كتاب الطهارة من المحرر في الحديث - 05

عنوان الدرس: 
كتاب الطهارة من المحرر في الحديث - 05
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 7:15 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

"بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

 قال ابن عبد الهادي -يرحمه الله-: "وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيما إهاب دُبِغ فقد طهر»، أخرجوه إلا البخاري، ولفظ مسلم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، وقد تكلم فيه الإمام أحمد، ورواه الدارقطني من حديث ابن عمر وحسَّن إسناده."

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيما إهاب»" الإهاب هو الجلد قبل الدبغ، كما نص على ذلك أئمة اللغة كالأزهري وغيره، «أيما إهاب دُبغ فقد طهر» إهاب نكرة في سياق الشرط فهي عامة لجميع الأُهُب دُبِغ فقد طهر، والدبغ تنشيف الجلد من الفضلات النجسة؛ بسبب ملاصقتها للميتة التي نُقِل الإجماع على نجاستها بالمطهرات المعروفة بالقَرَض وقشور الرمان وغيرها يعرفها أهل الدباغة، ويعالجون بها هذا الجلد لينشف من هذه الرطوبات، ويتخلص منها، ولا يقوم الغسل مقام الدباغ؛ لأنه لا ينَقِّي الجلد تنقية كاملة إلا الدباغ «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، "أخرجوه"، يعني أصحاب الكتب الستة "إلا البخاري، ولفظ مسلم": «إذا دُبِغ الإهاب فقد طهر»، تكلم فيه الإمام أحمد بسبب راويه عبد الرحمن بن وَعْلة راويه عن ابن عباس يقول الإمام أحمد: ومَن ابن وَعْلَة؟! لكن وثقه ابن معين والنسائي والعِجْلي وغيرهم، وخرج له مسلم في صحيحه فقد جاز القنطرة، فالحديث صحيح لا إشكال فيه؛ لأنه مخرج في مسلم «أيما إهاب دُبغ فقد طهر»، فالطهارة هذه تنقله من حال إلى حال نقلة تامَّة بمعنى أنه صار من الطاهرات ظاهرًا وباطنًا ظاهرًا وباطنًا بمعنى أنه تجوز الصلاة عليه وفيه، ويُستَعمل في اليابسات والمائعات، لماذا؟

 لأنه طَهُر انتقل من النجاسة إلى الطهارة بالدبغ، فحكمه حكم الطاهرات خلافًا لمن يرى أنه لا يطهر مطلقًا يقول الحنابلة: ولا يطهر جلد ميتة بدباغ، وعموم الحديث يتناول جميع الأُهُب، جميع الجلود إذا دُبِغت انتقلت من النجاسة إلى الطهارة، ولا يستثنى من ذلك شيء، هذا مقتضى الحديث؛ لأن فيه «أيما إهاب»، أيما جلد دبغ فقد طهر، يدخل في ذلك جلد المأكول وجلد غير المأكول وجلود السباع وجلد الكلب النجس وجميع أنواع الجلود فتطهر، الخنزير يقولون: إنه كالآدمي ليس له جلد، فلا يدخل من هذه الحيثية، ولو كان له جلد لدخل في عموم «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، لو كان له جلد دخل عموم الحديث يتناول جميع الأهب، لكن جاء النهي عن جلود السباع النهي عن افتراشها واستعمالها، فتطهر من حيث الطهارة تطهر، لكنها لا يجوز استعمالها؛ للنهي عن ذلك، هذا بالنسبة للسباع.

  وأما ما عدا السباع فتطهر جلودها وتستعمل.

 ومنهم من يقول: إنه لا يطهر إلا جلد مأكول اللحم فقط، «ذكاة الأديم دباغه»، كما جاء في بعض الأحاديث «ذكاة الأديم» الجلد «دباغه»، فنُزِّل الدباغ منزلة الذكاة، فدل على أنه لا يفيد إلا فيما تفيد فيه الذكاة، فدل على أنه لا يفيد إلا فيما تفيد فيه الذكاة، وهذه حجة من يقول: إنه لا يطهر إلا جلد مأكول اللحم؛ لأنه هو الذي تفيد فيه الذكاة، وهو الذي تفيد فيه الدباغة، وعموم الحديث، الحديث بعمومه، وعمومه منطوق يتناول جميع الأُهُب، وذكاة الأديم دباغه مفهوم، ومنطوق هذا الحديث مقدم على مفهوم الحديث الآخر؛ لأن عندنا تعارضًا بين منطوق هذا الحديث وهو إن كان هذا المنطوق عامًّا، وذاك مفهومًا، وإن كان المفهوم خاصًّا إلا أن المنطوق مقدَّم على المفهوم، وهذا تقدم نظيره في إيش؟

طالب:.........

نعم، حديث القلتين مع عموم حديث «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، مفهوم حديث القلتين أنه إذا لم يبلغ القلتين فإنه ينجس، مفهومه هذا، ومنطوق حديث أبي سعيد «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» فالمنطوق وإن كان عامًّا مقدَّم على المفهوم وإن كان خاصًّا، ووضحنا هذا بقوله: -جل وعلا-: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [سورة التوبة:80]، مفهومه أنه لو استغفر لهم واحدًا وسبعين مرة، هذا مفهومه أنه يغفر لهم، لكنه معارَض بعموم قوله- جل وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [سورة النساء:48]، فالمنطوق مقدَّم على المفهوم، المنطوق وإن كان عامًّا مقدَّم على المفهوم، وإن كان خاصًّا ومنه ما معنا، والأمثلة كثيرة جدًّا.

 نعم فيه وجه ضعف ووجه قوة، والنص الثاني كذلك وجه الضعف العموم الخاص أقوى من العام، ووجه القوة المنطوق كونه منطوقًا دلالته في محل النطق فهو أقوى من المفهوم؛ لأن دلالته لا في محل النطق، فيشمل جميع الأُهُب فالأقوال في هذه المسألة وصلت إلى سبعة أقوال ما يدل عليه هذا الحديث أن جميع الأهب والجلود تطهر بالدباغ، لكن لا بد من الدباغ، فالدباغ يطهِّر جميع الأهب، وهو مدلول حديث الباب.

