كتاب العلم (08)

عنوان الدرس: 
كتاب العلم (08)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين يا ذا الجلال والإكرام.

قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ.

 وَقَالَ عُمَرُ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا».

حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا»".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ"، نعم. قال أبو عبد الله. هذا في بعض النسخ، اليونينية ما فيها شيء، وبعد أن تسودوا، قال أبو عبد الله: وبعد أن تسودوا.

طالب: .......

....... هذا غير موجود في الأصول التي اعتمد عليها اليونيني وقابلها وأوجد الفروق بينها.

يقول المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ".

يقول الشارح -رَحِمَهُ اللهُ-: (قوله: باب الاغتباط في العلم قال الشارح: هو بالغين المعجمة) والاغتباط من الشخص نفسه كونه يغتبط، وأما كونه يغبط غيره على ذلك فالمصدر: غبط يغبط غبطًا، أما الاغتباط اغتبط الشخص بنفسه، وهذا من باب قول الله -جَلَّ وعَلا-: {فبذلك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]. لا شك أن العلم إذا كان من العلم الموروث الموعود صاحبه بما جاء في النصوص إذا أُخذ من وجهه مخلصًا في ذلك لله -عزَّ وجلَّ- فخير ما يُغتبط به إذا اقترن بالإخلاص والعمل.

(قوله: باب الاغتباط في العلم، هو بالغين المعجمة. قوله: في العلم والحكمة، فيه نظير ما ذكرنا في قوله بالموعظة والعلم، لكن هذا عكس ذاك) بالعلم والحكمة، الموعظة والعلم، يعني هل هو من باب عطف الخاص على العام أو العكس؟ هناك قال: الموعظة والعلم، وكان يتخولهم بالموعظة والعلم، وعطف العلم عليها، الموعظة النصح والتذكير، وعطف العلم عليها من باب عطف العام على الخاص، الموعظة والعلم من عطف العام على الخاص؛ لأن العلم أعم من أن يكون موعظة، وإن كان الاتعاظ لا يُقصر على ما يرقق القلوب، وإنما حتى الأحكام فيها عظة، وفيها عبرة، لو تأملها الإنسان، ووجدها جاءت لمصالح البشر، فما من حكم من أحكام الله -جَلَّ وعَلا- إلا وله حكمة يستفيد منها قلب المؤمن المخلص، فعلى كل حال الذي مشى عليه أن الموعظة أخص من العلم، العلم مواعظ وأحكام وآداب وغير ذلك. هنا يقول: (فيه نظير ما ذكرنا في قوله: بالموعظة والعلم، لكن هذا عكس ذاك) يكون من عطف الخاص على العام، العلم والحكمة من عطف الخاص على العام، فالعلم أعم من الحكمة، فيه علم ما فيه حكمة؟

الحكمة وضع الشيء في موضعه، فيه علم يمكن أن يوصف بغير ذلك؟ أو أن الكلام في ظاهره؛ لأنك إذا دققت في الألفاظ ظهر لك أشياء بخلاف ما إذا مشيت الكلام على ظاهره، وقد يكون هذا الذي ظهر محمودًا، وقد يكون مذمومًا، إذا دققت في بعض المسائل أو في بعض الكلمات وتعمقت فيها، ولذا السلف كانوا ينهون عن التعمق، يعني بعض العلماء حتى من المحققين إذا استرسل في دراسة بعض الألفاظ وبعض القضايا تجد أنه يحصل عنده شيء، يبدو له شيء لم يُسبق إليه، لكن يبقى أنه فيه شيء، يعني مثل ما ذكرنا في محبة النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، إذا مشيت الأمر: «حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، ثم في حديث عمر: «حتى من نفسك»، يعني إذا دققت وحررت وتعمقت وقلت: ليش أحبه أنا إلا من أجل نفسي، فكيف تصل إلى هذا الحد، تحبه أحب من نفسك، وتقدم مراده على مرادك وانتهى الإشكال، صح أم لا؟ نعم في بعض التعمقات يعني وُجد ملاحظة على بعض أهل العلم من المحققين في مسائل العقيدة الدقيقة جرَّهم إليها التوسع والتشقيق والتدقيق، ولذلك ما يرون الاسترسال في مثل هذه القضايا بأكثر مما درج عليه السلف، فالعقل محدود، لكن إذا استرسل قد يغفل عما قعده الأئمة وسلف هذه الأمة.

طالب: .......

ومن أهل الاجتهاد، وهي من مسائل الاجتهاد؟

طالب: .......

له الأجر.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

الخطأ ليس بعلم.

طالب: .......

لا لا، الخطأ ليس بعلم.

(أو هو من العطف التفسيري إن قلنا: إنهما مترادفان) الحكمة تطلق على أمور وعلى أشياء، إذا قلنا: {الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 129] المراد بها السنة، والحكمة في الأصل كل ما جاء عن الله وعن رسوله فهو حكمة؛ لأنه وضع للشيء في موضعه.

(وقال عمر -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «تفقَّهوا قبل أن تُسوَّدوا») يجوز بالتخفيف: «تَسودوا»؛ لأن من سوده غيره فقد ساد، وإذا جهالهم سادوا.

طالب: .......

معروفة.

