شرح القواعد الفقهية (1)

عنوان الدرس: 
شرح القواعد الفقهية (1)
عنوان السلسلة: 
شرح القواعد الفقهية
تاريخ النشر: 
اثنين 19/ رجب/ 1435 9:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد ثبت في الصحيح من حديث معاوية -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» والفقه في الدين معناه: الفهم لنصوص الوحيين، والمراد بالدين بجميع أبوابه لا خصوص الأحكام العملية الفرعية كما استقر عليه الاصطلاح عند أهل العلم، فالمراد بالدين كما جاء في حديث جبريل حينما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، والإسلام، والإحسان أجابه عن كل هذا، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» فدل على أن الدين أعم وأشمل من الأحكام العملية، وإنما هو شامل للعقائد والآداب إضافة إلى الأحكام وغيرها، والفقه في الدين الفهم عن الله -جل وعلا-، وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام- على مراد الله، ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وعلى ضوء فهم سلف هذه الأمة، وأئمتها، لا على الأهواء، ولا على الفهوم الملوثة، بعد أن مسخت الفطر وانتشرت البدع، إنما الفهم عن الله -جل وعلا- على مراده بما يفسره نبيه -عليه الصلاة والسلام- ويفهمه عنه صحابته، والتابعون لهم بإحسان، رحم الله الجميع ورضي عنهم، إذا كان الفقه في الدين بهذه المنزلة فالعناية به من قبل طالب العلم يجب أن تكون على مستوى هذه الأهمية، وليس معنى هذا أننا نتفرغ لدراسة الفقه الاصطلاحي، ونغفل عما عداه، بل الكل داخل في الفقه في الدين، والفقه في المعنى الاصطلاحي لا شك  أنه ثمرة من ثمرات الاستنباط من النصوص؛ ولذا مما يرجح به صحيح البخاري على صحيح مسلم أن فيه الاستنباط -استنباط هذا الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري من النصوص في تراجمه، وفي آثاره التي يذكرها بعد هذه التراجم، مما يرجح بها أحد الاحتمالات التي يحتملها النص، فرجح الإمام البخاري بهذا على صحيح مسلم؛ لأن الاستنباط هو الثمرة العظمى، الثمرة العملية من النصوص، الاستنباط من أجل العمل لا من أجل العلم المجرد من أجل العمل، الموصل إلى الله -جل وعلا-.

الفقه بالمعنى الخاص معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية من أدلتها الإجمالية، ودراسة الفقه تكون بدراسة الفروع بأدلتها من الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم، وقياس الأشباه والأمثال والنظائر، على نظائرها، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل العلم، تكون بدراسة الأحكام التفصيلية بأدلتها، وقد تكون بدراسة القواعد التي تشمل كل قاعدة منها المسائل الكثيرة، ودراسة الفقه من حيث الإجمال ثم التفصيل  على هيئة قواعد كلية أو أغلبية، ثم تفصيل ذلك وتفريعه  التفريع الفقهي على هذه القواعد؛ هذا وجه وضرب من ضروب دراسة الفقه، والضرب الأول  الذي هو في كثير من كتب أهل العلم على طريقة التفصيل؛ دراسة الأحكام التفصيلية ابتداء، ثم بعد ذلك إذا تيسر للمؤلف أو للفقيه أن يستنبط قاعدة أو ضابطًا يشمل مسائل كثيرة تنطوي تحت هذه القاعدة أو ذلك الضابط، فهذا أيضًا أمر معروف عندهم وهو المستفيض الكثير كدراسة أصول الفقه أصول الفقه؛ منهم من يدرسه تفصيلاً ثم يجمل، يعني يذكر الفروع ثم يستنبط من مجموع الفروع قاعدة، ومنهم من يعكس، يذكر الأصل ثم يفرع على هذا الأصل، وتقليب العلم بهذه الطريقة مرة كذا ومرة كذا، كل هذا ليثبت ويرسخ في ذهن الطالب، فكونه يؤتى به على صيغة واحدة وعلى هيئة واحدة قد تكن مملة لطالب العلم، وإلا فما معنى أن ندرس المسائل الفقهية من كتب الفقهاء ونستدل لها من الكتاب والسنة، ونذكر أقوال أهل العلم، ثم بعد ذلك نرجع لندرس الفقه على طريقة ثانية وهي دراسة القواعد ثم التفريع عليها، كل هذا لينشط طالب العلم، فإذا جيء بالعلم على أ كثر من وجه لا شك أن هذا منشط لطالب العلم؛ لأن أخذه على طريقة واحدة وعلى وتيرة واحدة لا شك أنه ممل بالنسبة لطالب العلم، لو أن طالب علم أخذ يتفقه على كتب الفقهاء على طريقة واحدة، يقرأ كتابًا ثم ينهيه، يقرأ كتابًا ثانيًا ثم ينهيه وهكذا وثالث ورابع، لا شك أنه سوف يمل من هذه الطريقة؛ لأن الجادة إذا كثر طرقها ملت، لا سيما وأن هذا كلام البشر المبني على كلام الله وكلام رسوله -عليه الصلاة والسلام- ليس مجردًا، لكن الذي لا يخلق مع كثرة الترداد هو القرآن فقط هو كتاب الله -جل وعلا- فقط، لكن لو افترضنا أن طالبًا تفقه أول ما بدأ بالعمدة، ثم الدليل، ثم الزاد، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم الفروع، ثم الإنصاف، ثم المغني، ثم المجموع، ثم كذا .. إلى متى .. لكن يدرس على الجادة المعروفة عند أهل العلم، يتفقه على الطريقة المرتبة عند أهل العلم المحررة على حسب طبقات المتعلمين المبتدئين، ثم المتوسطين، ثم المتقدمين، يتفقه على هذه الطريقة، ثم بعد ذلك يدخل عليها علوم أخرى، كالقواعد والأصول وغيرها.

المقصود أن تقليب العلم بهذه الطريقة وإلا فيمكن أن يقال: لماذا لا يكتفى في العلم كله بكتاب واحد؟ يفسر القرآن بتفسير يحوي جميع العلوم، وهذا ممكن، لكن كون الإنسان يأخذ التفسير من وجه، ثم بعد ذلك يأخذ الحديث من جهة، والفقه من جهة، هذا ينشط طالب العلم، لا شك أن بعض الناس عنده صبر وعنده دأب يستطيع أن يقرأ في الكتب المتماثلة، ويكرر ويردد هذا ذكر في تراجم بعض أهل العلم مثل الزريراني من الحنابلة؛ قرأ المغني ثلاثا وعشرين مرة، جلد هذا، ولا شك أنه من الفقهاء المعروفين، لكن ما الذي حرم بسبب عكوفه على المغني فقط؟ هل نقول: إنه مع ذلك قرأ فتح الباري، قرأ المغني ثلاثا وعشرين مرة، وقرأ فتح الباري ثلاثا وعشرين مرة وكذا وكذا.. ما يمكن، كل شيء على حساب شيء، لكن على الإنسان أن يأخذ من كل علم ما يعينه على فهم الكتاب والسنة، وخير طريقة يدرس عليها الفقه طريقة القواعد، القواعد مهمة جدا بالنسبة لطالب العلم، يستوي في ذلك القواعد الفقهية التي نحن بصدد الحديث عنها، وأيضًا القواعد الأصولية، وكل علم له قواعد، وإذا كان في قواعد الفقه الأشباه والنظائر ففي قواعد النحو الأشباه والنظائر أيضًا، وفي كل علم من العلوم أشباه ونظائر، فعلى طالب العلم أن يعنى بهذا لأن هذا العلم باختصاره علم القواعد تجد مثلا قواعد يسيرة يفرع عليها آلاف المسائل، هذا يحصر لطالب العلم ويضبط له الفن، ومن هذا جاءت أهمية دراسة القواعد عند أهل العلم وألفوا فيها المؤلفات الكثيرة التي نذكر شيئًا منها في هذه التقدمة إن شاء الله تعالى.

