كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 03

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 03
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -يرحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

وعن سيار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي فقال له أبي: كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي المكتوبة؟ فقال: "كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة.

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحياناً وأحياناً إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، والصبح كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصليها بغلس. متفق عليهما.

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل)) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) متفق عليه.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)) والسجدة إنما هي الركعة. رواه مسلم.

كيف عندك متفق عليه الذي قبله؟

طالب: إي نعم يا شيخ.

متفق عليه أو عليهما؟

متفق عليه.

حديث أبي هريرة: ((من أدرك ركعة)).

متفق عليه إيه يا شيخ.

عليه، نعم.

وعن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف -أي تميل- الشمس للغروب" رواه مسلم.

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)) متفق عليه.

ولمسلم: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)).

وعن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصليهما بعد العصر؟ فقالت: "كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها.

قال إسماعيل بن جعفر: "تعني داوم عليها" رواه مسلم.

وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من الليل والنهار)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والنسائي والترمذي وصححه.

وقال بعض المصنفين الحذاق: "رواه مسلم" وهو وهم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن سيار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي" ضمير الفصل هنا لا بد منه؛ لأنه لا يجوز العطف على ضمير الرفع المتصل إلا بفاصل.

"دخلت أنا وأبي على أبي برزة" نضلة بن عبيد أو عبيد بن نضلة "الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي المكتوبة؟ فقال" الآن سيار من رجال الكتب الستة، يعني سيار مترجم في كتب رجال الكتب الستة، ترجم التقريب، لكن ماذا عن أبي سلامة؟ يترجمون له؛ لأنه من رجال السند أو لا يترجم له؟ لأنه في القصة في المتن لا في السند، وهل لضعفه أثر، لو كان ضعيفاً وجاء في مثل هذه الصورة له أثر وإلا ما له أثر؟ لأن مثل هذا يوقع بعض الطلاب في وهم، لو قال: عن فلان أن فلاناً دخل على فلان، عن سيار بن سلامة هذا ما فيه إشكال ثقة، لو قدر أنه قال: دخلت أنا وفلان الضعيف، فسأل الضعيف صحابياً عن فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- فأجابه الصحابي كما هنا له أثر في صحة الحديث أو ضعفه؟ لا أثر له؛ لأنه ليس من رجال الإسناد، ولا يترتب على ضعفه أو على ثقته تصحيح ولا تضعيف، إنما هو مذكور في القصة، دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، يعني الحديث متفق عليه على أبي برزة الأسلمي واسمه نضلة بن عبيد أو عبيد بن نضلة، وقد يقول قائل: كيف صحابي مشهور له أحاديث ويختلف في اسمه؟ نقول: هذه العادة وهي الجادة فيمن اشتهر بالكنية يضيع الاسم، كما أن من اشتهر بالاسم تضيع الكنية، الناس ليس لهم أن يحفظوا إلا ما يسمعون، وما يتردد على أسماعهم يحفظونه، فإذا كثر واشتهر الرجل بكنيته ضاع اسمه، كأبي برزة، وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة والتابعين والأئمة، وإذا اشتهر بالاسم الكنية تخفى على كثير من المتعلمين، قتادة مثلاً قتادة لو استفتينا الإخوان كم نسبة من يعرف كنيته؟ نعم؟ لأنه اشتهر باسمه، قتادة، مجاهد، وغيرهما ممن اشتهر بالاسم لا تكاد الكنية تحفظ، ولذا يختلف في كنى بعضهم إلى عشرة أقوال، قيل: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: كذا وكذا وكذا؛ لأنه اشتهر بالاسم، وهذا ممن اشتهر بالكنية فاختلف في اسمه.

"فقال له أبي: كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي المكتوبة؟" يعني الصلوات الخمس، كيف كان يصليهما؟ "فقال: كان يصلي الهجير" السؤال عن الكيفية والجواب عن الأوقات، كيف كان يصلي؟ يعني الجواب المطابق أن يكون ببيان كيفية الصلوات، لكن لعل أبا برزة في وقت لا يهتم الناس فيه بالأوقات، فرأى أن الصلاة كيفيتها لا تخفى عليه مثل خفاء الأوقات، فأجابه بذكر الأوقات، أو لعله فهم بقرينة أنه يسأل عن الأوقات.

"كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى" الهجير يعني صلاة الهجير، الواقعة في هذا الوقت في الهاجرة أي: شدة الحر، وهي الظهر، التي تدعونها الأولى، لا شك أن الظهر هي الصلاة الأولى، لماذا؟

طالب:.......

نعم هي أول صلاة صلاها جبريل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد فرض الصلاة، فهي الأولى من هذه الحيثية، وإلا إذا قلنا: إن الصبح في النهار قلنا: إن الأولى الصبح والثانية الظهر، وعلى كل حال الأولى لا خلاف في كونها الظهر هنا.