(وقال عمر: «تفقهوا قبل أن تُسودوا» هو بضم المثناة وفتح المهملة وتشديد الواو، أي تُجعلوا سادةً) ومعلوم أن من سُود فقد ساد، بمَ سادهم؟ قال: بالعلم والعمل. من سيد؟ كذا، وبم سادهم؟ هم سودوه فصار سيدهم، فيجوز أن تقول تُسودوا كما ضبطه الحاكم، ويجوز قبل أن تَسودوا. (أي تجعلوا سادة، زاد الكشميهني في روايته: قال أبو عبد الله، أي البخاري: وبعد أن تُسودوا)، طيب ما الفائدة من كون الإنسان يتفقه قبل أن يَسود أو يُسود؟ أنتم تنظرون يتخرج الناس من الدراسة بعضهم ليس له أي قدر زائد من العلم غير ما درس في الجامعة مثلاً في كلية الشريعة، والذي معه زميله يتابع الدروس، ويحرص عليها، ويحفظ المتون، ويطالع الشروح، تأسس وتأصل ثم توظفوا في وظائف مشغلة. واحد يستطيع أن يتابع العلم؛ لأنه ما يكلفه شيء، يجلس ويقرأ عليه، ويفيد الناس؛ لأنه مؤصل، لأنه تفقه قبل أن يسود، الثاني ما تفقه قبل أن يسود. فالمسألة تحكم بجهله، يستمر جاهلًا، حتى لو جلس ويقرئ الناس ويعلمهم من أين؟

لأن الدنيا مشغلة، لذلك تجدون في الوظائف غير التعليمية، التعليمية فيها تنمية للمعلومات، لكن في الوظائف الإدارية، تخرج في الجامعة وخمس سنين، عشر سنين ورجع عاميًّا إذا لم يتابع، والذي ينمي العلم هو التعليم والتأليف، تجد فرقًا بين زميلين قد يكون أحدهما في الترتيب في الجامعة قد فاق، والثاني أقل، لكن هذا تابع، وهذا ما تابع. ما الذي جعل الشيخ -رَحمةُ اللهِ عَليهِ- ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين أو الشيخ ابن جبرين أو مشايخنا عمومًا يبرزون وينبغون، ويقودون الأمة بهذا العلم، إلا أن علمهم من الصغر واستمروا عليه، ما انقطعوا عن العلم، تفقَّهوا قبل أن يسودوا، وبعد أن تسودوا أو سُودوا؛ لأنه قال: (قال عمر: «تفقهوا قبل أن تسودوا»، قال أبو عبد الله: وبعد أن تسودوا. قد تعلم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في كبر سنهم) هذا فيه فتح لباب الأمل، بعض الناس يقول: أنا والله كبرت، خلاص ما عاد فيه فائدة، فات القطار. نقول: ما فات شيء، الصحابة أبو بكر متى أسلم؟ كم سنه يوم إسلامه؟ في الخمسين.

طالب: .......

أكثر. قريبًا من الخمسين. وعمر، وعثمان، وتنقل أقوالهم في عضل المسائل، تفقهوا على كبر سنهم. صالح بن كيسان وهو ممن يضرب به المثل في هذا الباب متى بدأ طلب الحديث؟ اختلف في سنه قيل: تسعين، وأقل ما قيل: خمسين، يمكن لحيته ما فيها ولا شعرة سوداء، ويعد من كبار الآخذين عن الزهري، لا شك أن هذا يفتح آفاقًا وآمالًا أمام طالب العلم ولا ييأس.

(أما أثر عمر، فأخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق محمد بن سيرين عن الأحنف بن قيس، قال: قال عمر، فذكره، وإسناده صحيح، وإنما عقبه البخاري بقوله: «وبعد أن تسودوا»؛ ليبين أن لا مفهوم له خشية أن يفهم أحد من ذلك أن السيادة مانعة من التفقه)، (مانعة من التفقه) ما رأينا أكثر شغلًا من الشيخ ابن باز ليل نهار، ومع ذلك ليل نهار يطالع الكتب، ويراجع الدروس ما منعه. (ليبين أن لا مفهوم له خشية أن يفهم أحد من ذلك أن السيادة مانعة من التفقه، وإنما أراد عمر أنها قد تكون سببًا للمنع).

 نعم سبب قوي، إذا أراد الإنسان أن يستجيب، ما فيه شك أنه إذا كان في الدوام على وظائفنا الآن من الساعة ثمانية إلى ثنتين ونصف، خلاص هذا سنام الوقت، إذا جاء يرتاح إلى المغرب، والمغرب بعده كان عنده درس أو شيء وإلا جلس يتحدث مع فلان أو مع أولاده، انتهى اليوم. لكن هناك إرادات قوية، يداوم من ثمان إلى ثنتين ونصف، والعصر يصلي في مسجد تصلى فيه على الجنائز، ويتبع الجنازة، ويرجع ويدرس للمغرب، وبعد العشاء إما تحضير للدروس أو معاملات في مصالح المسلمين أو غيرها، وتجده يجيب دعوات إخوانه من المسلمين، وتجده يصل الرحم، وتجده يزور المرضى، بركة، وبعض الناس إذا أدى أدنى عمل خلاص انتهى يومه، والله المستعان.

