تعليق على تفسير سورة البقرة (96)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الإمام ابن كثير –رحمه الله تعالى-: "{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256].

يَقُولُ تَعَالَى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين} [البقرة:256] أَيْ: لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، جَلِيٌّ دَلَائِلُهُ وَبَرَاهِينُهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُكْرَهَ أَحَدٌ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ، وَنَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلَى بَيِّنَةٍ، وَمَنْ أَعْمَى اللَّهُ قَلَبَهُ، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ فِي الدِّينِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا.

وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلاة".

التاء مربوطة أم مفتوحة؟

طالب: مربوطة.

مِقلاتًا.

"كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلاتًا فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} [البقرة:256].

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ بُنْدَار بِهِ، وَمِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ نَحْوَهُ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ".

طالب: ...........

لا تلد أو لا يُحمل لها.

طالب: ...........

أو لا يعيش لها ولد، هذا هو السبب الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير –رحمه الله- ثم بيَّنه بالرواية، وأن الأنصار كان اختلاطهم بسبب المجاورة باليهود، وكانوا يرونهم على الدين الحق؛ لأنهم مشركون، فإذا كانت المرأة مِقلاتًا لا يعيش لها ولد نذرت أنها إن عاش لها ولد أن تُهوده؛ لأن اليهود قدوات بالنسبة لهم؛ لأنهم مشركون، فاجتمع نفر من هؤلاء الأولاد الذين نُذِروا أن يُهوَّدوا والتحقوا باليهود؛ فلما أُجلي اليهود من المدينة تبعهم هؤلاء؛ لأنهم يهود مثلهم، فأراد أهلوهم أن يكرهوهم على الإسلام؛ من أجل أن يبقوا في المدينة، فنزل قوله –جلَّ وعلا-: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] حُكمهم حُكمهم ما دام تَهودوا صاروا يهودَ معهم فحُكمهم حُكمهم.

وهذه الآية وقد نزلت على سببٍ خاص لو لم يرد لها معارض قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يكون لهم ولغيرهم، فإذا وجِد ما يُعارض مفهوم الآية من منطوق صريح في القرآن والسُّنَّة؛ لأنه لا بُد من التخيير بين الإسلام وبين الجزية أو القتل، لا بُد من الدخول في الإسلام أو بذل الجزية أو القتل كما كان النبي –عليه الصلاة والسلام- يُوصي أمراء الجيوش إذا حاصروا بلدًا خيَّروهم بين هذه الأمور، وهذا أمرٌ مستفيض ومستقر في الشريعة، ومعلومٌ عند الخاص والعام لا يُوجد من أهل العلم من قال: إن المشرك يبقى على شِركه، ولا يُكره على آحاد هذه الأمور.

دل على أن عموم الآية منسوخ، وهذه الآية مما يُروَّج له في الأزمان المتأخرة بسبب الضغوط التي تَرد على المسلمين من غيرهم، وبسبب ضعف المسلمين الذي جرَّأ الكفار على أن يلزموا بعض المسلمين بمثل هذه المفاهيم، وإلا فالذي استقر عليه الأمر ما كان يوصي به النبي –عليه الصلاة والسلام- أمراء الأجناد أن يُخيِّروا من يُحاصروه، لو لم يكن مثل هذا لبقي المسلمون في المدينة ولم يخرجوا إلى قتال من كفر بالله، قال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة:123] {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التحريم:9] آيات كثيرة تأمر بقتال من كفر بالله، وفي أهل الكتاب قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].

فلا يُفهم من قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] أن كل شخص له الحرية يبقى على دينه في بلاد المسلمين، هذا السبب الذي وردت فيه الآية، ونزلت عليه الآية، واضح أن هؤلاء تهودوا وصاروا يهودًا؛ ولذا صار حكمهم حكم اليهود لما أُجلي اليهود أُجلوا معهم، فمن باب شفقة الآباء والأمهات على أولادهم في عدم المفارقة، وأن يبقوا معهم أكرهوهم، أرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فأنزل الله –عزَّ وجلَّ-: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} [البقرة:256] وإلا عجب ربك من قومٍ يُقادون على الجنة بالسلاسل، وهذا فيه الإكراه ظاهر يُجاء بهم أُسارى مقيدين بالسلاسل، فإن أسلموا وإلا ضُرِبت أعناقهم، أو استُرِقوا إلى آخر ما هو معروفٌ في بابه؛ لأن الشيخ في تفسير الآية "وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا"، لكن هل هذا العموم باقٍ مُحكم، هذا الحكم العام هل هو باقٍ مُحكم {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] لجميع الناس لهم أن يبقوا على أديانهم؟

لا.