"حين تدحض الشمس" أي: حين تزول عن وسط السماء وكبد السماء، حين يعني وقت، يعني بعد الزوال مباشرة.

"ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية" يعني في أول وقتها كذلك، بيضاء نقية مرتفعة كما تقدم في الأحاديث "والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب" سيار نسي ما قال أبو برزة في المغرب، ومع ذلك بين في الأحاديث الأخرى "حين تغيب الشمس" "وكان يستحب أن يؤخر العشاء" استحباباً شرعياً "أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة" وهذا اسم يطلقه الأعراب على صلاة العشاء على ما سيأتي.

الآن في كلام حول تأخير صلاة العشاء ليطول المغرب، وتقضى فيه الحوائج كلها، وبعد العشاء يكون النوم، وهذا موافق حقيقة لنصوص كثيرة، منها: كان يستحب أن يؤخر العشاء، ومنها: كان يكره الحديث بعدها، فإذا قضيت الأعمال كلها بين العشاءين طبقت هذه السنن، لكن على ألا يكون ذلك على سبيل الإلزام؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما ألزم أحداً بذلك، والنظر في هذه المسألة على أن يكون إلزام للناس، ولا يمكن ضبط الناس في مثل هذه الأمور إلا بالإلزام، يعني كون الوقت يفتح لمدة ثلاث ساعات أو أربع ساعات، يعني من مغيب الشفق يؤذن من يؤذن، ثم بعد ذلك ينتظر من أراد تأخير الصلاة إلى ساعتين أو ثلاث كما يدرس أو يطرح، لا شك أن مثل هذا يكون فيه شيء من الفوضوية، فإذا سئل هذا فاتح المحل يقول: أنا والله صليت مع اللي أذنوا أول الوقت، وإذا سئل من فتح محله في أول الوقت يقول: أنا أريد التأخير لأصلي ثم أنام وهكذا، ثم بعد ذلك لا يمكن ضبط الأمور، فإما أن يؤطر الناس على أول الوقت كما هو الآن، أو تؤخر الصلاة بالنسبة للجميع كما يطرح ويدرس، وفي هذا ما فيه؛ لأن كثير من الناس عنده أعمال في النهار كما كان الصحابة -رضوان الله عليهم-، وانتظارهم إلى الوقت الذي تؤخر فيه الصلاة فيه مشقة عليهم، وعلى كل حال مثل هذا الاقتراح له وعليه، فيه إصابة استحباب تأخير صلاة العشاء، وفيه أيضاً القضاء على السهر؛ لأن الناس يقضون حوائجهم بعد صلاة المغرب؛ لأنه يطول ثلاث ساعات أو أكثر، فالمسألة تحتاج إلى دراسة مستفيضة وواعية، وينظر فيها إلى المحاسن والمآخذ.

"وكان يستحب أن يؤخر العشاء" لكن لو اجتمع مجموعة من الناس في سفر أو في نزهة أو ما أشبه ذلك واتفقوا على أنهم يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو ما يقرب من نصفه كان أفضل.

"التي تدعونها العتمة" هذا كلام الصحابي -رضي الله عنه-، ويريد أن يبرأ من عهدة هذه التسمية، إذا أراد الإنسان أن يبرأ من شيء نسبه إلى غيره، كما يقول الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل الذي يقال له ابن علية؛ لأنه يكره أن ينسب إلى أمه، فإذا أراد أن يبرأ من شيء نسبه إلى غيره، قال: "التي تدعونها العتمة".

"وكان -عليه الصلاة والسلام- يكره النوم قبلها" يعني صلاة العشاء؛ لأنه يكون سبباً للنوم عنها، فمن جاء محتاجاً إلى النوم ما يكفيه مدة ساعة أو نصف ساعة، فإما أن يستغرق فتفوته الصلاة أو لا يستغرق فيتكدر ويتنكد في نومه.

"وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها" الحديث بعد صلاة العشاء مكروه، ومع ذلك حصل منه -عليه الصلاة والسلام- أنه سمر يعني سهر للعلم، وترجم عليه الإمام البخاري: باب السمر في العلم، فيستثنى من ذلك ما فيه مصلحة، السهر الذي في مصلحة، تحصيل علم، أو إيناس ضيف مثلاً من باب إكرامه، أو الحديث مع أهله بشيء لا يعوقه عن تحصيل مصالحه الأولى والأخرى، أما إذا كان السمر يترتب عليه الحيلولة دون قيام الليل مثلاً فهذا يكره كراهية شديدة، وإذا كان يحول دون صلاة الصبح فهذا يحرم، السهر الذي يؤدي إلى تفويت صلاة الصبح هذا حرام بلا شك، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، إذا كان الحديث بعدها من باب المباح فهذا تتجه الكراهة إليه، أما إذا كان الحديث في استغلال الوقت في أمر محرم فلا شك في تحريمه، وعامة الناس على مثل هذا، كثير من الناس بل أكثرهم يسهرون في مشاهدة أفلام، ويسهرون على سماع أغاني، وقد يستمعون لغيبة ونميمة، وما أشبه ذلك، وهذا لا شك في تحريمه، وذكر أهل العلم في كراهية الحديث بعدها والسهر أنه ينبغي أن ينام الإنسان خاتماً أعماله بالصلاة، ولذا كان ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- إذا تكلم بعد صلاة العشاء صلى ركعتين ثم نام.