(وإنما أراد عمر أنها قد تكون سببًا للمنع) الذي يتعذر له عذره، والله ما يقدر أن يفعل شيئًا، طلع الواحد من الدوام إلا وهو تالف، ما يستطيع أن يسوي شيئًا، قد تكون إذا أراد أن يستجيب لهذا في الظاهر عنده عذر.  

(لأن الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلمين)؛ لأنه إذا تخرج وحصل على الشهادات، وصار دكتورًا، صعب عليه. وهذا في الغالب، وإلا يوجد أساتذة كبار قدامى قد يجلسون إلى من هو دونه، هذا موجود. لكن الغالب أن النفس تنازع في هذه الأمور. (لأن الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلمين؛ ولهذا قال مالك عن عيب القضاء: إن القاضي إذا عُزل لا يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه) فما دام قاضيًا لا يرجع إلى المجلس، (إن القاضي إذا عُزل لا يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه) يعني هو انشغل بالقضاء وترك التعلم، ثم إذا عُزل بعد أن شاف أبهة السيادة يصعب عليه أن يرجع، هذا معنى كلامه. لكن عندنا من أكبر القضاة الذين يحضرون، الشيخ قديم، ومرتبته عالية في القضاء، ويحاضر ويجيء لنا من الدوام على طول، والذي يقرأ الخرقي زميل. يعني أمثلة تحقق مثل هذا الكلام، أمثلة يتحقق فيها مثل هذا الكلام.

(وقال الشافعي: إذا تصدر الحدث فاته علم كثير) الشيخ عبد العزيز الراجحي لازم دروس الشيخ ابن باز إلى أن مات بسنة عشرين، والشيخ عمره ستون ملازم دروس الشيخ كلها. (إذا تصدر الحدث فاته علم كثير)، وقد يوجد من الصغار من تمكن في بداية عمره لما وُهب من حفظ وفهم، واحتيج إليه مثل مالك جلس للتعليم  وهو ابن سبعة عشر من عمره، فمثل هؤلاء الحاجة هي التي تحدد الانتفاع والنفع.

(وقد فسَّره أبو عبيد في كتابه غريب الحديث فقال معناه: تفقهوا وأنتم صغار قبل أن تصيروا سادةً فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمن هو دونكم فتبقوا جهالاً) دونكم في السن، (وفسَّره شِمر اللغوي بالتزوج، فإنه إذا تزوج صار سيد أهله ولا سيما إن وُلد له) كثير من طلاب العلم يسألون، يقولون: هل نبادر بالزواج نحصن أنفسنا، وفي الزواج مشغلة، أو ننتظر حتى نحصِّل من العلم ما يؤهلنا لنفع الناس، ثم نتزوج؟ هي في الظاهر مشغلة، الزوج والأولاد مشغلة، لكن يبقى أنها مشغلة من جانب، وفيها إعانة من جانب، وفيها راحة للنفس والبال، تحصر الذهن على ما أنت فيه، لكن تصور شابًّا في الخامسة والعشرين ما تزوج ومعه كتاب يقرأ فيه، والغريزة وراءه، يتعب، أو يروح محاضر تعليم وما أشبه ذلك وهو ما تزوج، المسألة صعبة، والقلق النفسي أصعب بكثير من شغل البدن، أصعب بكثير من شغل البدن، وواقعه الحال التي نعيشها، عندنا فيه انشغال للقلوب، وإن كان فيه راحة للأبدان، الأبدان تريحت، وسائل الراحة موجودة، وسائل النقل ووسائل الاتصال كلها موجودة ومريحة جدًّا، يعني بإمكانك أن تصل إلى مكة بساعة، بينما تجلس شهرين وثلاثة على البعير ما وصلت مكة. لكن أيهما أريح بالاً؟

هذا موطِّن النفس أنه ما يصل إلا بعد شهرين، تجده مبسوطًا ومستأنسًا ويقرأ ويؤلف ومبسوطًا مع رفقته، لكن الآن إن كنت في سيارة خلِّ شخصًا واقفًا قدامك بالإشارة وأنت تريد أن تلف يمينًا والفرق ثوانٍ، وإن كنت في الطائرة وتأخروا في النزول انظر كم الضغط، والمسألة ما تزيد على ربع ساعة. والناس كانوا شهرين وثلاثة، وبعضهم سنة ....... وابن جبير في رحلته سنتين وثلاثة أشهر للحج، وكانوا مرتاحين، كثير من الكتب أُلفت في الأسفار، وجابر شهرًا كاملًا راح ليروي حديثًا عن عبد الله بن أنيس، حديث واحد لمدة شهر. الآن اجلس ومعك هذا الجوال فيه كم؟ مائة ألف حديث، احصل على ما تريد، لكن التحصيل ما هو؟ النتيجة؟ لا شيء.