القواعد من جموع الكثرة يعني فواعل، من جموع الكثرة، يقولون: وهو مطرد في سبعة أنواع: فوعَل مثل جوهر وجواهر، وفاعَل مثل طابَع وطوابع، وفاعَلاء مثل قاصعاء وقواصع، وفاعِل مثل جابر وجوابر، وكاهل وكواهل وهذا للمذكر، وفاعِل للمؤنث مثل حائض حوائض، وقاعد وقواعد؛ القواعد من النساء جمع قاعد، وفاعل صفة لمذكر غير عاقل ما جاء في الرابع فاعِل نحو جابر فهذا للعاقل، وفاعِل صفة لمذكر غير عاقل كصاهل وصواهل، وفاعِلة مثل ضاربة وضوارب فاطمة وفواطم، كذا في شرح الأشموني على الألفية، وزاد في الكافية نوعًا ثامنًا وهو فَوْعَلة مثل: صومعة وصوامع؛ يقول ابن مالك:

فَوَاعِلٌ لِفَوْعَلٍ وَفَاعَلِ        

 

وَفَاعِلاء مَعَ نَحْوِ كَاهِل      

والقواعد جمع قاعدة من القعود، مأخوذ من القعود وهو الجلوس، يقول في القاموس: القعود هو الجلوس، أو هو من القيام والجلوس من الضجعة، يعني إذا قلنا بالترادف بين القعود والجلوس صار ما بينهما فرق، سواء قلت: اقعد أو اجلس، أو تقول: قعدت أو جلست لا فرق، هذا على القول بالترادف، والقول بالترادف من كل وجه هذا ينفيه كثير من اللغويين، ينفيه كثير من أهل اللغة أن يكون الكلمة مطابقة للأخرى من كل وجه ولا يكون لها معنى زائدًا. قال: أو هو القعود من القيام والجلوس من الضجعة؛ يبين هذا حديث: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» هل معنى: «فلا يجلس» يعني لا يقعد أو لا؟ أو نفرق بينهما بما قال صاحب القاموس؟ لا، يمكن أن يرد كلام صاحب القاموس في هذا الحديث؛ لأن الجلوس من الضجعة، فعلى هذا لو كان مضطجعا ثم جلس من إضجاعه على كلام صاحب القاموس أنه يلزمه أن يصلي ركعتين، في مثل هذا هل يقال: إنه دخل في المسجد؟ لا، وإذا كان قائما ثم قعد لا يلزمه على كلام صاحب القاموس، فالمراد بالجلوس هنا في الحديث القعود، فهما مترادفان وإن كان بينهما فروق لطيفة جدًّا يذكرها أبو هلال العسكري في الفروق؛ لأن هذه وظيفة الكتاب، والكتاب لا يستغني عنه طالب علم، أبو هلال العسكري له كتاب اسمه "الفروق اللغوية" وهو غير الفروق في المسائل الفقهية التي هي تقابل القواعد على ما سيأتي؛ لأن عندنا قاعدة تشمل فروعًا متعددة يجمعها وصف واحد، وهناك الفروق التي يظن بها أنها تنطوي تحت أصل واحد وبينها فروق، وهذا تولّاه من كتب في الفروق كالقرافي ونحوه.

قواعد البنيان: أسسه؛ يقول الله جل وعلا: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [(127) سورة البقرة] قواعد يعني: أسس البيت، وذو القَعدة بعضهم يقول القِعدة لا هو القَعدة، عكس ذي الحِجة بالكسر، وذو القَعدة الشهر الذي كانت العرب تقعد فيه عن الأسفار، والمادة تدل على الثبات والاستقرار، القعود ثبات في المكان، القواعد والأسس لا شك أنها تثبت البنيان ويستقر عليها البنيان، فالمادة بجملتها تدل على الثبات والاستقرار، وإذا كانت قواعد البيت أسسه فإن قواعد الفقه: هي أسسه التي تبنى عليها الأحكام، إضافة الوصف الفقهية للتمييز بين القواعد النحوية، القواعد الحديثية، قواعد التفسير، القواعد النحوية، وغيرها فإذا وصفناها بوصف مميز قلنا: القواعد الفقهية، فتميز المراد من عموم ما يسمى بالقواعد كالقواعد النحوية، والأصولية وغيرها، فهي منسوبة إلى الفقه المعروف الذي استقر عليه الاصطلاح، والذي سبق أن عرفناه بأنه معرفة الأحكام الشرعية التفصيلة من أدلتها الشرعية لا بمعناه العام الذي دل عليه الحديث حديث معاوية الذي صدرنا به الكلام، إنما يراد به الفقه بمعناه الخاص، العرف الخاص عند أهل العلم، هناك عرف عام وعرف خاص، وحقيقة عرفية عامة، وحقيقة عرفية خاصة، فالفقه بمعناه العام يشمل جميع أبواب الدين، وبمعناه الخاص العرف الاصطلاحي عند أهل العلم يختص بالأحكام العملية الفرعية، وإلا فالعقائد: هي الفكر الأكبر وهي أهم المهمات وعليها يبنى كل شيء من العلوم، إذا عرفنا هذا فالمراد بالقاعدة الفقهية كما قال التاج السبكي: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها، ننتبه لكلمة الكلي وما عليها من استدراك الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها.

في المصباح المنير القاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، لكن إذا نظرنا في كتب القواعد الفقهية وهم يقولون: الأمر الكلي، هل نجد هذا التعريف مطابق لما احتوت عليه كتب القواعد، أو أن هناك قواعد كلية وقواعد أغلبية؟ هناك قواعد أغلبية وهي أكثر من الكلية، مما يشتمل عليه كتب القواعد، وسيأتي في كلام الشاطبي ما يوضح هذا.

في المصباح المنير يقول: القاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط، وهذا أيضًا عليه ما عليه بمعنى الضابط، وهذا فيه ما فيه على ما سيأتي، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته.

في غمز عيون البصائر لشهاب الدين الحموي الحنفي، وهو على كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم قال: القاعدة: حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منها.

نرى في تعريفهم للقاعدة منهم من ينظر إلى القواعد الكلية ويجعلها هي الأصل ويجعل الأغلبية تابعة، ومنهم من عكس كما هنا في غمز عيون البصائر، عكس جعلها حكم أكثري لا كلي، وهذا نظر إلى أكثر القواعد، وجعل الحكم للغالب فباعتبار أن أكثر القواعد أغلبية قال: حكم أكثري لا كلي؛ لأن القواعد الكلية قليلة بالنسبة للقواعد الأغلبية، ففي تعريف التاج السبكي الأول حينما قال: الأمر الكلي، وفي كلام صاحب المصباح المنير الفيومي قال: الأمر الكلي، وفي كلام الحموي لا شك أن كل واحد له نظرته، فمن نظر إلى أن الأصل في القاعدة أن تكون كلية، وأن القواعد الأغلبية إذا كثر انخرامها إطلاق القاعدة عليها فيه ما فيه جعل القواعد الكلية هي الأصل، وجعل القواعد الأغلبية الأكثرية تابعة وليست مقصودة لذاتها، ومن عكس فنظر إلى أن القواعد الأكثرية الأغلبية هي الأكثر، والقواعد الكلية التي لا تتخلف صورها ولا فروعها، لا يتخلف منها شيء، جعلها مغمورة في جانب القواعد الأغلبية.