 ومنهم من يقول: لا، لا يطهر شيء من الجلود لا مأكول ولا غير مأكول؛ لحديث عبد الله بن عُكَيْم: أتانا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل موته بشهر «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب بإهاب ولا عصب» وقالوا هذا لحديث الباب؛ لأنه قبل موت النبي -عليه الصلاة والسلام- بشهر، لكنه لا يقاومه من حيث القوة، هذا مخرج في صحيح مسلم، وذاك في السنن وعن مجاهيل أيضًا، وفيه اضطراب في تحديد المدة قبل موته بشهر أو شهرين عن عبد الله بن عُكَيْم عن كتاب الله رسول الله عن بعض أشياخ من جهينة.

 المقصود أن فيه اضطرابًا ولو صح لحمل على الإهاب قبل دبغه، لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، يعني قبل دبغه، وهذا عمدة من يرى أن الدباغ لا يطهر، ومنهم من يقول: يطهر ظاهرًا لا باطنًا، يطهر ظاهرًا لا باطنًا؛ لأنه ينشف، والتنشيف يطهر وجهه دون الباطن، تجوز الصلاة عليه كالأرض المتنجسة إذا فرش عليها فراش، لكن لا تجوز الصلاة فيه؛ لأن المصلي فيه حامل لنجاسة يستعمل في اليابسات؛ لأن اليابس ما ينجس اليابس، بينما المائعات لا يستعمل فيها، وكونه -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه توضؤوا من مزادة امرأة مشركة على ما سيأتي فهذا استعمال للجلد بعد الدبغ في الرطب، الماء رطب، واستعمله النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو ذبيحة مشركة نجسة.

 منهم من يقول: إنه يجوز استعمال الأُهُب كلها ولو من غير دبغ، ولو من غير دبغ، لكن هذا قول ضعيف جدًّا، لا مستند له، منهم من يقول: يطهر جلد مأكول اللحم دون غيره إلى غير ذلك من الأقوال، لكن حديث الباب يدل على أن جميع الأُهُب إذا دبغت طهرت، يستثنى من ذلك ما منع من استعماله كجلود السباع والنمور، وتكلم فيه الإمام أحمد مثل ما ذكرنا بسبب عبد الرحمن بن وعلة راويه عن ابن عباس، وهو موثَّق من قِبَل ابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، ورواه الدارقطني من حديث ابن عمر، وهذا شاهد لحديث ابن عباس، وحسن إسناده، فالحديث صحيح لا إشكال فيه.

"وعن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «لا تأكلوا فيها إلا أن تجدوا غيرها، فاغسلوها ثم كلوا فيها»، متفق عليه.

 وعن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه توضؤوا من مزادة امرأة مشركة، متفق عليه، وهو مختصر من حديث طويل."

نعم، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي ثعلبة الخشني" اشتهر بكنيته، فطال الخلاف في اسمه، ومن اشتهر بالكنية يضيع اسمه، فلا يُحفظ كما أن من اشتهر بالاسم وغطى على الكنية قد تخفى كنيته على كثير من الناس، ويختلفون في كنى بعض الرواة وبعض والمترجَمين، فيذكر له بعضهم عشر كنى، ويختلفون في الاسم كأبي هريرة على نحو من ثلاثين قولاً، وهنا أبو ثعلبة اشتهر بكنيته، فمنهم من يقول: هو جرهم، ومنهم من يقول: جرثوم، ومنهم ابن ناشب، ومنهم من يقول: ابن ناشر، ومنهم.. أقوال كثيرة في اسمه واسم أبيه.

 "الخشني -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب". وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، "إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم، أفنأكل في آنيتهم؟" قال: «لا تأكلوا إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها» هذا النهي لما يزاولونه في هذه الآنية من شرب خمر وطبخ خنزير ونحو ذلك، وإلا فطعامهم حل لنا، وقد طُبخ في آنيتهم «لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها»، يعني هذا من باب الاحتياط؛ لأنهم يشربون فيها الخمر، ويطبخون فيه الخنازير، فمن باب الاحتياط ألا نأكل فيها إلا إذا لم نجد غيرها، فنغسلها ثم نأكل فيها؛ لما يغلب على الظن أنهم شربوا فيها أو أكلوا فيها مما ذكر، وإلا فالأصل أن طعامهم حل لنا، طعامهم حل لنا، فإذا طبخوه بآنيتهم حل لنا، ولو كان الغسل للوجوب أو لنجاستها لما حل طعامهم لنا؛ لأنهم يطبخون في آنيتهم، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أجاب دعوة اليهودي.

 أجاب دعوة اليهودي الذي أضافه على خبز شعير وإهالة سَنِخَة، يعني متغيرة- عليه الصلاة والسلام- متغيرة، إهالة سنخة متغيرة منتنة، وجاء في حديث الصيد «كله ما لم ينتن»، كيف أكل -عليه الصلاة والسلام- من هذه الإهالة المتغيرة وقال: «كله ما لم ينتن»، فما حكم أكل المنتن الذي تغيرت رائحته؟

وهذا بالنسبة لمن يطيقه وإلا فكثير من الناس لا يطيقه، والظروف والأحوال تختلف، الظروف تختلف، الناس الآن يعيشون في وضع قد لا يأكلون مثل هذا، لكن في بعض الأوقات يأكلون ما هو أشد منه، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كما في الحديث الصحيح يقول: «كله ما لم ينتن»، وأكل -عليه الصلاة والسلام- من الإهالة المتغيرة السنخة فنقول: النتن درجات ومراحل، إذا كان في بدايته بحيث لا يترتب على أكله ضرر يجوز أكله، يجوز أكله، أما إذا ترتب على أكله ضرر فإنه لا يجوز أكله، وعلى هذا يحمل قوله: «كله ما لم ينتن»، ولا شك أن المنتن مظنة للضرر، مظنة، وليس بمؤكَّد أنه يضر.

