كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 27

عنوان الدرس: 
كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 27
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
خميس 14/ ربيع الثاني/ 1441 10:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

في الحديث السابق في الدرس الماضي حديث أم سلمة المخرَّج في صحيح مسلم، أن رسول الله– صلى الله عليه وسلم- قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون»، حصل مثل هذا في القرن الأول في وجود الصحابة، يعني لا يُستَغرب أن يوجد مثل هذه الأمور في آخر الزمان، حصل شيء من مخالفة السُّنَّة، حصل شيء من الظلم في القرن الأول والصحابة موجودون ومتوافرون، فلا يُستَغرب أن توجد هذه الأفعال في آخر الزمان، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه»، وليس في هذا تبرير لوجود المنكرات، ليس في هذا، لكن في هذا تسلية للنفس والقلب، وأن وجود هذه الأمور سواء المنكرات العملية والعقدية أيضًا وُجدت من بعد القرون الثلاثة المفضلة، كثُرت الخلافات العقدية، وكثُر فيها البدع المغلظة، هذه سنَّة إلهية، سنَّة إلهية أن توجد مثل هذه الأمور، يعني في مطلع القرن الثالث وُجِدت بدعة القول بخلق القرآن، وفي آخر الثاني، وامتُحِن عليها العلماء والأئمة، فلا نستغرب أن يوجد مثل هذه الأمور وما هو شرٌّ منها، وكذلك الأمور المفسِّقة من الأعمال المحرمة.

 ليس في هذا تبرير، وإنما هو حكاية واقع، وأن المسلم لا سيما الغيور إذا عرف مثل هذه الأمور لا يهون عليه أمر المعصية، لكن يهون عليه إحراق قلبه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال له ربه -عز وجل-: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} [الكهف:6] لعلك قاتل نفسك ألا يكونوا مؤمنين، {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، هذا عتاب له -عليه الصلاة والسلام-، يعني الرسول ومن دونه من أتباعه من العلماء والدعاة ما عليهم إلا البلاغ، يحرصون على هداية الناس، يحرصون على هداية الناس، ويستحضرون: «من دلّ على هدى فله مثل أجر فاعله»، لكن إذا ما حصلت النتيجة، النتائج بيد الله -جل وعلا-، والله -جل وعلا- يقول لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، بذل النبي -صلى الله عليه وسلم- وسعه، واستفرغ جهده في هداية عمه أبي طالب إلى آخر لحظة، ومع ذلك مات على الكفر، {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56].

 وليس في هذا تخذيل ولا تحبيط، إنما هو التوسط في الأمور كلها؛ لأن الإنسان إذا لم يتوسط في أمره قد تحمله غيرته إلى ما لا تحمد عقباه، قد تحمله غيرته إلى ما لا تحمد عقباه، فنحن نتوسط في أمورنا كلها، نحرص على هداية الناس كما كان الرسل- عليهم الصلاة والسلام- يحرصون على ذلك، وعلى رأسهم محمد -عليه الصلاة والسلام-، ويحرصون على تربية الناس على مراد الله -جل وعلا-، لكن إذا لم تحصل يأتي النبي وليس معه أحد، وهو نبي مؤيد بمعجزات من الله -جل وعلا-، يأتي وليس معه أحد، ما استجاب له أحد، ونوح- عليه السلام حرص- على هداية ولده، وعلى هداية زوجته، وعلى هداية قومه، فمن آمن؟ زوجته ما آمنت به، ولده ما آمن به، وقل مثل هذا في بقية الدعاة والمصلحين.

 أعرف من شيوخنا من أفضل من رأينا من أهل العلم، ومن أحرصهم على هداية الناس، إذا ذُكِر له صلاح الأولاد بكى، نقول: هذا الشيخ قصّر في دعوة أولاده ونسائه؟ لا، أمر يريده الله -جل وعلا-، الدعوة جهاد، أنت ابذل السبب، وتؤجر على هذا الجهاد، كلما بذلت تؤجر عليه، والنتائج بيد الله -جل وعلا-، النتائج بيد الله -جل وعلا-، سيكون أو ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون.

