كتاب الحج (13)

عنوان الدرس: 
كتاب الحج (13)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
سبت 04/ ذو الحجة/ 1441 5:15 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين.

يقول المؤلف- رحمنا الله وإياه والمسلمين أجمعين-: "بَابُ وُجُوبِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ:

قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، فَوَاللَّهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] الْآيَةَ.

 قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ -إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ- كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] الْآيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف –رحمه الله تعالى-: "بَابُ وُجُوبِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" يعني باب وجوب السعي بتقدير السعي.

"بَابُ وُجُوبِ -السعي بين- الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ" كما في قوله –جلَّ وعلا-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] يعني من أعلام دينه الظاهرة التي يجب تعظيمها، وتعظيمها من تقوى القلوب.

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ" الحكم بن نافع.

"قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]" استشكل أن رفع الجناح لا يقتضي وجوبًا ولا إلزامًا، أن غاية ما فيه أنه لا إثم فيه -لا جناح: لا حرج- هكذا فهِم عروة.

"فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" الآية {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، وفهمه العكس، "فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ".

"قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يطَّوَّف بِهِمَا" القراءة المعتمدة عند البخاري: ألا يتطوَّف.

"أَنْ لَا يطَّوَّف بهما، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ" صنم كانوا يعبدونه.

"الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ" من جهة قُديد إلى البحر أقرب.

"فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ"؛ لأنهم يطوَّفون بين الصفا والمروة أو يطوفون بين الصفا والمروة، وهم مهلون لمناة الطاغية.

"فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ"؛ لأن الاستصحاب لذلك الفعل الشركي يجعلهم يخافون من مشابهة أولئك المشركين، فكان من أهلَّ يتحرَّج أن يطوَّف بالصفا والمروة.

"فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ذَلِكَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] الْآيَةَ".

 الآية الكريمة التي فيها نفي الجناح اللاحق بسبب المشابهة، لو أن شخصًا نام عن صلاة الفجر، وانتبه مع بزوغ الشمس أو قبل بزوغ الشمس بدقيقة أو دقيقتين وتوضأ، وتجهَّز للصلاة مع بزوغ الشمس، فسأل قال: بزوغ الشمس جاء فيه النهي المغلَّظ الشديد في حديث عقبة وغيره "حتى ترتفع" فيُقال له: لا جُناح عليك أن تُصلي الفجر في هذا الوقت، فهل في هذا ترخيص في صلاة الفجر؟

لا حرج عليك اللاحق بسبب ما ورد في الصلاة في هذا الوقت المغلَّظ، هذا الحرج منتفي، وتبقى صلاة الفجر على وجوبها وعلى تأكيدها في الشرع.

هؤلاء تحرَّجوا؛ لوجود المشابهة، والذي انتبه لصلاة الصبح مع بزوغ الشمس تحرَّج من الصلاة مما ورد في الباب المبني على مشابهة الكفار، إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان، فسجدوا له –نسأل الله العافية-، فيُقال: لا حرج أن تُصلي في هذا الوقت وإن جاء فيه ما جاء، وإن وقعت المشابهة للكفار الذين يسجدون للشيطان المقارن للشمس عند بزوغها، وتبقى صلاة الصبح في حكمها، والطواف والسعي بين الصفا والمروة في حكمه وإن وُجِدت هذه المشابهة، فلا التفات إليها.

أظن الأمر واضحًا؛ لأن الذي يقرأ الآية ليس فقط عروة الذي استشكل {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]؛ لأن مجرد نفي الجناح لا يقتضي الوجوب، بل ولا استحباب، إن غاية ما فيه أنه لا إثم عليه.

والسعي بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج عند الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقال الحنفية بالوجوب.

طالب: ............

لا، هو الذي عندنا التحرُّج من السعي بين الصفا والمروة؛ لمشابهة أولئك، وكان على الصفا صنمٌ يُقال له: إساف، وعلى المروة صنمٌ يُقال له: نائلة، فكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة لإساف ونائلة، فالتحرُّج من مشابهة أهل الإشراك.

طالب: ............

نعم.

طالب: ............

إنما شُرِع الحج، وشُرِع الطواف والسعي ورمي الجِمار؛ لإقامة ذِكر الله، "إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] الْآيَةَ". يعني التنظير بصلاة الفجر أو أي صلاة من الصلوات –انتبه- لصلاة العصر مع أن تضيَّفت الشمس للغروب، فجاء النهي عن ذلك، والحنفية عندهم أن النهي شامل للفرض، النهي عن الصلاة في هذه الأوقات شامل للفرض، وليس خاصًّا بالنفل؛ ولذلك إذا انتبه مع طلوع الشمس ما يصلي حتى ترتفع الشمس، ويستدلون بحديث نومه –عليه الصلاة والسلام- عن صلاة الصبح، فلما استيقظوا انتقل من المكان الذي ناموا فيه، قالوا: حتى ترتفع الشمس –يقول الحنفية- وليس الأمر كذلك، وإنما انتقلوا؛ لأن المكان حضر فيه الشيطان، فلا يُريد –عليه الصلاة والسلام- أن يصلي في مكانٍ حضر فيه الشيطان.