الشاطبي يرى أن خروج بعض الفروع عن قاعدة لا يقدح في كونها كلية، الشاطبي في الموافقات يرى أن خروج بعض الفروع من قاعدة لا يقدح في كونها كلية، ما معنى الكلية؟ الكلية لا يتخلف عنها فرع من فروعها، فإن خرج عن مضمونها فرع من فروعها أو أكثر لم تكن كلية؛ لأن الكل يراد به الجميع لا الأكثر، نظير هذا اختلافهم في الإجماع، فالأكثر على أن الإجماع قول الكل، جميع مجتهدي الأمة، هذا الإجماع الذي لا تجوز مخالفته، والطبري يرى أن الإجماع قول الأكثر، يسميه إجماع، مع أن فيه من يخالف، لكنهم قلة بالنسبة للموافقين، التنظير من أجل فهم تعريف القاعدة، الجمهور على أن الإجماع قول الكل لو خالفهم واحد ما حصل الإجماع، وما صح نقل الإجماع في المسألة؛ لأن الإجماع قول الكل، على رأي الطبري -رحمه الله- الإجماع قول الأكثر فقول الأقل لا يخل في كونه إجماعًا نظير كلام الشاطبي عندنا في تعريف القاعدة؛ ولذا تجدون الطبري في تفسيره كثيرًا ما يقول واختلف القرأة في قراءة قوله تعالى، ثم يذكر قول الأكثر ثم يردفه بمن خالف، ثم يقول: والصواب في ذلك عندنا كذا لإجماع القرأة على ذلك، كيف يكون إجماع وقد نقلت من خالف؟ نعم ما يرد عليه هذا؛ لأنه يرى الإجماع قول الأكثر، وفي قول الحافظ العراقي -رحمه الله- في صفة من تقبل روايته ومن ترد، أجمع جمهور أئمة الأثر يعني تنافر بين إجماع وجمهور؛ لأن كون القول قول الجمهور يدل على أن هناك مخالف، وقوله أجمع يدل على عدم المخالف، وبهذا يتضح لنا كلام الشاطبي -رحمه الله تعالى-.

الشاطبي يرى أن خروج بعض الفروع عن قاعدة لا يقدح في كونها كلية يقول في الموافقات: إن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليًا، وأيضًا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت، وإيش معنى كلامه؟ يقول: إذا وجد قاعدة وخرّجنا على هذه القاعدة مئة مسألة، وخرج عن هذه القاعدة عشر مسائل، يقول: هذه العشر المسائل لا ينتظمها قاعدة كلية، فما عندنا تعارض، قاعدة بقاعدة، إنما تعارض قاعدة مع بعض فروع القاعدة يقول: لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت.

في تعريف التاج السبكي متصلاً به يقول: منها ما لا يختص بباب كقولنا: اليقين لا يُزال بالشك، ومنها ما يختص بباب كقولنا: كل كفارة سببها معصية فهي على الفور، يقول: ومنها ما لا يختص بباب كقولنا: اليقين لا يزال بالشك، ومنها ما يختص بباب كقولنا: كل كفارة سببها معصية فهي على الفور، هل هذا الكلام صحيح أو ليس بصحيح؟ ما الفرق بين القاعدة والضابط؟

طالب:.....

لكن على كلامه، على كلامه ما فيه فرق.

طالب:....

إذًا تبقى أن الكفارات جزء، ما هي عامة ما تدخل جميع الأبواب.

طالب:.....

مقتضى كلامه أنه لا فرق بين القاعدة والضابط، لكن هو يقول أيضًا: الغالب أن ما اختص بباب وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطًا، الغالب، على أن طائفة من أهل العلم لم يفرقوا بين القاعدة والضابط، ما فرقوا بين القاعدة والضابط، وعرفوا القاعدة بأنها هي الضابط، أو الضابط عرفوه بأنه هو القاعدة؛ فلا فرق بينهما، هؤلاء عرفوا القاعدة والضابط بتعريف واحد كابن الهمام في التحرير "التحرير في أصول الفقه لابن الهمام"، وهذا يجمع بين طريقتي الحنفية والشافعية؛ لأن للشافعية طريقة في التصنيف في أصول الفقه، وللحنفية طريقة؛ والكمال بن الهمام هذا من الحنفية، لكنه ألف الكتاب يجمع بين الطريقتين.

في تعريف صاحب المصباح المنير قال: القاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط، هذا أيضًا يوافق من يرى أن القاعدة والضابط شيء واحد، وعلى التفريق جرى الزركشي في "تشنيف المسامع" أن ما لا يختص بباب من أبواب الفقه يسمى قاعدة في اصطلاح الفقهاء، وأما ما يخص بعض الأبواب فيسمى ضابطًا، في الأشباه والنظائر لابن نجيم الفرق بين الضابط والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمعها في باب واحد، يقول: هذا هو الأصل، يعني وعلى خلاف الأصل التعبير بالقاعدة بالضابط والعكس، قد يقول قائل من خلال هذا الكلام ما اتفق على شيء معين، يعني كل شيء وجد فيه الخلاف كل كلمة من كلمات التعريف كونها كلية، وكونها ضابطًا، وكونها أغلبية، وكونها قاعدة، كلها عليها استدراكات، والحدود التي هي التعريف لا يلزم أن يكون متفقًا عليها؛ لأن كل عالم له اجتهاده وله نظرته إلى الأمور، لا سيما وأن هذه الاصطلاحات حادثة لم تكن في القرن الأول ولا الثاني ولا الثالث، القرون المفضلة يعني اصطلاحات حادثة كان السلف يتداولونها في كلامهم كسائر العلوم، يعني لو بحثنا عن أصول التفسير وقواعد التفسير ما وجدنا مصنفًا من القرن الأول أو الثاني أو الثالث، إنما تتداول، يتداولها أهل العلم ويتناقلونها فيما بينهم ويبثونها في كتبهم، وقل مثل هذا في أصول الفقه وفي علوم الحديث، يعني لو قيل في علوم الحديث: إن من أوائل المصنفات المحدث الفاصل للرامهرمزي، توفي سنة ثلاثمائة وستين، يعني متأخرًا وليس فيه كل ما يحتاجه طالب العلم من هذا العلم، وإنما وجدت قواعد الحديث في كلام الأئمة منثورة في كتبهم ومؤلفاتهم وفيما نقل عنهم، وقل مثل هذا في سائر العلوم التي استقر الاصطلاح عليها، ومع الأسف أنه قد يوجد مما اصطلح عليه عند أهل العلم ما فيه مخالفة لما جاء في النصوص الشرعية، يعني استقر الاصطلاح على شيء وما جرى عليه سلف الأمة عملاً بالنصوص من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- قد يختلف مع هذا الاصطلاح، ولا شك أنه كلما كان الاصطلاح إلى النص أقرب لا شك أنه أكمل، وهذا هو السبب في كون هذه الاصطلاحات لا يتفق عليها؛ لأنها كلها حادثة طارئة.

