كتاب الحج (08)

عنوان الدرس: 
كتاب الحج (08)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
سبت 04/ ذو الحجة/ 1441 5:15 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف، رحمنا الله وإياه ووالدينا والمسلمين أجمعين:

"باب فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} {البقرة: 125-128]

قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَعَبَّاسٌ يَنْقُلاَنِ الْحِجَارَةَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «أَرِنِي إِزَارِي»، فَشَدَّهُ عَلَيْهِ.

قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهَا: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟  قَالَ: «لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ». فَقَالَ عَبْدُ اللهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.

قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، قال: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ» قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شاءوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شاءوا، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ».

قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ، ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-، فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا»".

وجعلتُ ما فيه أو وجعلت.

"«فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا».

 قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: خَلْفًا يَعْنِي بَابًا.

قال: حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قال: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»، فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ، قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ، فَقَالَ: هَاهُنَا، قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ، أَوْ نَحْوَهَا".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول الإمام البخاري –رحمه الله تعالى-: "باب فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا"، فضل مكة جاءت به النصوص القطعية من كتاب الله وسُنَّة نبيه –عليه الصلاة والسلام-، وتقدم كثيرٌ منها، وأنها أفضل البقاع، وأحب البقاع إلى الله، وأن الصلاة في المسجد الحرام على خلافٍ بين أهل العلم هل يشمل الحرم كله أو يقتصر على المسجد مسجد الكعبة؟

وعامة أهل العلم على أنه شاملٌ لجميع الحرم، وأن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، ويكفي هذا في فضلها، مع أنه ورد في فضائلها نصوص كثيرة، وتقدم شيءٌ منها، منها ما هو على شرط البخاري، ومنها ما هو صحيحٌ على غير شرطه -رحمه الله-.

"وَقَوْلِهِ تَعَالَى" يعني: وباب قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة:125] {مَثَابَةً} يعني يثوبون إليه ويرجعون إليه، ويعودون إليه، وكلما رجعوا عنه هوت إليه أفئدتهم، وتاقت نفوسهم إلى الرجوع إليه.

{مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} لا شك أنه حرمٌ آمن، ويُتخطف الناس من حوله، لكنه آمن، وهذا الحكم حكمٌ شرعي يجب أن يكون آمنًا، وأما القدر فقد يسبق ويكتب خلاف ذلك؛ لأمرٍ وحكمةٍ يعلمها الله –جلَّ وعلا- ترتبط بأهله، أحيانًا يكون عندهم من الذنوب والمخالفات والمعاصي كبيرةً كالشرك أو غيره أو ما دونه، ثم يُكتب عليهم شيء من الخوف والذعر، كما حصل على مر التاريخ، وأوضح ذلك ما فعله القرامطة سنة ثلاثمائة وسبعة عشر وثمانية عشر، حيث قتلوا الناس بالمطاف، وأخذوا الحجر إلى بلادهم، ومكث عندهم عشرين سنة، وحصل القتل بمكة، وحصل القتل بالمسجد، لكنه نادرٌ جدًّا بالنسبة للبلدان الأخرى، وأما الحكم الشرعي فيجب أن يكون آمنًا.

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125] مقام إبراهيم الحجر الموجود قرب الباب من الجهة الشرقية عن الباب، ومكانه كان ملصقًا أو ملاصقًا للكعبة، ثم جاء السيل فاجترفه وأبعده، ثم رده عمر –رضي الله تعالى عنه-، والخلاف بين أهل العلم في حكم تقديمه وتأخيره معروف عند الحاجة إلى ذلك، وأُلِّف في ذلك كُتب تتعلق بتقديم الحجر وتأخيره للحاجة، أو أنه لا يجوز ذلك، على خلافٍ بين أهل العلم، وفيه رسائل كما ذكرنا هذا في الدورات السابقة، رسالة للمعلمي، عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اسمها (مقام إبراهيم وجواز تقديمه وتأخيره للمصلحة والحاجة)، ثم رُد عليه برسالةٍ اسمها (نقض المباني من فتوى اليماني).

على كل حال المسألة اجتهادية، والحاصل أن هذا هل هو مكانه من أول أمره من أن صعد عليه إبراهيم –عليه السلام- لما ارتفع البنيان أو تأخر قليلًا؛ بسبب أن السيل اجترفه وأبعده، ثم رده عمر إلى مكانه؟

هل هو مكانه الذي كان ملاصقًا للكعبة، والذين رأوه أنه متأخر عن الكعبة قليلًا؟ ولو لم يكن هو المكان الذي أوصله إليه السيل؛ لأنهم قالوا: إن السيل اجترفه وأبعده.

على كل حال المسألة اجتهادية، وهذه تتعلق براحة الحجيج واحتياجهم إلى قربه أو بعده.

{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]، لما طاف النبي –عليه الصلاة والسلام- بالكعبة، وأراد أن يصلي ركعتي الطواف تلا الآية وقرأها، وصلى خلف المقام.

{وَاتَّخِذُوا} هل هو أمر أو خبر واتَّخَذوا؟ لكن المعروف الأمر.