الأمر الثاني: أن وقت النهي قد ارتفع؛ لأنه ما أيقظهم إلا حر الشمس، الشمس حارة مع البزوغ أو حتى مع ارتفاعها قليلًا؟ ما تحتر الشمس إلا إذا ارتفعت كثيرًا.

المسألة متعلقة بالحديث في مكان حضر فيه الشيطان، يعني كل مكانٍ تفوت فيه الصلاة أو ينام فيه الإنسان يكون حضر فيه الشيطان؟

أمر غيبي أُخبِر به الرسول –عليه الصلاة والسلام- وإلا ففي غاية المشقة أن تفوتك أو تنام في غرفة نومك أو في صالة بيتك أو تنام في كذا، وتقوم تقول: المكان حضر فيه الشيطان، تُريد أن تطلع عنه وتبحث عن مكان غيره؟   

"قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ".

 يعني استنباط دقيق من أم المؤمنين عائشة، وإن كانوا لا يشكون في حكم السعي، لكن هذا الاستنباط الدقيق من عائشة يقول: "مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ".

"وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ -إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ- كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ".

 كانوا يطوفون بين الصفا والمروة، لكن ما جاء التنصيص بالقرآن على السعي بين الصفا والمروة، إنما جاء ذِكر الطواف بالبيت فقط، ولم يُذكر السعي، فترددوا في حكم السعي، فأنزل الله الآية.

"يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ -إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ- كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ؟" يعني التنصيص على الطواف بالبيت، السعي بين الصفا والمروة ما نزل فيه شيء.

"كَانُوا يَطُوفُونَ" يسعون، فهل علينا من حرج أن نسعى بدون دليل؟

ما فيه نص.

"فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158]" لرفع هذا الاستشكال.

"الْآيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا" الذين كانوا يهلون لمناة، والذين تحرَّجوا من بعدهم؛ لحساسية المشابهة، فأرادوا أن يتركوا السعي، والذين كانوا يسعون، ثم رأوا ذِكر الطواف بالبيت دون ذِكر السعي، فتحرَّجوا من أن يسعوا بدون دليل.

"فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا، حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ"، فأنزل الله الآية {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158]؛ لإزالة الإشكال عند الفريقين.

يقول: المُشلل بضم أوله وفتح المعجمة، ولامين الأولى مفتوحة مُثقَّلة هي: الثنية المشرفة على قُديد، زاد سفيان، عن الزهري "بالمشلل من قُديد" أخرجه مسلم.

نعم.

"بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ.

قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ.

قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21].

وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قال: حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ تَلَا {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21].

قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قال: أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158].

قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِوٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.

زَادَ الْحُمَيْدِيُّ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قال: سَمِعْتُ عَطَاءً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ".

يقول الإمام البخاري –رحمه الله تعالى-: "بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" المراد بالسعي الذي أشار إليه والذي جاء في آخر الحديث أنه سعى بين العلمين، والمراد به الإسراع في المشي، والسعي المراد به الركن هو استيعاب ما بين الصفا والمروة.

"وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ" السعي المحدد الذي هو الركن مُحدد بالصفا والمروة، ولا يمكن أن يلتبس، لكن السعي الذي ذكره ابن عمر "مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ" هل المراد به الركن الذي يستوعب ما بين الصفا والمروة أو المراد به الإسراع الذي يكون بين العلمين "مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ"؟

طالب: ............

والله الذي سيأتي يشمل هذا وهذا، النصوص فيها هذا وهذا.

قال: "حتى إذا حاذى باب بني عبادٍ سعى، نزل ابن عمر من الصفا حتى إذا حاذى باب بني عبادٍ سعى، حتى إذا انتهى إلى الزقاق الذي يسلك بين دار بني أبي حسين، ودار بني قرظة..." إلى آخره.

فالمراد به هنا الإسراع.

المسعى إلى وقتٍ ما أدركناه أدركه الذين قبلنا كان خارج البيت، والمحلات تحُفه بالبيع والشراء عن يمينه وشماله، حتى قالوا: إن الكلاب تغدو وتروح فيه، يعني قبل البناية السعودية الأولى التي ضبطت هذه الأمور، وحددت المسعى بجميع ما يحتويه، ومنعت من دخول ما لا ينبغي دخوله، وأُبعِدت المحلات التجارية عنه، التي كانت تؤذي الساعين، هم يذكرون هذا وإلا ما أدركناه؛ لأن البناية سنة تسعة وسبعين قديمة، لها أكثر من ستين سنة، وبدايتها قبل.