قد يقول قائل: لماذا -إذا كانت هذه حادثة- لماذا لا نقول: إن هذه من المحدثات التي أمرنا بالابتعاد عنها، وعلينا أن نأخذ علمنا من نصوص الوحيين مباشرة من غير أن تتأثر بهذه الاصطلاحات الطارئة؟ نقول: هذه الاصطلاحات لا شك أنها تعيننا على فهم النصوص وعلى كيفية التعامل مع النصوص وتقرب لنا العلم، وليست بأمور ملزِمة بمعنى  أنه لا يجوز مخالفتها، بدليل أن أهل العلم اختلفوا في حدها، فطالب العلم لا شك أنه يتمرن عليها ويتخرج عليها، ثم بعد ذلك إذا تكونت لديه الأهلية والنظر فإنه لا شك أنه يلزمه أن يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده وما يدين الله به، يعني هذا في سائر العلوم التي هي بمثابة وسائل للمقاصد، يعني الآن يكثر القول بالاجتهاد والتفقه من الكتاب والسنة ونبذ كلام الرجال وطرح كتب الفقه لا يستفاد منها وعندنا الوحيان، الله -جل وعلا- حفظ لنا الوحيين، فلماذا نضطر أن نتعب أنفسنا بقراءة زاد المستقنع؟ بعض المشايخ يشرح الزاد في ثلاث عشرة سنة، اثنا عشرة سنة، يضيع من عمره وعمر الطلاب، لكن الزاد من أين جيء به؟ لا شك أن مطالبة الطالب المبتدئ بالتفقه من الكتاب والسنة تضييع له.

بعض الإخوان يوصي بأن يقرأ للمبتدئين الدرر البهية للشوكاني، هذا لا شك أنه كتاب مجتهد، كتاب شخص مجتهد، ولا ألّفه إلا بعد أن تأهل، فكيف يطالب طالب علم مبتدئًا بأن يقرأ في مثل هذا الكتاب ويترك الجادة المطروقة عند أهل العلم؟ لا يصلح أبدا هذا، هذا تضييع لطالب العلم، يتفقه طالب العلم على الجادة، على الطريقة التي رسمها أهل العلم، ثم بعد ذلك إذا تأهل فرضه الاجتهاد، أما في بداية الأمر وحكمه حكم العامي فرضه التقليد وسؤال أهل العلم، فليس من العبث أن يؤلف مثل هذه الكتب وفي بعضها وعورة وصعوبة؛ مثل الزاد ومختصر خليل وغيرهما، ألفت هذه لتعذيب الطلاب؟ أبدًا؛ لتمرينهم؛ لأنه إذا فهم الزاد وفهم مختصر خليل يقرأ ما شاء، وليست هذه دساتير، بمعنى أنك ملزم آثم إذا خالفتها، أبدا، إذا تأهلت ورأيت المؤلف خالف النص اضرب بقوله عرض الحائط، لكنك تتفقه وتتمرن على هذه الكتب وغالبها الصواب ولها أدلتها ومستنداتها من الكتاب والسنة، وقل مثل هذا في القواعد وغيرها والاصطلاحات، أحيانًا قد يكون الاصطلاح الحقيقة الشرعية لكلمة من الكلمات تخالف الحقيقة العرفية، هل نقول: إن من تبنى الحقيقة العرفية سواء كانت عند أهل العلم أو حتى عند العامة معارض لنصوص الكتاب والسنة؛ لأن الحقائق ثلاث عند أهل العلم: حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، لو قال قائل: أنا عمري كله والله أنا ما رأيت جملاً أصفر، نقول: أنت مكذب لله -جل وعلا- { كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} [(33) سورة المرسلات] هو يقصد الحقيقة العرفية للأصفر، وفيه من الجمال ما لونه أصفر فيما تعارف الناس عليه؟ لا ويأتي في مثل هذا في باب الأيمان والنذور بكثرة، تعارض الحقائق؛ وسيأتي -إن شاء الله تعالى- الإشارة إليه من ضمن القواعد التي تشرح -إن شاء الله تعالى-، فالاصطلاحات لا شك أنها حادثة، لكنها تعين على فهم الكتاب والسنة، وإذا تأهل الإنسان نعم فهو مطالب بالكتاب والسنة لا غير، تجدون بعض الإخوان وهم من أهل الغيرة على السنة -فيما نحسبهم- يقولون: لماذا نتفقه على طريقة المتأخرين وفيها قواعد منقوضة؟ نقول: يا أخي، المبتدئ لا بد أن يتمرن على قواعد المتأخرين، وأنت ما قلت مثل هذا الكلام حتى أنهيت كتب المتأخرين، فلما تأهلت تطالب طالبًا مبتدئًا بأن يحاكي المتقدمين من الأئمة في أحكامهم المبنية على القرائن وهو ما يعرف شيء، لا، هذا لا شك أن فيه شيء من التضييع لطالب العلم، فطالب العلم يتفقه ويطلب  العلوم كلها على وجهها وعلى الجادة التي رسمها أهل العلم ويأخذ العلم عن أهله، ثم بعد ذلك إذا تأهل له النظر في هذه القواعد، وله أيضًا أن يختار منها ويرجح ما يترجح عنده وما يدين الله به.

عند المتأخرين ألِّف في القواعد، لنستعرض مجموعة من كتب القواعد، لكن ألف ما يعرف بالأشباه والنظائر، بالأشباه والنظائر، وفيها الأشباه والنظائر للسيوطي، وفيها أيضًا لابن نجيم، وفيها أيضًا على ما سيأتي استعراضه كتب أخرى.

النظائر: هي الأشباه، وهي الأمثال، فنظير الشيء هو شبيهه، واستدل السيوطي على تسمية كتابه بهذا الاسم بما جاء في كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري، وفيه: اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى، هذا معول السيوطي في تسميته كتابه بالأشباه، وإلا فهو في الحقيقة كتاب قواعد.

وأُلف في القواعد كتب كثيرة جدًا لا يحاط بها كل مذهب من المذاهب الأربعة، وغير الأربعة من المذاهب البدعية أيضًا فيها قواعد، فيها كتب ألفت لعل من أوائل هذه القواعد -وإن لم تسم بالقواعد- ما نقل عن أبي الحسن الكرخي من أئمة الحنفية، المتوفى سنة أربعين وثلاثمئة، وفيه تسع وثلاثين مسألة بين قاعدة وضابط، وأطلق عليها اسم الأصول، لكنها خاصة بالمذهب الحنفي، وأيضًا من الحنفية من كَتَبَ وهو أبو الليث السَّمْرَقندي المتوفى سنة ثلاثة وسبعين وثلاثمئة، ألَّف كتابًا أسماه "تأسيس النظر"، وفيه قواعد.