{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [البقرة:125] أي: أمرنا إبراهيم وإسماعيل {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125]، والتطهير أشمل من أن يكون من الأقذار والأوساخ بالماء وغيره من المطهرات، أشمل من ذلك، بحيث يشمل ما هو أهم من ذلك التطهير من الشرك ودواعي الشرك، ووسائل الشرك، وغير ذلك مما يحصل في المسجد الحرام، وإن كان قليلًا، ولله الحمد، وليس بظاهر، لكنه موجود، التمسح من وسائل الشرك، وهذا موجود التمسح بالكعبة، وفيه الخلاف بين أهل العلم، ولكن التمسح بالمقام ما فيه خلاف، التمسح بالمقام ليس فيه خلاف، ومع ذلك المنع هو المتجه في التمسح بهذه الأحجار وهذه المصنوعات من حديدٍ وغيره؛ هذا هو؛ لأنه من وسائل الشرك.

والتعلق بأستار الكعبة حصل في عهده –عليه الصلاة والسلام-، لكنه حصل ممن أُمِر بقتله وهو ابن خطل، كما هو معلوم في الحديث الصحيح، وكون النبي –عليه الصلاة والسلام- ما نُقِل أنه أنكر عليه؛ لأنه سوف يُقتَل، كيف يُنكَر على شخصٍ يفعل مثل هذا ومآله إلى القتل؟ فلا حجة في مثل هذا فيما يفعله كثيرٌ من الناس من التعلق بالأستار أو التمسح بالأحجار.

امرأةٌ تتمسح بالحديد الموضوع على المقام، وقيل لها: إن هذا حديد جيء به من المصنع، ما ينفعكم، قالت: عندكم ما ينفع، وعندنا ينفع، –نسأل الله العافية-، إذا أُشرِبت القلوب حب البدع صعب التحول عنها.

{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} الطواف معروف بالبيت، {وَالْعَاكِفِينَ} الملازمين للبيت، {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} يُطهَّر البيت من أجل هؤلاء، والتطهير للبيت سواءٌ كان فيه أحد أو ليس فيه أحد كما هو شأن سائر بيوت الله من المساجد جاء الحث على تطهيرها وتنظيفها وتطييبها وكنسها، وإزالة القذى عنها، فضلًا عن بيت الله الحرام.

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة:126] والآية الأخرى {اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم:35] والفرق بينهما في قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا} يعني اجعل هذا المكان بلدًا قبل أن يكون أما {اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} [إبراهيم:35] بعد كونه ووجوده.

{وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة:126] البيت بوادٍ غير ذي زرع كما قال إبراهيم –عليه السلام- وجاء به القرآن {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم:37]، ولولا هذه الدعوة واستجابة الله –جلَّ وعلا- لها من الخليل لكان الوضع يختلف، الآن تُجبى إليه ثمرات كل شيء من القارات كلها، والذي ينظر في محلات البيع والشراء للمواد الغذائية وغيرها من الأمور التي يحتاجها الناس يرى العجب، كل شيء موجود، كل شيء متيسر في أوقات أزمات، وفي أوقات زحمات، ومع ذلك الأمور كلها متيسرة، ولله الحمد والمنة، ولا يُقال: إنه في يوم من الأيام بُحِث عن شيء بسبب كثرة الناس وزحامهم فلم يُوجد ببركة هذه الدعوة النبوية من إبراهيم الخليل التي أجابها الله.

{وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة:126 وارزق أهله من آمن بدل {بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ} [البقرة:126] يعني ما مصير من كفر؟

من آمن يُرزَق، من آمن منهم، رُزِق أهله من آمن منهم، هذا بدل الأهل، {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ} يموت جوعًا؟

أولًا: الكافر ممنوع من دخول مكة والحرم، لكن قد يكون الكفر بغير الكفر الصريح الذي هو كفر الجحود أو كفر العناد الذي يُعرَف ويشتهر صاحبه بأنه كافر ويُعلن ذلك بأنه ليس بمسلم، هذا لا يرد –إن شاء الله تعالى-، لكن من كفر ببدعته، ومشى على الناس على أنه من المسلمين، وعُومِل على ذلك وبدعته مكفرة {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ} ما حكمه؟ وما مصيره؟

قال: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} [البقرة:126] يعني مدة حياته وهي قصيرةٌ جدًّا مهما طالت {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} [البقرة:126] هذا مصيره، فالكافر الجنة عليه حرام، ومصيره ومآله إلى النار {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة:126].

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة:127] قائلين، يعني حال البناء {يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} معه يساعده، ما قال: وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد، لماذا؟

لأن أثر إبراهيم في البناء يختلف عن أثر إسماعيل، إسماعيل مساعد، ليس هو الأصل.

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة:127] قائلين: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]، الالتجاء إلى الله –جلَّ وعلا-، والدعاء بالقبول في جميع الأعمال {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} فالعمل إذا لم يُقبَل صار مجرد تعب على صاحبه، فالمعوَّل على القبول.

{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ} [البقرة:127-128] هما مسلمان، ما دعوا بهذه الدعوات وعملا هذا العمل إلا لإسلامهما وإيمانهما.

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة:128] يعني مستسلمين لك في جميع أمورنا، وثبِّتنا على هذا الإسلام؛ لأن من يطلب الشيء وهو متلبسٌ به فمعناه طلب الثبات والدوام عليه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء:136] ما معنى آمَنوا آمِنوا؟

يعني اثبتوا على إيمانكم.

{وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة:128] من ذريتنا أمةً مسلمةً لك، كما قال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم:40] بعض الناس يقول: إذا دعوت لا تقل: من، قُل: وذريتي، إبراهيم قال: من ذريتي، قال: أنت قُل: ذريتي، أنت تُريد بعضهم يقيم الصلاة، وبعضهم ما يقيم الصلاة؟ ترضى بهذا؟ لكن من ذريتي، من هذه بيانية، فيدخل جميع الذرية، وليست تبعيضية فيدخل بعضهم، بيانية. 

{وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا} [البقرة:128] أرنا مناسكنا، والمناسك حُدِّدت بوحيٍ من الله –جلَّ وعلا- لإبراهيم –عليه السلام- أراه المناسك، وتاب عليه.

{إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:128]، والتوبة مطلوبة من كل مسلم في كل وقت، وفي كل حين، {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور:31]، التوبة مطلوبة وواجبة في كل وقت وفي كل حين، والتسويف بها وتأخيرها قد لا يتمكن الإنسان منها؛ فيموت على غير توبة، فعليه أن يتوب في كل وقت، وأن يبادر إذا حصل منه هفوةٌ أو زلة أن يبادر بالتوبة إلى الله- جلَّ وعلا-.

ثم قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ" وهو المسندي الجعفي مولى الإمام البخاري –رحمه الله- مولاه من أعلى أو من أسفل؟ جده جد البخاري أسلم على يد جد عبد الله بن محمد هذا، وتولاه وصار مولًا له.

على كل حال الإمام البخاري يُقال له: جُعفي، لكن بالولاء لا بالأصالة، ليس من العرب، بخلاف مسلم الذي هو من صُلب قشير قبيلةٌ من العرب.

"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ" وهو النبيل الضحاك بن مخلد.

"قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَعَبَّاسٌ" عمه العباس، وعباس كله بأل وبدونها؛ لأنه علم لا يستفيد من أل التعريف، هو معرفة، ما يحتاج إلى أل، لكن تُضاف للمح الأصل، وهو الصفة التي سُمي من أجلها بهذا الاسم، إذا قلت: عباس، ما يتبادر إلى ذهنك أنه سُمي وإن كانت التسمية قديمة أقدم منه، ليست خاصة بهذا الرجل، لكن أصل التسمية عباس من العبوس، وإذا أردت أـن تلمح الأصل وهو الصفة التي من أجلها سُمي بهذا الاسم، قلت: العباس، كما تقول: الوليد، والأسماء كثيرة التي فيها أل لمجرد لمح الأصل، ولا تُفيد تعريفًا.

"ذَهَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَعَبَّاسٌ" عمه يعني انطلقا "يَنْقُلاَنِ الْحِجَارَةَ"؛ من أجل المساعدة في بناء البيت، "فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ"، إذا رفع إزاره تخفف منه بحيث لا يعرض له في طريقه بين رجليه وهكذا.

ارفع إزارك "اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ"؛ ليرتفع عن أن يعترض لك؛ فتسقط أو ما أشبه ذلك، فعل –عليه الصلاة والسلام- "فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ" يعني خرج شيء مما لا يرضى خروجه، ولا يريد اطلاع الناس عليه؛ لأنه حيي –عليه الصلاة والسلام- قالوا في وصفه: أحيا من العذراء في خدرها، فلما انكشف شيءٌ مما لا يُريد بروزه أو ظهوره للناس خر إلى الأرض.

"وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ" ارتفعت "إِلَى السَّمَاءِ" عليه الصلاة والسلام.

"فَقَالَ: «أَرِنِي إِزَارِي»" يعني أعطني إزاري "فَشَدَّهُ عَلَيْهِ" بحيث لا يسقط، ولا يخرج شيء لا يُريد خروجه، وهذا البناء كان في الجاهلية قبل بعثة النبي- عليه الصلاة والسلام-.

ثم قال بعد ذلك: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ" القعنبي.

"عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ" من الحفاظ، من أئمة الحديث عبد الله بن مسلمة من كبار الآخذين عن مالك –رحمه الله-، وهو صاحب أحد الموطآت يروي الموطأ عن مالك.

"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ" محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.

"عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ" يعني ابن عمر.

"أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ" هو يروي عن عائشة خبرًا لا يرويه ابن عمر فأخبره به.

"-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهَا: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَلى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ»" أو عن؟ «اقْتَصَرُوا عَن» لو اقتصروا على قواعد إبراهيم كانوا خلوها على قواعد إبراهيم، يعني طبقوا قواعد إبراهيم، لكن «اقْتَصَرُوا عَن» يعني قصَّروا عنها؛ والسبب قِصر النفقة.

«أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَن قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ» يعني قصّروا عنها ونقصوا منها.

"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلاَ تَرُدُّهَا" أو ترُدَّها؟ ألا حرف تحضيض، والهمزة للاستفهام، فهي تردُّها.

"عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ" والخلاف فيما إذا كانت مجزومة، إذا كانت مجزومة في مثل هذه الحالة هل؛ لأن الجزم لا يظهر «إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ إلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» نردُّه أو نرُدَّه؟ النووي رجَّح الضم بالاستمرار، نَرُدُّه إلا إذا كان مسندًا إلى مؤنث نرُدَّها.

على كل حال المسألة طويلة ودقيقة، ولكن ليست عندنا هنا؛ لأن الفعل مرفوع.

"عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ»" في هذا ما يدل على أن الأمر الواجب قد يُترك إذا ترتب على فعله مفسدةٌ أعظم، فدرء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، وارتكاب أخف الضررين أمرٌ مقررٌ في الشرع.