«فمن عرف فقد برئ» وهذا تقدّم كله، «ومن أنكر فقد سلِم، ولكن من رضي وتابع» فقالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلّوا».

 في هذا تحريم الخروج على الأئمة، والتشديد في هذا الأمر، مهما حصل منهم من الظلم والفسق ما لم توجد الغاية التي  رُبِط بها الخروج، الصلاة، وما لم تروا كفرًا بُواحًا العلامة الثانية، تروا ما قال: ترى يا فلان أو يا علان، أو كذا، كفرًا بواحًا ترفع رايتك وتقول: هذا كافر، لا، تروا، يراه أهل العلم وأهل الحل والعقد، الذين تثبت الأحكام وترتب عليها الأفعال بأقوالهم، ليس أي واحد يقول: فلان كافر، فعل كذا، استحل كذا، عمل كذا، ولا بد أن يكون هذا الكفر عليه من الله -جل وعلا- برهان، واضح بيّن، وإلا لو فتشنا في بعض كتب أهل العلم في باب الردة، لوجدنا أن منهم من يكفِّر بأشياء لو طُبِّقت ما بقي شيء، فعلى المسلم لا سيما طالب العلم أن يتقي الله -جل وعلا-، وينظر في أفعاله وما يترتب عليها؛ لأن هناك أمورًا يترتب عليها عظائم وشواهد الأحوال ما تخفى عليكم، من الذي حصل حوالينا.

"وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا سافرتم في الخصب»".

 يعني في كثرة العشب والربيع، والمرعى، ترعاه الدواب، «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض»، لا تلحوا عليها بسرعة المشي والجري بحيث لا تتمكن من الأكل، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، كونها ترى العشب، وأنت تؤكد عليها، وتؤذيها وبعصاك ورجليك حتى تتجاوز هذا العشب؛ لتصل بسرعة هذا ظلم لها، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، «وإذا سافرتم في السَّنة» الجدب والقحط، الأرض ما فيها شيء، «فبادروا بها نِقيها» يعني نشاطها، في وقت النشاط أول ما تركبونها أعطوها، خلوها تمشي، تسرع من أجل أن تصل إلى أرض أخرى أخصب منها أو تصل إلى الغاية المطلوبة وتريح من السير، فبادروا بها حظها، هنا فبادروا بها نِقيها يعني نشاطها.

«وإذا عرّستم» نزلتم للنوم بالليل يعني في آخره كما قال كثير من أهل العلم للنوم والراحة، وقيل: في الليل كله يسمى تعريسًا، يعني نومًا، «وإذا عرّستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام»، ومأوى الهوام، جنبات الطريق الذي يسلكه الناس لا يجوز لأحد أن ينام فيه؛ لأن مسلك للناس على دوابهم، والآن على سياراتهم، أشد، والهوام، الهوام تكثر فيما يقرب من الطرق؛ لما يلقيه المسافرون، كم بقية أزوادهم أو من فضلات ما يأكلون، فتجد الهوام كثيرة حوله.

"وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه»"، وجاء الأمر بذلك: «كُلْ بيمينك»، «سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك»، فليأكل بيمينه، «وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، مع الأسف أنه كثُر حتى في المسلمين الأكل والشرب بالشمال والأخذ والإعطاء بالشمال.