طالب: ...........

عموم هذا التخيير دائرٌ بين ثلاثة أشياء، وكلها إكراه.

طالب: ...........

لا يُجبَر، لكنه مُكره على دفع الجزية، والتخيير بين أمور ملزمة هو إكراه، يعني لا إكراه لمن دفع الجزية هذا صحيح، لكن أصل الإكراه على دفع الجزية إكراهٌ على نظيره إما هذا وإما هذا ما تبقى هكذا، فالإكراه باقٍ.

طالب: ...........

لا بُد من أحدها.

طالب: ...........

والقتل خيار من الخيارات.

طالب: ...........

كيف؟

طالب: ...........

في حال ضعف المسلمين الإمام مُخيَّر مع أهل المشورة وأهل العلم يصنع ما هو الأصلح بعقد صلح طويل المدى؛ لأنه يرى ما فيها من الضعف ما يقتضي هذا صار لا بُد منه، ماذا يفعل؟ يُجاهد الناس وما عنده شيء؟ ما يُمكن أن يُلقي بهم إلى التهلكة.

طالب: ...........

لا لا، «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» الحديث في الصحيح.

"وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحُرَشِيِّ مولى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ: الْحُصَيْن كَانَ لَهُ ابْنَانِ نَصْرَانِيَّانِ، وَكَانَ هُوَ رَجُلًا مُسْلِمًا فَقَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَلَا أَسْتَكْرِهَهُمَا فَإِنَّهُمَا قَدْ أَبَيَا إِلَّا النَّصْرَانِيَّةَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ذَلِكَ.  

رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَرَوَى السُّدِّيُّ نَحْوَ ذَلِكَ وَزَادَ: وَكَانَا قَدْ تَنَصَّرَا عَلَى يَدَيْ تُجَّارٍ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ يَحْمِلُونَ زَيْتًا، فَلَمَّا عَزَمَا عَلَى الذَّهَابِ مَعَهُمْ أَرَادَ أَبُوهُمَا أَنْ يَسْتَكْرِهَهُمَا، وَطَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ يَبْعَثَ فِي آثَارِهِمَا، فَنَزَلَتْ هذه الآية.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ، قال: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ أُسَّق".

أُسَق.

طالب: ...........

هي رواية مترددٌ فيها، ولها إما شك من الراوي وإلا فالسند في ابن جرير تكرر مئات المرات بهذه الطريقة، تكلم عليه الشيخ أحمد شاكر، وطوَّل عليه في تعليقه على ابن جرير، وهو مضعَّف السند، مُضعَّف.

طالب: ...........

أُوسَق.

"عَنْ أُسَقٍ: قَالَ: كُنْتُ فِي دِينِهِمْ مَمْلُوكًا نَصْرَانِيًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَآبَى فَيَقُولُ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] وَيَقُولُ: يَا أُسَق لَوْ أَسْلَمْتَ لَاسْتَعَنَّا بِكَ عَلَى بَعْضِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.

وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُدْعَى جَمِيعُ الْأُمَمِ إِلَى الدُّخُولِ فِي الدِّينِ الْحَنِيفِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَى أَحَدٌ مِنْهُمُ الدُّخُولَ فِيهِ وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ أَيْ يَبْذُلِ الْجِزْيَةَ".

أو يعني: إما أن يُسلِم أو يبذل الجزية.

