كتاب بدء الوحي (094)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (094)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ شعبان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا يقول: محاسِب، محاسب يعملُ في إحدى الشَّرِكات، ومعه عُهْدَة ماليَّة تمَّ إعطاؤها له ليقوم بسداد فواتير الشَّرِكة، مثل: التلفون، والكهرباء، وغيرها، وهو يستخدمها في بعض الأحيان في سداد أمورِه الشَّخصية، أو لأصدقائه، أو يقومُ بإقراض أحد زملائه، ثمَّ يستردُّ المبلغ الذي أقرضه لزملائِه لاحقًا، وأيضًا المبالغ التي يستخدمها في أموره الشخصية، يقوم باستردادها بجرِّد أنْ يتقاضى راتبه الشَّهْري، فهل له أنْ يتصرَّف في العهدة بهذا التصرف وغيره، أم لا؟
وهل إذا أخبر مديره المباشر بذلك، ووافقه، هل يكون عليه شيءٌ، علمًا بأنَّ مديرَه المباشر  ليس صاحب –أي: مالك- الحلال أفتونا، وإلى ما إلى آخره.

هذا يتصرَّف فيه كثيرٌ ممن يعهد إليهم بمثل هذه الأمور، بل بعض من يتولَّى قبض الزَّكَوات والصَّدقات والإعانات للمحتاجين من الأغنياء تجدُه يتصرَّف شيئًا من هذا التَّصرُّف في الوقتِ الذي لا يُحتاج إليه لهذه الأموال، هو وكيل عن فقراء، وإذا جاء في وقتِ البذل عند النَّاس في رمضان مثلًا أخذ لهذه الأسرَة عشرين، ثلاثين ألفًا؛ لينفق عليها طول السَّنَة، فبدلًا من أن تكون جامدة في رصيدهِ في البنْك يتصرَّف فيها، وينفِق عليهِم من راتِبِهِ، يردُّ هذه الأموال تدريجيًّا –كل شهر ألفين أو ألفين ونصفًا-على قدرِ المال، ولا يَظهر لذلك أيُّ ضرر، إذا كان المال مضمونًا، لا يظهر لهُ ضرر إذا كان المال مضمونًا بحيث إذا جاءَ وقتُ الحاجة سَدَّدهُ بدونِ تأخِير، لكِنْ يبقى أنَّ الاستئذان لا بُدَّ منه، إذَا أخذَ من الشَّرِكَة هذا المبلَغ، وأعطوه إيَّاه عُهْدَة، قال: أنتم ما لكم إلا أن أسدِّد لكم، ليس لكم عليّ إلا أن أسدد لكم في كل شيء في وقتِه، ولو من راتبي، إذا أذنوا له الأمر لا يعدوهم.

 إذا استَلَم للفقِير صارَ نائبًا عنهُ وبرئَتْ عُهْدَةُ الغنيّ يستأذِنُ الفقير في أنْ ينفقَه علَيْهِ في كلِّ شهر مبلغ كذا، فأذنه الفقير وجعلها بمثابة الوكيل له، فالمال لا يلزم ردُّهُ بعينه، يعني هذه الأموال بالأرقام كذا وكذا هي التي ينفق منها على الفقير لأنه ليست مقصودة لذاتها، الشَّرط الأول والأهم: أنْ لا يأتِي في وقت الحاجة ولا يستطيعُ أنْ يسدِّد أو لا يستطيع أن ينفق على الفقير، معَ أنَّ بعضَ النَّاس يتصرَّف تصرُّفًا فضوليًّا في أموال المشاريع الخيريَّة ويُعرِّضها للتلف؛ يضارِبُ بِهَا، وكم ضاع من الأموال بسبب هذه التصرُّفات في أسْواق الأسهم، أو في أسواقِ العقار، أو في أسواق كذا.
على كل حال: يتصرَّف تصرُّفًا يضمَن، لا بدَّ من ضمانِه، ويكون قادرًا على الوفاء في وقتِ الحاجَة، بعدَ استئذان صاحب الشَّأن.
طَالِب:......
نعم.
طَالِب:......
هو ما فيه شكَّ أنَّ مثل ما ذكرنا مرارًا أنَّ كثيرًا من الفقراء لا يحسنون التَّصرف في الأموالِ ويقول الشَّيْخُ: أنَّهُ لو علموا وأخبرهم أن لدَيْه أموالًا لهم يُنفقها عليهم طول العام قالوا: هاتها الآن، نحن مضطرون الآن، إذا لم يرضوا فالأمر لا يعدوهم. لا بدَّ من رضاهم؛ لأنَّهُ وكيل عنهم.
طالِب:....
نعم.
طالِب:....
كذلك الأوصية، لكن لا يعرضون الأموال للتلف ولا يتأخرون بها عن وقتِ الحاجة.
طالِب:.....
يقول: حصل خلافٌ بيني وبين زوجتي وبقيَتْ على إثرها عند أهلها سنة كاملة، ثمَّ عادَت وبدأت تطلب منِّي أشياءَ أقلقتني كثيرًا، منها عدمُ استقبال والدتي في المَنْزِل، وإذا ذهبتُ لزيارتها -وهي خارج الرياض- تقول: لا أريد مقابلتها، اذهب وحدك. فما العمل؟
على كل حال: المقدَّم هي الأمّ، المُقدَّم هي الأُم، إذا كانت طلباتها تؤثِّر في برِّكَ لأمِّك فلا سمع ولا طاعَة، عليكَ أنْ تنفق عليها وتؤويها، تُسكِّنْها ولكَ القِوامة عليها، وعليها طاعتُك وخدْمَتُك، لكِن أن تحول بينك وبين أمِّك، فلا.