 وعلى هذا فالأطعمة التي تتم مدتها لبن مثلاً ينتهي يوم خمسة عشر، فتحت الثلاجة اليوم تريد اللبن، فإذا به ينتهي يوم خمسة عشر، اليوم ستة عشر، تشرب أم ما تشرب؟ هل تغير؟ هل أنتن؟ هل يضر، ما يضر؟ المنع مداره على الضرر، فإذا غلب على الظن أنه يضر فلا يجوز تناوله، وإذا غلب على الظن أنه لا يضر يجوز تناوله؛ لأن هذه ليست أمورًا قطعية، هذه التواريخ التي تُذكر ليست قطعية، وأمر آخر هي أنها تختلف، يختلف التغير باختلاف مكان الحفظ، مكان الحفظ، الذي يُحفظ في مكان بارد غير الذي يحفظ في مكان حار فالأمر مداره على الضرر، فإذا غلب على الظن أنه يضر فلا يجوز تناوله، والعكس بالعكس.

 يقول: "وعن عمران بن حصين" أبو نُجَيْد، الصحابي الجليل عمران بن حصين من خيار الصحابة وكبارهم، من سادتهم، كان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- يسلَّم عليه في مرضه عيانًا، كيف يسلم عليه؟

 تسلم عليه الملائكة عيانًا، يسمع السلام، ويرد الجواب- رضي الله عنه وأرضاه- فاكتوى فانقطع التسليم، ثم ندم على ذلك، فعاد التسليم، لكن هل هذه المنازل تحصل بالأماني؟ تحصل بالتفريط والتضييع؟

لا، اكتوى فانقطع التسليم، دل على أن الاكتواء مفضول، وقد جاء في حديث السبعين الألف، وجاء في وصفهم أنهم لا يكتوون، هو جائز، ونوع من العلاج، وسبب من الأسباب، وإن كان الشفاء في شيء فمنه الكي علاج مجرَّب، لكنه خلاف الأولى، والكُمَّل من الناس الذين يطلبون المنازل العالية لا يفعلونه، من اكتوى لم يدخل في حديث السبعين، لكن إذا ندم وتاب، استرقى وندم على ذلك وأراد الدخول في السبعين استشرف ولم يفعل يدخل أم ما يدخل؟

طالب: ...........

حديث عمران يدل على أنه إذا ندم على ذلك عاد، لكن إذا استشرف للرقية ولم يفعل، ما طلب أحد يرقيه، لكن إن دخل عليه من يظن فيه الخير فتح الأزارير، وتجهز، وهو ما طلب، يدخل أم ما يدخل؟

هو رغبته أن يدخل في حديث السبعين، لكن العافية أيضًا يبحث عنها.

 على كل حال هذه منازل للكُمَّل من الرجال، على الإنسان أن يسعى في تكميل نفسه بقدر الإمكان، وبعض الناس مع تفريطه، يعني بعض الناس مع التفريط، مع تفريطه إذا عطس ينتظر التشميت فلا هذا ولا الذي تعبد سبعين سنة ويستحي أن يسأل الله الجنة، ويكتفي بالاستعاذة من النار، لا هذا ولا ذاك، لا إفراط ولا تفريط، ابذل السبب وافعل ما أمرت به، وسل ربك أن يوفقك ويسددك.

 "عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه توضؤوا من مزادة امرأة مشركة"؛ بسبب أنهم كانوا في غزاة، فأرسل من يبحث عن الماء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ومعه بعض الصحابة، فوجدوا امرأة بين سطيحتين على ناقة، فسألوها عن الماء فقالت: عهدي به بالأمس في مثل هذه الساعة، فدعوها إلى النبي- عليه الصلاة والسلام- فحَلَّ المزادة وسكب منها في إناء صغير، ودعا بالبركة، فتوضؤوا عن آخرهم، فتوضؤوا من هذه المزادة، وهي امرأة مشركة، ذبيحتها نجسة، والمزادة هي الراوية، وهي عبارة عن جلدين يوضع بينهما ثالث، لكي تتسع وهي التي يتزود بها الماء، الراوية معروفة، التي يروى بها الماء، توضؤوا من هذه المزادة، يعني من مائها، وهو مائع، وهي مشركة، فدل على أن الدباغ يطهِّر الجلد طهارة تامة، ويستعمل في المائعات كاستعماله في اليابسات.

 قد يقول قائل: يمكن هذه المزادة أيضًا ما دُبِغت، ما دبغت هذه المزادة، فتكون حجة لمن يقول بأن الجلد يستعمل ولو لم يدبغ، وهذا معزوٌّ إلى الزهري، يستعمل ولو لم يدبغ، احتمال أنها ما دبغت هذه المزادة، نقول: لا، هذه تحمل على الأحاديث الأخرى، تحمل على الأحاديث الأخرى، الجلد إذا دبغ كالقِرَب والأسقية لا شك أنه يغيِّر الماء، يغيِّر اللون والطعم والرائحة، الماء يتغيَّر؛ بسبب الموادّ التي استُعملت في الدباغة، لكن هذا التغير لا يخرجه عن مسمى الماء، لا يخرجه عن مسمى الماء فيتوضأ ويشرب ويصنع منه الطعام، فساقه المؤلف، ساق المؤلف هذا الحديث؛ ليبين أن الدباغة تطهِّر الجلد، تطهر الجلد، وهو اختيار له، بدليل ما ساقه من أحاديث، وهو خلاف ما هو عليه من مذهب، عند الحنابلة أن الدباغة لا تطهِّر، لكن الحق أحق أن يتبع، فالأدلة ظاهرة في التطهير.

"قال -رحمه الله-: وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- في حديث له أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أوكِ سقاك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه عودًا»، متفق عليه.

 ولمسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء»."