«لَوْلاَ حِدْثَانُ» لولا قرب العهد بالكفر «لَفَعَلْتُ»؛ لأن قريب العهد بالكفر إذا لم يتمكن الإيمان من قلبه يحصل له من الخلل في إيمانه وفي إسلامه، وقد يرتد عن ذلك؛ بسبب ما يرى من التغيير لا سيما في العظائم، في المهمات في مثل هذا.

مسألة تحويل القبلة ارتد بسببها أناس، وأشاع المنافقون أنه في هذا اليوم على حال، وغدًا على حالٍ أخرى، وهكذا.

"فَقَالَ عَبْدُ اللهِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-" ابن عمر: "لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" "لَئِنْ كَانَتْ" إن حرف شرط، وفيه نوع تشكيك، هذا الأصل في إن.

أنا إن شككُتُ وَجْدتُمُونِي جَازمًا


 

وَإِذَا جَزَمتُ فإنني لم أجزمِ


واضح معناه؟

(إن) الجازمة في معناها الشك ما فيه جزم، (وإذا) التي لا تجزم في معناها جازمة.

وهنا ابن عمر "لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ".

"فَقَالَ عَبْدُ اللهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-" هو ما يشك في خبر عائشة، وأنها الصِّديقة بنت الصِّديق، ما يشك في هذا، لكن الذي يحصل عنده شيء لا على طريق الجزم، وإنما هو استنباط من كلام عائشة، ترتيب الأثر الذي استنبطه من هذه القصة.

"فَقَالَ عَبْدُ اللهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ" يعني: الشاميين.

"إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ" الأركان التي تُستلم الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر، وأما الركنان الآخران اللذان يليان الحِجر وهما الشاميان فلا يُستلمان، لماذا؟ من كلام ابن عمر؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم.

والسؤال الذي يَرد ابن الزبير هدم الكعبة وأعادها على قواعد إبراهيم، في هذه الفترة كل الأركان الأربعة تُستلم أم لا؟ بناءً على كلام ابن عمر نعم؛ لأنها على قواعد إبراهيم، وما دام النبي –عليه الصلاة والسلام- ما فعل ذلك فالمعدوم يأخذ من الشرعية مثل ما كان موجودًا، يعني ابن عمر –رضي الله عنه- يقول: "مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ" هذا استنباط ابن عمر، ومقتضاه أنه لو كانت الأربعة الأركان على قواعد إبراهيم أنها كلها تُستلم، لكن هذا ما حصل من النبي –عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه أمرٌ عدمي، ترتيبٌ على أمرٍ عدمي ما يُدرى ماذا يفعل لو كان موجودًا، فهذا استنباط من ابن عمر، وهو ظاهر من حيث المعنى، ولكن الحكم الشرعي هل يثبت للركنين الشاميين لو أعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ما كان للركنين الأولين، يثبت من كلام ابن عمر وإلا ما فيه فعل من النبي –عليه الصلاة والسلام-، الرسول ترك الاستلام؟

هذا استنباط ابن عمر –رضي الله عنه-، وهو ظاهر، ما فيه إشكال، لكن الشرعية وثبوت الحكم وتقريره بمجرد استنباط محل نظر يُنازع فيه، يعني ما يُمكن أن يكون محل اتفاق، "مَا أُرَى" يعني ما أظن، وهو الذي سبب الشك عنده، فقال: "لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ" مع أنه أسلوب جزم، وجاءت به نصوص.

قال –رحمه الله-:  "حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ" وهو ابن مسرهد في السلسلة المعروفة عند طلاب العلم من نسبه إن صحَّت.

"قال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ" سلَّام بن سُليم.

"قال: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ" وهو ابن سوار.

"عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟" الجدر والجدار بمعنىً واحد.

"قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ» قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟" الجدر هذا هل المراد به الجدار المحاط به الحِجر، أو الجدر الذي هو الأصل والأساس الذي يُسمى شاذروان؟ هل هو هذا أو هذا؟ هو ذاك من الكعبة لا يجوز الطواف عليه.

طالب: ..............

وقصَّرت عن هذا، وإلا فالمفترض أنه داخل.

"عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ "قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ»، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟" الباب مرتفع أكثر من متر.

"قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شاءوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شاءوا»" وهذه سُنَّةٌ قديمة من له سُلطة يتصرف ويتحكم يُدخِل ويمنع من شاء، وإلا فالأصل أن الناس يدخلون حيث شاءوا، ومتى شاءوا؛ ولذلك في أمنيته –عليه الصلاة والسلام- أن يجعل الباب ملصقًا بالأرض؛ حتى يخرج.

«لِيُدْخِلُوا مَنْ شاءوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شاءوا، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ» عهدهم إعرابها: فاعل، لأيش؟ لـ"حديث".

ما البيت الذي يقول... يأتي إن شاء الله.

«وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ».

وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُه


 

..............................................

«وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ».

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ" واسمه حمَّاد.

"عَنْ هِشَامٍ" ابن عروة "عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ" يعني عن خالته عائشة- رضي الله عنها-.

"قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ»" حِدثان، وحداثة، وحديثٌ عهدهم كلها معانيها واحدة.

«لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ» يعني: هدمته «ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-، فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا» يعني: بابًا خلفيًّا، الشرقي هو الباب الأصلي الأمامي، وجعل الباب الغربي خلفًا.

 

"قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: خَلْفًا يَعْنِي بَابًا" يعني بابًا آخر من الخلف؛ ليسهل دخول الناس وخروجهم.