كونُها لا تذهب إلى أمِّك الأمر سهل، لا تذهب، وكونُها تمنَعُ أمَّك من زيارتك في بيتك هذا ليسَ إليها، إنَّما هو إليك، فعلى الإنسان أنْ يسدِّد ويقارب، واللبيب يستطيع أنْ يتعامل في مثلِ هذه الظُّروف تعاملًا يُرضي الجميع، يُرضي الجميع، والسِّياسة في مثل هذا أنَه إذا ذهب إلى الأمِّ ذكر عن زوجته أشياء، وأنَّها تحبُّها وتدعو لها، وتفعل، وتترك، وإذا ذهب للزوجة مثل ذلك، وبهذا تأتلفُ القلوب، وإذا أحضر هديَّةً لأمه قال: هذا من فلانة، والعكس، خفَّتِ الأمور كثيرًا، والله المستعان.
لكن بعض النَّاس ما يحسن التَّصرُّف، بل يتصرف تصرفات قد تزيد الطِّين بلَّة.
يقول: لو كانت زوجتي تميلُ لقولٍ مرجوحٍ عندي، وهو راجحٌ عندها، فهل لي إلزامها برأيي؟ ابن المنيِّر بالتشديد أو بالتخفيف.
إذا كان القصد ابن المنير صاحب "مناسبات البخاري"، وناصر الدين صاحب "الحاشية" على البخاري فهو بالتشديد.
يقول: لو كانت زوجتي تميلُ لقولٍ مرجوح عندي، وهو راجحٌ عندها، فهل لي إلزامها برأيي؟
إذا كانت من أهلِ النَّظر مثلِك فلا تلزمها، ولا تلزمك إلَّا بشيءٍ يتعدَّى أمرُهُ إليك، لو اختارت عدم الحجاب مثلاً، وأنت ترى رجحان الحجاب، ولا شكَّ أن كشفها لوجهها يسيئُ إليك بالدَّرَجَةِ الأولى، فَيلزمها قولك، إذا رأت أنَّها تركب مع السَّائق بدون مَحْرم، وتقول: يوجد من يُفتي وأنا أميل إلى هذا القول، نقول: لا سمع ولا طاعة، تلزمها بقولك؛ لأنَّك تتضرر بهذا.
إذا قالت: إنَّ السفر بالطائرة لا يحتاج إلى محرم كما يفتي به بعضهم، تقول: لا سمع ولا طاعة، تلزمها برأيك؛ لأنَّ هذا ضرره يتعدَّى إليْك، أمَّا أمور العبادات الخاصَّة فهي ترى، مثلًا ترجح قول شيخ الإسلام أو ابن باز أو ابن عثيمين أو فلان أو علان، العبادات الخاصَّة، كلُّ إنسان بينَهُ وبين ربِّه، وأنت تلزمها بجلسة الاستراحة وتقول: لا، ابن القيم ما يراها. ما عليك منها.

 لكن فرق بين ما يتعدى ضرره إليك، يعني كوْنها تخرج سافرَة كاشفة عن وجهها أمام محارمك وفي الشَّارع وجيرانك وكذا، يسيء إليك، فلكَ أنْ تمنعها من هذا، كل ضرر يتعدَّى إليك فلك منعها منه وإلزامها  بما تراه أنت، لكن الإشكال في العكس، إذا كان هو ما يرى تغطية الوجه وهي تراه، هل له أن يلزمها؟ ليس له ذلك، المسألة يعمل فيها بالاحتياط من الجانبين؛ لأنَّ هذا يسيءُ إليْها، فالإساءةُ مرفوضة لا إليك ولا إليْها.
طالِب:....
نعم.
طالِب:....
لا، لا، فيما يراه النظر في أكثر، في الوقت الحاضر برزنَ أكثر من الذكور.
طالب:.....
لا، لا، ما يؤثر، ما يؤثر، ماذا تقول في عائشة؟ استدركت على الصحابة الكثير.
يقول: ما الفرق بين المذهب، والرواية في المذهب، والوجه والتخريج في المذهب؟ وهل كل المذاهب الفقهية تخرج على قول إمامها أو لا؟ وهل يوجد أمثلة لذلك؟
نصيحتي أن يقرأ السائل في كتاب "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" لعبد القادر بن بدران، كتاب نافع ونفيس، وفيه فوائد ولطائف يستفيد منها طالب العلم في المذهب وغيره، مهم جدًّا "المدخل" هذا، ولو قرأ في مقدمة "الإنصاف" أو "الخاتمة الجامعة" فيه أو "مقدمة الفروع" أيضًا يستفيد كثيرًا، و"مقدمة شرح المهذَّب" للنووي، المسمى "المجمع".
يقول: هل الأمين إذا تعدى، ثم عاد إلى الوفاق هل يضمن بعد ذلك إذا تلف المال من غير تعدٍّ ولا تفريط؟
لا، إذا تعدَّى في أوِّلِ الأمْر دخل المالُ في ضمانِه،.
وهل الوكيل على الزَّكاة له ولاية على الفقراء؟
 إذا كان نائبا عنهم فله ولاية عليهم، وإذا كان نائبًا عن الأغنياء، الغني أعطاه زكاته قال: وزع على الفقراء فهو بمنزلة الغني يلزمه أن يوزعها فورًا، أمَّا إذا كان نائبًا عن فقراء، فإنَّه يراعي مصلحتهم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وما زال الحديث في قصة هرقل معَ أبي سفيان من رواية ابن عبَّاس، وهو آخر حديثٍ في بدءِ الوَحي، يقول:
"وسارَ هرقْلُ، ثم كتبَ هرقلُ إلى صاحبٍ له بروميَة، وكان نظيره في العلمِ، وسارَ هرقلُ إلى حِمْص".
"سار هرقل إلى حمص"، قال ياقوت: "حمص، بالكسر ثمَّ السكون، حِمْص، على وزن هِنْد، بالكسْر" يعني بكسر الحاء المهملة ثمَّ سكون الميم، "والصَّادُ مهملةٌ، بلدٌ مشهورٌ قديمٌ كبيرٌ مسوَّر". هذا في "معجم البلدان" لياقوت، " بلدٌ مشهورٌ قديمٌ كبيرٌ مسوَّر، وفي طرَفِه القبليّ قريةٌ حصينةٌ على تلٍّ عالٍ، يقول ياقوت: بلدٌ مشهورٌ قديمٌ كبيرٌ مسوَّر، وفي طرَفِه القبليّ قلعةٌ حصينةٌ على تلٍّ عالٍ كبيرة، وهي بين دمشق وحلب في نصفِ الطَّرِيق، يُذكَّر ويؤنَّث، يُذكَّر ويؤنَّث، بناهُ رجلٌ يُقالُ لهُ: حِمْص بن المهر بن جان بن مكنَف، وقيل: حِمص بن مِكْنَف العمليقي.