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا" يعني أسرع "خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا"، إذا طاف الطواف الأول الذي هو الطواف بالكعبة الذي هو طواف القدوم أو طواف العمرة أو طواف الحج إذا لم يكن طاف قبله.

"خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا" يعني خب ثلاثة أشواط ومشى أربعة.

"وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" يسعى يعني يُسرِع، "بَطْنَ الْمَسِيلِ" الذي هو المنخفض، وعرفنا سابقًا أن أم إسماعيل كانت إذا وصلت المنخفض سعت سعيًا شديدًا؛ لتبرُز لمن يراها، وقلنا: إن شرعية السعي كانت بسبب هذا، بسبب سعي أم إسماعيل، والعلة والحِكمة الحقيقية الاقتداء به –عليه الصلاة والسلام-، وإن قالوا عن أصل الفعل هذا، واستُشكِل كون أصل المشروعية بسبب امرأة، ثم يُمنَع النساء منه، كأن الشوكاني –إذا ما وهِمت العهد بعيدٌ جدًّا- أشار إلى أنه إذا لم تكن هناك رجال أنه لا مانع من أن تسعى؛ لأن العلة خشية أن تنكشف أمام الرجال وهي مأمونة.

وعلى كل حال هذا للرجال دون النساء؟

"وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ؟ قَالَ: لَا" يعني يرمل من الركن إلى الركن.

"إِلَّا أَنْ يُزَاحَمَ"؛ لأنه تقدم أنه كان يمشي بين الركنين من أجل أن يتيسر له الاستلام، وكان لا يدع الاستلام.

"إِلَّا أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ".

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ"، وهو الإمام المعروف بابن المديني.

"قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]"، كما طاف النبي –عليه الصلاة والسلام- بين الصفا والمروة فعليك أن تطوف؛ لأنه هو الأسوة والقدوة.

"وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ".

 لأن الطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا يتم إلا به.

"حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ تَلَا {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]".

 مقتضى تسمية هذا الركن بالسعي، والسعي هو استيعاب الركن، استيعاب ما بين الصفا والمروة، مقتضى تسميته بالسعي أنه كله إسراع سعي، ولكن هذا الإجمال بُيِّن في فعله –عليه الصلاة والسلام- وهو إنما سعى في المسيل الذي حُدد بين العلمين.

قال-رحمه الله-: "حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قال: أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]"

قال: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِوٍ، عَنْ عَطَاءٍ".

والحديث السابق حديث أنس –رضي الله عنه- يُبين ما جاء في الباب السابق من سبب الكراهية، وسبب نزول الآية.

قال: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِوٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْبَيْتِ" يعني: رَمَل "وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ"، وأن هذا شيءٌ راءوا به المشركين بعد أن سمعوهم يقولون: يأتي محمدٌ وأصحابه وقد وهنتهم حُمى يثرب، فأراد النبي –عليه الصلاة والسلام- أن يُريهم خلاف ما توقعوه من باب إرهابهم، وإظهار القوة لدى العدو "لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ".

"زَادَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ" هنا "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ" و"زَادَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ" هذا ما فيه جديد.

"قال: حَدَّثَنَا عَمْرٌو" وفي الإسناد "حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِوٍ" وسفيان موصوف بالتدليس وإن كان من النوع الذي لا يؤثر؛ لإمامة سفيان، وقِلة تدليسه بالنسبة لمروياته، ولكن بيَّن حدَّثنا عمرٌو، فارتفعت هذه التهمة.

"قال: سَمِعْتُ عَطَاءً" عَمْرِوٍ بن دينار، عَنْ عَطَاءٍ في أصل الإسناد، وهنا يقول: "سَمِعْتُ عَطَاءً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ".

من الطرائف يقول: تكميل: قال ابن عبد السلام: المروة أفضل من الصفا. ما الدليل؟ يقول: لأنها تُقصد بالذكر والدعاء أربع مرات بخلاف الصفا، فإنما يقصد ثلاثًا، قال‏: ‏وأما البداءة بالصفا فليس بواردٍ؛ لأنه وسيلة.

قلت‏: وفيه نظر؛ لأن الصفا تُقصد أربعًا أيضًا أولها عند البداءة فكلٌّ منهما مقصودٌ بذلك، ويمتاز الابتداء، وعند التنزُّل يتعادلان، ثم ما ثمرة هذا التفضيل مع أن العبادة المتعلقة بهما لا تتم إلا بهما معًا‏؟‏

التكبير والدعاء في السعي عدد الأشواط أو عند الفاتحة والخاتمة؛ لتكون ثمان؟ ثمان حتى عند الخاتمة يُكبِّر ويدعو؛ ولذلك يقول الحافظ: "وأما البداءة بالصفا فليس بوارد وفيه نظر؛ لأن الصفا تُقصد أربعًا أيضًا أولها عند البداءة فكل منهما مقصودٌ بذلك، ويمتاز الابتداء..." إلى آخره.