 يسأل عامل في مطعم يقول: إنهم يلزموننا أن نجعل الأدوات الملعقة والشوكة والسكين عن يسار الآكل، هل يجوز ذلك؟

يقول: إنه نظام في المطاعم العالمية وغيرها نظام أن تُوضع هذه الآلات على يسار الآكل، هذا خلاف الأدب الشرعي «كُلْ بيمينك» أو «فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه». رأى النبي- عليه الصلاة والسلام- من يشرب بشماله فقال: «اشرب بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، دعا عليه، فما رفعها إلى فمه، شُلّت يده، شُلّت يده، نسأل الله العافية، هذا من شؤم مخالفة الأوامر الشرعية، فيُخشى على من يعرف الحكم أو يقال له: اشرب بيمينك، أو كُلْ بيمينك فيقول: لا أستطيع، يُخشى عليه من العقوبة العاجلة، والعلة والسبب «فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، «فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، وقد نهينا عن مشابهة الشيطان، نهينا عن مشابهته، ليس لنا مثل السوء، ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب، يقيء ثم يعود في قيئه، ويشرب ويأكل قيئه، الكلب، الشيطان شر من الكلب، غاية ما بالكلاب الكلاب الذي قال فيها النبي -عليه الصلاة والسلام- شيطان، الكلب الأسود فإنه شيطان، فمشابهة الشياطين والمخالفين من الفجرة والكفرة، أُمرنا بمخالفتهم «من تشبه بقوم فهو منهم»، فلا تتشبه بأعداء الله سواء كانوا من بني آدم أو من أهل الملة أو غيرهم أهل الملة إذا كانوا أهل معاصٍ وفسق، حتى إنهم قالوا: لا يجوز أن يُشرَب الماء على هيئة يصنعها شرّاب الخمر، إدارة الأواني بطريقة معينة عند شرّاب الخمر لا يجوز شرب الماء بهذه الطريقة، كل هذا للمشابهة.

 «فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، وكان نافع الذي يروي الحديث عن ابن عمر مولاه، يزيد في الحديث: ولا يأخذ بها، ولا يعطي بها، يعني الشمال، وهذه الجملة زادها نافع مما سمعه من مولاه ابن عمر، وابن عمر إما اجتهاد منه أو سمعه من النبي -عليه الصلاة والسلام- فيكون من ضمن المرفوع.

"وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقئ»، «لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقئ»".

 أسلوب الأمر أو النهي مؤكد: لا يشربن، فيه تأكيد. أحدكم قائمًا، وهو دليل على وجوب أو تحريم الشرب قائمًا أو الجلوس للشرب وتحريم الشرب من قيام، ولذلك قال: فمن نسي لم يتعمد، فمن نسي فليستقئ، جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه شرب من زمزم قائمًا، شرب من زمزم قائمًا، وجاء عنه أنه شرب من شَنٍّ معلقٍّ قائمًا، ما جاء عنه فيما يخالف الحديث يكون صارفًا للحديث من التحريم إلى الكراهة، فيكون الشرب قائمًا مكروه، وأهل العلم يقررون أن الكراهة تزول بأدنى سبب، يعني لو كانت الأرض رطبة مثلاً، ما يكره، حتى ولا الكراهة ترد، تزول الكراهة؛ لأن هذا سبب أن لا يلوثك الماء، يلوث ثيابك، فتزول الكراهة لهذه الحاجة، كما قرر ذلك أهل العلم، فيكون الشرب قائمًا مكروهًا؛ لوجود الصارف، وإن كان الحديث فيه تشديد.

«لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقي» فليستقي، السين والتاء للطلب يعني يطلب القيء، يخرج ما أدخل بقصد، لكن ما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- من شربه من زمزم قائمًا، ومن الشَّنِّ المعلق قائمًا يصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، وإذا وُجِد سبب يجعل الإنسان لا يتحمل الشرب جالسًا في موضع ملوث أو في مكان شديد الحرارة مثلاً ما يمنع أن يشرب قائمًا، وتزول الكراهة لهذه الحاجة.

طالب:...

يثبت، يصح أنه شرب بشماله.

إلا شيئًا لا يمكن إمساكه بيد واحدة، إذا كان المأكول أو المشروب إناءً كبيرًا يحتاج إلى حمله باليدين اليمين والشمال فلا مانع، ويكون الاعتماد الأصلي على اليمين.

 قال العلماء: فيه استحباب ذلك للناسي يعني الاستقاء، وفيه تنبيه على أن المتعمد أولى، الذي يشرب متعمدًا أولى بالاستقاء من الناسي، وذكرنا أن الأمر يعني لا إثم فيه؛ لأنه مصروف من التحريم إلى الكراهة.