 ثمَّ قال –ياقوت-: وبحمص من المزاراتِ والمشاهِد مشهدُ عليِّ بن أبي طالب –رضي الله عنه-، فيهِ عامودٌ فيه موضعُ إصبعه، رآه بعضُهم في المنام، ثم قال: وبحمص من المزاراتِ والمشاهِد مشهدُ عليِّ بن أبي طالب –رضي الله عنه-، فيهِ عامودٌ فيه موضعُ إصبعه، رآه بعضُهم في المنام". ثمَّ على إثْر هذه الرُّؤيا، والرُّؤيا مُفادها أثر إصبع علي بن أبي طالِب، ثمَّ بعد ذلك يُصْنَع ويُزاوَل فيه الشِّرْكُ الأكبر؛ لأنَّ الشَّيطان حريصٌ على مثلِ هذه الأمور، يتراءى للنَّاسِ في المنامِ، ثمَّ بعدَ ذلك يُلبِّس عليهم، في المنام موضع إصبع، والنَّاس قلوبهم إلى البدع أسرع منها إلى السيل في منحدره؛ لأنَّ الشَّيطان يزيَّن لهم هذه البِدَع، ويُسوِّلُ لهم، ويجرُّهم إلى أن يصلوا إلى حدٍّ يخرجون فيه من الدِّين وهم لا يشعرون، ما موضع إصبع هذا؟ وبماذا ثبت هذا بتوارث أم برؤيا؟ برؤيا! هذا موضع إصبع عليّ، في هذا الباب النَّاس يُستَغْفَلُون، يُسْتَغْفَلُون، ويُصدِّقون ما لا يقبله عقل، يأتي شخص بسيف حديث الصُّنْع ويقول: هذا سيف علي بن أبي طالِب! ويأتي بمكحلة عُرضت على بعضِ الزوَّارِ في مصْر، قال: هذه المكحلة، هذا المِيل دخل في عين الرَّسول –عليه الصَّلاة والسَّلام-، هذه مُكحلة الرَّسول!
وفئامٌ من النَّاس يصدقون بلا عقل ولا رويَّة حتَّى قيل لبعضِ الزُّوَّار: هذا مصحف الرسول –عليه الصلاة والسلام-.
إلى هذا الحدِّ!
ويتبرَّكون ويتمسَّحُون، الرسول له مصحف؟ ما فيه مصحف على وقت الرسول –عليه الصلاة والسلام- القرآن محفوظ بالصُّدور، ومكتوب على أشياء متفرِّقَة منَ العِظام والعُسُب والحصى وجلود، وما أشبه ذلك، يؤتى بمصحف مزخرف مذهَّب، قال: هذا مصحف الرَّسول –عليه الصَّلاةُ والسَّلام-!
والغوغاء من الناسِ يصدِّقون، انظر أثر هذه الرؤيا، وهو موضع إصبع وضريح الشَّعرة، وقد ذكرناه مرارًا من أكبر الأضرحة في العالَم في كشمير، يتبرَّك بترابه ويباع ماؤه مثل ما يباع دهن العود بالتَّوْلَة، يُجْرُون المياه من تحته، ثمَّ تُباع من الجِهة الأخرى.
مؤلِّف كتب عن الحُسَيْن سبط رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وله مشاهد في مواضع متعددة في العراق، وفي مصر، وفي الشَّام، المشهد الحسيني، والكاتب هذا يقول: ومِن الدلالة الواضِحة على صحَّةِ هذا المَشْهَد، وأنَّ الرَّأْس الشَّريف موجود هنا، ما يجده الدَّاخِل من ارتياحِ النَّفسِ.
هذا الدليل، هذا دليل، ما يجده الدَّاخل إلى هذا المظهر من ارتياح النفس؟ ويُطاف به، ويُدعَى من دونِ الله وهو وهم لا حقيقةَ لهُ؛ لأنَّ المجزوم به أنَّ الحُسين كغيره، ليس له إلَّا رأْسٌ واحِد.
المقصود: أنَّ مثل هذه الفتن التي ابتليت بها الأمَّة في كثيرٍ من الأقطار المنتسبة إلى الإسْلام لها حضور ولها جمهور؛ ابتلاء من الله –جلَّ وعلا-، ولا أمن في الدنيا والآخرة إلا بتحقيق التوحيد، هذه رؤيا تقول: ههنا أصبع علي بن أبي طالب.
يُذكر عن عمر –ضي الله عنه- قال: أين عقولنا يا رسول الله حينما نعبد التمرة فإذا جعنا أكلناها؟ قال: «أخذها باريها».
سبحان الله، يعني موضع إصبع على إثر رؤيا، طيب افترض أن إصبع علي هنا –رضي الله عنه وأرضاه- موجود حقيقته، أو رأس الحسين موجود، وبعد؟ مخلوق، نعم، محبَّة هؤلاء يتقرَّب بها إلى الله –جلَّ وعلا- وطاعةٌ يتوسَّلُ إليْه لا بِذواتِهِم، البَرَكَة إنَّما جعلها الله –جلَّ وعلا- في نبيِّه –عليه الصَّلاة والسَّلام- وهذه البَرَكة لا تتعدَّى لأحد، ولا يُعْرف أنَّ أحدًا جاء بولده لأبي بكرٍ أو عمر من أجلِ أنْ يحنِّكَه لتحلَّ البَركة، هذا أبدًا.