فالتكبير والدعاء في البداية والنهاية كالتكبير في الطواف "كنا نطوف مع النبي –صلى الله عليه وسلم- ونمسح الركن الفاتحة والخاتمة" يعني في البداية والنهاية.

طالب: ..............

لا هو في الوادي قصدك.

طالب: ..............

ما لم يشق عليه.

طالب: ..............

هو الرمل هو الإسراع وهو الخبب، والمشي في الجنازة يُسن الإسراع بها دون الخبب؛ نظرًا للمشقة، وإيذاء الناس، كلها ملاحظة، يعني لو أردت أن ترمل في الطواف وكان هذا مؤذيًا لك ولغيرك تترك، السُّنَّة تُترك لمثل هذا.

طالب: ..............

الرَّمَل؟

طالب: ..............

المسألة مسألة إرفاق.

طالب: ..............

نعم يُشرع والإشارة.

نعم.

"بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».

قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قال: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» وَحَاضَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.

قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ» فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سَأَلْنَهَا أَوْ قَالَتْ: سَأَلْنَاهَا، فَقَالَتْ وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي، فَقُلْنَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي، فَقَالَ: «لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوْ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» فَقُلْتُ: أَالْحَائِضُ؟ فَقَالَتْ: أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا؟".

يقول –رحمه الله تعالى-: "بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" يعني فما الحكم؟

تقضي الحائض المناسك كلها؛ لأن النبي –عليه الصلاة والسلام- قال لعائشة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، افعلي ما يفعل الحاج من أعمال الحج والمناسك، استدل به بعضهم على أن الحائض تقرأ القرآن، لماذا؟

 لأن الحاج يقرأ القرآن، لكن هل هذه دلالة أصلية أو تبعية؟ ليست بدلالةٍ أصلية؛ لأن الحديث ما سِيق لهذه المسألة، كاستدلال الحنفية بحديث «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ مَنْ قَبْلَكُمْ كمَثْلِ مَن اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا إلى الظهر بدينار، ثُمَّ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا إلى وقت العصر بدينار، ثُمَّ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا إلى غروب الشمس بدينارين، فاحتج أهل الكتاب وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل أجرًا»، استدل به الحنفية على أن وقت الظهر يمتد إلى مصير ظل كل شيءٍ مثليه؛ لأن الظهر يصير أطول من العصر؛ ولذلك قال النصارى في المثال: نحن أكثر عملًا، ومقتضى ذلك أنهم أطول، والظهر يكون أطول من العصر، لكن هل الحديث سِيق لبيان المواقيت؟ هل سِيق للمواقيت؟ فاستدلالهم به مثل استدلال من يرى أن الحائض تقرأ القرآن بحديث عائشة هذا، الحديث ما سِيق لهذا، والدلالة الفرعية التي لم يُسَق الحديث من أجلها لا يراها عامة أهل العلم.

والشاطبي في (الموافقات) أطال على هذه المسألة، واسترسل فيها، مع أن الحديث أو النص من آيةٍ أو حديث يُستنبَط منه المسائل الكثيرة، قد تصل أحيانًا إلى عشرين، ثلاثين مسألة فيها القريب في الدلالة، وفيها البعيد، وفيها ما سِيق الخبر من أجله فيدخل دخولًا أوليًّا، وفيها ما يدخل من بُعد بالتكلُّف، ويُعارضه ما هو أصرح منه.

يعني في الحديث الذي استدل به الحنفية في حديث عبد الله بن عمرو: "ووقت الظهر من زوال الشمس إلى مصير ظل كل شيءٍ مثله"، ونأتي إلى هذا الخبر المُجمل الذي ما سِيق لبيان المواقيت، مُعَارض بما هو أصرح أو بما هو صريحٌ صحيح ونستدل به كما يفعل الحنفية أو يفعل هؤلاء الذين يقولون: إن الحائضكذا..؟

 أتوا بأدلةٍ أخرى فلا مانع، لكن هذا الحديث ليس فيه دلالة، فيه أن الحاج يفعل أشياء كثيرة جدًّا لا علاقة لها بالحج، نقول: للحائض أن تفعلها؟ إنما سِيق لبيان ما يفعله الحاج، هذه دلالته الأصلية الذي سِيق من أجلها.

"وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" هل يجوز أم ما يجوز من حديث عائشة -رضي الله عنها-؟

طالب: ...........