وتحدث أحمد أمين في فيض الخاطر عن الكُتّاب في السابق والكُتّاب في الحاضر، الكتاب على عهده يقول: دخلت الكتاب فإذا به غرفة مظلمة، خربة، فيها الغبار والأتربة والحشرات غير مفروشة والماء في زير، والكاس في آخره، والطالب يأتي بثيابه الوسخة، ويدخل يده في الزير إلى الإبط حتى يخرج الكأس ويشرب ويكح ويعطس، كل شيء قدامه. يعني بهذا العرض لو تسأل ما حكم الدراسة في هذا المكان؟ تقول: والله حرام، ....... وصف الكتاب في ذلك الوقت الذي دخله هو وقرأ فيه. ثم وصف الكُتاب الذي دخله ابنه، قال: ثم جاء الولد فذهبت به إلى الكتاب، فإذا بسيدة تستقبلنا في فناء مزروع، وبدأ يمدح، شيء ما يخطر على بال، جنة، ومن كثرة المدح، في النهاية قال: وفي النهاية حفظت القرآن، ولم يحفظ ابني شيئًا. ما هو بالإشكال في تعب البدن؛ الإشكال في القلب، في راحته وانشغاله، هذا الفرق. لذلك تجدون من تعلموا من هذه الآلات وخرجوا واشتغلوا، الذهن ما فيه شيء؛ لأن الشيء سنة إلهية الذي يؤخذ بسرعة يُفقد بسرعة.

 أنت تصور أن الذي يأخذ علمه من الكتب مثل الذي يمشي على رجليه، والذي يأخذ علمه من هذه الآلات يضغط زرًّا ويطلع لك عشرون طريقًا وعشرون قولًا في هذا الراوي، ثم اضغط الزر وأطفئ وخلاص ما فيه شيء. مثل الذي يمشي بالسيارة مائة وخمسين أو مائة وستين، كم يحفظ من المعالم في طريقه؟ لكن الذي على رجليه كل ما يمر يحفظ ويصف لك الطريق بالتفصيل، هذا الذي يرسخ. قال يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم، ما يجيء بالراحة وإلا صار كل الناس علماء، من حكم الله -جَلَّ وعَلا- أن يوعر الطريق فيه إذا كان الهدف ساميًا، «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». الآن تشوف أعمال الخير والبر المرضية لله -جَلَّ وعَلا- فيها شيء من الصعوبة، فيها مجاهدة للنفس، بينما العكس: السيئات ما تحتاج إلى نية ولا شيء، فقط تطلق وتطيح ما تحتاج إلى شيء. والله المستعان.

طالب: .......

نرجع إلى قول (شمر بالتزوج، فإنه إذا تزوج صار سيد أهله ولا سيما إن وُلد له) هذا لا شك أنها مشغلة تحتاج إلى معاناة، لكنها مشغلة بدن، وضدها من عدم الزواج والتبتل هذا أيضًا مشغلة للقلب، والفرق بين المشغلتين ظاهر. تصور أن واحدًا جالسًا في بيته ما عنده زوجة ومعه كتاب يقرأه، والثاني متزوج ورائح بزوجته للمستشفى وجالس بالانتظار يقرأ، أيهما أصفى ذهنًا؟

طالب: .......

وأنت بالانتظار، ما أنت بالبيت الفرق كبير، هذا شيء مجرب ومشاهد، تقلب كل الليل على فراشه وهو ما تزوج ويحصل علمه. صحيح يا إخوان، هذا كلام شمر ما هو بصحيح، وكثير من الإخوان يستشكل مثل هذا الأمر، يجيئون يسألون نتزوج أم ما نتزوج؛ لأن الزواج مشغلة؟ مشغلة للظاهر مشغلة للبدن صحيح لكن القلب يرتاح.

(وقيل: أراد عمر الكف عن طلب الرياسة؛ لأن الذي يتفقه يَعرف ما فيها من الغوائل فيجتنبها، وهو حمل بعيد؛ إذ المراد بقوله: «تسودوا» السيادة وهي أعم من التزويج، ولا وجه لمن خصصه بذلك؛ لأنها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشاغلة لأصحابها عن الاشتغال بالعلم) يأتي كثير من طلاب العلم يقول: هل نتفرغ لطلب العلم، ونتكفف الناس ونسألهم، ونأخذ من زكواتهم، أو نسعى في أمور الدنيا وإذا تيسرت فرصة طلبنا العلم؟

طالب: .......

ما هو؟

طالب: .......

ما فيه غيره، في حال كثير من الناس .......

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لا بإمكانه أن يتعلم ويسعى في تحصيل ما يعفه بزمن يسير، ويستطيع أن يوفق بينهما، والمجرب والمشاهد أنك قد تجد طالب علم من يقول: أنا سأفرغ من وقتي شيئًا من أجل أن أعف نفسي، ثم ينساق وراء هذا الشيء، ويترك العلم، إذا وجد حلاوة المال وحلاوة الكسب.

طالب: .......

صادق الشيخ، صادق وجاد.

(وجوَّز الكرماني أن يكون من السواد في اللحية) هذا بعد! (جوز الكرماني أن يكون من السواد في اللحية، فيكون أمرًا للشاب بالتفقه قبل أن تسود لحيته) يعني قبل أن يلتحي، لو قال: قبل أن يسود وجهه بما فيه من لحية، قبل أن تسود لحيته، أصلاً هي تطلع سوداء. فمفهومه أنه يريد أن يتفقه الشاب قبل أن تطلع لحيته، قبل أن يلتحي.

طالب: .......

نعم.

(وجوز الكرماني أن يكون من السواد) لأنه هو الذي كان أبيض ثم اسود، نعم، جزء منه الذي فيه اللحية، لكن تسود اللحية! ماذا كانت قبل؟ ما الذي كان قبل؟ ما فيه لحية.