"أو يَبْذُلِ الْجِزْيَةَ قُوتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ، وَهَذَا مَعْنَى الْإِكْرَاهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون} [الفتح:16]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التَّحْرِيمِ:9]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التَّوْبَةِ:123]، وَفِي الصَّحِيحِ: «عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ» يَعْنِي: الْأَسَارَى الَّذِينَ يَقَدَمُ بِهِمْ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فِي الْوَثَائِقِ".

في الوثاق.

"فِي الْوَثَاقِ وَالْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ".

والقيود.

"فِي الْوَثَاقِ وَالْأَغْلَالِ وَالْقُيُودِ وَالْأَكْبَالِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُسْلِمُونَ وَتَصْلُحُ أَعْمَالُهُمْ وَسَرَائِرُهُمْ، فَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِرَجُلٍ: «أَسْلِمْ» قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي كَارِهًا. قَالَ: «وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا» فَإِنَّهُ ثُلَاثِيٌّ صَحِيحٌ".

يعني ليس من هذا القبيل؛ لأن الكاره غير المُكرَه، فيه فرق بين كاره ومُكرَه، الكاره بدون إكراه يدخل بالشيء، أو يأكل الشيء، أو يشرب الشيء، لكن فيه تردد عنده، ولكن المُكرَه من يُرغم على هذا الفعل.

"وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْرِهْهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْإِسْلَامِ، بَلْ دَعَاهُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ قَابِلَةً لَهُ، بَلْ هِيَ كَارِهَةٌ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُكَ حُسْنَ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ».

وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256] أَيْ: مَنْ خَلَعِ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ".

من خلعَ، ليكفر من خلع.

"أَيْ: مَنْ خَلَعَ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللَّهِ، وَوَحَّدَ اللَّهَ فَعَبَدَهُ وَحْدَهُ وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة:256] أَيْ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَمْرِهِ وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ".

طالب: ...........

الخيارات التي جاءت بها النصوص، وأما ما عداها فلا.

طالب: ...........

لا، هو إذا كان في حال ضعف، ولا يُمكن تطبيق الخيارات فهذا شيء آخر، ما هي بحالة يُجرى له حُكم ثابت، إنما هي تُقدَّر بقدرها.

طالب: ...........

الأصل أنهم جاءوا مكرهين، وهذا هو في الأصل قِيد بالسلاسل والأغلال، ثم لما أسلم وصلحت نيته ودخل في الإسلام طائعًا مختارًا انتهى الإكراه، فالسلاسل انتهت.

"قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْبَلَدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَسَّانَ -هُوَ ابْنُ فَائِدٍ الْعَبْسِيُّ- قَالَ: قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِنَّ الجِبت: السّحرُ، وَالطَّاغُوتَ: الشَّيْطَانُ، وَإِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالْجُبْنَ غَرَائِزُ تَكُونُ فِي الرِّجَالِ يُقَاتِلُ الشُّجَاعُ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ، وَيَفِرُّ الْجَبَانُ عنْ أُمِّهِ، وَإِنَّ كَرَمَ الرَّجُلِ دِينُهُ، وَحَسَبَهُ خُلُقُهُ، وَإِنْ كَانَ فَارِسِيًّا أَوْ نَبَطِيًّا.

وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِير، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ عُمَرَ فَذِكَرَهُ".

يفر الجبان عن أمه، ويُدافع الشجاع عمَّن لا يعرف، الجُبن والشجاعة ليس مردها إلى القرب والبُعد أو إلى قوة البدن وضعفه، هي غرائز في القلب، تجده نضو الخلقة، وقلبه قويٌّ جريء يغلب من يزنه مرارًا ممن ليس كذلك.

"وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الطَّاغُوتِ: إِنَّهُ الشَّيْطَانُ قَوِيٌّ جِدًّا، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ شَرٍّ كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالتَّحَاكُمِ إِلَيْهَا وَالِاسْتِنْصَارِ بِهَا.

وَقَوْلُهُ: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256] أَيْ: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب.

وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا تَنْفَصِمُ فَهِيَ فِي نَفْسِهَا مُحْكَمَةٌ مُبْرَمَةٌ قَوِيَّةٌ، وَرَبْطُهَا قَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَلِهَذَا قَالَ: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ} [البقرة:256] الآية.