"إِلَّا الطَّوَافَ"، فدل على أن السعي بين الصفا والمروة يصح من غير طهارة.

الحائض لا تطوف حتى تطهر، المسألة التي أوردها شيخ الإسلام وأنها بالنسبة لرفقتها، بل يشق عليهم أن ينتظروها أو يذهبوا ويتركوها أو كذا أورد احتمالات وأنواعًا من المشقة، وقال: لها أن تتحفض وتطوف على حيضها ولا تحبس الرفقة، والنبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، مما يدل على أن الحائض تحبس الرُّفقة.

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ" التنيسي.

"قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ" القاسم بن محمد بن أبي بكر.

"عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ" يعني حاضت قبل أن تدخل مكة، وقبل أن تقضي عمرتها.

"وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"؛ لأنه دخل عليها وهي تبكي، فقال: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»، وقال في تلك: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ عَقْرَى حَلْقَى» يعني دعا عليها بدعاءٍ لم يكن مقصودًا على طريقة العرب.

هنا قال لعائشة: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»، وقال لأخرى: «عَقْرَى حَلْقَى» ما السبب؟

عائشة في وقت تطهر فيه فلا تحبس، وتلك في آخر الأيام بحيث حاضت قبل النفر، فلو كانت ما طافت بالبيت فقطعًا تحبسهم، وهذا ما يجعل الأسلوب يختلف بين هذه وهذه.

"قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-".

لأنه لما قال: «عَقْرَى حَلْقَى أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قالوا: إنها طافت، قال: «فَلا إِذًا»، يعني ما بقي عليها إلا الوداع، والوداع يسقط عن الحائض.

"قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»" يدل على أن الطهارة شرط لصحة الطواف.

قال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ" وهو ابن خياط، وعدوله –رحمه الله- عن حدَّثنا خليفة إلى "وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ" بعضهم يرى أنه ما يعدل عن هذا إلى هذا إلا أنه لم يتحمل الحديث على سبيل التحديث، وإنما هو على طريق المذاكرة، إذا عدل عن حدَّثنا إلى قال، فإنما يكون قد تحمل الحديث على طريق المذاكرة، وابن حجر يقول: من خصَّه بالمذاكرة لا حُجة معه، ولا دليل عليه، والكرماني ينص على هذا -مثل غيره- يتحمله عن طريق المذاكرة.

"وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قال: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَطَلْحَةَ".

 في أول الأمر أهلوا بالحج كإهلاله –عليه الصلاة والسلام-، ثم أمرهم بقلب الإحرام على العمرة؛ ليمسح ويُلغي ما كان عليه أهل الجاهلية أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأمرهم وأكَّد عليهم، ولما وصلوا إلى مكة أمرهم بها، وبقي –عليه الصلاة والسلام- على إحرامه؛ لأنه ساق الهدي.

"وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَطَلْحَةَ" ابن عُبيد الله.

"وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" معه هدي له وللنبي –عليه الصلاة والسلام- تكميل كم؟ المائة، وذبح النبي –عليه الصلاة والسلام- ثلاثًا وستين بقدر سنين عمره، ووكَل الباقي إلى علي.

"فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" فيجوز أن تقول: أهللت بما أهل به فلان، ويكون إحرامك مثل ما أحرم به فلان، طيب إذا قلت: أهللت بما أهل به فلان، وتبين أن فلانًا ما حج، وأنت على ظنك أنه حج، ماذا يصير إحرامك؟ أو أهللت بما أهل به فلان ومعك هدي، وهو ما معه هدي؟

طالب: .............

طيب إذا صار ما حج؟

طالب: .............

يا أبا موسى قال: أهللت بما أهلَّ به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مثل علي.

طالب: .............

ما ساق الهدي.

فأُمِر بما أُمِر به الصحابة، أُمِر بالأكمل، فهل نقول لهذا الذي أهلَّ بما أهلَّ به الرجل الذي لم يحج يؤمر بالأكمل؟

طالب: .............

ما أهلَّ أصلًا.

طالب: .............

أو أدنى ما يتأدى به المسمى.

"فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا". يطوفون بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يُقصِّروا ويحلوا.

"إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا" مستنكرين أنهم جاؤوا إلى الحج، ثم يؤمَرون بعمرة، ويحلون منها الحِل كله، ويُجامعون زوجاتهم ويخرجون إلى منى يوم التروية ومذاكيرهم أو ذكورهم تقطر! متعجبين، لكنه الاستسلام لله ولرسوله.

"فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ! فَبَلَغَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ»"، يعني التردد الذي حصل منهم أن النبي –عليه الصلاة والسلام- استمر على إحرامه، ولم يقلبها عمرة، ولكن المانع له من ذلك سوق الهدي.

"«وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ»، وَحَاضَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ".

 يعني لما تم حجُّهم.

تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ" يعني مفردة بأركانها وسُننها "وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ"؛ لأن العمرة داخلة في الحج، فكأنها غير موجودة، ولا فرق بين حج القارن وحج المفرد في الصورة.

"فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ"، مما يدل على أنه لا مانع من تكرار العمرة.

طالب: .............

ما قال أحد: إنها سعت.

طالب: .............

نعم.

طالب: ..............

هذا مفهومٌ «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» مفهومه أنها يمكن أن تسعى، يعني لو كانت طافت، ثم حاضت تسعى، ما المانع؟

طالب: .............

انتظروها تذهب إلى التنعيم وترجع، لكن من يقول: إنهم يمشون في تلك اللحظة؟

طالب: .............

يعني لما ضاع العقد؟

طالب: .............

لا لا؛ لأن ذهابهم وترك العقد إتلافٌ للمال، والظروف تختلف، قد تنتظر وقتًا طويلًا من أجل شيءٍ تافه؛ لأن الظرف فيه سعة.

قال: "حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ".

 يعني لصلاة العيد.

"نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قالت: وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى". الكلمى: الجرحى.

"وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى"، والكليم الجريح، والجهمية يؤلون التكليم الذي حصل من الله –جلَّ وعلا- لموسى –عليه السلام- {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف:143]، قالوا: جرَّحه بأظافير الحِكمة، جعلوها من الكَلم وهو الجرح؛ فرارًا من إثبات صفة الكلام لله –جلَّ وعلا- جريًا على قاعدتهم في الضلال المبين الذي أنكروا به الصفات، لكن الكلمى هنا هم الجرحى.

"وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟"

يعني معذورة.

"قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»" يعني تستعير.

طالب: .............

نعم.

طالب: ..............

الخروج لصلاة العيد، "أُمِرنا أن نُخرِج العواتق –حديث أم عطية- والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد ويعتزل الحيض المصلى".

«لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ» في الصحيح من حديث أم عطية: "أُمِرنا أن نُخرِج العواتق والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد، ويعتزل الحيض المصلى".

"فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سَأَلْنَهَا أَوْ قَالَتْ: سَأَلْنَاهَا، فَقَالَتْ وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي".

 تفديه بأبيها -عليه الصلاة والسلام-.

"فَقُلْنَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي، فَقَالَ: «لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوْ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى»، فَقُلْتُ: أَالْحَائِضُ؟ فَقَالَتْ: أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَتَشْهَدُ كَذَا، وَتَشْهَدُ كَذَا؟"

يعني تشهد المناسك وهي حائض، فتشهد المكان الذي تُصلى فيه صلاة العيد، لكن المصلى تعتزله، فالحائض لا تدخل المسجد.

طالب: .............

نعم؛ لأنها تشهد عرفة وتشهد المشاهد كلها.

طالب: .............

أين؟

طالب: .............

نعم، لو كانت طافت قبل الحيض، ما تفعل السعي؟

طالب: .............

لكن الأخذ من الحديث الاستدلال بالحديث «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، هذا الاستثناء، ما يدل على جواز السعي على الحائض؟

طالب: .............

لا، أنا قلت: افترض أنها طافت، أنت افترض أنها ما طافت والسعي لا يصح إلا بعد طواف؛ لأنه تبع للطواف مُنِع من هذه الحيثية لا لذاته.

طالب: .............

نعم.

طالب: ..............

لفظه –عليه الصلاة والسلام- خاص بالطواف، كون السعي مستلزمًا للطواف هذا شيء آخر، أنت افترض المسألة أنها طافت، في امرأةٍ طافت، ثم نزل عليها الحيض، نقول: لا تسعي؟

طالب: ..............

ماذا؟

طالب: لو طافت زال الإشكال.

زال الإشكال ومن قال لها ..... في الأصل.

طالب: .............

دخول المسعى ما فيه شيء؛ لأنه ليس من المسجد.

طالب: .............

المصلى ولا تحضر مكان الصلاة، تبتعد عن المصلى.

نعم.

"بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى.

وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمُجَاوِرِ يُلَبِّي بِالْحَجِّ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ.

وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَحْلَلْنَا حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ.

وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا مِنْ الْبَطْحَاءِ.

وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لِابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَقَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ".

قال الإمام البخاري –رحمه الله تعالى-: "بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ" يعني من أي مكانٍ من الحرم أهلَّ المكي أجزأه.

"وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى"، وفي حكم المكي المتمتع إذا حل من عمرته يُهل من مكة بالحج، وإذا أراد العمرة خرج إلى أقرب الحِل، والسبب أنه في الحج سوف يخرج من الحرم، فيجمع بين الحِل والحرم فيخرج إلى عرفة، وأما المعتمر فلن يخرج عن الحرم، فلا بُد أن يخرج قبل ذلك.