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- في حديث له أن النبي -عليه الصلاة والسلام"- قال: «أوكِ سقاءك»، يعني اربط، وشُدَّ السقاء بالوكاء الذي هو الرباط، حبل من جلد أو غيره، أو صوف، المقصود أنه حبل يُربَط به فم السقاء من قِربة أو سقاء أو غيره أو مزادة أو ما أشبه ذلك، وسواء كانت من الجلد أو من غيره، ولو من بلاستيك أو من غيرها، يربط.

 في الشعب للبيهقي أن رجلًا شرب من فيِّ السقاء، فانساب في بطنه جانٌّ، فنهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن اختناث الأسقية، ثبت النهي عن الشرب من فِيِّ السقاء، لماذا؟

 لأنه ترك ما ربط، فنهي عن اختناث الأسقية، يعني الشرب من أفواهها من دون أن يُسكب ما فيها من ماء؛ لأنه لا يُعلم ما في أجوافها، وهذه الأسقية فيها الماء، ولا يدرى ما في هذا الماء، لعله انساب فيه شيء مما يضر الإنسان، والحشرات والهوامّ تتبع مثل هذه الأماكن؛ لأنها فيها رطوبة، وفيها برودة، فقد يقع شيء يضر بالإنسان، فلا بد من إيكاء السقاء.

 والنهي عن الشرب من فم السقاء معروف أن العلة فيما إذا لم يعلم ما في جوفه وإلا فيتناول الجميع، فالأصل أنه يتناول الجميع، لكن سبب الورود يدل على أنه إذا لم يُعلَم ما في جوفه مما يضر، وإلا لو أتيت بماء في زجاجة، تعرف أن هذا الماء نظيف، نعم العلة ليست خاصة بضرره، بل تشمل الضرر، وتشمل تقذيره على غيره، يعني لو أن عندك قارورة ماء مثلاً فيها لتر أو أكثر، ومعك اثنان وثلاثة يشربون بعدك فهل من المناسب أن تشرب من فمها؟

لا، ليس من المناسب، فإذا نُهينا عن التنفس في الإناء فهذا من باب أولى، هذا إذا انتفى الضرر يبقى مسألة التقذير، أما إذا كانت العلبة بمقدار ري الإنسان، وأنه لا يحتاجه أحد بعده، أو كانت خاصة به فانتفت العلل، يرى ما في جوفها، فلا يتصور الضرر، ولا أحد ينتظر الشرب بعده، يشرب من فمها أم ما يشرب؟

يشرب من فمها، انتهت العلة انتفت.

 «أوكِ سقاءك» يعني اربط فم السقاء وشده بالوكاء الذي هو الرباط، واذكر اسم الله عليه، اذكر اسم الله عليه وأنت تربط؛ لأنك إذا ذكرت اسم الله عليه لم يكن للشيطان فيه نصيب، لم يكن للشيطان فيه نصيب.

 «خمِّر إناءك» يعني غطِّ الإناء، «خمِّر إناءك» الذي فيه الطعام غطِّه واذكر اسم الله عليه؛ لئلا يكون للشيطان منه نصيب.

 «ولو أن تعرض عليه عودًا» العود لا يمنع من سقوط شيء يضر في هذا الإناء، ولا يمنع تأثر الطعام بالهواء الذي يسمونه إيش؟ تأكسدًا، ما يمنع، الآن من أسرع ما يتأثر بالهواء تفاح مثلاً اعصر التفاح ودقيقة واحدة ضعه في إناء، ماذا يصير لونه؟

طالب:.........

 نعم داكن جدًّا، الطماطم أيضًا يتأثر بسرعة، فالتغطية عرض العود لا يزيل هذا، أقول عرض العود ما يكفي في إزالة هذا الأكل، على أقل الأحوال أن مثل هذه الأمور الحفظ فيها شرعي، ولو لم يكن عرفيًّا، امتثال التوجيه النبوي سبب للحفظ، وإلا من حيث المعنى المعقول تعرض عودًا أو ما تعرض، ما الفرق؟ الذي يسقط سيسقط، وما يتغير من الهواء سيتغير، لكن من وقف عند الشرع وقاه الله- جل وعلا-، «ولو أن تعرض عليه عودًا» هذا علاج شرعي.

"ولمسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم"- قال: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء؛ فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء» هذا من حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على أمته. «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء» وأيضًا هو سَبْق في باب استعمال أدوات السلامة والصيانة التي يحث عليها الأطباء، النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء؛ فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء»، وهذا الذي لا يعرفه أطباء ولا غيرهم، لا يعرفه إلا المؤيَّد بالوحي- عليه الصلاة والسلام-، «فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء»، وهذا من شفقته -عليه الصلاة والسلام-، من شفقته -عليه الصلاة والسلام- ورحمته بأمته وحرصه عليهم الشرب من الإناء المغلق المحكم لاسيما استعماله على وتر، لاسيما استعمال السبع، النبي -عليه الصلاة والسلام- لما مرض قال إيش؟

طالب:.........

نعم «صبوا علي من سبع قِرَب»، نعم من سبع قرب، من سبع قرب، هذا نافع في العلاج، «لم تُحَلّ أوكيتهن، لم تحل أوكيتهن»، فإذا استعمل على هذه الطريقة نفع بإذن الله، وهو علاج وطب نبوي قد يقول قائل: الآن ما عندنا قرب، أنا سآخذ لي كأسًا، وأبحث عن سبعة ترامس من الحرم، على سبعة، وأشرب أو أسكب على نفسي، يصلح أن ما يصلح؟ ينفع أم ما ينفع؟

طالب: .............

علاج للحمى نعم، لكن أيضًا ماء زمزم ماء مبارك، واحتاجه لألم في بطنه؛ لمرض أو شيء، ويريد أن يتعالج بهذه الطريقة من سبعة أسقية، لكن هل فيها أوكية، لم تحلل أوكيتهن؟ وهل المقصود من هذا أنه أول ما يستعمل من هذا السقاء بمعنى أنه أول ما يُسكَب من هذه القِرْبة؛ لأنها لم تحلل أوكيتهن؟ وعلى هذا من انتظر التعبئة، تعبئة الترامس أول كأس يصب من هذا الترمس يؤخذ منه، يعني يمكن أن يؤخذ من هذا النص مثل هذا أم ما يمكن؟

طالب: .............