(وجوز الكرماني أن يكون من السواد في اللحية فيكون أمرًا للشاب بالتفقه قبل أن تسود لحيته) هذا يمشي إن كان قبل أن تُبيض؛ لأنها فيها مرحلة ثانية بعد السواد، وفيها قبل وبعد، السواد ما فيه قبل ولا بعد.

(أو أمرًا للكهل قبل أن يتحول سواد اللحية إلى الشيب، ولا يخفى تكلفه. وقال ابن المنير: مطابقة قول عمر للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات العلم)، (جعل السيادة من ثمرات العلم) لا شك أنها سيادة، (وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة)، ونرجع إلى ما قيل في أول الأمر أن بلوغ درجة السيادة قد تقطع عليه طريق مواصلة العلم؛ لأنه ينشغل، (وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبَط صاحبه، فإنه سبب لسيادته، كذا قال. والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرياسة وإن كانت مما يُغبَط بها صاحبها في العادة، لكن الحديث دل على أن الغبطة لا تكون إلا بأحد أمرين: العلم أو الجود، ولا يكون الجود محمودًا إلا إذا كان بعلم، فكأنه يقول: تعلموا العلم قبل حصول الرياسة؛ لتغبطوا إذا غُبطتم بحق، ويقول أيضًا: إن تعجلتم الرياسة التي من عادتها أن تمنع صاحبها من طلب العلم فاتركوا تلك العادة، وتعلموا العلم لتحصل لكم الغبطة الحقيقية)؛ لأن الإنسان قد يغبط بعلم، وقد يغبط بمال، لكن العلم وباله عليه، وماله وقود عليه، لكن يأتيه الحكمة ويتعلمها ويعلمها الناس بعد أن يعمل بها، هذا الذي يستحق الغبطة، المال ينفقه في وجوه الخير، هذا محل الاغتباط، يعني الشيء الذي ينفع من العلم والمال.

(ومعنى الغبطة تمني المرء أن يكون له نظير ما للآخر من غير أن يزول عنه) إن تمنى أن يزول فهذا الحسد، نسأل الله العافية، (وهو المراد بالحسد الذي أطلق في الخبر كما سنبينه) «لا حسد» لا غبطة.

(قوله: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، على غير ما حدثناه الزهري، يعني أن الزهري حدث سفيان بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل، ورواية سفيان عن الزهري أخرجها المصنف في التوحيد عن علي بن عبد الله عنه، قال: قال الزهري: عن سالم، ورواها مسلم عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه، ساقه مسلم تامًّا، واختصره البخاري، وأخرجه البخاري أيضًا تامًّا في فضائل القرآن من طريق شعيب عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر فذكره، وسنذكر ما تخالفت فيه الروايات بعدُ إن شاء الله تعالى).

 يعني تختلف رواية إسماعيل عن رواية الزهري، لأنه يقول: (على غير ما حدثنا الزهري)، فدل على أن فيه اختلافًا، وهذا الاختلاف سيبينه الشارح إن شاء الله تعالى.

(قوله: قال: سمعت، القائل هو إسماعيل على ما حررناه. قوله: «لا حسد» الحسد تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، وخصَّه بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق أنه أعم)؛ لأنه قد يتمنى زوال النعمة ولو لم تصل إليه، هذا الحسد المذموم. لكن هل المنفي الحسد المنفي في الحديث الحسد المذموم أم الغبطة المحمودة؟ بدليل الاستثناء، المراد به الغبطة، «لا حسد» يعني لا غبطة من غير تمنٍّ، لكنه عرف الحسد من حيث هو.

(وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق أنه أعم، وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه له ليرتفع عليه، أو مطلقًا ليساويه، وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل)، وبعض من ينتسب إلى العلم إذا سئل عن عالم آخر تجده يتنقصه، ويذكر ما فيه من النقائص؛ لظنه أنه لن يرتفع إلا على أكتاف غيره، مع أنه يعامَل بنقيض قصده، لأنه إذا ذم صاحبه كأنه يقول: أنا ما عندي مثل هذه الصفات المذمومة، كأنه يترفع بذلك، فيعامَل بنقيض قصده، والله المستعان.

(وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه؛ ليرتفع عليه، أو مطلقًا ليساويه، وصاحبه مذموم) متى يكون مذمومًا؟ شف الشرط: (إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل) يعني هل الحسد إذا لم يتكلم به ولم يعمل به هل نقول: إنه من حديث النفس ولا يُذم صاحبه؟

طالب: .......

عمل القلب، فلا يحتاج أن يتكلم به ولا يعمله، هذا قول الأكثر. لكن ابن الجوزي في صيد الخاطر أطال في نصر هذا القول، وأنه إذا لم يتكلم به فهو من حديث النفس ولا شيء فيه. هنا يقول: (إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل) من تصميم يعني تكرار؛ لأنه ما هو بمسألة خطرات أو هاجس أو حديث نفس، إذا تعدى ذلك.