وفي قوله –عليه الصلاة والسلام- في حديث المواقيت: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، يعني يُهلون من مكة، قال بعضهم: إنه شاملٌ للحج والعمرة، فالمكي يُحرم من مكة بحجِّه وعمرته، لكن النصوص دلت على أنه في الحج يُهل من مكة، وفي العمرة كما في حديث عائشة يخرج إلى الحِل، ولولا أن الخروج إلى الحِل واجب لما انتظر النبي –عليه الصلاة والسلام- أن تخرج إلى التنعيم وترجع وينتظرها هو والناس -عليه الصلاة والسلام-.

"بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى" للحاج الذي حل من إحرامه بالعمرة أو لم يُحرم أصلًا، ثم أراد أن يُحرم للحج وقد دخل مكة بإحرام، ثم حلَّ منه كالمتمتع أو من جاء قبل أشهر الحج واعتمر ومكث في مكة، فإنه إذا جاء وقت الحج يُحرم من مكة.

"إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى" في يوم التروية، في اليوم الثامن من ذي الحجة.

"وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمُجَاوِرِ" يعني الساكن، "يُلَبِّي بِالْحَجِّ".

"وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمُجَاوِرِ يُلَبِّي بِالْحَجِّ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-" أجاب بالأثر الوارد عن ابن عمر.

"وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ حتى إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ" يعني لبى.

"وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَحْلَلْنَا"، يعني لما انتهت العمرة التي أمرهم بها النبي –عليه الصلاة والسلام- حلوا منها.

"حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ" يعني حتى كان يوم التروية، أو جاء يوم التروية، "وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ" يعني أردنا أن نخرج منها "لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ".

"وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا مِنْ الْبَطْحَاءِ.

وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لِابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ"، يعني من دخول شهر ذي الحجة يُهلون. "وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَقَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ" ولا تنبعث الراحلة عن مكة يعني إلى منى إلا يوم التروية.

قال ابن بطال وغيره: وجه احتجاج ابن عمر على ما ذهب إليه أنه يُهل يوم التروية إذا كان بمكة بإهلال النبي –صلى الله عليه وسلم-، وهو إنما أهلَّ حين انبعثت به راحلته بذي الحليفة، ولم يكن بمكة، ولا كان ذلك يوم التروية، من جهة أنه -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ من ميقاته من حين ابتدائه في عمل حجته، واتصل له عمله، ولم يكن بينهما مُكثٌ، وربما انقطع به العمل، فكذلك المكي إذا أهلَّ يوم التروية اتصل عمله بخلاف ما لو أهل من أول الشهر، وقد قال ابن عباس: لا يُهل أحدٌ من مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى منى.

النبي –عليه الصلاة والسلام- أهلَّ حين انبعثت به راحلته، وفي الحج متى تنبعث الراحلة بالحاج؟

يوم التروية إذا أراد أن يخرج إلى منى.

طالب: ..............

نوى.

طالب: ..............

يلبي يعني؟

طالب: ..............

التلبية مستمرة حتى يشرع في أول ركن.

طالب: ..............

الإهلال كناية عن الإحرام.

طالب: ..............

ماذا؟

طالب: ..............

 الذي يُحرِم كمن تمتع يُهل يوم التروية مثل ابن عمر، بعد طول العهد؛ لأن ابن عمر عُمِّر يسأله السائل يقول: الناس يُهلون من دخول ذي الحجة، وأنت ما تُهل إلا يوم التروية؟ فأجابه.

نعم.

"بَابٌ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟

قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.

قال: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ لَقِيتُ أَنَسًا، قال: وحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَقِيتُ أَنَسًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ".

يقول الإمام –رحمة الله عليه-: "بَابٌ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟" يعني النبي –عليه الصلاة والسلام- ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمي بذلك؛ لأنهم يتزودون، ويُروون الماء؛ لأنه ما كان هناك وسائل لتيسير وتسهيل الماء في المشاعر كما هو موجود الآن، كانوا ينقلون الماء في الأواني والقِرب، والمشقة أدركها من أدركها قبل تيسير الأمور- ولله الحمد والمنة-.

الآن وأنت ماشٍ في طريقك إن شئت الوضوء توضأت، وإن شئت الشرب فكل شيءٍ مهيأ، ولله الحمد، وفي أماكن الإقامة في المخيمات وغيرها كل شيء متوافر، ولله الحمد والمنة، ومع ذلك كانت المشقة شديدة، {لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل:7]، والآن- ولله الحمد- كل شيءٍ متيسر، الطريق كان بالأشهر، ومن بعض النواحي قد يزيد إلى سنة أو أكثر مع ما يلحق المسافر من المشقة من شدة الحر أو شدة البرد والتعب سواءً كان على قدميه أو على الراحلة، الآن الطريق مُيسر أحيانًا في ساعة أو أقل أو ساعات، ما يصل إلى حدٍّ يتأثر فيه الثوب، والحمد لله والمنة.

