكهانة، والذي سجع من إخوان الكهان، وهذا كله فيما إذا استعمل البيان في إبطال الحق، إبطال الحق ونصر الباطل هو ضربٌ من السحر وضربٌ من الكهانة، أما إذا استعمل هذا البيان في إظهار الحق ودحض الباطل فلا شك أن هذا نوعٌ من الجهاد، وفرقٌ بين الأمرين.

"فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ السَّجْعِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَارَضَ بِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ وَأراد إبْطَالَهُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ تَكَلَّفَهُ فِي مُخَاطَبَتِهِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنْ السَّجْعِ مَذْمُومَانِ. فأَمَّا السَّجْعُ الَّذِي وَرَدَ مِنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَارِضُ حُكْمَ الشَّرْعِ، وَلَا يَتَكَلَّفُهُ، فَلَا نَهْيَ عَنْهُ.

قوله: وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- سَأَلَ مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْجَنِينِ؟ فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَة المذكور في الحديث قبلهِ، فَقَالَ: كُنْت بَيْنَ يَدِي امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

وأخرجه أبو داود بلفظ: أن عمر سأل الناس عن إملاص المرأة، فقال المغيرة: شهدتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى فيه بغرّةٍ عبدٍ أو أمة، فقال: ائتني بمن يشهد معك، قال: فأتاه محمد بن مسلمة فشهد له، ثم قال أبو داود: قال أبو عبيد: إملاص المرأة إنما سُمّي إملاصًا؛ لأن المرأة تزلقه قبل وقت الولادة، وكذلك كل ما زلق من اليد وغيرها فقد ملص. انتهى. ولا بد أن يُعلم أن الجنين".

ولا زال هذا المفهوم للإملاص مستعملاً.

"ولا بد أن يُعلم أن الجنين قد تخلق وجرى فيه الروح، ليتصف بأنها قتلته الجانية".

الجناية.

"ليتصف بأنها قتلته الجناية، والشافعية فسَّروه بما ظهر فيه صورة الآدمي من يد أو أصبع وغيرهما، وإن لم تظهر فيه الصورة، وشهد أهل الخبرة بأن ذلك أصل الآدمي، فحكمه كذلك إن كانت الصورة خفية، وإن شك أهل الخبرة لم يجب فيه شيء اتفاقًا، وفي الحديث دليل على أن في الجنين غرةٌ ذكرًا كان أو أنثى لإطلاقه".

تعبت؟

طالب: نقف يا شيخ الله يجزيك خيرًا.