لماذا؟

طالب: .............

لا..

منها يؤخذ منها، ليس كلها، لا لا، يؤخذ منها، وعلى هذا لو دار بكأس على سبعة ترامس عُبِّئت الآن، وأول من أخذ منها هو، والتمس بذلك الاقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- ما فيه ما يمنع، ما فيه ما يمنع، أبدًا تتبع مثل هذه الأمور ليس لذات الماء، وإن كان الماء إذا كان من زمزم فيه بركة، لكن يبقى أنه الاقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- والائتساء به في مثل هذا ينفع، إن شاء الله تعالى.

طالب: .............

الذي يظهر أنه عام، ما الذي يمنع النفع؟ النفع يرجى عمومه، يعني ما يلزم أن تكون حمى وإلا يكون..

طالب: .............

أي مرض إن شاء الله تعالى.

طالب: .............

الليلة ما تشمل إلا من غروب الشمس إلى طلوعها عند الفلكيين أو إلى طلوع الصبح عند المتشرعة.

طالب: تحديد الليلة يا شيخ، تحديد الليلة.

لا، هو يبقى أن الوباء الخاص هذا الذي ينزل في هذه الليلة، وليست معلومة، فيُتَّقى الليل كله طول العام، ويبقى أن النهار مظِنة، يعني ما يلزم أن يكون هذا الوباء نفسه، ويمكن أن ينزل غيره.

طالب: .............

في الثلاجة؟ ماذا فيه؟

طالب: .............

نعم؛ لأن الثلاجة مغلقة محكمة، يقوم مقامه نعم؛ لأن هذا تخمير، باب الثلاجة خُمرة.

طالب: تحديد الليلة يا شيخ، أو المكان مكان محدد يا شيخ.

مكانها يعني ليلة بعينها، ما أدري والله، ما جاء «فإن في السنة ليلة» نكرة.

"قال -رحمه الله-: باب السواك.

 وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب»، رواه أحمد والبخاري تعليقًا مجزومًا به، والنسائي وابن حبان، وأخرجه ابن خزيمة بطريق أخرى في صحيحه، ورواه أحمد من حديث أبي بكر الصديق وابن عمر -رضي الله عنهم-، ورواه ابن حبان من حديث أبي هريرة."

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب السواك" السواك جمعه إيش؟ سُوُك، مثل كتاب وكُتُب مثل كتاب وكتب، وهو استعمال المنظِّف، منظِّف الفم والأسنان من عود ونحوه، وهل يحصل أو يقوم مقام السواك الذي هو العود يقومه مقامه غيره، كالأصبع الخشنة والخِرَق والمناديل والفرشاة وغيرها؟

التحاليل الطبية أثبتت أن في عود الأراك مادة نافعة لقتل الجراثيم والمحافظة على اللثة والأسنان ما لا يوجد في غيرها، لكن استعمال المنظفات الأخرى على كل حال نافعة بدلًا من أن تتراكم الأوساخ على الأسنان وعلى اللسان، تزال بمثل هذا، لكن هل تحصل السنة بالأصبع الخشنة والخِرَق؟

شخص أراد أن يصلي، ما معه سواك، وجاء في الحديث أن الصلاة بسواك تعدل سبعين صلاة، حديث فيه ضعف، معروف عند أهل العلم، لكن قواه بعضهم فقال: أقل الأحوال أن أمتثل الأمر، «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، وأنا ما معي سواك، وأصبعه خشنة من أثر العمل، أو طرف شماغه، أو معه منديل، لا شك أن مثل هذا يخفف يخفف، والعلة معقولة، فيحصل له شيء من الأجر، ولو لم يحصل الأجر الكامل.

 "عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم"-: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» مطهرة للفم، أما كونه مطهرة فهذا ظاهر يزيل الأوساخ المتراكمة على الأسنان واللسان؛ بسبب الأكل وما يدخل في الفم من خارجه من غبار وأتربة وأمور مرئية وغير مرئية، الجو مملوء، فما يدخل في الفم وما يتصاعد من الأبخرة من المعدة وبقايا الأطعمة كل هذا بحاجة إلى إزالة، فالسواك يطهرها، يطهر الفم، ويرضي الرب؛ لأنه امتثال لأمر نبيه -عليه الصلاة والسلام-، فهو سنة من السنن من السنن المؤكَّدة، ويتأكد أمره عند تغير الفم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند القيام من النوم، وعند قراءة القرآن، وعند طول السكوت، يتأكد، فهو مرضٍ للرب؛ لأن الدِّين دين النظافة، دين النظافة، لكن النظافة المعتدلة، النظافة باعتدال، لا بإفراط ولا تفريط، وكل ما يتعلق بالدين هذا شأنه لا إفراط ولا تفريط.

 النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يدَّهن، وكان يترجَّل، وكان يتنظَّف -عليه الصلاة والسلام-، لكنه لا يبالغ في ذلك مبالغة تعوقه عن تحصيل ما هو أهم من ذلك، ولذا جاء النهي عن الادهان إلا غِبًّا، ويلاحَظ من بعض الناس أنه يقضي أوقات طويلة في مثل هذه الأمور، تجده يخصص جزءًا في اليوم مثلاً ساعة ساعتين في الحمام يتنظف، هذا إفراط، هذا إفراط، ولا بد أن يكون مثل هذا على حساب أمور أخرى، فلا يبقى الإنسان قذرًا يقذره الناس بذلك، ولا يبالغ في هذا أيضًا فديننا دين التوسط ودين النظافة في الأصل، لكن من غير مبالغة، وجد من أهل الترف من يخيط كل سنة من الثياب بعدد أيام السنة بحيث لا يعود إليه أبدًا، ووجد من تمر عليه الفصول الأربعة وعليه ثوب واحد مع قدرته على تغييره، يعني وجد هذا وهذا، فلا هذا ولا هذا، {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [سورة الإسراء:29]، ديننا دين التوسط، ودين الطهارة، ودين النظافة، لا تقبل صلاة بغير طهور.