قَالَ مُجَاهِدٌ: العروة الوثقى يَعْنِي: الْإِيمَان، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْإِسْلَامُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: العروة الوثقى: الْقُرْآنُ.

وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: هُوَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ".

هي متقاربة، ومردها إلى شيءٍ واحد، وهذا من اختلاف التنوع الذي يذكره أهل العلم، وكلها أمثلة لهذه الكلمة.

قوله: "هُوَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ"؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ»، فالحب في الله والبغض في الله من الاستمساك بالعروة الوثقى، ومن أفرادها، وهو أوثقها كما جاء في الحديث الصحيح.

"وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا.

وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي قَوْلِهِ: {لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256] لَا انْقِطَاعَ لَهَا دُونَ دُخُولِ الْجَنَّةِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256]، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرَّعْدِ:11]".

في الأصل أنه إذا استمسك بهذه العروة الوثقى التي لا تنفصم أنه يثبت عليها ولا يتركها، ولا تنفصم بيده إلا إذا تسبب في ذلك، إذا كان هو السبب في ذلك الإنسان المتعلق بشيء متين قوي ثابت راسخ ما دام مستمسكًا به ومتعلقًا به ما يسقط، لكن إن أطلقه سقط؛ ولذلك يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرَّعْدِ:11]، ما داموا مستمسكين بهذه العروة الوثقى فلن يتغير عليهم شيء، لكن إن أطلقوا هذه العروة وأرسلوها ولم يستمسكوا بها، فإن حالهم سيتغير بلا شك.

واحد من المشايخ رأى في النوم أنه كأن حبلين من السماء دُلِّيَا إلى الأرض، فأخذ أحدهما باليمنى، والثاني باليسرى، وصعد بهما، ثم صارا واحدًا، حبلًا واحدًا وهو معروفٌ بلزوم السُّنَّة، فالحبلان: الكتاب والسُّنَّة، ومردهما إلى شيءٍ واحد، والله المستعان. 

"وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بن قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ".

عن مُحمدٍ عن قيس بن عُباد.

"عَنْ مُحَمَّدٍ عن قَيْسِ بْنِ عُبَّادٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْجَزَ فِيهِمَا، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا خَرَجَ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ فَحَدَّثْتُهُ، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- قَصَصْتُهَا عَلَيْهِ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَذَكَرَ مِنْ خُضْرَتِهَا وَسِعَتِهَا-وَسَطُهَا عَمُودُ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِيَ: اصْعَدْ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَف -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: هُوَ الْوَصِيفُ- فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، فَقَالَ: اصْعَدْ، فَصَعِدْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَالَ: اسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: «أَمَّا الرَّوْضَةُ فَرَوْضَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعَمُودُ فَعَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، أَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ».

قَالَ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ: فقمت إليه، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِهِ.

طَرِيقٌ أُخْرَى وَسِيَاقٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أنبأنا حَسَنُ بْنُ مُوسَى وَعَثمانُ".

عندنا حدثنا.

طالب: ...........

نعم حدَّثنا حسن بن موسى وعفان.

طالب: عندنا أنبأنا وعثمان.

طالب: ...........

حسن بن موسى معروف الأشيب.

"قَالَا: أنبأنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ".

حدَّثنا، أنت عندك ثنا أم نا أم أيش؟

طالب: أنبأنا مكتوبة كتابة.

حدَّثنا حمَّاد بن سلمة.

"عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ".

ابن أبي النجود معروف، القارئ المشهور.

"عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى أشْيَخَةٍ".

أو مشيخة.

طالب: مشيخة؟

لأنه هذا وهذا كله في النسخ.

"فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَجَاءَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنَّ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَقَامَ خَلْفَ سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: الْجَنَّةُ لِلَّهِ يُدخلها مَنْ يَشَاءُ، وَإِنِّي رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رُؤْيَا، رَأَيْتُ كَأَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ: انْطَلِق. فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَلَكَ بِي مَنْهَجًا عَظِيمًا فَعَرَضَتْ لِي طَرِيقٌ عَنْ يَسَارِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلُكَهَا، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ عَرَضَتْ لِي طريق عن يَمِينِي فَسَلَكْتُهَا، حَتَّى انْتَهَيتْ إِلَى جَبَلٍ زَلَقٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بي، فَإِذَا أَنَا عَلَى ذُرْوَتِهِ، فَلَمْ أَتَقَارَّ وَلَمْ أَتَمَاسَكْ، فَإِذَا عَمُودُ حَدِيدٍ فِي ذُرْوَتِهِ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ؛ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَالَ: اسْتَمْسِكْ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَضَرَبَ الْعَمُودَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «رَأَيْتَ خَيْرًا، أَمَّا الْمَنْهَجُ الْعَظِيمُ فَالْمَحْشَرُ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَسَارِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ النَّارِ، وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَمِينِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ الزَّلَقُ فَمَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ الَّتِي اسْتَمْسَكْتَ بِهَا فَعُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، فَاسْتَمْسِكْ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ»، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.

وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بنْ عَفَّانَ".

عن أحمد بن سليمان عن عفان.

"عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَفَّانَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة، عن الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِسْهِر".

مُسهِر ذاك مِسعر بالعين، وهذا مُسهِر.

"عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِر عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرّ الْفَزَارِيِّ، بِهِ".

عبد الله بن سلَام المذكور من المشهود لهم بالجنة، وجاءت فيه أحاديث -رضي الله عنه-. 

"قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:257].

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَهْدِي مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُل السَّلَامِ، فَيُخْرِجُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالشَّكِّ وَالرَّيْبِ إِلَى نُورِ الْحَقِّ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ الْمُبِينِ السَّهْلِ الْمُنِيرِ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ إِنَّمَا وَلِيُّهُمُ الشَّيَطاِنُ يُزَيِّنُ لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجَهَالَاتِ وَالضَّلَالَاتِ، وَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَحِيدُونَ بِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِفْكِ {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:257].

وَلِهَذَا وَحَّدَ تَعَالَى لَفْظَ النُّورِ وَجَمَعَ الظُّلُمَاتِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَالْكُفْرَ أَجْنَاسٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ كَمَا قَالَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْأَنْعَامِ:153]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور} [الْأَنْعَامِ:1] وَقَالَ تَعَالَى: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النَّحْلِ:48]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فِي لَفْظِهَا إِشْعَارٌ بِتَفَرُّدِ الْحَقِّ، وَانْتِشَارِ الْبَاطِلِ وَتَفَرُّدِهِ وَتَشَعُّبِهِ".

وتفرقه.

"وَانْتِشَارِ الْبَاطِلِ وَتَفَرُّقه وَتَشَعُّبِهِ"

جاء في قول الله –جلَّ وعلا-: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} [المائدة:16]، فهل في هذه الآية ما يُعارض ما ذُكِر؟

طالب: ...........

هذا السبيل الواحد الشريعة الواحدة لها شرائع، فبالنظر إلى الشرائع -شرائع هذه الملة الواحدة- بالنظر إلى شرائعها تُوجد السُّبل، وكل سبيلٍ من هذه السُّبل من شرائع هذا السبيل الأعم يُوصِل، فالصلاة سبيل موصِل إلى الجنة، والصيام سبيل موصِل إلى الجنة وله باب يُدخِل الجنة، وهكذا شرائع الإسلام هي في حقيقتها سُبل متفرعة عن السبيل الأعم.

"وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْسَرَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ".

موسى بن عبيدة الربذي مضعَّف عند جمهور أهل العلم.

"قَالَ: يُبْعَثُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ -أَوْ قَالَ: يُبْعَثُ أَهْلُ الْفِتَنِ- فَمَنْ كَانَ هَوَاهُ الْإِيمَانَ كَانَتْ فِتْنَتُهُ بَيْضَاءَ مُضِيئَةً، وَمَنْ كَانَ هَوَاهُ الْكُفْرَ كَانَتْ فِتْنَتُهُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:257]".

طالب: ...........