 قال عياض –القاضي عياض-: لا خلاف أن من شرب ناسيًا ليس عليه أن يتقيأ، لكن هذا صريح الحديث! ما تأتي العبارة بهذا الأسلوب في مواجهة الحديث، تتعامل مع الحديث بالطرق الشرعية، وتخلص من هذه الأمور، يقول: لا خلاف أن من شرب ناسيًا ليس عليه أن يتقيأ، مشيرًا بذلك إلى تضعيف الحديث، قول عياض ليس بشيء؛ لأن الحديث في صحيح مسلم، ولا كلام لعياض ولا لغيره.

"وعن جابر -رضي الله عنه-، وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول في غزوة غزوناها: «استكثروا من النعال»، «استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل»".

 لا يزال راكبًا هل الركوب حقيقة أم مجاز؟

طالب: ..........

ليس براكب فوق النعال؟

طالب: ..........

ماذا؟ نعم

طالب: ..........

لكن العُرف، الإطلاق العرفي للركوب يكون على مركوب كدابة ونحوها، وأما ركوب الشيء المنخفض فما يسمى راكبًا، كالنعال، فهذا تشبيه للابس النعل بالراكل؛ لخفة المشقة عليه؛ لأنها تقي القدم قلة التعب وسلامة الرجل من الشوك والحصى ونحوهما كأنه راكب، يتقي هذه الأمور بالنعال، وجاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه يحتفي أحيانًا، يعني يمشي حافيًا أحيانًا، فلا شك أن الأكمل امتثال هذا الأمر، والاستكثار من النعال ولبس النعال، ولكن الاحتفاء أحيانًا اقتداءً به- عليه الصلاة والسلام- وتمرينًا للنفس على التواضع وعلى الخشونة، فالنعم لا تدوم، ليس في كل وقت تجد ما تنتعل، فعوّد نفسك، وعوّد رجلك، الجسد على ما تعود، فيه أناس لازموا النعال في كل أحوالهم، ولم يمشوا حفاة قط حتى صار يشق عليهم المشي حافيًا حتى على الفرش، حتى على الفرش يشق عليه، ما عوّد رجله، الرجل تكتسب القوة والخشونة من المشي حافيًا، وهذا مطلوب؛ لأنه ليس في كل وقت ستجد نعالًا أو تجد مركوبًا أو تجد شيئًا يقيك، كما جاء في الخبر: «فإن النِعم لا تدوم»، الإنسان يعوّد نفسه على سائر الأحوال، وسائر الظروف؛ ليعيش معها.

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله– صلى الله عليه وسلم-: «من عُرِض عليه ريحان»".

 الريحان نبتٌ طيب الرائحة معروف لدى أهل العطور، وجاء التعميم؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان لا يرُدُّ الطِّيب، كان لا يرُدُّ الطِّيب، والريحان نوعٌ منه، "«من عُرِض عليه ريحان فلا يردُّه»".

 الدال حركتها الضم أم الفتح؟

طالب: ..........

نعم؟

طالب: ..........

عندك في الكتاب، ما هي؟

طالب: نعم الفتح.

ماذا؟

عندك بالكتاب؟

مضبوط بالكتاب؟

طالب: ..........

هو مشدد على كل حال.

طالب: مفتوح الدال يا شيخ.

كيف؟

طالب:...

قالوا: الأفصح الضم، ونصره النووي في شرح مسلم، وأطال في تقرير هذه المسألة والقضية، وأن الدال تتبع ما بعدها، ما بعدها الهاء مضمومة، ولو كانت، ولو كان الخطاب لامرأة مثلاً أو في مؤنث من عُرِضَت عليه هدية فلا يردَّها على تقرير النووي، قالوا: مرفوع على الفصيح، وكثر استعماله ممن لا يحقق العربية بفتحها.