"وكان ينفتل" يعني ينصرف "من صلاة الغداة -التي هي الصبح- حين يعرف الرجل جليسه" حين يعرف الرجل جليسه، يعني يتضح له الذي بجواره فيرى ملامح وجهه فيعرفه، وهذا يدل على أنه يبادر بصلاة الصبح، إذا كان ينصرف من الصبح والمسألة مسألة معرفة؛ لأنه لو كانت المسألة وضوح وإسفار ما يحتاج أن يقال مثل هذا الكلام "حين يعرف الرجل جليسه" يعني إذا كان المسألة معرفة واضحة بحيث لا يخفى عليه شيء من تجاعيد وجهه، ما يحتاج إلى أن يقول: "حتى يعرف جليسه".

"ويقرأ بالستين إلى المائة" من ستين آية إلى مائة آية، دليل على أنه يدخل فيها في أول الوقت بغلس، يصليها في أول وقتها بعد أن يتأكد من دخول الوقت، وبعد أن تصلى الراتبة يدخل في صلاة الصبح، ثم يقرأ فيها بالستين إلى المائة، والتقدير هذه عادتهم؛ لأنه ليس لديهم ساعات، أو أمور تضبط بدقة ما يحصل، لكنهم كل يقدر بما اعتاد، منهم من يقول: رمية حجر أو حلب ناقة أو نحر الجزور، أو يقرأ بكذا، أو يصنع كذا، كلها تقريبية، يقدرون؛ لأنهم ليس عندهم شيء يدلهم على ما يريدون بدقة.

"يقرأ بالستين إلى المائة" هذه القراءة بقراءة -عليه الصلاة والسلام-، وكانت قراءته -عليه الصلاة والسلام- مداً، فهو يرتل، لكنه أحياناً يرتل أكثر من المعتاد، وأحياناً يقلل، فكان يقرأ بالسورة حتى تظن أنها أطول من السورة التي هي أطول منها، فالترتيل درجات، وأيضاً الآيات متفاوتة، بعض الآيات أضعاف أضعاف آيات أخرى، وعندنا سورة المائدة جزء وورقة إلا ربع، ومع ذلك آياتها مائة وعشرين، نعم كم آيات المائدة؟ عندكم المصحف؟ مائة وعشرين، والشعراء نصف جزء وآياتها مائتان وكم؟ ثمان عشرة، يعني أكثر بمائة آية تقريباً، وهي أقل من نصفها، فهل الآيات التي يقرأها النبي -عليه الصلاة والسلام- بالستين إلى المائة من مثل آيات المائدة، أو مثل آيات الشعراء أو الصافات مثلاً أو الرحمن؟ لا شك أن الآيات متفاوتة وقراءة الستين من المائدة تحتاج من الوقت أضعاف ما يحتاجه قراءة الستين أو المائة من الشعراء مثلاً، والمراد بمثل هذا إذا أطلق الأوساط، يعني آيات متوسطة، وهل يقرأ بهذا المقدار في الركعة الواحدة أو في الركعتين؟ احتمال، كان يقرأ بالستين إلى المائة احتمال، وثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قرأ في صلاة الصبح آلم السجدة، وسورة الإنسان، وقرأ بسور أخرى، قرأ بسورة المؤمنون، وقرأ بأطول، وقرأ بأقل، المقصود أنه ليست هناك حد محدد من الآيات للقراءة في الصلاة، بل السنة أن يقرأ أحياناً كذا، وأحياناً كذا، وثبت عنه أنه قرأ بـ{إِذَا زُلْزِلَتِ} [(1) سورة الزلزلة] في الركعتين في صلاة الصبح، ومع ذلك السنة أن تطول القراءة في صلاة الصبح، ولذا جاء تسميتها بقرآن الفجر، ولاستماع قراءة صلاة الصبح شأن عظيم، وهي صلاة مشهودة، ومن أراد أن يقف على شيء من ذلك فليطالع طريق الهجرتين لابن القيم، ولا شك أن لها تأثيراً في القلب؛ لأنها بعد راحة، وهذا لمن كان على الجادة، على الفطرة ينام بالليل وينتبه لصلاة الصبح، ويتدبر ما يقرأ، ويقرب من الإمام، وصلاة الصبح تطول فيها القراءة كما قالت عائشة: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في الحضر، وأقرت صلاة السفر إلا المغرب فإنها وتر النهار، وإلا الصبح فإنها تطول فيها القراءة".