لا لا، في الحديث، في الخبر الذي فُتِح له بابٌ إلى الشمال، فقيل له: لا تسلكه؛ لأنه طريق إلى النار، ثم فُتِح له بابٌ أو طريقٌ إلى اليمين فسلكه، فأداه إلى الجنة.

طالب: ...........

ماذا يقول؟ اليمين مفرد، والشمائل جمع، اليمين في الأصل في الخير، والشمائل في الأصل في ضده.

"قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].

هَذَا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ هُوَ مَلِكُ بَابِلَ نُمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ بْنِ كُوش بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَيُقَالُ: نُمْرُودُ بْنُ فَالِخِ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالِخِ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَلَكَ الدُّنْيَا مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا أَرْبَعَةٌ: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَالْمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَالْكَافِرَانِ: نُمْرُودُ وَبُخْتَنَصَّرُ، واللَّهُ أَعْلَمُ".

طالب: ...........

فوائد تاريخية فقط تاريخية، وإلا لو توقف عليها فَهم كلام الله لثبتت بنصوصٍ صحيحة، وما دام الأمر كله منقولًا عن أهل الكتاب ولا فيه شيء يثبت في ديننا، فهي مجرد معرفة تاريخية لا قيمة لها؛ ولذلك لا يضر الاختلاف.

في والد إبراهيم المنصوص عليه في القرآن أنه آزر، والتواريخ كثيرٌ منها أو أكثرها تقول: إن آزر عمه، وأبوه ما ذُكِر في التواريخ مثل هذه، في تاريخ الطبري، وفي تاريخ ابن الأثير، وابن كثير، والمسعودي وغيرهم يُقررون أنه ما هو أبوه هذا، وإنما هو عمه، ويذكرون اسمًا من مثل هذه الأسماء.

طالب: ...........

تارح أو تارخ المقصود أن هذه الأشياء تُذكر على أنها تاريخية، فإذا عارضت ما عندنا من الصحيح لم نلتفت إليها، المقرر عندنا في كتاب الله –جلَّ وعلا- أن آزر هو أبو إبراهيم، وقد يُطلق على العم أب من باب التجوُّز، وما دام نُص عليه أنه أبوه فهو أبوه، ولا يُعارض ذلك إلا بنص صحيح، يعني لو بُيِّن في السُّنَّة أن آزر عمه، فقلنا: من باب التجوُّز يُقال: عمه، وإلا ما دام لم يُعارض أصلًا في شيءٍ يصح الاستناد إليه فهو الأصل، هو الباقي.

"وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ} [البقرة:258] أَيْ: بِقَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ {إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة:258] أَيْ: وُجُودِ رَبِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ إِلَهٌ غَيْرُهُ".

{أَلَمْ تَرَ} [البقرة:258] يقول: "بِقَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ" هذه الرؤية علمية، وليست بصرية، يعني ألم تعلم؟ والرؤية في مثل هذا في الأخبار التي هي من باب الخبر القطعي تُنزَّل منزلة الرؤية بالبصر كأنه رآه، كما في نظائره من قوله –جلَّ وعلا-: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1]، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر:6].

فإذا كان الخبر صحيحًا مقطوعًا به فكأنه مرئي، ومن هذا قوله –عليه الصلاة والسلام-: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ»، يعني إذا ثبت بطريقٍ صحيح أن هناك منكرًا تعين عليك إنكاره ولو لم تره بعينك، إن كنت من أهل القدرة، وروّج في الأيام الأخيرة أنه لا يُنكر إلا من رأى بعينه، الكلام ما هو بصحيح، الله –جلَّ وعلا- يقول لنبيه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1] هل رأى ما فعل بأصحاب الفيل؟ ما رأى، وأبعد من ذلك {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر:6]، هو مولود سنة الفيل –عليه الصلاة والسلام-، فما رأى شيئًا من ذلك، لكن ثبت عنده بخبر الله –جلَّ وعلا- الذي هو في حُكم المُشاهد في القطعية.

طالب: .......