مما قاله النبي –عليه الصلاة والسلام- من خوفه على الأمة أن يحصل لهم ما يحصل إذا رأوا الكعبة مهدومة استحسن أهل العلم أن تُستر الكعبة إذا أُريد نقض شيءٍ منها أو ترميم شيءٍ منها، تُستر بسواتر، وقد حصل، رأيناه مرارًا عند إرادة الترميم يجعلون سواتر تمنع من رؤية البيت. 

ثم قال: "حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ" ابن هارون.

"قال: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ" ابن الزبير "عَنْ عَائِشَةَ" خالته- رضي الله تعالى عنها-.

"أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ»"، وهناك «حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ» فالإضافة وتركها جائزان.

«لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ» ما قال: حديثو عهدٍ، لماذا؟

فعيل يُطلق على المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56].

«لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ» الجاهلية التي سبقت الإسلام، وجاء الإسلام بعدها ومحاها، ومحا آثارها، ولله الحمد والمنة، ثم مع طول العهد بالنبوة وآثار النبوة رجع كثيرٌ من الناس عن الإسلام سواءً كان بالرِّدة في عهد أبي بكر أو بعد ذلك في الأمور العظائم التي يفعلها كثيرٌ من المسلمين يتدين بها وهي مكفِّرة، وبعضهم يرتد كما فعل في عهد أبي بكر، والرِّدة وموجة الإلحاد التي تمر بالأمة في هذه الأيام؛ بسبب سهولة الاتصال بأمثال هؤلاء، وبث الشبهات والشهوات، وتيسير دخول ذلك على المسلمين في قعر بيوتهم بحيث يسمعها الكبير والصغير، المتعلم والعامي، العالم والجاهل يسمعونها ولا تُحجَب عن أحد، فصارت مثار فتنة، نسأل الله أن يدرأها عن المسلمين.

"«لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»، فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَلَى هَدْمِهِ، قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ".

 ابن الزبير طبَّق هذه الأمنية من النبي –عليه الصلاة والسلام-، لكن ما الذي حصل بعد ذلك؟ هُدِم، هدمه الحجاج، وبناه على بناء الجاهلية الموجود على عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- بإقراره، مع أن الأمنية موجودة ومعروفة، يعني ما هي محفوظة لدى بعض الناس دون بعض، مشهورة، كلهم يعرفون أن النبي– عليه الصلاة والسلام- تمنى ذلك، وطبَّقه ابن الزبير، ثم جاء الحجاج فهدمه وأعاده، ثم لما جاء الإمام مالك استشاره الخليفة في أن يهدمه ويبنيه على قواعد إبراهيم فمنعه، هل لأن بقاءه على بناء الجاهلية أولى أو لأمرٍ يدرأه الإمام مالك كما فعل النبي- عليه الصلاة والسلام؟

لئلا يكون البيت ملعبةً للملوك، فإذا جاء واحد قال: أبنيه على قواعد إبراهيم، وإذا جاء الذي بعده قال: لا، أهدمه وأعيده على ما كان عليه في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: دعه، وما زال على هذا إلى يومنا هذا، وإلا يستغرب كثيرٌ من الناس الحِجر من البيت وما يدخل، وجاءت فُرص أنه جاء ترميمات، وحصل بعض النقض لبعض الأساس، ثم بعد ذلك يُعاد كما هو؛ لئلا يكون البيت ملعبةً للملوك، كل من جاء اجتهد، قال: اجتهادي أن يُبنى على قواعد إبراهيم كما فعل ابن الزبير، ثم جاء الذي بعده، قال: تمناه الرسول –عليه الصلاة والسلام- وما فعل مع القدرة، لكن العلة موجودة ومنصوصة، لكن هل العلة موجودة الآن بقوتها في عهده- عليه الصلاة والسلام-؟

التعليل الذي هو حِدثان وحداثة وحديثٌ عهدهم هو موجود أم لا؟ لا، ليس بموجود، لكن الفتنة تُوجد.

طالب: ..............

لا، لا، فالقولان متوازنان ومتعادلان من حيث المصالح والمفاسد، العلم عند الله –جلَّ وعلا- لو استمر على فعل ابن الزبير والإرادة الغالبة لله –جلَّ وعلا- لو استمر على ما فعله ابن الزبير، وتواطأ الناس عليه، وعرفوه، ما يحصل استنكار مثل ما حصل في عهد السلف، الحجاج في عهد السلف والصحابة متوافرون موجود صحابة، وموجود التابعون، وهدموا، وبنوا، والعلل متعادلة.

طالب: ..............

الطواف لا، الطواف داخل الحِجر لا؛ لأنه من البيت، أما الصلاة فــ(بلى).

طالب: ..............

من أجل الصلاة؛ ليُصلي اقتداءً بالنبي –عليه الصلاة والسلام- وإذا ترجَّحت المفسدة تُرِك.

طالب: ..............

لكن من أراد أن يفعله اقتداءً بالنبي –صلى الله عليه وسلم- ما يمنع.

طالب: ..............

يدخلون ويصلون ويخرجون؛ حتى ما يُعارضك أحد ويقابلك، هو النبي –عليه الصلاة والسلام- دخل وصلى -عليه الصلاة والسلام-.

"«وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»، فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَلَى هَدْمِهِ، قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ" اثنين، يزيد عندنا، ابن رومان.

"وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ" من الحِجر؛ لأن الحِجر الموجود ليس كله من الكعبة، إنما ستة أذرع فقط من الكعبة.

"وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ" يعني كبيرة.

"قَالَ جَرِيرٌ" وهو ابن حازم الراوي "فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ، فَقَالَ: هَاهُنَا" يعني هذا الحد، يعني ما هو بهذا الحِجر، يعني إلى هذا ليس كل الحِجر، ليس كل المسوَّر، ستة أذرع من جدار الكعبة فقط.

"قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ" يعني: قدَّرت "مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ، أَوْ نَحْوَهَا".

نعم.

"بَابُ فَضْلِ الحَرَمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:57].

قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا»".

يقول المؤلف –رحمه الله تعالى-: "بَابُ فَضْلِ الحَرَمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ} [النمل:91]، والآمر له –عليه الصلاة والسلام- هو الله -جلَّ وعلا-. «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ علَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ»، مَن الآمر للنبي -عليه الصلاة والسلام-؟

هو الله -جلَّ وعلا-.

{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل:91] أُمِرت أن أعبد الله –جلَّ وعلا- وما خُلِق الجن والإنس إلا لعبادة الله -جلَّ وعلا-، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].

فكل من يدخل تحت هذين اللفظين من الجن والإنس داخلٌ في هذا الأمر، والنبي –عليه الصلاة والسلام- وهو أشرف الخلق وأعلمهم بالله وأتقاهم يقول: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} [النمل:91] هذه البلدة مكة {الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل:91] يعني كل شيءٍ خاضعٌ لإرادته وقدرته وأمره ونهيه.

{وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91]، والإسلام مأمورٌ به، وهو الاستسلام لله –جلَّ وعلا- والانقياد له، وإخلاص العبادة له مأمورٌ به كل أحد، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91].

"وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص:57]" هذا امتنان من الله –جلَّ وعلا- على أهل مكة أنه جعلهم في هذا المكان الآمن، والحرم الآمن الذي يُتخطَّف الناس من حوله، وهم في أمنٍ ورغدٍ من العيش، كما تقدم.

{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص:57]، أنت تعجب من هذا المكان الذي ليس بذي زرع، وسخَّر الله الناس لجباية هذه الأرزاق من سائر الأقطار القريبة والبعيدة، قديمًا يُقال مثلًا: إن هذا النوع من النبات لا ينبت في مكة، ولا يعرفه أهل مكة؛ لأن النقل صعب، كان صعبًا يعني إذا نُقِل فسد وهو في الطريق، لكن الآن ساعات ويصل، والحمد لله؛ ولذلك تجد أشياء لم تُوجد في السابق، مع أنها ليست من الضروريات؛ لأنها لو كانت من الضروريات ليَسَّرها الله –جلَّ وعلا- لمن تقدم.

{رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:57]، وهذا حال أكثر الناس يتمتع بنِعم الله وأرزاقه، ويعصيه في أثناء هذا التمتع، لماذا؟

 لعدم العلم، ولو علِم وعرف حق المعرفة ما فعل هذا، فشُكر النعمة أن تُسخَّر في طاعة الله- عزَّ وجلَّ-.

ويحصل من السفهاء من العبث بالنعمة والامتهان ما هو موجود في القديم والحديث، جاء في كتب الأدب أن ابنًا للرشيد صغيرًا على مائدة طعامٍ فيه طاهر القائد وهو أعور، القائد، فأخذ إبراهيم هندبات إما كوسا أو باذنجانًا أو كرعًا أو شيئًا من هذا فرمى بها وجه طاهر، فأصاب العين السليمة، كل هذا عبث، فشكاه إلى أبيه، فقال: إن فلانًا أظن اسمه إبراهيم –إن كنت ما وهِمت- إن فلانًا فعل كذا وكذا، فضرب عيني السليمة، والأخرى بين يدي عدل، يعني تالفة هالكة في كلامٍ يطول، ذكره العلماء في مصطلح الحديث في ألفاظ الجرح والتعديل؛ لأن بين يدي عدل أطلقها أبو حاتم الرازي على أيش اسمه؟

معروف جاء شخص مجروح، بل شديد الجرح، جُبارة بن المغلِّس، قال: جبارة بن المغلِّس بين يدي عدل، فاحتار من أراد أن يُصنِّف ألفاظ الجرح والتعديل هل يضعها من ألفاظ التعديل أو من ألفاظ الجرح (بين يدي عدل)؟ وكان الحافظ العراقي يقرأها بين يدي عدلٌ، فتصير من ألفاظ التعديل، مع أن جبارة بن المغلِّس ما عدَّله أحد، فضلًا عن أبي حاتم الشديد في الجرح، فمثل هذه القصة تُبين المعنى المراد من هذه الجملة، والأخرى يعني الهالكة التالفة العوراء بين يدي عدل يعني الهالك التالف، هكذا يُريد أبو حاتم، والكلام يجر بعضه بعضًا، ويأخذ بعضه برقاب بعض.

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ" وهو الإمام المشهور المعروف بابن المديني.

"قال: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ" الضبي.

"عَنْ مَنْصُور" ابن المعتمر.

"عَنْ مُجَاهِدٍ" ابن جبر.

"عَنْ طَاوُوسٍ" ابن كيسان.

"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا»" «حَرَّمَهُ اللَّهُ».

 وجاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن إبراهيم هو الذي حرَّمها، والتحريم الحقيقي من الله –جلَّ وعلا- وإبراهيم –عليه السلام- مُبلِّغٌ لهذا التحريم.

«إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ» لا يُقطَع، «وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» يعني: لا يُذعَر، ولا يُخَاف.

«وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا»، فهي تختلف عن سائر البلدان بأن لُقطة البلدان الأخرى تُعرَّف سنة، ثم تُملك، ولُقطة الحرم لا تُملَك، تُعرَّف أبد الدهر، ولا يملكها ملتقطها.

نعم.

"بَاب تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وَأَنَّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً؛ لقَوْلهِ تَعَالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25] البَادِي: الطَّارِئ، مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا.

قال: حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ»، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: لاَ يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:72] الآيَةَ".

قال –رحمه الله تعالى-: "بَاب تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا" المسألة في مِلك دور مكة خلافيةٌ بين أهل العلم، والخلاف فيها قديم ومشهور، وهو مبنيٌ على أنها فُتِحت عنوةً أو صلحًا، وكلٌّ على مذهبه، فمن يقول: فُتِحت عنوة، وملكها الغانمون، إنها فُتِحت عنوةً، وملكها الغانمون، والنبي –عليه الصلاة والسلام- منَّ بها على أهلها، هذا له حكم، والذي يقول: فُتِحت صلحًا هذا له حكم، والمسألة خلافيةٌ بين أهل العلم، لكن العمل على أنها تُملك وتُورث، وتُباع وتُشترى وتُؤجَّر، يُذكَر بعض الآثار أنها في أول الأمر لم يكن لبيوتها أبواب، يدخلها الوافدون حيث شاءوا ومن غير بيعٍ ولا أجرة، والمسألة خلافية.

يقول الشارح: "أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة، قال: توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وما تدعى رِباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن. أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده انقطاع وإرسال، وقال بظاهره أنها لا تُملك، ولا تُباع، ولا تُورَث، وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء، وقال عبد الرزاق عن ابن جريجٍ: كان عطاءٌ ينهى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أن عمر نهى أن تُبوَّب دور مكة -يعني يُجعَل لها أبواب-؛ لأنها ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوَّب داره سهيل بن عمرو، واعتذر عن ذلك لعمر، وروى الطحاوي من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهدٍ أنه قال: مكة مباح، لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها، وروى عبد الرزاق عن طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر: لا يحل بيع دور مكة، ولا إجارتها، وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختُلِف عن محمد، وبالجواز قال الجمهور"، يعني بجواز البيع والشراء والإجارة.

"قال الجمهور، واختاره الطحاوي" وعليه العمل منذ أزمانٍ متباعدة.

"ويجاب عن حديث علقمة -على تقدير صحته- بحمله على ما سيُجمَع به ما اختلف عن عمر في ذلك، واحتج الشافعي بحديث أسامة الذي أورده البخاري في هذا الباب، قال الشافعي: فأضاف الملك إليه" لن تنزل قدم من دارك، فأضاف الدار إليه

"فأضاف المِلك إليه وإلى من ابتاعها منه، وبقوله -صلى الله عليه وسلم- عام الفتح: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»، فأضاف الدار إليه، واحتج ابن خزيمة بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر:8]، فأضاف الديار إليهم، فنسب الله الديار إليهم، كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الديار ليست بملكٍ لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دورٍ ليست بملك لهم.

قال: ولو كانت الدور التي باعها عقيل لا تُملك لكان جعفر وعلي أولى بها؛ إذ كانا مسلمين دونه"، يعني عليّ وجعفر ما طالبوا عقيلًا بالبيوت التي ورثها هو وطالب من أبيه، ما نازعوه؛ لأنه لا حق لهما به، لماذا؟

لأنه لا يرث المسلم الكافر، والمسألة طويلةٌ جدًّا، وبحثها يحتاج إلى وقتٍ طويل، ولكن المسألة خلافية، والجمهور على جواز بيعها وكرائها، والله أعلم.

طالب: .............

من دخل بيته فهو آمن، ما أدري والله.

طالب: .............

على كل حال هذا الموجود.

قال –رحمه الله-: "بَاب تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وَأَنَّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ" يعني يستوي فيه الناس كلهم سواءً العاكف فيه والباد، المقيم بالمسجد العاكف، والبادي الذي يأتي من البادية؛ ليُصلي فردًا واحدًا، كلهم سواء، ما بينهم فرق، ما يجيء هذا العاكف الملازم للمسجد يأتي متأخرًا ويأتي إلى شخصٍ أتى من البادية ويقول: قُم، لا، كلهم سواء.

"خَاصَّةً" يعني ولا يشمل هذا الدور، وإنما هو خاص بالمسجد.

"لقَوْلهِ تَعَالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً} [الحج:25]" يعني: يستوون فيه.

{الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25] يعني لا يجوز للعاكف المقيم الذي لا يخرج إلا نادرًا من المسجد أن يُقيم من سبقه إلى مكانٍ، وإن كان طارئًا، وإن كان مروره عابرًا، {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}.

ثم قال: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25].

طالب: ..............

من أغلق بابه؟

طالب: .............

يقول في صحيح مسلم.

{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25] عندنا صورتان:

الأولى: أن الإرادة في الحرم، والظلم خارج الحرم.

الثانية: أن الإرادة خارج الحرم، والظلم داخل الحرم.