(وينبغي لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وُضع في طبعه من حب المنهيات، واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى، فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته. وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأُطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثلُ ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يُسمى منافسةً، فإن كان في الطاعة فهو محمود، ومنه {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]) {وَسَارِعُوا} [آل عمران: 133]، {سَابِقُوا} [الحديد: 21]، يعني هو مقتضى «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وهذا تقدم الكلام فيه. طيب المسارعة والمسابقة، هل من مقتضى المسارعة أن تسرع حتى تسبق؟ وهل من لازم الحديث أن يتمنى الشخص، يعني زملاء، أن يكون كلهم مرتبة واحدة، ما يصير الأول على زملائه حتى ما يدخل في تمني أن يكون أرفع منه؟ «حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» يتمنى أن الدفعة كلها ترتيبهم الأول، هل هذا مقدور عليه في النفوس، وهل هو داخل في الحديث؟ حتى قال بعضهم: إن هذا مستحيل ما يمكن تصوره، {وَسَارِعُوا} [آل عمران: 133]، {سَابِقُوا} [الحديد: 21]، المنافسة: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون} [المطففين: 26]، هل مقتضاه أنك تقف معه؟ إذا وصلت له تقف، أو تنافسه حتى تسبقه؟ ولفظ المسابقة والمسارعة يقتضيه.

(وإن كان في المعصية فهو مذموم ومنه: «ولا تنافسوا») يعني الوارد في الحديث في صحيح مسلم وغيره، (وإن كان في الجائزات فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين، ووجه الحصر أن الطاعات إما بدنية أو مالية أو كائنة عنهما، وقد أشار إلى البدنية بإتيان الحكمة، والقضاء بها وتعليمها، ولفظ حديث ابن عمر: «رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار»، والمراد بالقيام به العمل به مطلقًا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها ومن تعليمه والحكم والفتوى بمقتضاه، فلا تخالُف بين لفظي الحديثين. ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السُّلمي: «رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه». ويجوز حمل الحسد في الحديث على حقيقته على أن الاستثناء منقطع)، فيكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، (والتقدير نفي الحسد مطلقًا) «لا حسد»، (لكن هاتان الخصلتان محمودتان ولا حسد فيهما، فلا حسد أصلاً.

قوله: «إلا في اثنتين» كذا في معظم الروايات «اثنتين» بتاء التأنيث، أي لا حسد محمود في شيء إلا في خصلتين، وعلى هذا فقوله: «رجلٌ» بالرفع، والتقدير: خصلة رجل، حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وللمصنف في الاعتصام: «إلا في اثنين»، وعلى هذا فقوله: «رجلٍ» بالخفض على البدلية، أي خصلة رجلين، ويجوز النصب بإضمار أعني وهي رواية ابن ماجه.

 قوله: «مالاً» نكرة؛ ليشمل القليل والكثير) يعني القليل هل يغبط صاحبه؟ قد يغبطه الذي ما عنده شيء.

طالب: .......

حصول المال قد يكون وبالًا، ومن أجل التسليط على ذلك من أجل انتفاعه به، من أجل استغلاله فيما ينفع.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

نعم، لكن الناس في العموم يغبطون من عنده مال قليل؟

طالب: .......

هو قال، وهذا كلام الحافظ كلام الشارح: («مالاً» نكرة ليشمل القليل والكثير)، فإذا اتصف بهذا الوصف، عنده مال وسلطه على هلكته، والإنفاق من القليل، قد تكون النفقة من صاحب المال القليل أشق على النفس من صاحب المال الكثير: «وسبق درهم ألف درهم».

(قوله: «فسُلط» كذا لأبي ذر، وللباقين: «فسلطه»، وعبر بالتسليط لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشح.

قوله: «هلكته» بفتح اللام والكاف أي إهلاكه، وعبّر بذلك ليدل على أنه لا يُبقي منه شيئًا، وكمله بقوله: «في الحق» أي في الطاعات؛ ليزيل عنه إيهام الإسراف المذموم. قوله: «الحكمة» اللام للعهد؛ لأن المراد بها القرآن على ما أشرنا إليه قبلُ) كما فسَّره في الرواية الأخرى: «آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار».

(وقيل المراد بالحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح. فائدة: زاد أبو هريرة في هذا الحديث ما يدل على أن المراد بالحسد المذكور هنا الغبطة كما ذكرناه، ولفظه: فقال رجل: «ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل») لذا قال: «فهما في الأجر سواء»، (أورده المصنف في فضائل القرآن، وعند الترمذي من حديث أبي كبشة الأَنْماري بفتح الهمزة وإسكان النون، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول، فذكر حديثًا طويلاً فيه استواء العامل في المال بالحق والمتمني في الأجر) يعني قال: «فهما في الأجر سواء»، (ولفظه: وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: «لو أن لي مالاً لعملت مثل ما يعمل فلان، فأجرهما سواء»، وذكر في ضدهما أنهما في الوزر سواء، وقال فيه: حديث حسن صحيح، وإطلاق كونهما سواء يَرد على الخطابي في جزمه بأن الحديث يدل على أن الغني إذا قام بشروط المال كان أفضل من الفقير، نعم يكون أفضل بالنسبة إلى من أعرض ولم يتمن).

 مسألة المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر مسألة خلافية بين أهل العلم، وفيها كلام طويل جدًّا، والمفاضلة في الأصل إنما تكون بالتقوى والعلم والإيمان، وما عدا ذلك فهو قدر زائد يكون روافد كما قرره ابن القيم في عدة الصابرين.