«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» إن هذا السياق يدل على أن الرؤية لا تلزم كل أحد، الرؤية ليست مطلوبة من كل أحد، فإذا رآه بعضكم فالرؤية في سياق تختلف عنها في سياق ما نقول: إنه رآه، هو مثله قريبٌ منه؛ لأنه إذا ثبت بدليلٍ قطعي أو بطريقٍ صحيح أن هناك مُنكرًا، وسمع الجميع بصحة هذا الخبر يلزمه، كأنهم رأوه كلهم، هو مثل الرؤية في الصوم.

"وَذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ إِلَهٌ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ لِمَلَئِهِ: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [الْقَصَصِ:38]، وَمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الطُّغْيَانِ وَالْكُفْرِ الْغَلِيظِ وَالْمُعَانَدَةِ الشَّدِيدَةِ إِلَّا تَجَبُّرُهُ، وَطُولُ مُدَّتِهِ فِي الْمُلْكِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: أنه..".

إنه.

"إِنَّهُ مَكَثَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ فِي مُلْكِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة:258] وَكَان طَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة:258] أَيِ: إنما الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِهِ حُدُوثُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُشَاهَدَةِ بَعْدَ عَدَمِهَا، وَعَدَمُهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْدُثْ بِنَفْسِهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُوجِدٍ أَوْجَدَهَا، وَهُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ الْمُحَاجُّ- وَهُوَ النُّمْرُودُ-: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258]".

يقتل، وهذا ظاهر أنه يُميت، ويعفو ويزعم أنه أحياه، يحكم عليه بالقتل ثم يعفو عنه، وكل هذا تابع لإرادة الله –جلَّ وعلا-، فلو أراد القتل له ما نفع ولو عفا عنه، ولو أراد للأول الحياة ما استطاع أن يقتله مهما بذل، ومهما فعل، لكن كونه يعفو ويقول: أن أُحيي، هل هذه حياة؟ {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32]، يعني يتسبب في حياتها وبقائها، لكن هل يستطيع أن يُحيي من فارقت روحه جسده بالفعل، هل يستطيع؟ لا يستطيع، وهذا هو المراد من الإحياء والإماتة.

"قَالَ قَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: وَذَلِكَ أَنِّي أَوُتَى بِالرَّجُلَيْنِ قَدِ اسْتَحَقَّا الْقَتْلَ فَآمُرُ بِقَتْلِ أَحَدِهِمَا فَيُقْتَلُ، وَآمر بِالْعَفْوِ عَنِ الْآخَرِ فَلَا يُقْتَلُ، فَذَلِكَ مَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ. 

وَالظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّهُ مَا أَرَادَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَوَابًا لِمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَلَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِوُجُودِ الصَّانِعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ يَدّعي لِنَفْسِهِ هَذَا الْمَقَامَ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً وَيُوهِمُ أَنَّهُ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحَيِّي وَيُمِيتُ، كَمَا اقْتَدَى بِهِ فِرْعَوْنُ فِي قَوْلِهِ: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [الْقَصَصِ:38]، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا ادَّعَى هَذِهِ الْمُكَابَرَةَ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة:258]".

إذا كان يستطيع التلبيس على غوغاء الناس في الطلب الأول، فهل يستطيع ذلك في الطلب الثاني؟ ما يستطيع؛ ولذلك {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة:258] ما فيه جواب، لا يستطيع أن يُعاند، ويُكابر، ويُجيب عن مثل هذا.

"أَيْ: إِذَا كُنْتَ كَمَا تَدَّعِي مِنْ أَنَّكَ تُحْيِي وَتُمِيتُ، فَالَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي الْوُجُودِ فِي خَلْقِ ذَوَاتِهِ".

ذرّاته.

"فِي خَلْقِ ذَرّاتِهِ وَتَسْخِيرِ كَوَاكِبِهِ وَحَرَكَاتِهِ، فَهَذِهِ الشَّمْسُ تَبْدُو كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَإِنْ كُنْتَ إِلَهًا كَمَا ادَّعَيْتَ تُحْيِي وَتُمِيتُ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا عَلِمَ عَجْزَهُ وَانْقِطَاعَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُكَابَرَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بُهِتَ أَيْ: أُخْرِسَ فَلَا يَتَكَلَّمُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258] أَيْ: لَا يُلْهِمُهُمْ حُجَّةً وَلَا بُرْهَانًا، بَلْ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.