فحاجٌّ من أقصى المشرق أو المغرب حاج وهو في مكة يقول: إذا رجعت –مجرد إرادة- إذا رجعت سأفعل كذا من المعاصي، هذه الإرادة في الحرم والفعل خارج الحرم.

الثاني خارج الحرم في أقصى الأرض، يقول: إذا ذهبت إلى مكة سأفعل كذا.

أيهما الداخل في الآية {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ} [الحج:25] فالإرادةُ فيه، أو يُقال: إن الإرادة والفعل كلاهما داخل الحرم؛ ليتحقق هذا الوعيد الشديد؟

طالب: ..............

لو أراد أن يفعل إذا رجع إلى بلده ما يدخل في الوعيد؟

طالب: ..............

أو الثلاث صور؟

طالب: ..............

{يُرِدْ فِيهِ} [الحج:25] الإرادة فيه.

طالب: ..............

والإرادة؟

الآن مجرد الإرادة، مجرد النية من غير عمل ما يترتب عليها حكم، لكن هنا يختلف، مجرد الإرادة إرادة الفعل القبيح في الحرم متوعَّد عليها، والحكم مرتَّب على الإرادة، قال: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]، وهذا من خصائص هذا المكان هذا البيت الشريف، وهذه البقعة الطاهرة.

طالب: ..............

مكة؟

طالب: ..............

الحكم مرتّب على مجرد الإرادة.

طالب: ..............

نعم، ألا يكون من خصائصه أن يُعاقب ولو لم يفعل للآية؟

طالب: ..............

ماذا؟

طالب: .............

لا شك أن من فعل أعظم ممن لم يفعل.

"البَادِي: الطَّارِئ" الوارد البيت طارئًا من البادية أو من غيرها، لكن الغالب أن الذي يرد هو من البادية.

"مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا" سواءً العاكف من حبس نفسه، والعكوف والاعتكاف المكث في المسجد للطاعة "مَعْكُوفًا" أخذًا من قوله –جلَّ وعلا-: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا} [الفتح:25]، والبخاري يغتنم أدنى مناسبةٍ للفظٍ يرد في القرآن فيُفسره.

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ" عبد الله بن وهب.

الأصبغ بن من؟

طالب: ..............

الأصبغ بن فرج؟

لا، الأصبغ بن فرج المالكي متأخر، ماذا يقول الشراح؟

طالب: .............

ما الذي معك؟

طالب: ..............

التقريب؟ هات.

طالب: .............

 ماذا يقول؟

طالب: ..............

الذي يحل الإشكال القسطلاني، وهو موجود عندنا بالغرفة.

طالب: ..............

أصبغ صاحب مالك المعروف عندهم الفقيه المالكي؟

طالب: ..............

كمِّل الترجمة.

طالب: ..............

نحتاج إلى أن نوضِّح قليلًا.

طالب: ..............

عبد الله بن وهب.

طالب: ..............

من الذي قاله؟

طالب: .............

الجهاز؟

طالب: ..............

هو أصبغ الفقيه المالكي ما ترجمته؟

احضروه لنا بالجوال.

طالب: ..............

ماذا فيه؟

طالب: ..............

ما الفرق بينهما؟

متى توفي أصبغ هذا؟

طالب: ..............

عندك بالجهاز، كمِّل.

طالب: ..............

هذا الذي عندنا، لكن الفقيه المالكي المعروف أصبغ أشهر من نارٍ على علم.

طالب: ..............

أجل يصير هو.

طالب: ..............

ماذا؟

طالب: ..............

ما ذكر سنة وفاة؟

طالب: ..............

عشرة ومائتين مناسبة للطبقة العاشرة، هو نفسه يتبين أنه هو نفسه.

"قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ" وهو عبد الله بن وهب الإمام الفقيه المشهور المصري، قالوا: إنه أول من فرَّق بين التحديث والإخبار بمصر. 

"عَنْ يُونُسَ" وهو بن يزيد الأيلي

"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ" محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.

"عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ" وهو ابن الحسين زين العابدين.

"عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ" ابن عفان.

"عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ" حِب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن حِبه.

"رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُور؟ٍ»" يعني باعها، ورثها من أبيه، ثم باعها، وقد يكون استولى على غيرها بعد الهجرة، ثم ضمها إلى ملكه وباعها، ولا يمكن أن يُطالب بها؛ لأن من هاجر وتركها لا يعود إليها ولا يرجع فيها؛ لأنه تركها لله.

"وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ" أخوه طالب.

"وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ" فأولاده أربعة: عقيل، وطالب، وجعفر، وعلي، وبين كل واحدٍ منهم في السِّن عشر سنوات.

"-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْئًا-؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ- يَقُولُ: لاَ يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ" في الحديث الصحيح في البخاري: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ».

"قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:72]"، فالموالاة والتولي إنما يكون لأخيك المسلم الذي يشاركك في الإسلام، أما من يُخالفك فيه فلا صلة بينك وبينه لا في ميراثٍ ولا في غيره.

والشاهد في قوله: "أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟" فأضاف الدار إليه، مع أن الإضافة قد تكون إضافة ملك أو إضافة اختصاص كما أُضيفت دُوره –عليه الصلاة والسلام- إلى نسائه، دار عائشة، دار خديجة، دار فلانة، دار فلانة، إلا بعد وفاته انتقلت إليهن لا بالإرث؛ لأن ما تركه- عليه الصلاة والسلام- لا يُورَّث.

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.