(نعم يكون أفضل بالنسبة إلى من أعرض ولم يتمن، لكن الأفضلية المستفادة منه هي بالنسبة إلى هذه الخصلة فقط لا مطلقًا، وسيكون لنا عودة إلى البحث في هذه المسألة في حديث الطاعم الشاكر كالصائم الصابر؛ حيث ذكره المؤلف في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى).

نعم.

طالب: قال البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لاَ، فَأَوْحَى اللَّهُ -عزَّ وجلَّ- إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63]، {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]»".

نبغي بالياء؟

طالب: .......

عندك في الطبعة؟

طالب: .......

عندكم في الكتاب أم القرآن معروف.

طالب: .......

نعم، هذه القاعدة، هذا الأصل، أن ما فيه ما يقتضي حذف الياء، لكن الرسم معروف رسم القرآن.

طالب: .......

أنسانيه. نعم.

طالب: "{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ -عزَّ وجلَّ- فِي كِتَابِهِ".

هذا يسأل يقول: إنه يعاني من تسلط الخمول والكسل عندما يشرع في القراءة والبحث، خاصة عند قراءة القرآن. يقول: ولا أشعر إلا وقد نمت، فما هو الحل؟ أرجو جوابًا شافيًا؛ لأنني أعاني من ذلك منذ فترة.

لا شك أن الشيطان يتسلّط على ابن آدم إذا شرع في فعل خير يقربه إلى الله -جَلَّ وعَلا-، وإذا قام يصلي سلّط عليه حتى ينام، وفي الصلاة جاء فيها إذا غلبه النعاس ينام، لكن إذا كان هذا طبعه، نام خمس، ست ساعات، ثم قام يصلي ثم نام من تسلُّط الشيطان عليه، هل الحل أن ينام بعد؟ إذا كان سببه قلة النوم ينام، لكن إذا كان سببه تسلُّط الشيطان عليه يستعيذ بالله من الشيطان، ويستعين بما يعين على النشاط. ومثل هذا في العلم مثل الصلاة؛ لأنها كلها عبادة، فيأخذ قسطه الكافي من النوم ويرتاح، ويقبل على العلم، ويتعوذ من الشيطان، ويستعين بالله ويلجأ إلى الله -جَلَّ وعَلا- في أن يعينه على الشيطان، وإذا أصر على ذلك ولم يلتفت إلى تخذيل الشيطان وتكسيله فإن الله يعينه، إذا علم الله -جَلَّ وعَلا- منه صدق النية أعانه. أحيانًا نحن ننتظر الدرس مثلاً العصر الواحد كسلان يتثائب، وإذا بدأ بالدرس وأعانه الله، ثم صلى العشاء خلاص ما عاد فيه شيء اسمه النوم؛ لأن الشيطان انتهى منك، ما يحتاجك، ما فيه شيء يصدك عنه، المحادثات ما هي مشكلة عنده. فعلى الإنسان أن يستعين بالله -جَلَّ وعَلا-، ويلجأ إليه، ويصدق مع الله -جَلَّ وعَلا-، وعلى ذلك يعينه. ولعل هذا في بدايات القراءة، القراءة ما فيه شك أنها مملة وشاقة، لكن بعد مع التدريب والتمرين يقرأ بالتدريج في أول يوم يقرأ له ساعة، ثم يزيد شيئًا فشيئًا إلى أن يجد نفسه لا يجد فراغًا من القراءة، ووجد من يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ساعة في قوة وحيوية ونشاط، وآخر لحظة مثل أول لحظة، لكن المهم أن طالب العلم يأتي بالتدريج، ولا ينقطع؛ لأنه إذا انقطع احتاج إلى جهاد جديد، يحتاج إلى أن يجاهد من جديد، والله المستعان.

قال -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ"، مناسبته لكتاب العلم أنه ذهب لطلب العلم، ففيه الرحلة لطلب العلم. والآن مع هذه الآلات ما يحتاج أن تذهب لأحد، تسمع العلم وأنت ببيتك! والذي يستجيب لداعي الهوى والشيطان يقول: ما فيه داعي تروح المساجد والدروس، ولا تسافر من أجل العلم، ولا شيء. لكن فرق كبير بين من يأخذ العلم من الشيوخ، بل بعض الأمور، بعض المسائل ما تتبين إلا إذا تضافر السمع مع البصر، مهما سمعت فالفائدة أقل كثيرًا، إضافة إلى سلوك الطريق: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة»، نعم الشخص الذي لا يستطيع، وظروفه لا تمكنه ما فيه شك أنه أفضل من الترك أن يستمع من خلال الأجهزة.

يقول الشارح -رَحِمَهُ اللهُ-: (قوله: باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر، هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم؛ لأن ما يغتبط به تحتمل المشقة فيه، ولأن موسى -عليه الصلاة والسلام- لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب العلم وركوب البر والبحر لأجله، فظهر بهذا مناسبة هذا الباب لما قبله. وظاهر التبويب أن موسى ركب البحر لما توجه في طلب الخضر، وفيه نظر؛ لأن الذي ثبت عند المصنف وغيره أنه خرج في البر، وسيأتي بلفظ: «فخرجا يمشيان»، وفي لفظ لأحمد: «حتى أتيا الصخرة»، وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر) "باب ما ذُكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر"، في البحر يعني مع الخضر، تبينه الرواية الأخرى، وأما ذهابه إلى الخضر ففي البر.