كل هذا متيسر، ولكن الملاحظ أنه في السابق الأبدان مُتعبة والقلوب مرتاحة؛ لأنه يعرف أنه لن يصل إلا بعد شهر أو بعد شهرين ، ماذا يفعل؟ يستغل هذه المدة بما ينفعه، يستغلونها بعبادة، بصلاة، وأمور أخرى، وبعضهم يستغلها في التأليف، وقلوبهم مرتاحة، لكن اليوم والطريق ساعة في الطائرة مثلًا مجرد ما تقف الطائرة يقوم الناس، ويتدافعون على الأبواب قبل فتحها، ولو يقف واحد على السُّلم خطر أن يُدفَع، القلوب شقيت مع راحة الأبدان، وهذه حكمة إلهية لو اجتمع شقاء القلوب مع شقاء الأبدان، واجتمع راحة القلوب مع راحة الأبدان، لكن من العدل الإلهي أن يحصل مثل هذا، كم من شخص عند الإشارات يصدم الذي أمامه، ويزعج الناس بالبواري؛ لأنه يلف يمينًا، وواحد واقف أمامه، وقد ألَّف رجل يُقال: إنه أمريكي، فيمن أُصيب بالجلطات عند الإشارات، فذكر عددًا كبيرًا، وما خفي عليه أكثر مع هذه الراحة والترف، لكن القلب يشتعل، وما عُرِفت هذه الأمراض الحديثة من سكر وضغط وغيره إلا بعد أن كثرت وسائل الترفيه، والله المستعان.

فكانوا يتزودون ويُروون.

من الطرائف أنه قبل خمسين سنة جاء شخص إلى خيمة واحد من المشايخ، هو أعرابي جاء إلى خيمة واحد من المشايخ يستفتي، سأل عن شيخ، قالوا: هذه الخيمة، وذهب، الشيخ هيأته رثة، فيه نوع دمامة، ومعه واحدٌ يخدمه في غاية الجمال، فاره الطلعة وأبيض اللون وكذا، دخل الأعرابي فإذا بالخادم يخرج بالإناء؛ ليستقي، والشيخ جالس، جاء وضرب الشيخ كف، يقول: الشيخ يروح يستسقي وأنت جالس! الشيخ يقول -رحمة الله عليه توفي-: أنه مكث مدة ورأسه يؤلمه من هذه الضربة.

طالب: ..............

والله هذا الحاصل، نسأل الله العافية.

طالب: ..............

ثم ما الكفارة إذا قيل له العكس؟

عرف فيما بعد، الله المستعان.

طالب: ..............

نعم.

طالب: ..............

مهما كانت الأعداد الآن أسباب الراحة قد يحج الإنسان ولا يشعر بشيء، والمدة ثلاثة أيام وأربعة، ما هي سنين تمضي.

قال –رحمه الله-: "حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ" المسندي الجُعفي.

"قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ"، وقد مر بنا في الدرس قبل الماضي.

"قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى". ذهب إلى منى أهلَّ بالحج، وذهب بمنى وصلى بها خمسة الأوقات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم بعد ذلك انتقل إلى عرفة.

"قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ"، لما زالت الشمس نزل فرمى الجمرة وأقام بالأبطح.

"ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ"، لا تخالف الناس، تُريد أن تُطبِّق سُنَّة، فترتكب محظورات، تؤذي نفسك، وتؤذي الناس.

 "افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ" في السُّنن لا في الواجبات، الواجبات ما عليها مساومة، والأركان، لكن في السُّنن؛ لتُدرك سُننًا أخرى "افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ" وإياك والخلاف والمعاندة.

"قال: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ" وهو ابن المديني.  

قال: "سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ" وهو ابن رُفيع.

قال: "لَقِيتُ أَنَسًا، وحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ"، والأكثر على أنه مصروف، ومنعه ابن مالك من الصرف.

"قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى".

عندنا ابن أبانَ أيش عندكم؟

طالب: ..............

نعم.

طالب: ..............

 بفتحة واحدة، يعني ممنوع من الصرف، هذا وقع في الكلام الذي قيل فيه: من منع أبان فهو أتان.

"قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَقِيتُ أَنَسًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ".

 وإياك والمخالفة، والخلاف شر، وعثمان –رضي الله عنه- لما أتم الصلاة بمنىً تبعه ابن مسعود، وقال: الخلاف شر، وإلا فالأصل فعل ما فعله النبي –عليه الصلاة والسلام- من القصر، وهذا كله سيأتي، في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.

 والله أعلم.

طالب: ..............

نعم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.