 الآن الحرف مضعّف، وحقه أن يشدَّد أم هنا ناهية تجزم ما بعدها فلو فُكَّ الإدغام لوجب أن يقال: فلا يردْده، فلا يردْده، الدال الأولى ساكنة؛ لأنه مشدد، طيب الآن هل لا هنا مُعمَلة أم مهملة؟ إذا قال: فلا يردُّه عملت اللام أو لا الناهية أو أُهمِلَت؟

طالب:...

وعلى أي حال المشدد لن تظهر فيه الحركة الأصلية، الجزم لن يظهر، من حق لا أن تجزم، ولن يظهر الجزم، فلا بد أن تكون بالضم أو بالفتح، الضم رجوع إلى الأصل وإلغاء للعامل، والفتح خروج من مقتضى الأصل الذي هو مقتضى عمل العامل إلى غيره، فكلاهما ليس على الأصل، لا الضم ولا الفتح؛ لأنه مجزوم، فكونهم عدلوا، بعض من يعلل يقول: نعدل من الضم إلى الفتح؛ ليعرف القارئ أنه ليس على أصله، وأن العامل أثر فيه، ولما لم يكن العامل مؤثرًا أثره الأصلي وهو الجزم عدلنا إلى غيره؛ لئلا يظَن أننا ألغينا العامل، في كلام فلسفة كثيرة حول هذا الكلام، والأمر فيه سعة.

 في كتاب الحج من صحيح مسلم: «إنا لم نردَّها إليك إلا أنّا حُرُم»، والنووي تكلم على هذه المسألة في كتاب المناسك، «فلا يردُّه فإنه خفيف المحمل» يجيء لك بريحان كم كيلو تعجز عن حملها؟

 يجيء لك بشيء يسير، «فإنه خفيف المحمل»، يعني حمله خفيف ما يشق عليك، «طيّب الريح» طيّب الريح.

"وعن سليمان بن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه»".

 النرد لعبة معروفة، لعبة معروفة عند الفُرس، أول ما وُجِدت عند الفُرس، يلعبون بها، ولها طرق وتلعَب على أحوال ابتكروها، وهي موجودة وموضَّحة حتى في كتب شروح الحديث، فهذه اللعبة من يلعبها من المسلمين فهو مشابه لهم، فهو مشابه للفُرس، ولو لم يكن فيها جُعل، مال، لا يجوز فعلها؛ لأنها من ابتكارات الفُرس وبدعهم، وأصله النرد، وشير معناه عندهم ترجمته بالعربية حلو، شير، تعرف الشير ما هو؟

طالب:...

الشير حلو.

طالب:...

يقولون شيرة.

طالب: منه الاسم: شيرين.

من لعب بالنردشير، وهذا من ابتداعات الفُرس، ويعكفون عليها الأوقات الطويلة، ويحصل بسببها اللغو والبغضاء والأحقاد، وقد يكون فيها أموال، بذل الأموال، وكذلك ما يشبهها من اللعب إلا أن المشابهة في هذه، واللعب الثانية التي وُجِدت عند المسلمين ما فيها مشابهة إلا من جهة أنها تشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد يترتب عليها أحقاد، وألفاظ سيئة.

 وعلى كل حال كل هذه إذا سلمت من الجُعل والمال فأقل أحوالها الكراهة الشديدة، وعند مالك وأحمد أن الشطرنج حرام، حرام عند مالك وأحمد، والشافعية قالوا بالكراهة، قل مثل هذا في الألعاب التي ابتُكِرت فيما بعد، وعكف الناس عليها، وضيعوا أوقاتهم.

 على كل حال المسلم يجب أن يكون جادًّا، جادًّا يسعى فيما يرضي الله -جل وعلا-، ويبتعد كل البعد عما يغضبه، وإذا نظرنا إلى علل تحريم الخمر والميسر فعلى المسلم أن يتقيها بقدر وسعه واستطاعته، عليه أن يجتنبها، {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ} [المائدة:91]، هذا في الخمر والميسر التي أجمع أهل العلم على تحريمها، ليس معنى أن كل ما وُجِدت فيه هذه العلل أنه يكون حكمه حكم الخمر، هذه علل إذا توافرت، وألهت عن الصلاة، وأشغلت وحملت على الألفاظ البذيئة المحرمة، وصدت عن ذكر الله، ووُجِد معها بذل المال لا يشَك في تحريمها.

طالب: يقول شيخنا الألعاب الإلكترونية.

الألعاب الإلكترونية؟ ماذا؟

طالب: فيها النرد أيضًا.

فيها الشرور، الألعاب الإلكترونية التي شغل بها أولادنا، بل بعض الكبار إذا جلسوا يقضون أوقاتهم، بل يقتلون أوقاتهم من أول الليل أحيانًا إلى آخره، يسهرون عليها، المسلم عليه أن يترفع عن هذه الأمور، وعلى من ولاه أمر أحد من النساء والأطفال أن يأخذ على أيديهم، وليس معناه أنه يكفهم عما أباح الله لهم، بل يوسع لهم فيما أباح الله لهم؛ ليتركوا مثل هذه الأمور، التي أقل ما فيها الشبهة والكراهة.

طالب:...

ما أعرفه، لا تسألني عن شيء لا أعرفه، آخذ نظري وأعطي نظري، ما رأينا شيئًا.

 "وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «أتدرون ما الغيبة؟»" الغيبة، "قالوا: الله ورسوله أعلم".

 لو يؤتى بلفظ جديد يخفى على الحاضرين ثم يقال: تعرفون هذا؟ تجد الصغير قبل الكبير يبادر بالجواب، الصحابة يقولون: الله ورسوله أعلم، بإمكانهم أن يأخذوا من اللفظ واشتقاقه ما يستدلون به على المعنى، لكن عندهم ورع ما يجيبون بغير علم، لا سيما بحضرة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، "«أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم"، في حياته -عليه الصلاة والسلام- يُرَدُّ إليه العلم، وبعد وفاته يقال: الله أعلم، الله ورسوله أعلم، "قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، «ذكرك أخاك بما يكره»".

 تتحدث عنه بكلام يؤذيه ويكرهه هذه غيبة، "قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟" المتحدَّث عنه بخيل، والناس في عرضه في المجالس فلان بخيل، فلان بخيل، فيه هذه الوصف، لكن هذه غيبة أم لا؟ هذه غيبة، وإن لم يكن فيه؟ صار بهتانًا، نسأل الله العافية أعظم وأشد.

 "قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته»". من البهتان وهو القول الباطل، نسأل الله العافية، هناك أمور مما يشبه الغيبة، تذكره بما يكره، أُجيزت في مواطن، منها في حال الاستفتاء إذا جاء شخص يستفتي والفتوى تتضمن طرفًا آخر، ولا يتبين الحكم إلا بذكر ما يتعلق به.

 هند امرأة أبي سفيان جاءت للنبي -عليه الصلاة والسلام- قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني ولا يكفي ولدي، ما قال لها النبي -عليه الصلاة والسلام- هذه غيبة هذا حرام، ما يتم الأمر إلا بذلك، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف» فيه شخص مظلوم أراد أن يتظلم للسلطان ليرفع مظلمته، ماذا يقول؟ ماذا يكتب في خطابه؟