مَن طالع كتب الرّحلات وجد من الشَّيء الكثير من هذا النَّوْع، في رحلة ابن بطوطة، يقول أنه دخل على شخص ولا ينكر ممن يدعى أنَّه من أعلمِ الأولياء، فقال لي: كأنك تنتظرُ منِّي أنْ أهْدِي إليْكَ جُبَّة، قال: صدقت، فأعطاه جبَّة، قال: فتعجَّبْتُ من معرِفته ما في قلبي، ثمَّ انتقلت إلى بلدٍ آخر فقال لي: كيف تعجَب -قبل أن أحدثه بالقصة- كيف تعجب من معرفته ما في قلبك وهو يتصرف في الكون –نسأل الله السلامة والعافية-، هذا ينقله ابن بطوطة، ولا يعلِّق عليه، وهذا كثير، يطلع الشَّهر الكامل يطلع إلى جبل؛ ليصعد إلى مكان يقال: فيه قبر فلان، أو موطئ قدم فلان، ومع الأسف أن هذا طابع كثير من الرّحلات، همُّهم المشاهد والمعابِد وآثار الأولياء والصَّالحين على ما يزعمون، والنَّاس في نَهَم إلى قراءةِ مثل هذهِ الرِّوايات والأخبار في هذه الرِّحلات، والله –جلَّ وعلا- وقدْ جلَّت حكمته أن تكونَ هذه الرّحلات أغلى ما يُبَاع في الكتب، مع عدمِ حاجةِ النَّاس إليها، الرَّحلات والمذكِّرَات والذكريات هي أغلى ما يُباع في الأسْواقِ، وأرْخص ما يُباع المُصحف، ورياض الصَّالحين، والبخاري، ومسلم، ولله الحمد والمنَّة أن يسَّر الله على الأمَّة ما تمسُّ إليه الحاجَة.

 وأنتم تشاهدون فيما يُبَاع منَ الكماليَّات والضروريَّات والحاجيَّات تجدون الكماليَّات أغلى شيء، أغلى ما يُباع: الكماليَّات، ثمَّ الحاجيَّات، أرخص شيء: الضروريات، الماء أرخص شيء.

 المقصود أنَّ الله –جلَّ وعلا- لم يُضيِّق على خَلْقِه، بل وسَّعَ عليهِم، لكن من أراد أن يضيِّق على نفسِهِ يتحمَّل، لكن إيَّاهُ وإيَّا ما حرَّم الله –جلَّ وعلا- بدءًا من المحرَّمات العملية إلى البِدَع والشرك –نسأل الله السلامة والعافية-، تجد الإنسان ينفق الأموال الطائلة من أجْلِ أن يصلَ إلى قبْر، يحصل له من المشقَّة أكثر مما يحصلُ لهُ في الحجّ، حتَّى وُجِد عند بعضِ طوائف البدَّع ألَّفوا في مناسِكِ المشاهد، "مناسك المشاهد"، بهذا الاسم، وفضَّلوا الحجَّ إلى مشاهِدِهِم على حجِّ بيتِ الله الحَرَام؛ الاستدراج –نسأل الله السَّلامةَ والعافيَة- هذا يُثْبِتُ وجودَ رأسِ الحُسَيْن في المكان المدَّعى بمصْر، أنَّهُ الرَّاحة النفسيَّة إذا دخلتَ إلى المكان، تجزم أنَّ الرأْس هنا موجود، سبحان الله!
قالوا: إذا دخلتِ السِّينُ في الشِّين أُبرز قبرُ محيي الدّين، يقولون: إذا دخلتِ السِّينُ في الشِّين أُبرز قبرُ محيي الدّين، السِّين: السُّلطان سليم، والشِّين: الشَّام، والقبر قبر محيي الدين بن عَرَبي، على ما يقولون.
هذه الأمور في غايةِ الخطورَة، والسَّعْي إلى إزالتها مِنْ أعظمِ بل أعظمُ القرُبَاتِ؛ لأنَّها تُنَافي مقتضى العقد والعقيدة الأصل، هذا الشِّرك الأكبر –نسأل الله السَّلامة والعافية- بعض الجِهَات إذا غُزُوا في بلادِهِم ما استعدُّوا بالجيوش خرجوا بفتوحات، الفتوحات المكيَّة لابن عربي، وينصرِف الجيش، يزعمون هذا، وقد يحصُل في بعضِ الأحيان من بابِ الابتلاء كما قرَّر شيخ الإسلام، أنَّ المبتدِعَة قد يدعو الواحد منهم صاحب قبر فيجاب من داخل القبر، يتلبَّس الشيطان ويجيبه؛ فتنة له، نسأل الله العافية.

 فعلى الإنسان أنْ يستمسِك بحبلِ اللهِ المَتِين، بكتابه وسنَّة نبيِّه –عليه الصلاة والسلام- فيهما العصمة من كلِّ شيء، من كلِّ ما يُخاف في الدُّنيا والآخرة.
يقول: "وبحمص –يقول ياقوت- وبحمص من المزارات والمشاهد مشهد علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- فيه عمودٌ فيه موضوع إصبعه، رآه بعضهم في المنام".
في بعض تواريخ مكَّة، يُقال إنَّ شخصًا من اليمن في القرن التَّاسع رأى رؤيا مفادُهَا أنَّ هذا الموضِع الموجود هوَ مولد النبي –عليه الصَّلاةُ والسَّلام- رأى رؤيا أن الرسول –عليه الصلاة والسلام- وُلِد في هذا الموضع، مع أنَّ المكان المسمَّى بالمولد تكلم عنه الأزرقي وغيره من المتقدِّمين في مكَّة، لكن إنْ كانت الرؤيا تحدد الموضع الدقيق من المكان فيُمْكِن، وإلَّا قبْل الأزرقي، الأزرقي بالثَّالِث، الأزْرَقي ومَن معه من الفاكهي وغيرهم يحددون المكان في جملته في هذا الموضع، لكنَ الرُّؤيا هي التي حدَّدت المكان الدَّقيق من هذا المكان.
على كلِّ حال: مَنْ عصمه الله –جل وعلا- من هذه البِدَع، يحمد الله –جل وعلا- ويسأله الثَّبات على ذلك؛ لأنَّ قلوبَ العباد بين أصبعين من أصابِع الرَّحمن، والفِتَن في آخرِ الزَّمان تُعرض على القلوب فتُشْرَبها كثيرٌ من القلوب، والله المستعان.