وهذا العلم كغيره من العلوم يبدأ التأليف فيه ضعيف، ثم بعد ذلك يكمل من جاء، يعني اللبنة الأولى تبدو منفردة وضعيفة، لكن إذا وضع عليها اللبنة الثانية ثم الثالثة إلى أن يكتمل البناء هذا شبيه بالتأليف في كل العلوم، يعني تجد العلم أول ما يؤلف فيه لا شك أنه يكون من وجه، ويحصل فيه خلل كبير يُستدرك، يستدركه من يجيء بعده، هناك "تأسيس النظر" للدبوسي، وهو مطبوع، المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة، فيه قواعد، وذكر صاحب "كشف الظنون" "القواعد لابن دوست" متوفى سنة سبع وخمسمائة، وفي ذيله "إيضاح المكنون"، "القواعد للقاضي عياض"، المتوفى سنة أربع وأربعين وخمسمئة، وفي ذيله أيضًا الثاني "هدية العارفين" ذكر "إيضاح القواعد" لعلاء السَّمْرَقندي، المتوفى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وهو غير أبي الليث التي تقدم ذكره، "القواعد في فروع الشافعية" لأبي حامد الجاجرمي، المتوفى سنة ثلاث عشرة وستمائة، وذكره ابن خَلِّكان في كتابه المشهور اسمه "وَفَيَات الأعيان"، ومن باب الفائدة هذا الكتاب مفيد في بابه، الذي هو باب التراجم، لا سيما الأدباء والمؤرخون، ويمتاز بضبط النِّسب، يضبطها بالحرف، ميزته ضبط النِّسب وإلا هو في تراجم الأدباء والمؤرخين يطيل ويسهب ويشيد بهم، أما في تراجم العلماء والعباد والزهاد تجده يبخسهم، وأشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في ترجمة ابن الراوندي؛ لأن ابن خَلِّكان أشاد بابن الراوندي، وهو في ميزان المحققين زنديق، أشاد به ابن خَلِّكان، فيستفاد منه في تراجم الأدباء والمؤرخين في معرفة أخبارهم، لكن لا يعول عليه في الثناء عليهم؛ لأنه -كما ذكر الحافظ ابن كثير هذا بالاستقراء- أنه في تراجم العلماء والأئمة والزهاد والعباد يبخسهم ولا يطيل في تراجمهم، وترجم كما قال الحافظ ابن كثير ترجم لابن الراوندي وأشاد به، وبعلمه مع ما عرف عنه من الزندقة، يقول ابن كثير: وكأن الكلب لم يأكل له عجينًا، ما كأن شيئا صار، مع أنه زنديق، فهذه فائدة بمناسبة ذكر ابن خَلِّكان وهو عمدة عند أهل العلم، يعني من أهم كتب التراجم لا سيما في ضبط الأسماء والنسب التي يشتبه في ضبطها.

أيضًا هناك "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" للعز بن عبدالسلام، ومطبوع ومتداول، وله أيضًا "القواعد الصغرى"، وهو أيضًا مطبوع في جزء صغير، هناك أيضًا الأشباه والنظائر لصدر الدين ابن الوكيل، المتوفى سنة ست عشرة وسبعمائة، وهو مطبوع، والقواعد الكبرى والقواعد الصغرى وكلاهما للطوفي؛ سليمان بن عبدالقوي الطوفي، الحنبلي، المتوفى سنة ست عشرة وسبعمائة، والطوفي معروف عند الحنابلة، معروف من الفقهاء والأصوليين، متمكن في هذا الباب، وعنده ذكاء وعنده فطنة، لكن يبقى أنه نُسب إليه شيء من البدعة، وقِيل على لسانه: أشعري حنبلي رافضي، تجتمع أو ما تجتمع؟

على كل حال هو من الآخذين عن شيخ الإسلام، يعني هو التقى بشيخ الإسلام وأخذ عنه، فتهمته بأنه رافضي وُجِّه إليها كثير من النقد، وإلا فالحافظ ابن رجب ذكر هذا في ترجمته في "ذيل الطبقات"، ذكر هذا في ترجمته في "ذيل الطبقات"، أما كونه حنبلي أشعري، نعم يجتمع كونه حنبلي وأشعري، أما رافضي فلا.

كتاب لشيخ الإسلام اسمه "القواعد النورانية" شيخ الإسلام أشهر من نار على علم، لا يحتاج أن نذكر أكثر من كونه شيخ الإسلام ابن تيمية، طبع الكتاب بتحقيق محمد حامد الفقي، لكنه بالكتب الفقهية أشبه، يعني على طريقة شيخ الإسلام في سرد المسائل الفقهية، يعني يذكر فيها شيئًا يجمع بعض الأمور إلى بعض، حينما يطرق مسألة من المسائل ويستطرد ويخرج منها، بحيث اشتبه على من سماه بالقواعد، والتسمية هذه النورانية الفقهية ما أدري هل سبق عليها الشيخ حامد أو لا؟ والكتاب محقق، حُقق لكن ما أدري هل طبع بعد تحقيقه أو لا، هناك أيضا "المُذْهَب في قواعد المذهب" لمحمد بن راشد القفصي المالكي، توفي سنة ست وثلاثين وسبعمئة، وذكره ابن فرحون في الديباج، هذا هو يقول -القواعد النَّوْرانية الفقهية حط عنوان أعلى باسمها الصحيح "القواعد الكلية"- يقول: اسمها "القواعد الكلية" ما أدري كيف جاب الشيخ حامد هذا العنوان وهو يتصرف في مطبوعاته، الشيخ حامد يتصرف أحيانًا، نظرية العقد لشيخ الإسلام ابن تيمية، هل يمكن أن يسمي شيخ الإسلام علم العقود أو فن العقود أو باب العقود من الفقه الإسلامي يسميه نظرية؟ ما يمكن إطلاقًا، لكن شاع في عصره تسمية بعض الأبواب لا سيما المتعلقة بالمعاملات نظريات، شاع في مصر هذه التسمية، فسمى الكتاب نظرية العقد، وهذا التصرف غير مقبول من الشيخ، عفا الله عنا وعنه، يقول: هذه قوبلت على سبع نسخ، ومطبوع في مكتبة التوبة، "القواعد الكلية" لشيخ الإسلام ابن تيمية بتعليق وتحقيق الشيخ محيسن بن عبدالرحمن المحيسن يقول: الاسم الثاني "النورانية" فلم أجد ما يدل عليه، لا ممن ترجم له أو كتب عن مؤلفاته، وقد كتب على النسخة الموجودة في المكتبة السعودية في أحد الأوراق المضافة إلى التجليد بكتابة متأخرة بخط أزرق باسم "القواعد النورانية" فلعل الشيخ اغتر بهذا، ولا شك أن الاغترار بالإلحاقات من النساخ لا شك أنه يدل على عدم تمكن في التحقيق، كون الطابع أو المحقق يغتر بكلام يحتاج في الأخير إلى أن يعتذر عنه، هذا ليس من مناهج أهل التحقيق، ويدل على أن قدم هذا الذي يدعي التحقيق ليست راسخة، أو عنده جرأة، الشيخ عنده شيء من الجرأة، لكن هي غير مقبولة على كل حال.

شرح العراقي لألفيته طبع باسم "فتح المغيث" قال: لأن نسخة في دار الكتب المصرية ألحق بها اسم "فتح المغيث" بخط حديث تبعًا لـ"كشف الظنون"؛ "كشف الظنون" فيه أوهام كثيرة، فيه أوهام كثيرة، هو يعرف أن الألفية شرحت باسم "فتح المغيث" فسماه "فتح المغيث" وليس هذا اسمه، ليس اسمه "فتح المغيث" ثم اضطر الطابع إلى أن يعتذر في آخر الكتاب عن التسمية.