وَهَذَا التَّنْزِيلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَحْسَنُ مِمَّا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمَنْطِقِيِّينَ: أَنَّ عُدُولَ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ إِلَى الْمَقَامِ الثَّانِي انْتِقَالٌ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى أَوْضَحَ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ يُطْلِقُ عِبَارَةً رَدِيَّةً".

ردية.

"وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ يُطْلِقُ عِبَارَةً ردية وَلَيْسَ كَمَا قَالُوهُ، بَلِ الْمَقَامُ الْأَوَّلُ يَكُونُ كَالْمُقَدَّمَةِ لِلثَّانِي، ويُبَيّن بُطْلَانَ مَا ادَّعَاهُ نُمْرُودُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَلِلَّهِ الحمد والمنة.

وَقَدْ ذَكَرَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةَ كَانَتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَنُمْرُود بَعْدَ خُرُوجِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ النَّارِ، وَلَمْ يَكُنِ اجْتَمَعَ بِالْمَلِكِ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الْمُنَاظَرَةُ.

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ النُّمْرُود كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَغْدُونَ إِلَيْهِ لِلْمِيرَةِ، فَوَفدَ إِبْرَاهِيمُ فِي جُمْلَةِ مَنْ وَفدَ لِلْمِيرَةِ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الْمُنَاظَرَةُ، وَلَمْ يُعْطِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الطَّعَامِ كَمَا أَعْطَى النَّاسَ، بَلْ خَرَجَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْلِهِ عَمَدَ إِلَى كَثِيبٍ مِنَ التُّرَابِ فَمَلَأَ مِنْهُ عِدْلَيْهِ، وَقَالَ: أَشْغَلُ أَهْلِي عَنِّي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ وَضَعَ رِحَالَهُ وَجَاءَ فَاتَّكَأَ فَنَامَ، فَقَامَتِ امْرَأَتُهُ سَارَّةُ إِلَى الْعِدْلَيْنِ فَوَجَدَتْهُمَا مَلْآنَيْنِ طَعَامًا طَيِّبًا، فَعَمِلَتْ طَعَامًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ إِبْرَاهِيمُ وَجَدَ الَّذِي قَدْ أَصْلَحُوهُ، فَقَالَ: أَنَّى لَكي هَذَا؟ قَالَتْ: مِنَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ رِزْقٌ رَزَقَهُمُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.

قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: وَبَعَثَ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ مَلَكَا يَأْمُرُهُ بِالْإِيمَانِ بِالْلَّهِ فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُ الثَّانِيَةَ فَأَبَى، ثُمَّ الثَّالِثَةَ فَأَبَى، وَقَالَ: اجْمَعْ جُمُوعَكَ وَأَجْمَعُ جُمُوعِي، فَجَمَعَ النَّمْرُودُ جَيْشَهُ وَجُنُودَهُ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ الْبَعُوضِ بِحَيْثُ لَمْ يَرَوْا عَيْنَ الشَّمْسِ وَسَلَّطَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأَكَلت لُحُومَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ وَتَرَكَتْهُمْ عِظَامًا بَادِيَةً، وَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي مَنْخَرَيِ الْمَلِكِ فَمَكَثَتْ فِي مَنْخَرَيْهِ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهَا فَكَانَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالْمَرَازِبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ حَتَّى أَهْلَكَهُ اللَّهُ بِهَا".

أقرب الناس إليه –كما ذُكِر في التواريخ- وأحبهم إليه من هو أقوى ضربًا لرأسه، نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من غضبه.

طالب: ...........

هذا التاريخ عند المؤرخين.

طالب: ...........

كلام المؤرخين بعضهم يذكر من المبالغات مثل ما ذُكِر وإلا...

طالب: ...........

ماذا؟

طالب: ...........

ماذا به؟

طالب: ...........

لا، الميرة: الطعام.

"