يقول: لو أن إنسانًا اعتقد أنَّ رأس الحسين –رضي الله عنه- ليست في مصر، ودخل المسجد وصلى فيه بمسجد الحسين، ما حكم صلاته، وهل الأولى ترك الصلاة في هذا المسجد أم لا؟
نعم، الأولى ترك الصلاة في هذا المكان الذي يُزعم فيه وجود هذا المكان، والذي نذر أنْ ينحر إبلًا ببوانة، قال النبي –عليه الصلاة والسلام-: «هل فيها من وثنِ، هل فيها عيدٌ من أعياد الجاهليَّة؟»  قال: لا، قال: «انحر»، وهذا على حد زعمهم، هذا المكان الموجود سواء كان فيه أو ليس فيه، هذا الجهة التي تُقْصَد لا شكَّ أنَّها تُعظَّم فلها أثر، ثمَّ قال: " ومن عجيب ما تأملتُه من أمرِ حِمْص".
هل يوجد أحد حمصي عندنا؟ ما فيه حمصي؟ لأنَّه يُنسَج عليها وعلى أهلها القصَص كما ينسج هنا في بعض الجِهات، وفي مِصْر على بعضِ الجِهات، يقول: "ومن عجيب ما تأملتُهُ من أمرِ حمص فسادُ هوائِها وتُربَتِها الذين يفسِدَانِ العَقل حتَّى يضرب بحماقتهم المَثَل".
هذا فيما يُذكر، وإلَّا فكلُّ بلد فيهِ أنواع النَّاسِ، فيه الأذكياء، وفيه الأغبياء، الله –جلَّ وعلا- قسم هذه المواهب على البلدان.
نعم، العاشرة الظاهر، هذه العاشرة.
طالِب:.....
يصلُّون إلى غير القبلة.
طالِب:....
نعم.
طالِب:....
عجيب.
طالِب:....
نعم، الله المستعان.
طالِب:....
المسجد ولا بتقول: والله المحراب ما أراه بعيد أو كذا، كيف قريِّب.
قال: "وحمصُ أيضًا بالأندلُسِ، وهم يسمُّون مدينة أشبيلية: حمص؛ وذلك أن بني أميَّة لما حصلوا بالأندلس وملكوها سمُّوا عدَّة مدنٍ بأسماءِ  مدنِ الشَّام".
وقال ابن الملقِّن: "حِمْص: بكسر الحاءِ، بكسر الحاءِ وسكونِ الميم، بلدةٌ معروفةٌ بالشَّام، يقول: ودخلتُ بها في رحلتي، وسمعتُ بها، سُميَّت باسمِ رجلٍ من العمالة، اسمه حمصُ بن المهر بن جاف" هناك: حمص بن مهر بن جان، في كلامِ ياقوت، وهنا يقول: ابن جاف، "كما سُميت حلب بحلب ابن المهر".  أخوه، "وكانت  حمص في قديم الزمان أشهر من دمشق، وكانت حمص في قديم الزمان أشهر من دمشق، قال الثَّعلبي: دخلها تسعُمئة رجلٍ من الصَّحابة، افتتحها أبو عبيدة بن الجراح سنةَ ست عشرة، وفي كتابِ "من نزل حمص" لأبي القاسم عبدُ الصمد، عبد الصمد بن سعيد القاضي، أنَّ حمص فتحت سنة خمسة عشرَة، افتتحها أبو عبيدة ومعه اثنا عشر ألفًا، وفيها قتادة "نزل حمص خمسمائة صحابي"، قال الجواليقي: "وليست عربيَّة، تذكَّر وتؤنَّث".
الجواليقي عمدة في هذا الباب، ولهُ كتابٍ اسمه "المعرَّب" من أفضلِ ما كُتِب في هذا الباب، وحقَّقه الشيخ أحمد شاكر –رحمه الله- "المعرَّب" للجواليقي، كتاب مشهور بتحقيق الشيخ أحمد شاكر، بطبعةٍ نفيسة، يقول: "ليست عربيَّة تذكَّر وتؤنَّث"؛ لأنَّ فيه صراع حولَ حِمْص، وهل هي مصروفَة أو ممنوعة من الصَّرفِ، سيأتي.
قال البكري: "ولا يجوزُ فيها الصَّرْف، ولا يجوز فيها الصَّرف كما يجوزُ في هِنْد؛ لأنَّه أعجميّ". يعني المانِع من صرفِ فاطِمَة مثلًا.
طالب:....
العلميَّة والتَّأنيث، علَّتان، العلمية والتأنيث، هند مصروف، أم ممنوع؟ فيه علميَّة وتأنيث لكِن كوْنه ثلاثيًّا ساكِن الوَسَط يخِف مثل: نوح، فيكونُ مصروفًا؛ لأنَّه خفَّ ثلاثي ساكن الوسَط، طيب: حمص؟
طالب:.....
ثلاثي ساكن الوَسَط، يصرَف أم ما يُصْرَف؟
طالب:....
لماذا؟
طالب:....
نعم.
طالب:....
ثلاث علل، وماذا فيه؟
طالب:...
والعُجْمة، ثلاث علل. طيِّب كونه ثلاثيًّا ساكن الوسط -يعني خفيف- مثل: هِنْد، تُقَابِل هذه العلل أو تقابل واحدة ويبقى اثنتان؟
طالب:....
نعم.
طالب:....
لنقرأ ما كتبه أهل العلم، قال البكري: "ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند؛ لأنه اسم أعجمي، وقال ابن التين في الجِهاد: يجوز الصَّرْفُ وعدَمُه، يجوزُ الصَّرفُ وعدمه؛ لقلَّةِ حروفه، وسكونِ وسطِه، قال ابن حجر: حِمْص: مجرورٌ بالفتحة مُنع صرفه؛ للعلمية والتأنيث،  ويحتمل أنْ يجوزَ صرفه، ويحتمل أن يجوز صرفه.