فمثل هذه التسميات التي تبتكر، يعني لو نص أنه وجد كتاب بدون تسمية فسماه، يقال: هذا تصرف، لكنه بين، أما أن يطبع الكتاب من غير بيان، هذا لا يعذر فيه، هناك أيضًا "القواعد" لأبي عبدالله المقَّري المالكي المتوفى سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، طبع بعضه محققًا في رسالة المجموع المذَهَّب أو الـمُذْهَب على قواعد المذهب لصلاح الدين العلائي الشافعي، المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمئة، وأيضا "القواعد الفقهية" لأبي العباس أحمد بن الحسن الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قاضي الجبل، المتوفى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، "والأشباه والنظائر" لتاج الدين السبكي المتوفى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وهو مطبوع، و"الأشباه والنظائر" لجمال الدين الأسنوي الشافعي، المتوفى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، و"المنثور في القواعد" للزركشي، المتوفى سنة أربع وتسعين وسبعمائة، و"القواعد" للحافظ ابن رجب، "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لأبي الفرج عبدالرحمن بن رجب، المتوفى سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وهذا الكتاب من أعظم كتب القواعد، لا سيما في خدمة المذهب الحنبلي، هذا الكتاب يعض عليه بالنواجذ، وقد استكثره بعض من ترجم لابن رجب، وقال: إنه جمعه من كلام ابن تيمية، لكن هذا لا يعرف قدر ابن رجب، ورسوخ قدم الإمام الحافظ ابن رجب -رحمه الله-، هذا الكتاب لا شك أنه كتاب كبير وقواعده قد يصعب ضبطها على طالب العلم؛ لأن بعض القواعد خمسة أسطر، ستة أسطر، والأصل في القاعدة أنها تؤلف لتحفظ، تضبط لتحفظ، فيصعب ضبطها وإنما تفهم من خلال الصور التي يذكرها تحتها، فذكر قواعد وذكر ضوابط وذكر فوائد ملتحقة بالقواعد، والكتاب عظيم جدًّا لا يستغني عنه طالب علم.

الشيخ عبدالرحمن بن سعدي -رحمه الله- جرد هذه القواعد بحروفها من قواعد ابن رجب، جردها عن الصور؛ فأخرج جزءا صغيرًا فيه القواعد، وهذا في الحقيقة ليس بتصنيف، أما نسبته لابن سعدي فلا يمكن؛ لأنه مجرد تجريد بحروفها، قواعد بحروفها، جرد، فلعل الشيخ جرد هذه القواعد ليتذكرها ويرددها ويصحبها في حله وترحاله، من أجل أن يرددها، أما كتاب بهذه الطريقة نأتي إلى القاعدة بدون صور ونذكرها بحروفها، ونقول: مختصر للقواعد للشيخ، هذا ليس بمختصر، يعني لو أن الشيخ هذب القواعد بطريقته وأسلوبه الذي يسهّل به العلم، وذكر بعض الصور التي تنطبق عليه هذه القاعدة، وحذف بعض الصور التي فيها ما فيها، نقول: إن الشيخ له جهد في الكتاب، أما هذا الكتاب لا يحتاج إلى جهد، يعني يمكن أن يوجه إليه طالب في المتوسط، يقال: ما بين القوسين اكتبه في هذه الكراسة، ويصير مثل كتاب الشيخ، ولا يمكن أن ينسب هذا التأليف للشيخ؛ لأن مثل هذا يزري بالشيخ، يعني الشيخ -رحمه الله- جاء إلى نظم ابن عبدالقوي، فيأتي إلى الباب من النظم يكتبه بحروفه، ثم يكتب بعده ما يناسبه وما يوافقه من الإنصاف بحروفه، هل نستطيع أن نقول: هذا شرح للشيخ ابن سعدي على نظم ابن عبد القوي؟ ليس بشرح، هذا ضم كتاب إلى كتاب، سواء هذا أو ذاك لا يليق بمقام الشيخ، لكن الشيخ -رحمه الله- يعني من وسائل تثبيت العلم هذه الطريقة، نحن نتكاثر إذا وجدنا صفحة أو ورقة من نفائس العلم، نتكاثر أن ننقلها بأيدينا، الشيخ نقل النظم اثنا عشر أو ثلاثة عشر ألف بيت، ونقل معه الإنصاف اثنا عشر مجلدًا، هل نقول: إن الشيخ عنده وقت ضائع، لا ما عنده وقت ضائع، لكن من وسائل تثبيت العلم الكتابة، وذكرنا في مناسبات كثيرة أن طالب العلم إنما يثبت التحصيل بالكتابة، فإن كان الكتاب مختصرًا شرحه، ولا يعني هذا أنه يشرح للناس ويبادر بنشره للناس، لا، وإن كان مطولا اختصره، وهذا من وسائل التحصيل التي فيها تقليب العلم، يعني تأتي إلى "تحفة الأشراف" تنثره نثرًا، يعني بدل ما هو اثنا عشر أو ثلاثة عشر مجلدًا أو أربعة عشر تحطه ثلاثين مجلدًا، علشان إيش؟ تضبط السنة، تحفظ الأسانيد، والعكس تأتي إلى جامع الأصول تختصره بقدره، ربعه مثلاً، وقد اختصر، فطالب العلم يثبت علمه بهذه الطريقة، إذا وجدنا ورقة من نفائس العلم التي ينبغي أن يعض عليها بالنواجذ من فوائد أهل العلم الكبار، نقول: روح يا ولد المكتبة صورها لنا، والآن بعض الطلاب يقول: ما له داعي أننا نحضر ونضرب المسافات عشرين ثلاثين كيلو من أجل أن نحضر درسًا، عندنا في التسجيلات بعد يوم أو يومين ينزل الدرس، لا يستطاع العلم براحة الجسم كما قال يحيى بن أبي كثير، فلا بد أن نتعب على تحصيل العلم.

بعد هذا "القواعد في الفروع" لشرف الدين الغَزِّي الشافعي، المتوفى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، ثم بعده "الأشباه والنظائر" لعمر بن علي الشافعي، المعروف بابن الملقِن، المتوفى سنة أربع وثمانمائة؛ لأن عندنا ابن الملقن والبلقيني والعراقي، يعني الغرابة تأتي من سنوات الولادة والوفاة، عندنا ابن الملقن ولد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ومات سنة أربع وثمانمائة، البُلقيني بعده بسنة في المولد والوفاة؛ سنة أربع وعشرين ومات سنة خمس وثمانمائة، العراقي بعده بسنة في المولد والوفاة؛ ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة ومات سنة ست وثمانمائة، وكلهم أئمة في عصرهم.

هناك أيضا كتاب اسمه "أسنى المقاصد" في تحرير القواعد لمحمد بن محمد الخضري العيزري الشافعي، المتوفى سنة ثمان وثمانمائة، و"القواعد" لتقي الدين أبي بكر بن محمد  الحصني الشافعي، متوفى سنة تسع وعشرين وثمانمائة، و"حواشي القواعد الفقهية" لمحب الدين أحمد بن نصر الله الحنبلي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة، والمحب ابن نصر الله له مختصر من مختصر الروضة، الآن "الروضة" للموفق ابن قدامة ومختصرها البلبل للطوفي الذي سبق الكلام عنه، ومختصر المختصر لمحب الدين ابن نصر الله، وهو موجود مخطوط جزء صغير جدًّا، "نظم الذخائر في الأشباه والنظائر" لشرف الدين عبدالرحمن بن علي الخليلي، المتوفى سنة وسبعين وثمانمائة، ثم بعد هذ "الأشباه والنظائر" للسيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، و"الأشباه والنظائر" لزين الدين ابن نجيم الحنفي، المتوفى سنة سبعين وتسعمائة، وهذا الكتاب رزق من القبول، مع أنه في كثير من مسائل مأخوذ من السيوطي، ومأخوذ من كتب الحنفية، يعني طريقة أيضًا لتثبيت العلم تستفاد من مثل هذه الكتب، عندك أشباه ونظائر في فقه الشافعية للسيوطي، عندك أشباه ونظائر في  الفقه الحنفي لابن نجيم، لماذا ما عندنا أشباه ونظائر في الفقه الحنبلي؟ لماذا لا آتي إلى السيوطي وأعدل مسائله من كتب الفقه الحنبلي؟ يعني مثلما قلنا في "أحكام القرآن" نجد للحنفية مؤلفات في أحكام القرآن؛ للمالكية مؤلفات في أحكام القرآن، للشافعية مؤلفات في أحكام القرآن، الحنابلة لهم لكن ما اشتهرت ولا يستطيع طالب العلم الحصول عليها، نقول: عندك أحكام القرآن للحنابلة، امسك أحكام ابن العربي والجصاص والكيا الطبري هراسي في المذاهب الثلاثة، وراجع على مسائلها المغني لابن قدامة ويكفي، وأثبت قول الحنابلة في هذه الكتب إذا قال لك: رأي المالكية كذا، قل: ورأي الحنابلة كذا من كتاب المغني، هذا يستطيعه متوسط الطلاب، وبهذا يثبت العلم ويرتبط الفقه بالكتاب، بالقرآن، فطريقة نصحنا بها بعض الطلاب وجربها ووجدت نافعة، نعم وجد أحكام القرآن من المغني، وجد أحكام القرآن..، لكن طالب العلم عليه أن يبني لنفسه، يبني لنفسه هذا الكتاب.

"الأشباه والنظائر" لابن نجيم رزق قبول، ووضع عليه أكثر من أربعين شرحًا لهذا الكتاب، لماذا؟ لأنه حنفي المذهب، والحنفية فيهم كثرة ووفرة في الأعداد، جموع غفيرة، وعندهم أيضًا اتجاه إلى التأليف والتصنيف في هذا الفن، وإذا دخلتم في المكتبات الكبرى تجدون مثلاً فقه الحنفية دواليب كثيرة، يعني يمكن ثلاثين، أربعين دالوبًا، كلها كتب حنفية، بينما تجد المالكية ربع المقدار، والشافعية أكثر يمكن الثلث أو النصف، تجدون الحنابلة الثمن، هذا مرده إلى قلة الأعداد وكثرتها، الحنفية، المذهب الحنفي انتشر في الشرق انتشارًا واسعًا، والمالكي في الغرب والشافعي في الوسط ساد، لكن الحنابلة باعتبار أن انتشار المذاهب في الغالب إنما يكون إذا تبنتها الدول، الحنابلة ما يوجد دولة تبنت مذهب الحنابلة سوى هذه الدولة السعودية؛ ولذلك انتشر في العصور المتأخرة، نعم له وجود في القرن الثالث والرابع والخامس، لكنه أخذ يضعف بسبب الهجمات من المذاهب الأخرى، بوصف المذهب الحنبلي بأنه شديد يتسم بالشدة، وإلى الآن ينبز الشخص المتشدد بأنه حنبلي في بعض الأوساط، لكن إذا نظرنا إليهم من حيث القوة في الاستدلال وجدناه إلى أنه بدون، يعني قد نتهم في مثل هذا الكلام، لكن قربه من الدليل معروف، وإمامه إمام المذهب إمام أهل السنة وحافظ الأمة يحفظ سبعمائة ألف حديث أو أكثر، فأقول: لماذا لا يضع طالب العلم أشباه ونظائر على طريقة السيوطي وطريقة ابن نجيم ومن تقدمهم، ويأتي بالمسائل من المغني أو غيره، كثير من المسائل يتفق فيها المذهب الشافعي مع الحنبلي، أو الحنفي مع الحنبلي، وهكذا...

الموطأ للإمام مالك له رواية لمحمد بن الحسن وهو حنفي المذهب، من أحد الصاحبين المعروفين للإمام أبي حنيفة مع أبي يوسف أثّر في الكتاب كونه حنفيًّا، فشرحه الدهلوي بكتاب اسمه المسوّى شرح الموطأ، أضاف إلى أصل الكتاب الذي هو المذهب المالكي؛ لأن المؤلف الإمام مالك وما تأثر به من الحنفي بواسطة الراوي محمد بن الحسن أضاف المذهب الشافعي؛ ليكون في المذاهب الثلاثة، لماذا لا ينبني طالب علم ويضيف المذهب الحنبلي، نقول: هذه من وسائل، لا أقول: هذا تعصب، أنا أقول العكس لو أن الحنبلي موجود والشافعي ما هو موجود أضف الشافعي من أجل إيش؟ هذه وسيلة من وسائل التحصيل، أنت تحصر ذهنك، عرفت الأقوال الثلاثة؛ لأنك تريد أن تضيف إليها فتفهمها فهما جيدًا، ثم تضيف إليها لن تضيف قولاً جديدًا وهو بالفعل جديد إلا بعد أن تفهم الأقوال الثلاثة، فهذه من أنفع وسائل التحصيل ويوصى بها طالب العلم، بهذه الطريقة يعني يعاني العلم يراجع ويبحث ويسهر الليل ويكتب لينغرس العلم في قلبه.

هناك أيضًا "إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك" لأبي العباس الونشريسي، المتوفى سنة أربع عشرة وتسعمائة، وهو مطبوع، القواعد الكلية والضوابط الفقهية لجمال الدين يوسف بن عبدالهادي الحنبلي، المتوفى سنة تسع وتسعمائة، و"الفرائد البهيّة في القواعد الفقهية" أو "نظم القواعد  الفقهية" وإيش الكتاب اللي وزع عليكم؟

طالب:.....

"الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية" عندنا "الفرائد البهية" الأصل النظم وشرحه "المواهب السَّنِيَّة"؛ النظم لأبي بكر بن أبي القاسم الأهدل اليمني الشافعي، متوفى سنة خمس وثلاثين وألف، وهذا لخصه من لجة الأشباه كما قال في البيت..، لا، ما طبعوا المقدمة ما طبعوها ما صوروا المقدمة:

لخّصتها بعون ربي القادرِ    

 

من لجة الأشباه والنظائر    

هذا النظم عليه شروح وحواشي، من هذه الشروح "المواهب السَّنِيَّة شرح الفرائد البهية" لعبدالله بن سليمان الجوهزي اليمني الشافعي، المتوفى سنة إحدى ومائتين، وألف وعليه على هذا الشرح حاشية للشيخ محمد ياسين بن عيسى الفاداني، المتوفى سنة عشر وأربعمائة وألف، واسمها "الفوائد الجنية"، ثلاثة كتب المتن النظم وشرحه المواهب، وأيضًا الحاشية التي اسمها "الفوائد الجنية" إذا اجتمعت هذه الكتب الثلاثة استفاد طالب العلم فائدة كبيرة.