ثم قال -رحمه الله تعالى-:

"وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة" يعني في أول وقتها، وعرفنا أنه إذا اشتد الحر فالسنة الإبراد، وتقدم هذا ((إذا اشتد الحر فابردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم)).

"والعصر والشمس مرتفعة" وتقدم أنه يصلي العصر والشمس بيضاء نقية في كبد السماء مرتفعة، ويذهب الذاهب إلى العوالي أو إلى قباء، وفي بعض الروايات ويعود والشمس مرتفعة، فدل على أنه يصليها في أول وقتها كما تقدم.

"والمغرب إذا وجبت" يعني الشمس إذا وجبت يعني سقطت، والوجوب السقوط، والوجوب السقوط {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا} [(36) سورة الحـج] يعني إذا سقطت، إذا وجبت يعني غابت بكاملها.

"والعشاء" يدل على أن المغرب تعجل كالعصر والظهر "والعشاء أحياناً وأحياناً" يعني أحياناً يعجلها، وأحياناً يؤخرها تبعاً للأرفق بالمصلين، وهذا من يسر هذا الدين، ومن شفقة النبي -عليه الصلاة والسلام- بأصحابه وبأمته "العشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل" فلا يحبسهم، إذا رآهم اجتمعوا عجل، بادر بأداء الصلاة "وإذا رآهم أبطؤوا" يعني تأخروا عن المجيء إليها أخر الصلاة حتى يكتمل العدد.

قد يقول قائل: إنه إذا رآهم اجتمعوا وعجل فاتت الصلاة بعض الناس إلا إن كان المراد إذا اجتمعوا كلهم، فهذا لا يترتب عليه شيء، لكن إن رآهم اجتمعوا يعني جلهم، ثم تأخر من تأخر منهم هذا يترتب عليه أنه تفوته الصلاة، وقل مثل هذا في العكس إذا رآهم أبطؤوا، إن رآهم تأخروا كلهم بمعنى أنه لم يحضر للمسجد أحد، ثم جاءوا بعد ذلك بوقت واجتمعوا أخر الصلاة إلى أن يجتمعوا، لكن لو قدر أنه اجتمع كلهم إلا أفراد وترتب على ذلك أنه تفوتهم الصلاة، أو تأخروا وتقدم مجموعة منهم تقدم اثنين ثلاثة خمسة وتأخر الباقي، هل تؤخر الصلاة من أجلهم فيتضرر هؤلاء الذين تعجلوا، تقدموا؟

ظاهر العبارة أنه إذا رآهم اجتمعوا كلهم، أو رآهم أبطؤوا -تأخروا- كلهم، لكن إذا تقدم بعضهم وتأخر بعضهم من الذي يراعى ويلاحظ؟ هل يلاحظ الجالس في بيته أو الذي جاء إلى المسجد؟ لا شك أن من جاء إلى الصلاة هو أولى بالمراعاة والعناية، وإذا كان التأخير وملاحظة من تأخر لا يضر بمن تقدم وتعجل، فمثل هذا يراعى فيه من تأخر، وقل مثل هذا في الإمام في الركوع ينتظر الداخل، الإمام في الركوع إذا سمع الداخل، فمن باب الإحسان إليه ليدرك الركعة، وقد تكون الركعة الأخيرة فيدرك الجماعة، يترتب عليه أنه يطول على المأمومين من أجل انتظار هذا الداخل، فإذا لم يشق على المأمومين انتظر وإلا فلا؛ لأن من تقدم أولى بالمراعاة ممن تأخر.

"وإذا رآهم أبطؤوا أخر" يعني لو جاء الإمام إلى صلاة العشاء بعد الأذان بثلث ساعة كما هو المقرر بعشرين دقيقة، ثم ما وجد في المسجد إلا واحد أو اثنين، والجماعة إذا سلم وجدهم صفين، هل نقول لمثل هذا: تأخر حتى يجتمع الجميع ولو شق على الموجودين هم على خير ما داموا ينتظرون الصلاة على خير، وقد يكون بعضهم يقرأ القرآن يستفيد، لكن مثل هذا يترتب عليه أن هؤلاء الذين اعتادوا التأخر يتأخرون زيادة، يعني ينتظرهم عشر دقائق ما أقام إلا بعد نصف ساعة، من الغد لن يحضروا إلا بعد الإقامة، لن يحضروا إلا بعد الإقامة، ولذا يرى بعض المشايخ أن الإقامة لا تكون بالمكبر؛ لأن الناس يرتبطون بها، فمن كان من عادته التأخير يؤخر ولو تأخر الإمام، هذا هديه -عليه الصلاة والسلام- أنه إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، فعلى هذا الإمام لا ينظر في مصلحته الخاصة؛ لأن بعض الناس ينظر على مصلحته الخاصة عنده مشوار بعد الصلاة يعجل، عنده ضيوف قبل الصلاة يؤخر، هذا لا ينظر الإنسان إلى مصلحته، بل عليه أن ينظر إلى المصلحة العامة ولا يشق على المأمومين؛ لأن من شق على الناس شق الله عليه.