 وتعقبه العيني، قلتُ: لا يحتمل أصلًا، قلت: لا يحتمل أصلًا؛ لأنَّ هذا القائل –يعني: ابن حجر- إنَّما غرَّه فيما قاله سكون أوْسطه –أوسَطِ حمص- فإن ما لا ينصرف إذا سُكِّنَ أوسطه يكون في غاية الخفَّة، وذلك يقاوم أحد السببين، فيبقى الاسم بسببٍ واحد، فيجوزُ صرفُهُ، ولكن هذا فيما إذا كان الاسم فيه علَّتان فبسكون الأَوْسط يبقى بسببٍ واحد، أمّا إذا كان فيه ثلاث علل، مثل: ماه و جُور فإنه لا ينصرف ألبتَّة، ماه و جور، أسماء أعجميَّة مؤنَّثَة سمي بها أعلام، استعملت في الأعجمية أعلامًا أم أوصافًا؟ ثم نقلت أعلام في العربيَّة، "قال -في البخاري- قال: "حدثنا عبد الله بن سياهٍ".
طالب:.....
"حدثنا عبد الله بن سياهٍ"، صرِف، لماذ وهو أعجمي؟ لأنَّ استعماله في العجمية يختلف عن استعماله في العربية؛ هناك وصف وهنا علم، قال: "وأما إذا كانت فيه ثلاث علل مثل: ماه وجور فإنه لا ينصرف ألبتة؛ لأنَّه بعد مقاومة سكونه أحدَ الأسبابِ يبقى سببان، وحمصُ كما ذكرنا فيه ثلاث علل، فافهم، إذا علمت هذا، فقد قال بعدم صرفه". ما تقدَّم: البكري، والنووي، والكرماني، وابن الملقِّن، كلُّهم قالوا بعدم صرفه، وفي "المصابيح" للدماميني" جزم الزَّركشي بمنع صرفِهِ؛ للعجمة والتَّأنيث والعلميَّة، بـ"المصابيح" جزم الزركشي بمنع صرفه؛ للعجمة والتأنيث والعلمية".
يقول الدماميني: " قلت في "الصحاح": حمص بلدٌ يذكَّر ويؤنَّث، بلد يذكَّر ويؤنَّث، انتهى. فعلى التذكير يبقى علَّتان، والتسكين يقاوم واحدة، فلا يبقى فيه إلا علَّة، تسكين الوسط، وحينئذٍ يتجه صرفه على مقال ابن حجر، "فعلى التذكير ليس إلا العجمة والعلمية وهو ساكن الوسط كنوح فيصرف". وقال القسطلاني: "إلى حمص مجرورٌ بالفتحة؛ لأنَّه غير منصرف، إلى حمص مجرور بالفتحة؛ لأنه غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والتَّأنيث لا للعلمية والعُجمة، على الصَّحيح، حمص مجرورٌ بالفتحة؛ لأنَّه غير منصرف للعلمية والتأنيث، لا للعلمية والعجمة على الصحيح؛ لأنَّها لا تمنعُ صرف الثلاثي". العجمة لا تمنع صرف الثلاثي، كنوح مثلاً وماه وجور،  "وجوَّز بعضهم صرفه كعدمه نحو هِنْد، وغيره من الثلاثي السَّاكن الوسط، ولم يجعلْ للعلميَّةِ أثرًا".
ابن حجر في "انتقاض الاعتراض" أجاب، قال: "وظنه –يعني العيني- أنَّ حاء –هذه رمز لابن حجر- جوَّز الصَّرْفَ من أجلِ سكونِ الوَسط فاسِد؛ لأنَّهُ أراد أنَّ الذي ينطق به إنْ أراد البلدَ صار مذكَّرًا فيجوز صرفُه".
الآن: البلدان قد تُصرف وقد تُمنع، لماذا؟ لأن هذه الأسماء أعلام على هذه البقاع، فإِنْ أريدَ البقعة -وهي مؤنثة- مُنع من الصرف، وإن أردتَّ المكان –وهو مذكر- صرفت، الآن إذا أردت المكان المسمى حمص، يصير فيه علمية، لكن تأنيث فيه أم ما فيه؟ نرى كلام ابن حجر ماذا يقول؟ يقول: "وظنه –يعني العيني- أن حاء –حاء من هو؟ ابن حجر- جوَّز الصَّرْفَ من أجلِ سكونِ الوَسط فاسِد؛ لأنَّهُ أرادَ أنَّ الذي ينطق به إنْ أراد البلد صار مذكرًا فيجوز صرفُه".
يعني: مثل هذه الكلمات المحكوم بمنعها من الصَّرْفِ للعلل المذكورَة في بابِهِ، هل للإنسان أنْ يتحكَّم فيها على حسبِ اعتباره هوَ، إنَ صَرَفَ قيل له: أخطأت ممنوع من الصَّرف، قال: أريد المكان، إن منع من الصرف قيل له أخطأت لأنه مصروف، قال: أنا أريد البقعة، فهل يرجع في مثل هذه الأمور إلى إرادةِ النَّاطِق.
طالب:....
يعني الذين اختلفوا في صرف: أبان، ومنعه من الصَّرف، فهل يُرجَع في مثلِ هذه الأُمُور إلى إرادةِ النَّاطِق؟
طالب:....
يعني الذين اختلفوا في صرْفِ: أَبَان، ومنعه من الصَّرْفِ، حتَّى سمعنا مرارًا الكلام المشهور: مَن منع أبان فهو أتان، معَ أنَّ ابن مالك الإمام المشهور صاحب الألفيَّة يمنعه من الصَّرْف، ما سبب المنع؟ وما سبب الصَّرف؟ "وقُلْ مثل هذا في: عفَّان، وحسَّان". النَّظر فيه هل النون أصلية أم زائدة، هل هو من العفَّة أو من العفن، وهل حسان من الحسن أو منَ الحسِّ، وهل أبان من الإبانة أو من الإباء؟ فإذا كانت النون أصليَّة يُمنع أم ما يُمْنَع؟ ما يُمنع من الصَّرف؛ لأن الضَّابط في المنع من الصَّرف: أنْ تكونَ الألف والنون زائِدَتَيْن، فهلِ الإنسان إذا أخطأ، وقيل له: أخطأت، يقول: لا، أنا ما أردت كذا، أنا أردت كذا، يُقبل أم ما يُقبَل؟ نرى كلام ابن حجر، "وظنُّهُ أنَّه –يعني ابن حجر- جوَّز الصَّرف من أجل سكون الوَسَط فاسد؛ لأنَّه أراد أن الذي ينطق به، أراد البلد صار مذكرًا فيجوز صرفه".