على كل حال "الأشباه" طبع مرارًا -قبل ما نتعداه- طبع مرارًا؛ من أوائل هذه الطبعات طبعة مكة، المطبعة الأميرية في مكة في مطلع القرن الماضي، وعلى هامشه "المواهب السنية شرح الفرائد البهية" طبع على الحاشية، وإذا اجتمع الكتابان طيب، أيضًا طبع "الأشباه" وعلى هامشه شرح النظم بالمطبعة التجارية، مطبعة مصطفى محمد بمصر، طبع جميل جدًّا، لكن أفضل طبعاته على الإطلاق طبعة الحلبي، سنة ألف وثلاثمائة وستة وخمسين -يهمنا التاريخ يا إخوان؛ لأنه طبع مرارا في الحلبي وغيره- لكن هذه أجود الطبعات سنة ألف وثلاثمائة وستة وخمسين، وعليها تحقيق وتعليق للشيخ حامد الفقي -رحمه الله- النظم أيضًا طبع مستقل في مصر، قبل ما يقرب من أربعين سنة، وطبع أيضًا شرحه مستقلاًّ، قلنا: إنه طبع مرارا أكثر من مرة على هامش "الأشباه والنظائر" للسيوطي، وطبع مستقلاً هنا في طبعة من مطبعة المشهد الحسيني، طبعة جميلة ومرتبة ومنظمة والحاشية واضحة، وعليها أيضًا مطالب، طبع بعدها طبعة في غاية في الجمال، لكنها كأن الطابع ما يحسن الطباعة؛ لأن الطبعة الأولى يكتب فيها مطلب، مطلب في الحاشية، في الهامش علشان تنتبه فائدة قاعدة هذاك لا أدخلها في أثناء الكلام، فمثلا يقول عن الإمام الشافعي ينقل كتب، مطلب، فأدخل مطلب بين عن الإمام الشافعي ينقل عن الإمام الشافعي مطلب ينقل، لا شك أن هذا جهل، جهل بالعلم وجهل بالطباعة، لكنها طبعة أنيقة وجميلة، وعليها الحاشية حاشية الفاداني، ثم طبع الكتب الثلاثة النظم مع شرحه مع حاشيته في دار البشائر الإسلامية، طبعة لا بأس بها، مرقمة ومعتنًى بها من الحواشي على المواهب الذي هو شرح النظم "المواهب العلية شرح الفرائد البهية"، وأيضًا "إيضاح القواعد الفقهية لطلاب المدرسة الصولتية" للشيخ عبدالله بن سعيد اللحجي، المتوفى سنة عشر وأربعمائة، كتاب صغير حول فيه النظم إلى نثر، يعني نظم نثره فيستفيد منه طالب العلم.

هناك أيضا "الأقمار المضية شرح القواعد الفقهية" لضياء الدين عبدالهادي بن إبراهيم الأهدل، وهناك أيضًا كتاب في القواعد والضوابط اسمه "الفوائد المكية فيما يحتاج طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية" لعلوي بن أحمد السقاف، وهو مطبوع مفرد في مجلد بقدر هذا، هناك أيضًا "مجلة الأحكام العدلية" هذه في أواخر أيام الدولة العثمانية، رأوا الضعف في القضاة فأجبروهم وأرغموهم على الحكم بهذه المواد التي جمعت فيما يسمى بــ"مجلة الأحكام العدلية" وجلها من الفقه الحنفي إن لم يكن كلها من الفقه الحنفي، وهو تقنين، تقنين للشريعة سموها مجلة الأحكام العدلية، هذه المجلة عمل بها القضاة في وقتهم، أُجبروا وأَجبروا عليها، ولا شك أن التقنين غير سائغ في الشرع؛ لأن هذا يقفل باب الاجتهاد على القضاة، ويجعل دورهم ضعيفًا، ويجعل القضايا التي في كل قضية منها ما يؤثر في الحكم عليها يجعلها واحدة، ولا يجعل للقاضي مساحة يجتهد فيها، كل قضية يقوم بها من الأمور ما يجعل العقوبة أقل أو أخف أو أشد على الجاني، حاشا الحدود المضبوطة التي جاءت الكتاب والسنة بها، لا شك أن مثل هذا ارتكب من قبل، والكلام فيه يدور في هذه الأيام والله المستعان.

"مجلة الأحكام العدلية" صدرت بمائة قاعدة، اختيرت من "الأشباه والنظائر" لابن نجيم وبعض كتب الحنفية، "الأشباه والنظائر" لابن نجيم يعني كما حظي بالشروح حظي بالطباعة، طبع في أوروبا سنة ألف ومائتين وواحد وأربعين، يعني من كم؟ من مئة وخمس وثمانين سنة، أو ست وثمانين سنة، يعني قديم جدًّا، والطبعة معروفة، ثم طبع في بولاق قبل ألف وثلاثمائة ألف ومائتين وثمان وتسعين، ثم طبع مرارًا بدون حصر يقول: اختيرت من "الأشباه والنظائر" لابن نجيم، وبعض كتب الحنفية وشرح القواعد تبعًا للمجلة عبدالسلام القُرَيمي، المتوفى سنة أربع وثلاثمائة وألف، وسليم رستم باز، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف، وعلي حيدر شرحها باللغة التركية، ترجم إلى العربية، ومحمد سعيد بن عبد الغني الراوي، المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف، ويوسف بن همام آصاف المحامي، سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وألف، والشيخ خالد الأتاسي مفتي حمص، سنة ستة وعشرين وثلاثمائة وألف، لكنه لم يشرح القواعد ولم يكمل شرح المجلة؛ فأكمله وشرح القواعد ابنه محمد طاهر، المتوفى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وألف، وشرح المجلة أيضًا مسعود أفندي مفتي قيصرية، اسمه "مرآة المجلة"، وأيضًا شرحها محمد سعيد المحاسني سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف، ومنير القاضي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وألف، ومحمد سعيد الغَزِّي سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف.

على كل حال المجلة صار لها عناية وصار لها رواج، وشرحها ممن شرحها غير المسلمين أيضًا؛ لأنها عبارة عن مواد كالقوانين؛ فتصدوا لشرحها، وألف -مع الأسف- بعض النصارى من كتب الفقه التي تدرس في بعض الجهات التي ينتسب بعض شعوبها إلى الإسلام.

المقصود أن هذا العلم دين يؤخذ من أهله، والشيخ ابن سعدي أيضًا ساهم في هذا الباب وله منظومة سهلة ميسرة، يمكن أن يمرن عليها طالب العلم المبتدي، وبعض الإخوان يقول: لماذا لا نعتمدها؟ فنقول: طلاب العلم الذين بين أيدينا أكبر من أن يمرنوا على قواعد ابن سعدي؛ لأنها سهلة ميسرة يفهمونها في بيوتهم، وعلى هذا سوف يكون المعول عليه في الشرح النظم هذا الفرائد البهية، ونستفيد من شرحه، ونراجع الأشباه قبل الحضور إن شاء الله تعالى، فلعلكم تحضرون الدرس قبل الحضور إليه لتتم الفائدة، والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.