"والصبح" يعني يصلي الصبح "والصبح كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصليها بغلس" بغلس، وهو اختلاط ظلمة الليل بضوء الصبح، بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر، الصبحَ منصوب، الصبح منصوب وإلا مرفوع؟ يجوز رفعه وإلا ما يجوز؟

طالب: يجوز.

والصبحَ النصب على إيش؟

طالب:.......

معطوف على المنصوب "يصلي الظهر" أو منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور المشتغل بالضمير يسمونه اشتغال "ويصلي الصبح"، "كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يصليها بغلس، متفق عليهما" يعني الحديث هذا والذي قبله.

"وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل)) رواه مسلم" هم يسمونها..، الأعراب يسمونها العتمة، وما زال هذا الاسم موجود عند بعض الأعراب، الاسم العتمة موجود، ونتعتم يعني نسهر أيضاً موجود، العتمة الظلام يسهرون في الظلام، فالأعراب يسمون العشاء العتمة، واسمها الشرعي العشاء، فعلى هذا لا ينبغي أن تغلب الحقائق العرفية على الحقائق الشرعية، بل المعول على الحقائق الشرعية، بعض الجهات يسمون المغرب العشاء، والعشاء يسمونها الأخير، صلينا العشاء يعني المغرب، صلينا الأخير يعني العشاء الآخرة، هذا موجود في بعض الجهات من نجد، ولا ينبغي أن تغلب مثل هذه التسميات العرفية على التسميات الشرعية، ومفهوم قوله: ((لا تغلبنكم)) أنه لا مانع من الإطلاق أحياناً، إنما المنهي عنه الغلبة بحيث لا يطلق عليها إلا هذا، ولذا جاء أعتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعشاء، وجاء أيضاً لفظ العتمة في بعض النصوص، المقصود أن المنهي عنه أن يغلب على هذا الاسم بحيث لا تعرف إلا به.

((لا تغلبنكم الأعراب)) ولا ناهية، والفعل متصل بنون التوكيد الثقيلة، وفي الأصل مجزوم بلا الناهية، والباء عندكم مجزومة وإلا مفتوحة؟ يعني لو لم يكن فيه النون لا تغلبْكم الأعراب، وهنا قال: ((لا تغلبنكم)) مفتوحة، يعني مبنية على الفتح، لماذا؟ لاتصاله بنون التوكيد، والمضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح، إذا اتصل بنون التوكيد شريطة أن تكون مباشرة، ليس هناك فاصل بينها وبين الفعل، ثم ليكونن، هذا إيش؟ مبني على الفتح وإلا غير مبني ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن)) هذا إيش فيه؟ مبني على الفتح؟ لا، لماذا؟ لأن النون غير مباشرة، فيه فاصل، الفاصل واو الجماعة.

((لا تغلبنكم الأعراب)) الأعراب: جمع أعرابي ((على اسم صلاتكم)) دليل على أن التسميات الشرعية ينبغي أن يهتم بها، ويعتنى بها؛ لأنه يرتب عليها أحكام، فإذا غلب عليها ونسيت اختلت هذه الأركان وهذه الأحكام، تختل هذه الأحكام، فمن صار عنده التداول لهذه الأسماء بالاصطلاحات العرفية لا شك أنه يقع في خلل، فيما يترتب على ذلك من أحكام.