 كأنَّ ابن حجر إلى أنَّ الحَكَم في هذا: اختيار النَّاطق وإرادة النَّاطِق، ومَعْنى قولِه: "ثلاث علل: العُجمة والتأليف، والتأنيث والعلمية، ولكن من جوَّز فيه الصَّرْف لا يجعلُ للعُجمةِ أثرًا؛ لأنَّها لا تمنع صرف الثلاثي ولا التأنيث إذا قصد البلد، فتبقى علَّة العلميَّة، علَّة العلميَّةِ وحدَهَا". يا إخوان هذه المسائل التي تأتي عارضَة، تأتي عارضة قد تُقْرأ في كتبِ النَّحْو فلا يتبيَّنُها القارِئ، لكن بالتطبيق على المثال، ودراسة هذا المِثَال من جميع الجوانب هو الذي يوضِّح القواعد، ويثبِّت القواعد.
قال ابن حجر –رحمه الله-: "ومعنى قوله: ثلاثُ عِلل، العجمة، والتأنيث، والعلم، ولكن من جوَّز فيهِ الصَّرْف لا يَجْعَلُ للعُجْمَةِ تأثيرًا؛ لأنَّها لا تمنع صرْفَ الثُّلاثي، ولا التَّأنيث إذا قُصد البلد فتبقى علةُ العلميَّة وحدَها". كأن ابن حجر يميلُ إلى أنَّ المردَّ في ذلكَ قَصْد المتكلِّم وإرادة المتكلم، إن كان يريدها مكانًا فهو مذكَّر فترتفع العلَّة، وتكُونُ، ويكونُ كَوْنه ثلاثِيًّا ساكن الوَسَط يقاوِم العُجْمَة؛ لأنَّ الأسماء الأعجمية ثقيلة إذا كانت ثلاثيَّة ساكنة الوَسَط خَفَّتْ، وارتفعَ أثرُ هذه العلَّة.
في "المحاكمة الثامنة" من "مبتكراتِ  اللآلئ والدُّرَر"، المحاكمة بين العيني وابن حجر، هذا كتاب مرَّ بنا مرارًا، بعد أن ذكر كلام ابن حجر والعيني كعادته قال: "وأقولُ إنَّي راجعْتُ ابن حجر، فإذا عباراته: وحمص: مجرورُ بالفتحة، حمص مجرورٌ بالفتحة، مُنع صرفه للعلميَّةِ والتأنيث، ويحتملُ أنْ يجوزَ صرْفُهُ".
المَقْصودُ: أنَّ ابن حجر مجوِّز، ما هو بمقرِّر، وقد سُبِقَ في ذَلِك، سُبِق ابن حَجَر، يعني من ينازِعِ في تأنيثه، من ينازع في عُجْمَته يَصرِف.
يقول: "ثم راجعتُ ابن حجر فإذا عبارته: "وحمص: مجرورٌ بالفتحة"، هذا القول المقرر عند ابن حجر، لكن الثَّاني تجوِيز، "مُنع صرفه للعلمية والتَّأنيث، ويحتملُ أنْ يجوزَ صرْفُهُ". يعني: ما ذكرَ العُجْمَة، لماذا؟ لأنَّ كوْنه ثلاثي ساكن الوسط تُقاوِمُ العُجْمَة، هل هي تقاوِم العُجْمَة على وجهِ الخُصوص أو تقاوِم أيّ علَّة تمنع من الصَّرف، كونه ثلاثيًّا ساكن الوسَط؟ لأنَّه قال: "ويحتمل أن يجوز صَرْفُهُ". ولكن مَن جوَّز فيه الصَّرف لا يجعلُ للعجمة تأثيرًا؛ لأنَّها لا تمنع صرفَ الثُّلاثِي"، فالآن  كونُه ثلاثِيًّا ساكن الوَسَط تقاوِم العُجْمَة على وجْه التَّحديد والتَّعيين، أو تقاوم علَّة من هذه العلل الثَّلاث؟
طالب:....
نعم.
طالب:....
ماذا؟
طالِب:....
لا، تقع، لا، مفهوم كلامه أنها تقاوِمُ العجمة فقط، أنَّها تقاوم العجمة، فكيف صُرفت هند وهي ليست أعجميَّة؟
مادامت كونه ثلاثيًّا ساكن الوسط يقاوِمُ العُجْمَة فهند ليست أعجميَّة، فماذا قاومت هذه الخفَّة، ماذا قاومت؟ هل رفعت علَّة لا بعينها، وبقيت اثنتان والنِّزاع في التَذكير والتَّأنيث، فمَن يؤنِّث يمْنَع، ومن يُذكِّر يصْرِف، أو أنَّ –كما قال بعضُهم- أنَّ كوْنَه ثلاثيًّا ساكن الوسط خفيفًا يقاوِم العلل كلَّها.
طالب:.....
لا، لا، لابد من كونِه ساكن الوسط؛ لأنْ غير ساكن الوسط يبقى الثقل فيه معروف هذا، لا منصوص عليه في كتب النَّحْو، لا بد أن يكون ثلاثيًّا ساكن الوسط: كنُوْح، ولوْط، "ويحتمل أن يجوز صرفه، ثمَّ راجعتُ –يقول القصيري- ثمَّ راجعتُ كتبَ النَّحوِ واللغة". كيف كتبَ النحو واللغة؟
طالب:.....
ماذا؟
طالِب:......
نعم، اللغة فروعها اثنا عشرَ فنًّا، اثنَا عشرَ فنًّا، منها: النَّحْو، ومنها: الصَّرف، ومنها: البيان، والمعاني، والبديع، والوضع، والاشتقاق، إلى غيرها من الفنون المعروفة.