إن فلانًا فعل كذا وكذا وكذا، طيب الثاني المكتوب فيه ما يرضى أن تقول هذا الكلام، لكن ما يتم الأمر إلا بهذا فلا بد من ذكره، والله -جل وعلا- يقول: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء:148]، ليُّ الواجد ظلم يبيح عرضه وعقوبته، الذي هو مطل الغني، يبيح عرضه وعقوبته لكن ليس معنى هذا أنك في المجالس في كل مناسبة تقول: فلان وفلان وتذكر فيه ما لا يتعلق بك من أمور أخرى، يعني بقدر المظلمة، كذلك الاستعانة بمن يستطيع تغيير المنكر، ورأيت منكرًا وذهبت إلى ولي الأمر؛ لينكر أو ليرفع هذا المنكر، أو يستطيع إنكاره باليد يقول له: إن فلانًا فعل كذا وكذا؛ لأن هذه الأمور في المسائل التي ذُكِرت لا يتم الوصول إلى الحق إلا بها، تحذير المسلمين من الشر، تحذير المسلمين من الشر إذا خُشي من شخص أنه يدبّر أو يخطط أو كذا يخبَر عنه، كما جاء في الحديث عن أحد الصحابة أنه قال لشخص: لأخبرن بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهذه الشرور التي يتعدى ضررها لا بد من بيانها لو يجوز سترها، شخص ارتكب شيئًا أو قال كلمة لا يترتب عليها ضرر، ولا يتضرر بها أحد، جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لا يخبرني أحد عن أحد، فإني أريد أن أخرج وليس في قلبي على أحد غل» -عليه الصلاة والسلام-.

 أما ما يخشى ضرره وتعديه إلى الدين وأهله فمثل هذا يجب البلاغ عنه، من ذلك جرح الرواة، تقول فلان ضعيف فلان كذاب فلان كذا فلان كذا، وهو راوي من الرواة، فقد سلكه أهل العلم، قال بعضهم إن هذا من الغيبة وهذا لا يجوز، لكن كيف تثبت الأحاديث، وتفرق بين الصحيح والضعيف إلا بهذا، هذا من النصيحة الواجبة المتعينة على أهل العلم، وقد قاموا بها خير قيام، قالوا: المجاهر بفسقه، الذي لا يكترث من أحد، المجاهر بفسقه، قالوا هذا بفسق أو بدعة أو ما أشبه ذلك إذا كان مجاهرًا به بذلك فهو ما احترم نفسه ليحترمه الناس، قالوا: فيذكَر بما يجاهر به، فيذكَر بما يجاهر به، لا بغيره، يشرب الدخان في طريقه إلى المسجد وراجع والعمل وكذا وكذا بين الناس، ولا مثل هذا لا يأنف أن يقال: مدخن، لكن ما تقول فيه كذا وكذا مما لم يجاهر به، ولا يعرفه الناس.

 التعريف إذا كان هناك لقب ولو لم يكن لقبًا حميدًا إن كان لقبًا ذميمًا يتضمن الكلام فيه بما ينقصه فلان الأعور، فلان الأعمى، فلان الأعمش، فلان الأعرج إذا كان لا يُعرَف إلا بهذا أو اشتهر بهذا، فطبّق كثير من الناس لا يعرفه إلا بهذا فهذه الألقاب موجودة عند المحدثين وغيرهم.

طالب:...

من هو؟

طالب:...

طيب ما عُرِف إلا بهذا ما يميَّز.

طالب:...

ابن علية لا يرضى أن يقال: ابن علية، كان الإمام أحمد يكره ذلك، والأئمة كلهم مطبقون على أن إسماعيل ابن علية، عُلية أمه، إذا استغلق الأمر، ولا عُرِف إلا بهذا ما فيه فائدة. لكن لا يزيد على ذلك، امرأة الأعمش ذهبت إلى شخص تشتكيه، تشتكيه إلى شخص؛ ليصلح بينهم من أجل أن تذكر عنه بعض الأشياء التي تنقمها على الأعمش، فقال لها: لا يغرنك من أبي محمد عمش عينيه وبخَر فيه ودقة ساقيه، وعدّد أوصافًا ما تعرفها، لا تعرفها، مثل هذا لا يجوز بحال، أما ما لا يتم التعريف إلا به فلا بد منه، فتذكَر هذه الألقاب من أجل التعريف فقط، لا من أجل التنقص، إذا ذكرت من أجل التنقص حرُم ذلك، وصار غيبة، أما إذا ذكِر من أجل التعريف فقط ولا يعرَف، ولا يتم معرفته إلا بذلك، فمثل هذا يتجاوز عنه.

 والله أعلم.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.