ضربنا مثال في مناسبات بالمحروم، المحروم حقيقته العرفية عند الناس الذي عنده الأموال الطائلة لكنه لا ينفق على نفسه من هذه الأموال، فهل نقول: إن مثل هذا له نصيب في الزكاة {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [(24-25) سورة المعارج] هذه حقيقة عرفية، لكن هل هذه الحقيقة الشرعية؟ لا، ليست هي الحقيقة الشرعية، فإذا مشينا على الحقيقة العرفية وقعنا في مثل هذا الخطأ، وصرفنا الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام في غير مصرفها أعطيناها غني، ونحن نعلم أنه غني، لكن لو لم نكن نعلم أنه غني، سأل وهو غني ولا نعرف، وغلب على الظن صدقه مثل: "لعله يستعف بها ولعله يستغني بها ويرعوي" وعلى هذا لا بد من معرفة الاصطلاحات الشرعية، وكل ما قرب الاصطلاح العرفي سواءً كان العام أو الخاص عند أهل العلم من الاستعمالات الشرعية كان أولى، ولذا تجدون في الاصطلاحات العرفية الخاصة عند أهل العلم نوع من الاختلاف مع الاصطلاحات الشرعية والحقائق الشرعية، تجدون في كل علم نوع اختلاف، لكن أولاها بالاهتمام والقبول ما قرب من الاصطلاح الشرعي، قد يكون للفظة أكثر من حقيقة شرعية كالمفلس مثلاً له أكثر من حقيقة شرعية، جاء الشرع بأكثر من معنى أنه من لا درهم له ولا متاع، ممن يحجر عليه في أمواله هذا مفلس، ومن وجد متاعه عند رجل قد أفلس هذا المراد به، والمفلس من يأتي بأعمال أمثال الجبال أيضاً مفلس، فالحقيقة الشرعية إما أن تكون واحدة للفظ واحد، أو تكون أكثر من حقيقة للفظ واحد، والأكل والشرب له أكثر من حقيقة شرعية، الأصل فيه في الحقائق الثلاث اللغوية والعرفية والشرعية أنه إدخال الطعام إلى الجوف بواسطة الفم، وإدخال الشراب إليه بواسطة الفم، هذا الأكل والشرب، لكن ماذا عن قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)) لو حملناه على هذه الحقيقة لقلنا: إنه غير مواصل؛ لأنه يأكل حقيقة، فهناك أكل حقيقته غير هذه الحقيقة، وهو اصطلاح شرعي، فيكون للطعام والشراب أكثر من حقيقة.

((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء)) يعني اسمها الشرعي العشاء ((وهم يعتمون بالإبل)) فلهذا جاءت التسمية لهذه الصلاة في هذا الوقت بالعتمة؛ لأنها تصلى في هذا الوقت الذي يعتمون فيه. رواه مسلم.

"وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر))".

((من أدرك)) من أمكنه أن يفعل ركعة كاملة بركوعها بقيامها وركوعها وسجدتيها من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، يعني أدرك وقتها، وصار فعله لها في الوقت أداءً، إذا أدرك ركعة كاملة فقد أدرك، وأقل من ركعة لا يسمى صلاة، يعني من أدرك ركعة كاملة من النافلة قبل إقامتها هذا لا يقطعها؛ لأنه أتى بركعة كاملة تسمى صلاة فليتمها، أما إذا لم يصل ركعة كاملة فإنه لم يدرك هذه الصلاة فليقطعها.

((من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس)) عرفنا أن وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لو صلى ركعة قبل طلوع الفجر وركعة بعد طلوع الفجر أدرك وإلا ما أدرك؟ صلاته صحيحة وإلا لا؟ صلاته باطلة؛ لأنه دخل فيها قبل دخول الوقت، وحينئذٍ تنقلب نافلة، فعليه أن يأتي بالفريضة بعد ذلك.

العكس صلى ركعة في الوقت، ثم خرج الوقت طلعت الشمس أدرك الصبح، معنى أدرك الصبح جاء مفسراً في بعض الروايات عند البيهقي وغيره: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس ثم أضاف إليها أخرى فقد أدرك الصبح)) لا يعني هذا أنه يكتفي بركعة ويكون مدركاًَ للصبح، لا لم يقل بهذا أحد، وهذا الفهم باطل؛ لأن جاء تفسير الحديث بالروايات الأخرى: ((وأضاف إليها أخرى قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) وحينئذٍ يكون فعلها أداء في الوقت؛ لأنه أدرك، ومنهم من يقول: قضاء، ومنهم من يقول: ما أدركه في الوقت أداء، ركعة أداء وركعة قضاء، وهذا هو الجاري على القاعدة، لكن الحديث يدل على أنه أدرك الصلاة أداءً فقد أدرك الصبح، ما قال: أدرك الركعة، أدرك الصبح يعني كاملة أداءً في وقتها، وهذا من فضل الله -جل وعلا- على هذا المدرك.

((ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) مثلها، أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس، ثم أضاف إليها ثلاث ركعات فقد أدرك العصر، يعني مثل هذا ألا يمكن أن يقال: إن الحكم للغالب؟ يعني أدرك في الوقت الغالب صلى ثلاث ركعات في الوقت، وركعة خارج الوقت الحكم للغالب أدرك الوقت، إذا صلى ركعة وثلاث ركعات خارج الوقت نقول: يقضي قضاء الآن؛ لأن الحكم للغالب، أو نقول: لا، النص يدل على خلاف ذلك، وهذا من فضل الله -جل وعلا- أن جعله مدركاً لوقت الصلاة.

((ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) وصارت في وقتها أداءً إلا أنه لا يجوز له أن يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت؛ لأن وقت الاختيار ينتهي باصفرار الشمس، أما إذا شغل عنها وهناك عذر قهري حمله على هذا التأخر إلى أن قرب وقت مغيب الشمس، ثم أدرك من الوقت ركعة كاملة ثم غربت الشمس فإنه حينئذٍ يكون قد أدرك الوقت، ولو كان غالب...... بعد خروج الوقت، وهذا من فضل الله -جل وعلا- على عباده.

طلوع الشمس يكون بخروج أي جزء منها ولو بجزء يسير؛ لأنها يصح أن يقال: طلعت، ومغيبها لا يكون إلا بمغيب كاملها، وقرنها طرفها الأعلى، فإذا بان طرفها الأعلى في الطلوع يصح أنها طلعت، وإذا غاب طرفها الأعلى يصح أن نقول: إنها غابت.

"متفق عليه".

من أدرك الإدراكات بالنسبة للصلاة منها: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك الركوع، وإدراك الركعة، وإدراك الجماعة، وإدراك الجمعة، وإدراك الوقت، فإدراك تكبيرة الإحرام بما يكون؟ تكبيرة الإحرام بما تدرك؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

يعني بمجرد إذا كبر فكبروا؟ يعني لو كبر الإمام وبيدك السواك تتركه، أو تتسوك ثم تكبر؟

طالب:.......

نعم؟

طالب: بالوقوف بالصف.

مباشرة، يعني على هذا لو كان السواك بيدك ما تتسوك.

طالب:.......

غيره.

طالب:.......

بتمامها أو بالبداية بها؟

طالب:.......

منهم من يقول: بالفراغ من الفاتحة، ويدل لهذا بقول بلال: "لا تسبقوني بآمين" والقول الجاري على القواعد عند أهل العلم أنه إذا شرع في الفاتحة وشرع في الركن الذي يلي تكبيرة الإحرام انتهى الركن الأول، الركن الأول تكبيرة الإحرام، والثاني الفاتحة، فإذا شرع في الركن الثاني انتهى الأول، فلا يكون مدركاً لتكبيرة الإحرام بعد شروع الإمام في الفاتحة.

إدراك الركوع يكون بالتكبير -بتكبيرة الإحرام-، ثم للانتقال من القيام إلى الركوع، وإن تركه مكتفياً بتكبيرة الإحرام على أن ينوي تكبيرة الإحرام، وأدخل التكبيرة الصغرى في الكبرى؛ لأن التداخل في مثل هذا معروف عند أهل العلم، فإذا كبر للإحرام أو ينويهما معاً، ثم انحنى هصر ظهره، ووافق الإمام في جزء من الركوع، يعني ركع والإمام راكع، لا يعني أنه ركع والإمام يرفع، ولو تأخر في قوله: سمع الله لمن حمده، لا يدرك الركوع؛ لأن العبرة بالفعل لا بالقول، فإذا أدرك الإمام وانحنى معه ووافقه في جزء من هذا الركوع فإنه يكون مدركاً للركوع، وبه تدرك الركعة.

والجماعة استدل بهذا الحديث من يقول: إن الجماعة لا تدرك إلا بركعة، وأقل من ركعة لا يسمى صلاة، أقل من ركعة لا يسمى صلاة، وهذا ما يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، فإذا أدرك الركوع في الركعة الأخيرة أدرك الجماعة، وإذا فاته الركوع فاتته الجماعة، فهو في حكم المنفرد، وأكثر العلماء على أن الجماعة تدرك بإدراك جزء منها، ولذلك في كتب الحنابلة من كبر تكبيرة الإحرام قبل سلام إمامه التسليمة الأولى أدرك الجماعة ولو لم يجلس.

وقل مثل هذا في إدراك الوقت، عند جمع من أهل العلم أن من أدرك جزءاً من الصلاة ولو تكبيرة الإحرام قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، أو قبل خروج الوقت في غيرهما من الصلوات فإنه يكون مدركاً للوقت، لكن الحديث نص في أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة.

يكثر السؤال عمن جاء والإمام رافع من الركعة الأخيرة، هل يدخل معه أو ينتظر جماعة أخرى؛ ليكون مدركاً لها بيقين؟

حديث: ((إذا جاء أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام)) يدل على أنه يدخل ولو في التشهد، لا سيما على قول من يقول: إن الجماعة تدرك بإدراك أي جزء من الصلاة، أما من يقول: إن صلاة الجماعة لا تدرك إلا بركعة، ويغلب على ظنه أنه يلحق بجماعة أخرى، فيكون مدركاً لها بيقين فهؤلاء يقولون: ينتظر؛ ليدرك الجماعة بيقين.