"ثم راجعتُ كتب النحو واللغة فتحصَّلَ أنَّ في حِمص خلافًا في عربيته وعجميَّتِه، وتذكيره وتأنيثه، وعلى عربيَّتِه فلم يبقَ إلَّا سببٌ واحد وهو: العلميَّة". يعني يبقى: علم، يعني: على عربيته وعلى كونِهِ مذكَّرًا يُرَادُ به المكان، ما يبقى إلَّا سبب واحد وهوَ العلميَّة، "وأنَّهُ وقع خلافٌ عندَ النُّحاةِ في صرفِ مطلقِ العجمي الثلاثي ومنعه، قال الأشموني: ويتحصَّل في الثُّلاثي ثلاثةُ أقوال، ويتحصل في الثُّلاثي ثلاثة أقوال، أحدها: أنَّ العُجمة لا أثرَ لها مطلقًا، وهو الصحيح، أنَّ العجمة لا أثر لها مطلقًا وهو الصحيح، الثاني: أنَّ ما تحرَّكَ وسطه لا ينصرِف، أنَّ ما تحرَّك وسطه لا ينصرف، وفيما سُكِّنَ وسطه وجهان.
الثالث: ما تحرَّك وسطه لا يَنْصرف، وما سكِّن وسطه يَنْصَرِف، وبه جزمَ ابن الحاجِب".
طالِب:.....
نعم؟
طالب:.....
ماذا؟
طَالِب:....
لا، لا، لا، حَمَص، وجَمَص: أفعال.
طالِب:....
أين تكون هذه؟ أين من "أدواء العيون"؟
طالب:.....
نعم.
طالب:.....
وليست أفعالًا.
"وفي "المصباح"، حِمْص: البلد المعروف بالصرف وعدمه، ولقد ظهر أنَّ ابنَ حجر –هذا كلام البصيري ما زال الكلام له في "مبتكرات اللآلئ والدرر" في المحاكمة بين العين وابن حجر- وقد ظهر أن ابن حجر ممن يقول جوازًا إمَّا بعربية حِمْص وتذكيره، فلا إشكال، أو ممن يقول بعجميته وبالمذهب الذي صححه الأشموني من أنَّه لا أثر للعجمة في الثلاثي، وينصر المذهب، وينصرُ هذا المذهب صرْفُ نوح في القرآن، كما ظهر أنَّ اقتران حمص وماه بماه وجور، كما ظهرَ أن اقتران بماه وجور تمويهٌ للاغترار؛ لأنَّهما عجميان قطعًا؛ فلا يُذكران مع العرب أو المختلف فيه في التَّمثيلِ فاعرفه". يقول لما العيني نظَّر حمص بماه وجور، هذه أعجمية ما فيها خلاف، وحمص مختلَف في عربيتها، ينبغي أن التمثيل بمطابق متَّفِق على مطابقته له.
"وسار هرقل إلى حمص"،  يقول القسطلاني: "إنَّما سار هرقل إلى حمص؛ لأنَّها دارُ مُلكه، دار ملكه، "فلم يرِم حمص، فلم يرِم حمص"، قال النووي: بفتح الياء وكسر الراء، أي: لم يفارقها، قال الكرماني: يقال: ما رمتُ ولم أرِم، ولا يكاد يستعمل إلا مع حرف النَّفي، وفي "التوضيح" لابن الملقن: يقال: ما يريم يفعل، أي: ما يبرح. يقال: رامه يريمه ريْمًا، أي: برِحه، ويقال: لا ترِمْه، أي: لا تبرحه، قال ابن طريف: ما رامني ولا يريمني: لم يبرح عنِّي، ولا يُقال إلَّا منفيًّا، ولا يقال إلَّا مَنْفيًّا. ما رامني ولا يريمني: لم يبرح عنِّي". يعني: لا يفارقني، ومن ذلك ما يوجد في البهائم من قولِهم: هذه رامَتْ ولدها وتروم كذا، وإذا ماتَ ولدها دلَّسوا عليها بآخر أو بِبَوْ، وهنا البَوْ...
طالب:.....
البَوْ: الجلدُ الذي يحشى أو يُنْفخ يموه به على هذه الناقة أو الشَّاة؛ لتَدُرّ، يموه عليها بمثل هذا.
"ترومه، من قولهم: ما رامني ولا يريمني: لم يبرح عنِّي، ولا يُقال إلا منفيًّا، قال الأعشى يحكي قول بنتٍ له:

أيا أبتا لا ترِمْ عندنا

 

فإنا بخير إذا لم ترم

يعني: إذا لن تبرح عنا وتفارقنا.
"وقال ابن حجر: فلم يرم، بفتح أوله وكسر الراء، أي: لم يبرح من مكانه هذا هو المعروف، وقال الداودي: لم يصل إلى حِمْص، وزيَّفوا لم يرِمْ: لم يصِلْ، قال الداودي: لم يرم، يعني: لَم يصِلْ إلى حمص. وزيَّفوه"، يعني: ردوا عليه.
طالب:...
نعم.
وقال العيني: "قوله: فلم يرم بفتح الياء آخرُ الحروف، وكسر الراء، أيْ: لم يفارقها، يقال: ما رُمْتُ ولمْ أرِم، ولا كاد يستعمل إلا مع حرف النَّفي، ويقال: ما يريمُ يفعل، أيْ: ما يبرح، ويقال: رام أو يريم ريما، أيْ: يريحُهُ، ويقال: لا يرِمْهُ، أيْ: لا يبرَحه. قال ابن طريف: ما رامني ولا يريمني: لمْ يبرح ولا يُقال إلا منْفيًّا".
"حتَّى أتاه كتابٌ من صاحبه، فلم يرم حمص، فلم يرم حمص حتَّى أتاه كتابٌ من صاحبه"، أي: الذي بروميَة –قاله الكرماني-.  وقال ابن حجر: وفي حديث دحية الذي أشرتُ إليهِ". كلام طويل نقل عن ابن حجر وغيره.
لعلنا نقف على: "حتَّى أتاه كتابٌ من صاحبه". والله أعلم.
وصلِّ الله وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.