 وغسَّال أمريكي أسلم من غير دعوة، من غير دعوة، فسئل عن ذلك، فذكر أنه غسال تأتيه ثياب المسلمين ليس فيها روائح، ونظيفة وما فيها إشكال؛ لأنهم لا يمكن أن يتركوا الاستنجاء بحال من الأحوال، لا تصح طهارة، لا تصح صلاة إلا بطهارة، والصلاة ركن الإسلام الأعظم، فلا تصح إلا بطهارة، ولا تصح طهارة إلا بعد الاستنجاء أو الاستجمار، وتأتيه ملابس غير المسلمين منتنة، لا تُطاق رؤيتها ولا رائحتها، فهذا ديننا، فما يطهر البدن لا شك أنه يرضي الرب -جل وعلا-، ولذا جاء «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب».

 "رواه أحمد موصولاً، والبخاري تعليقًا مجزومًا به" تعليقًا المعلق: ما حذف من مبادئ إسناده من جهة المصنِّف راوٍ أو أكثر، ولو إلى آخر الإسناد حذف.

وإن يكن أول الإسناد حذف


 

مع صيغة الجزم فتعليقًا عرف


فتعليقًا عرف، ولو إلى آخره، فإذا حذف من مبادئ السند واحد اثنان ثلاثة، جميع الإسناد يسمى تعليقًا مجزومًا به، مجزومًا به يعني جاء بصيغة الجزم، قال: ورَوى بخلاف صيغة التمريض يُقال ويُذكر ويُروى وما كان هذا شأنه في الصحيح من التعاليق المجزوم بها لا شك أن لها قوة، فالبخاري -رحمه الله تعالى- ضمن لك من حذف، ويبقى النظر فيمن أبرز من رجال الإسناد، وهي في الغالب صحيحة، ما فيها إشكال.

 "والنسائي وابن حبان، وأخرجه ابن خزيمة بطريق أخرى في صحيحه، وأحمد من حديث أبي بكر، وهذا شاهد لحديث عائشة، حديث أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- وابن عمر" رضي الله عن الجميع، وهذا شاهد ثانٍ.

 "ورواه ابن حبان من حديث أبي هريرة" وهذا شاهد ثالث، فالحديث مروي من طرق كثيرة، فهو صحيح.

 الحديث الذي يليه.

"قال -رحمه الله-: وعن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك، رواه مسلم."

يقول المؤلف- رحمه الله تعالى-: "وعن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك، يبدأ بالسواك"، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- إذا دخل البيت بدأ بالسواك، وإذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك، وإذا توضأ استاك، وإذا صلى استاك، فهذا شأنه -عليه الصلاة والسلام-، يلازم السواك، فإذا التقى بالناس استاك، ولو كانوا من أقرب الناس إليه من أهله وذويه، فهو يستاك لهم كما يستاك لغيرهم.

 وفي هذا فائدة وأدب رفيع من النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن بعض الناس يهتم أشد الاهتمام للناس، ولا يكترث لأهله وأقرب الناس إليه، هذا خلاف الأدب النبوي -عليه الصلاة والسلام-، النبي إذا دخل بيته -عليه الصلاة والسلام- بدأ بالسواك؛ لأنه يقابل أهله أخص الناس به، هم الذين يباشرونه، هم أقرب الناس إليه، وهم أيضًا بحاجة إلى رعاية وعناية كغيرهم، بل أشد وأولى، وهذا خلاف ما يتصوره كثير من الناس، تجده في بيته على حال لا تُرضَى أحيانًا، وإذا أراد أن يقابل الناس اهتم لهم أشد الاهتمام، نعم الشخص له دالة وله كلام على أهله وأولاده، قد لا يتحرز منهم كما يتحرز من الرجال الأجانب لاسيما من كان في محل مثل محله -عليه الصلاة والسلام- من الاقتداء، بحيث إذا رآه الناس واقتدوا به على حال أقل عليه أن يراعي الحشمة في جميع أحواله، لكن قد يشق التزام الحشمة في سائر الأحوال، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يتجمل للوفود أكثر مما يتجمل لأصحابه، هذا ظاهر من فعله -عليه الصلاة والسلام-. نعم؛ لأن له دالة وقالة على أصحابه، وله على أهله وذويه وأقاربه من الدالة أشد.

 فإذا كانت المخالطة والمعاشرة أكثر فلا شك أن مثل هذا الاحتشام الدائم مما يشق، والمشقة تجلب التيسير، فهل أنت تتعامل مع زميلك الذي لا تراه في السنة إلا مرة أو في الشهر مرة أو في اليوم مرة مثل من تطلع أنت وإياه في استراحة أو بر أو شيء أو نزهة؟

 يختلف الوضع؛ لأنك لو لاحظت هذا مثل هذا شق عليك، والمشقة تجلب التيسير، وعلى كل حال أقل الأحوال إزالة المؤذي، يعني ليس معنى هذا أن فيه مشقة بينك وبينها أنك تمتهنه إلى حد تؤذيه، لا، لكن قد تخفف من بعض التكاليف التي تتعناها في بعض الأوقات دون بعض، أظن أن هذا ظاهر وواضح، أما كونه -عليه الصلاة والسلام- إذا دخل بيته استاك فمثل هذا القذر المؤذي ينبغي أن يُجتَنب لا مع القريب ولا مع البعيد.

"قال -رحمه الله-: وقال الإمام أحمد في المسند: قرأت على عبد الرحمن: مالك عن ابن شهاب، مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء»، رواته كلهم أئمة أثبات، ورواه أحمدٌ عن روح عن مالك مرفوعًا أيضًا."

أحمدُ ممنوع من الصرف.

"ورواه أحمدُ عن روح عن مالك مرفوعًا أيضًا، ومن رواية روح رواه ابن خزيمة في صحيحه.

 وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، متفق عليه."

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وقال الإمام أحمد في المسند: قرأت على عبد الرحمن" يعني ابن مهدي إمام، قرأت على عبد الرحمن بن مهدي "مالك عن ابن شهاب" يعني ما رواه من طريق "مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال": «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء»، يقول المؤلف: "رواته كلهم أئمة أثبات"، الإمام أحمد، ابن مهدي، مالك، ابن شهاب، حميد بن عبد الرحمن، أبو هريرة كلهم أئمة أثبات.

 "ورواه أحمد عن روح عن مالك مرفوعًا أيضًا، ومن رواية روح رواه ابن خزيمة في صحيحه" يعني مرفوعًا، ورواه مالك كما في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى عن مالك بالإسناد نفسه موقوفًا على أبي هريرة، موقوفًا على أبي هريرة، هذا حديث موقوف على أبي هريرة عند مالك في رواية يحيى بن يحيى، وأما ما رواه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه فهو مرفوع، ومروي عن طريق رَوْح أيضًا مرفوعًا، ففيه تعارض الرفع مع الوقف، والأكثر على رفعه، ومثل به الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- للصحيح لغيره يقول:

والحسن المشهور بالعدالة


 

والصدق راويه إذا أتى له


طرق أخرى نحوه من الطرق


 

صححته كمتن لولا أن أشق


إذ تابعوا محمد بن عمرو


 

عليه فارتقى الصحيح يجري


فهو صحيح لغيره، وهنا الحديث رواته عند الإمام أحمد كلهم أئمة أثبات، فلا إشكال في صحته، وهو حديث صحيح، ولا يضره وقف الإمام مالك له، لا يضره هذا؛ لأن الأكثر رووه عن مالك مرفوعًا، ويحيى بن يحيى الليثي رواه عن مالك موقوفًا، والعبرة في مثل هذا لمن رفع لاسيما وأنهم أكثر، وفيهم ابن مهدي، هل يُعدَل يحيى بن يحيى بعبد الرحمن بن مهدي؟ لا يمكن أن يعدل به، فكما قال المؤلف- رحمه الله تعالى-: "رواته كلهم أئمة أثبات" كلهم أئمة أثبات، وصُرِّح برفعه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى رواية الوقف، رواية الوقف تشم منها رائحة الرفع، فهل يمكن أن يقول أبو هريرة من تلقاء نفسه: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم»؟ هل لأبي هريرة أمة؟ وهل له أمر على هذه الأمة؟

 لا يمكن، لا يمكن أن يقول أبو هريرة مثل هذا، فرواية ابن يحيى الليثي لا شك أن فيها تقصيرًا؛ لأن الراوي قد ينشط فيرفع، ويقصِّر فيوقف، ولفظه صريح في أنه من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء»، هنا لولا حرف امتناع لوجود، امتنع الأمر لوجود المشقة، امتنع الأمر لوجود المشقة، لولا أن أشق على أمتي، وهذا من رحمته ورأفته -عليه الصلاة والسلام- بأمته، وجاء وصفه بأنه رؤوف رحيم- عليه الصلاة والسلام-، «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم» لأمرتهم، الأمر الممتنع لوجود المشقة أمر إيش؟

أمر الإيجاب لا أمر الاستحباب؛ لأن أمر الاستحباب ثبت بأدلة أخرى، وبهذا الحديث يستدل الجمهور على أن صيغة الأمر تدل على الوجوب، والأصل في الأمر الوجوب؛ لأنه نفى الأمر امتنع الأمر؛ لوجود المشقة، وأمر الاستحباب موجود، فكيف ينفى الموجود؟ فالمنفي هو أمر الإيجاب، وإذا انضم إلى ذلك مثل قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النــور:63] قوي القول، وهو قول الجمهور بأن الأصل في الأمر الوجوب، ولا يصرف عنه إلا لقرينة.

 «لأمرتهم بالسواك» بالسواك يعني بفعل التسوُّك، «مع كل وضوء» أمرهم بالاستياك مع كل وضوء سواء كان وضوءًا عن حدث أو وضوء تجديد لإرادة الصلاة، لإرادة النوم على طهارة، لإرادة قراءة القرآن، لإرادة الطواف، لإرادة..

 «مع كل وضوء» عموم.

 وفي الحديث الذي يليه حديث "أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم"-: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، وهذا الحديث متفق عليه، مخرج في الصحيحين، عند كل صلاة يعني عند الشروع في كل صلاة سواء كانت فريضة أو نافلة من الصلوات العامة أو الخاصة، فيشمل الصلوات الخمس والنوافل الراتبة والمطلقة، ويشمل صلاة الجنازة، ويشمل صلاة الكسوف والعيد والجمعة وجميع الصلوات، «عند كل صلاة» عند الشروع فيها، وهو عبادة؛ لأنه مرضاة للرب خلافًا لمن يقول: إنه لا يشرع السواك في المسجد؛ لأنه إزالة قذر، وهو مباشرة لإزالة هذا الوسخ ينبغي أن يجتنب عنه المسجد، إذا أراد أن يدخل المسجد استاك، قد يطول بقاؤه في المسجد فلا يتم امتثاله لهذا الخبر عند كل صلاة، فالسواك مطلوب عند الشروع في الصلاة، وهل يستاك بيمينه أو بشماله؟ يستاك بيمينه أو بشماله؟

طالب: ..........

إزالة القذر بالشمال طيب..

طالب: ..........

كان يعجبه التيمن.

طالب: ..........