ثم قال -رحمه الله-:

"وعن عائشة -رضي الله عنها"...

بقي عندنا إدراك الجمعة، نعم انتهينا من إدراك تكبيرة الإحرام والركوع وبه تدرك الركعة والجماعة بقي الجمعة.

الجمعة حتى عند من يقول: إن الجماعة تدرك بأقل جزء قبل سلام الإمام لا يقول بأن الجمعة تدرك بأقل من ركعة، لا بد أن يصلي مع الإمام ركعة كاملة، ثم يضيف إليها أخرى؛ ليكون مدركاً للجمعة، أما إذا فاتته الركعة الثانية ولو أدرك بقيتها فإنه حينئذٍ يصليها ظهراً.

ويفرعون على هذا مسائل كثيرة منهم من يقول: العبرة بالإمام، فإذا رفع الإمام من الركعة الثانية انتهت الجمعة، فمن جاء بعد ذلك يصليها ظهر، ولو أدرك مع الإمام ما أدرك، ومنهم من يسترسل ويقول: إذا أدركت مع من أدرك الجمعة ركعة تصلها جمعة، يعني لو أن شخصاً فاته ركعة أدرك الجمعة بالركعة الثانية، ثم قام ليقضي فأدركت هذه الركعة معه تصلي جمعة، ثم قمت لتقضي هذه الركعة التي فاتتك وأنت أدركت جمعة يأتي معك من يصلي جمعة وهكذا، لكنه قول ضعيف، فالعبرة بالإمام، والجمعة والجماعة منوطة به.

بعد هذا يقول:

"وعن عائشة -رضي الله عنه- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أدرك من العصر سجدة))" هذه حجة من يقول: إن الركعة أو الجماعة أو الوقت..، من يقول: إن الجماعة والوقت تدركان بإدراك سجدة ولو فات الركوع، فإذا جاء والإمام ساجد أدرك الجماعة في الركعة الأخيرة، وإذا أدرك سجدة من الوقت فقد أدرك الوقت، لكن هل يتصور إدراك سجدة من غير إدراك الركوع؟ نعم يعني من يستدل بأن المراد إدراك أي جزء، يعني لو كبر تكبيرة الإحرام ثم غابت الشمس فهو مدرك للعصر، مستدل بإدراك سجدة، هل يتم استدلاله بهذا؟ لا يتم، لماذا؟ لأن الركوع قبل السجود، فمن أدرك السجدة فقد أدرك الركعة بيقين؛ لأن الركوع قد وقع قبله.

((من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها)) والسجدة إنما هي الركعة.

وهذه الجملة منهم من يقول: إنها من أصل الحديث، من كلامه -عليه الصلاة والسلام-، ومنهم من يقول: إنها مدرجة من كلام الراوي، وعلى كل حال الراوي أدرى بما روى، ويرد الركوع ويراد به السجود، كما أنه يرد السجود ويراد به الركوع.

هنا السجدة إنما هي الركعة {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} [(58) سورة البقرة] هل يتصور أن يدخلون سجداً أو ركعاً؟ ركعاً، يدخلونه وهم ركوع لا سجود؛ لأن من سجد لا يستطيع أن يدخل الباب، إنما يدخله راكعاً منحنياً، {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [ص:24] يعني في سجدة ص هل نقول: إنها ركوع فقط "خر راكعاً" أو هي سجدة؟ نعم؟ سجود وإلا ركوع؟ سجود بلا شك، وعلى هذا يرد السجود ويراد به الركوع، والعكس.

"والسجدة إنما هي الركعة" والحديث يدل على ما دل عليه الحديث السابق، وهو أن من أدرك من وقت صلاة الفجر ركعة كاملة فإنه حينئذٍ يكون مدركاً.

إذا قلنا: إن من أدرك سجدة فقد أدرك ركعة لا محالة، وهذا ما يدل عليه الحديث الثاني حديث عائشة، لكن ماذا عن حديث أبي هريرة؟ هل نستطيع أن نقول: إن الذي كبر للإحرام قبل خروج الوقت ووقف وقرأ، ثم ركع إذا أدرك الركوع في الجماعة أدرك الركعة، لكن هنا إذا أدرك الركوع هل يكون مدركاً للوقت أو لا؟ أو لا بد أن نقول: إن الركعة هي كاملة، بقيامها، بركوعها، بسجدتيها، بأذكارها، لا بد أن يدركها كاملة؛ ليكون مدركاً للوقت؛ لأن أقل ما تطلق عليه الصلاة ركعة كاملة.

بعد هذا أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة نتركها للغد؛ لأنها تحتاج إلى شيء من التفصيل والوقت انتهى، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.