طالب: .......

هذه الترجمة، لكن لفظ الحديث خلاف ذلك: «فذهبا يمشيان»، أما ركوب البحر فمع الخضر. نعم.

طالب: .......

البحر أشد من البر. ابن جبير في رحلته ستة أشهر بالبحر من سواحل الشام إلى الأندلس، رياح شديدة عاتية وممكن برد، ثم بعد ذلك جاءت ريح رجعتهم إلى بداية الطريق إلى سواحل الشام.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

 البناء والهدم ما يحتاج إلى شيء مثلما قلنا سابقًا: في الحسنات والسيئات، السيئات ما تحتاج إلى نية ولا تحتاج إلى شيء، والله المستعان.

(وإنما ركبا البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا، فيحمل قوله: «إلى الخضر» على أن فيه حذفًا، أي إلى مقصد الخضر؛ لأن موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه، وإنما ركبه تبعًا للخضر. ويحتمل أن يكون التقدير: ذهابُ موسى في ساحل البحر، فيكون فيه حذف، ويمكن أن يقال: مقصود الذهاب إنما حصل بتمام القصة، ومن تمامها أنه ركب معه البحر، فأطلق على جميعها ذهابًا مجازًا إما من إطلاق الكل على البعض أو من تسمية السبب باسم ما تسبَّب عنه، وحمله ابن المنير على أن «إلى» بمعنى مع، وقال ابن رشيد) حقه فيه أل، ابن الرشيد؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

عندكم ابن رشيد؟

طالب: .......

الظاهر أل هذا خطأ، وأل في مثل هذا الموضع مألوفة في لغة العرب يسمونها: لمح الصفة، مثل العباس والعباس. لكنه معروف بابن رشيد الفهري السبتي صاحب الرحلة المشهورة، له في المناسبات البخاري كتاب من خلال ما نُقل عنه من أجود كتب المناسبات إن لم يكن أجودها على الإطلاق، لكن ما بعد طبع، ولا وقفنا عليه. له الرحلة اسمها: ملء العيبة مما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى مكة وطيبة، مشحونة بالفوائد العلمية من كل فن. مطبوع منه ثلاثة، وخمسة، طبع منه ثلاثة.

طالب: .......

ملء العَيْبة.

(قال ابن رشيد: يحتمل أن يكون ثبت عند البخاري أن موسى توجَّه في البحر لما طلب الخضر.

قلت: لعله قوي عنده أحد الاحتمالين في قوله: «فكان يتبع أثر الحوت في البحر»، فالظرف يحتمل أن يكون لموسى، ويحتمل أن يكون للحوت، ويؤيد الأول ما جاء عن أبي العالية وغيره، فروى عبد بن حميد عن أبي العالية أن موسى التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر، انتهى. والتوصل إلى جزيرة في البحر لا يقع إلا بسلوك البحر غالبًا، وعنده أيضًا من طريق الربيع بن أنس قال: إنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار طاقةً مفتوحةً فدخلها موسى على أثر الحوت حتى انتهى إلى الخضر. فهذا يوضح أنه ركب البحر إليه. وهذان الأثران الموقوفان رجالهما ثقات). وهذا يؤيد صواب ما ذكره البخاري من أنه "إلى الخضر".

(قوله: الآيةَ) لو ذُكر بعض الآية ثم قال: الآية، أو ذُكر بعض الحديث ثم قال: الحديث، أو: البيت مثلاً، (هو بالنصب بتقدير: فذَكَر) أو أكمل، أكمل الآية، أكمل الحديث، أكمل البيت، أو اقرأ الآية بتمامها.

(هو بالنصب بتقدير: فذَكَر، وقد ذكر الأصيلي في روايته باقي الآية، وهي قوله: {مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]. قوله: حدثنا، وللأصيلي: حدثني بالإفراد. قوله: غرير)، كم موضعًا له في البخاري يا أبا عبد الله؟ ابن غرير هذا كم له رواية في البخاري؟

طالب: .......

كثير؟

طالب: .......

ما تدري! ما هو بغريب هذا الاسم عندك؟

طالب: .......

(تقدم في المقدمة أنه بالغين المعجمة مصغرًا، ومحمد وشيخه وأبوه إبراهيم بن سعد زهريون، وكذا ابن شهاب شيخ صالح وهو ابن كيسان) أنا في ذهني أن ما له إلا هذا الموضع.

طالب: .......

أن ما له إلا هذا الموضع.

طالب: .......

من بني زهرة، نعم.

(قوله: حدثه للكشميهني: حدث بغير هاء، وهو محمول على السماع؛ لأن صالحًا غير مدلس. قوله: تمارى، أي تجادل. قوله: والحُر، هو بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين وهو صحابي مشهور، ذكره ابن السكن وغيره، وله ذكر عند المصنف أيضًا في قصة له مع عمر قال فيها: وكان الحر من النفر الذين يدنيهم عمر، يعني لفضلهم) هو الذي استشفع به عيينة بن حصن فأدخله عمر بشفاعة الحر ثم قال ما قال.

طالب: .......

(وكان الحر من النفر الذين يدنيهم عمر، يعني لفضلهم. قوله: قال ابن عباس: هو خضر).

نقف على هذا.

اللهم صل وسلم.