وسواكه جاء وسواكه يعجبه التيمن، فهل نقول: يستاك بيمينه؛ لأنه عبادة، أو يستاك بشماله؛ لأنه إزالة قذر؟ شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: لا أعلم أحدًا من الأئمة قال بالتسوك باليمين، نعم عامة أهل العلم على أن التسوك باليسار، بالشمال، لا أعلم أحدًا من الأئمة، مع أن جده المجد ابن تيمية صاحب المنتقى والمحرر وغيرها من الكتب النافعة، إمام من أئمة الحنابلة، يقول بالتسوك باليمين، فهل يرد هذا على كلام شيخ الإسلام، أو يقصد بذلك الأئمة المتبوعين؟

لا أعلم أحدًا من الأئمة قال بالتسوك باليمين، وعلى كل حال هذا نفي لعلمه، ونفي العلم ليس نقلاً لإجماع كما هو معروف، إذًا حديث كان يعجبه التيمن في طهوره وتنعله وترجله وفي سواكه، وفي شأنه كله يرد على هذا أم ما يرد؟

يعجبه التيمن، هل المراد بالحديث إمساك السواك باليمين أو البداءة بالشق الأيمن من الفم، هل المقصود في هذا إمساك السواك باليد اليمنى، أو المقصود به تنظيف الشق الأيمن قبل الأيسر؟ نعم كأن الثاني أظهر، كأن الثاني أظهر، ومسائل السواك معروفة عند طلاب العلم، جاءت بها النصوص الكثيرة، وبحثت في كتب أحاديث الأحكام وفي كتب الفقه وغيرها، فلا نطيل بها.

"قال -رحمه الله-: وعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، متفق عليه، ويشوص بمعنى يدلك، وقيل: يغسل، وقيل: يُنقِي.

 وللنسائي عن حذيفة قال: كنا نُؤمَر بالسواك إذا قمنا من الليل."

نعم، يقول المؤلف- رحمه الله تعالى-: "وعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك"، كان هذه تدل على الاستمرار، يعني كانت عادته المطردة -عليه الصلاة والسلام- يعني كانت عادته المطردة -عليه الصلاة والسلام- إذا قام من الليل، استيقظ من نوم الليل، يشوص فاه بالسواك، وقوله: من الليل بناءً على أن الأصل في النوم هو الليل، ونوم الليل هو الذي يطول بحيث يُستغرق الوقت فيتغير الفم؛ بسبب عدم الكلام، طول السكوت لا شك أن له أثرًا في تغير الفم، لكن لو كان نوم الإنسان بالنهار، وظيفته بالليل، ونومه بالنهار، يكون حكمه حكم الليل بالنسبة له، أو يكون ممن ابتُلي كما هو شأن المسلمين أو كثير من المسلمين في هذه الأيام يسهر الليل كله، وينام النهار كله؟ نعم الحكم واحد؛ لأن العلة معقولة.

 "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يشوص" يدلك، يدلك، "فاه بالسواك"، وفي الحديث: «أمِن الشَّوْص» ما الشوص؟ جاء تفسيره في النهاية لابن الأثير هنا يقول الحديث الذي لم نعرف له أصلاً الشوص بفتح الشين: وجع الضرس، وجع الضرس، فيشوص ما معنى يشوص هنا «أمن الشوص»؟ وفي النهاية: الشوص وجع الضرس، وهنا يشوص يشوص يدلك، لكن هل الشوص الذي هو وجع الضرس له ارتباط بيشوص فاه بالسواك، أو نقول: إنه يبالغ في الدلك حتى يؤلمه الضرس من شدة المبالغة، كما يتألم بالشوص أو يقرب منه؟ هو الارتباط ارتباط المعنى لارتباط اللفظ معروف ما لم يكن اللفظ من الأضداد.

طالب: ..........

الذي هو وجع الضرس، يعني بالاستياك يُقضى على السوس وشبهه ماذا يسمون الذي في الضرس هذا الأسود؟

طالب: ..........

السوس نعم، فهل شَوْص الفم بالسواك؛ لئلا يصاب بالشوص، يشوص؛ لئلا يصاب بالشوص أو هذا تنافر؟

يعني تفسير الكلمة لغة وإن لم يكن للخبر أصل، يعني الكلمة معناها في اللغة كذا، يعني لا ارتباط لها بثبوت الخبر وعدمه؛ لأنه تفسير للكلمة باللغة العربية هذه كلمة نطق بها العرب، ومعناها كذا، لكن لا يعني هذا أن الخبر يثبت إذا فسرت الكلمة، ولذا تجدون في كتب الغريب في كتب اللغة من الأخبار ما لم يثبت، لكن مفرداته عربية، تفسَّر، فيشوص، وأمن الشوص، الشوص وجع الضرس، فهل نقول: إنه يشوص؛ لئلا يبتلى بالشوص الذي هو وجع الضرس؟

طالب: ..........

لكن هو يشوص، يوجِد، هو ظاهر اللفظ أنه يوجِد الشوص هو الذي يظهر أنه يبالغ في الدلك حتى يصل إلى حد يقرب من الشوص، ما يلزم أن يكون شوصًا بحيث يؤلمه ضرسه، هذا الذي يظهر.

 "فاه بالسواك" الفم يشمل الأسنان، ويشمل اللثة، ويشمل سقف الفم، ويشمل اللسان وما تحت اللسان، كل هذا يطلق عليه فم، وكله مظنة لتراكم الأوساخ، لكن أشد ما يوجد في الأسنان واللسان.

 "متفق عليه، ويشوص يعني يدلك، وقيل: يغسل، وقيل: ينقِّي، وللنسائي عن حذيفة قال: كنا نؤمَر بالسواك إذا قمنا من الليل" يعني هل الوارد فيه من فعله -عليه الصلاة والسلام- أو من فعله وأمره؟

 إن ثبت الأمر؛ لأنه رواه النسائي من طريق سعيد بن سنان قال أحمد: ليس بالقوي، وقال مرة: كان رجلاً صالحًا، لكن وثقه ابن معين والنسائي، والحديث مصحح من قبل المتأخرين، "كنا نؤمَر بالسواك إذا قمنا من الليل"، فإذا ثبتت هذه الرواية ثبت وتأكد استحباب استعمال السواك للقائم من النوم؛ اقتداءً بفعله -عليه الصلاة والسلام- وامتثالاً لأمره -صلى الله عليه وسلم-.

قف على هذا..

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك...