كتاب الإيمان (58)

عنوان الدرس: 
كتاب الإيمان (58)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ Ramadan/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (تنبيه: تضمن الجواب زيادةً على السؤال؛ للاهتمام بذلك إرشادًا للأمة لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة).

 يعني من شرط صحة الجواب أن يطابق السؤال، قالوا: من شرط صحة الجواب أن يطابق السؤال، لكن قد نرى في الأجوبة في النصوص عدم المطابقة. أولاً: عدم المطابقة بالزيادة على ما سئل عنه هذا لا يُخل بكلامهم بل يزيده؛ لما يجيب به المجيب من متعلقات حاجة السائل، فمثلاً لما سئل عن ماء البحر أنتوضأ به؟ قال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، قالوا: هذا قدر زائد على السؤال، لكن الذي سأل عن طهارة الماء ألا يُشكل عليه من باب أولى ميتة البحر، ويحتاج إلى الجواب فأجيب؟

 ثانيًا: هناك ما يعرف عند العلماء بأسلوب الحكيم، يعني يسأل السائل فيرى المجيب أن السائل ليس بحاجة إلى جواب ما سأل عنه، فيجيبه بما هو أحوج إليه منه، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] هم ما يسألون عن المواقيت، يسألون عن الأهلة ماهيتها؟ واليوم يذهب هلال ويأتي هلال، هل هذا هو الأول أو الثاني؟ ومما يُخلق الهلال، وما أشبه ذلك. السائل ليس بحاجة إلى مثل الجواب على هذا، إنما الحاجة من الحكمة من وجود الهلال، هذا الذي يحتاجه السائل. وغير ذلك كثير جدًّا في النصوص وفي لغة العرب.

أما الزيادة فلا إشكال في أنها مصلحة ظاهرة، لا سيما إذا كان المجيب يقدر مصلحة السائل بدقة. لكن قد يقول قائل: إنه إذا كان المجيب بغير نص، والمسئول قد يذهب ذهنه إلى غير ما سئل عنه، فهل نقول: إن هذا من أسلوب الحكيم؟

شخص يسأل يقول: إن ابنه يؤذيه ويضربه وما أردي أيش إلى آخره؟ فيجيب المجيب: ضرب الابن شرعي، وتأديبه لا بد منه، غلط. عكس الجواب. فهل نقول: إن السائل بحاجة إلى هذا الجواب أكثر ممن سأل عنه؟ هذا أيضًا بعد قد يخطئ المسئول السائل أو الابن في فهم الجواب ويقول: إن الشيخ يشرع ضرب الأب. الكلام على من يعي ما يقول؛ لأن بعض الناس إذا سئل أول ما يجيب تعرف أنه ما يدري وماذا يقول؛ لأنه لا يأوي إلى علم، ولا يركن إلى نص. ولا شك أن البركة مع النص وتعظيم النص، ونور العلم إنما يَبين على قول من يعظم النصوص، والله المستعان.

يقول: (تضمن الجواب زيادةً على السؤال للاهتمام بذلك إرشادًا للأمة لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة، فإن قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث)، الآية: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] ليس فيها حصر، وليست مصدرة بجملة معرفة الجزأين؛ لأنها إذا كانت الجملة معرفة الجزأين أفادت الحصر. فالجملة أو الآية ليس فيها حصر، ما يستفاد منها الحصر، لكن: «في خمس لا يعلمهن إلى الله» ثم ساق الآية..

طالب: حصر.

من أين استفدنا الحصر؟

طالب: الحديث.

من الحديث.

(فإن قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث؟ أجاب الطيبي بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن، فُهم منه الحصر على سبيل الكناية)، يعني لا على سبيل الصراحة، أمر عظيم جدًّا، أمر عظيم لا يختلف أحد في عظمته، لا شك أنه لائق بالعظيم ممن يُنسب إليه بحيث لا يُظن بغيره أنه يشاركه، فهو محصور عليه. (ولا سيما إذا لوحظ ما ذُكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث، فيُشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك واختصاصه بالله -سُبحانه وتعالى-).

قال: (فائدة: النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34]، وكذا التعبير بالدراية دون العلم للمبالغة والتعميم)، الدراية، نفي الدراية ونفي المعرفة مستلزمة لنفي ما هو أعظم منها الذي هو العلم. ذكرنا فيما تقدم أن المعرفة تستلزم سبق الجهل، والعلم لا يستلزم سبق الجهل، ومثل ذلك الدراية مثل المعرفة ما هي مثل العلم، العلم لا يستلزم سبق الجهل مع أن المعرفة والدراية تستلزمان سبق الجهل، فإذا نُفي الأدنى فنفيُ الأعلى من باب أولى.

طالب: آية لقمان .......

نعم. لا، مع الحديث، بنفس الآية، بنفس معنى الآية، هو مفسر للآية: «في خمس لا يعلمهن إلا الله».

(وكذا التعبير بالدراية دون العلم للمبالغة والتعميم؛ إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحِيلة)، (اكتساب علم الشيء بحِيلة) مما يدل على عدم العلم به قبل هذه الحيلة كالمعرفة. (فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه من مختصاتها ولم تقع منه على علم، كان عدم اطلاعها على علم غير ذلك من باب أولى. انتهى ملخصًا من كلام الطيبي)، وما ذكرناه أوضح من كلام الطيبي.

(قوله: "الآية" أي تلا الآية إلى آخر السورة)، فتقرأ الآية بالنصب: "الآيةَ"، ومثله: الحديثَ، يعني اقرأ الآية أو اقرأ الحديث أو أكمل الآية أو أكمل الحديث.

(أي تلا الآية إلى آخر السورة، وصرح بذلك الإسماعيلي، وكذا في رواية عمارة، ولمسلم إلى قوله: {خَبِيرٌ} [لقمان: 34]، وكذا في رواية أبي فروة، وأما ما وقع عند المؤلف في التفسير من قوله: إلى {الْأَرْحَامِ} [لقمان: 34]، فهو تقصير من بعض الرواة، والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها.

قوله: "ثم أدبر") يعني جبريل -عليهِ السَّلامُ-، (فقال) يعني النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- («ردوه»، زاد في التفسير: فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فيه أن الملَك يجوز أن يتمثل لغير النبي -صلى الله عليه وسلم- فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع)، لكن على هيئته التي خُلق عليها تمكن رؤية الملك؟

لا. وللسيوطي رسالة اسمها: إضاءة الحلك في إمكان رؤية النبي والملك. يعني يقظة، وهو ادعاء باطل، ورتبوا عليه أمورًا، يأتي الواحد منهم من هؤلاء ويقول: بالأمس اجتمعت بالنبي، اجتمعت بجبريل، اجتمعت بكذا، وسألته عن كذا، وأجابني عن كذا، وسألته عن حديث صحح، وحديث ضعف، فيعتمدون على هذه الرؤى! لا يمكن رؤية النبي ولا الملك في اليقظة في الدنيا. (فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي -صلى الله عليه وسلم- فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع)، الثلاثة الذين جاءوا على الصور المعروفة: أقرع وأعمى وأبرص، تمثلوا لهؤلاء ورأوهم وتحدثوا معهم. الذين تسوروا المحراب، رآهم داود -عليهِ السَّلامُ- وتكلموا معه.

طالب: ....... من أخبر أنه رأى مَلكًا، فهل هنا ضابط يذكره أهل العلم ليفرق .......؟

تعرفون يا إخوان، ليتكم، أقول: من قرأ في كتاب الفرقان لشيخ الإسلام عرف كيف يفرق بين المعجزات وبين الخوارق الشيطانية، كيف يفرق بين هذه وهذه. الشيطان يتمثل لأوليائه لأجل فتنتهم، فتجد من يستغيث بالأموات قد يُرد عليه قد يَرد عليه الشيطان من داخل القبر! والمسألة عظيمة، والضابط في ذلك أن يُعرض عمل هذا المدعي على كتاب الله وسنة نبيه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، فإن كان على الجادة فما يدعيه خوارق، وإن كان على غير الجادة فما يدعيه من تلبيس الشيطان وفتنته.

(وقد ثبت عن عمران بن حصين أنه كان يسمع كلام الملائكة)، في مرضه كان يُسلَّم عليه، تُسلم عليه الملائكة ويسمع الصوت. في مسلم أنه اكتوى فانقطع التسليم، ثم ندم على ذلك، فعاد التسليم.

طالب: .......

هذا يذكرونه، لكن هل صحيح هذا الكلام؟ حتى لو رآه في المنام وسأله وأجابه، والشيطان لا يتمثل به -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، هل نعتمد هذا التصحيح والتضعيف؟

طالب: ما يُحكم به.

لا يُعتمد لماذا؟ لأن حال الرائي وهو نائم لا تنطبق عليه شروط التحمل. الآن وهو من أضبط الناس في اليقظة إذا جاء يقص رؤيا ألا يفوت كثير منها؟

طالب: بلى.

ما يضبط، فكيف يضبط هذا النقل؟ وكيف يوثق بنقله وهو نائم؟ فلا يُعتمد على ذلك، والدين لا يثبت بالمنامات إطلاقًا.

طالب: ....... كالمروي عن عمران؟

لا، قطعًا ملك، تسلم عليه الملائكة، في صحيح مسلم.

طالب: .......

بالقرائن ويعرفون هم، ما هو بالمسألة شخص عادي، شخص جلس بالمجلس بعد الناس، جلس ثم طرق الباب قال: جاء الملائكة، ما هو بصحيح! أولياء هؤلاء؟ لا.

طالب: .......

عمران بن حصين؟

طالب: .......

والله هذا يشك فيه؟ تشك أنها ملائكة؟

طالب: لا.

خلاص الجواب، الحمد لله أنك ما تشك. رأيت شيئًا أنت؟ جاءك أحد؟

طالب: .......

حتى نبين لك إن شاء الله.

يقول: (والله أعلم. قوله: «جاء يعلم الناس»، في التفسير: «ليعلم»، وللإسماعيلي: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا»، ومثله لعمارة، وفي رواية أبي فروة: «والذي بعث محمدًا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم»)، يعني لما كان يسأل ما عرفه النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-. لما ذهب وقال: «ردوه»، هل يعرفه النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ولا يعرفه؟

طالب: .......

وكيف عرف أنه جبريل جاءكم يعلمكم دينكم؟ لما لم يروا شيئًا وأُبلغ بوحي قطعًا أنه أُبلغ بوحي- عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

لا، هذه تقولها أنت لأي شخص، لو يسألك كافر عن الساعة، قلت: ما المسئول بأعلم من السائل، أنت ما تدري، يستوي العلم فيها لكل مخلوق.

(«وإنه لجبريل»، وفي حديث أبي عامر: ثم ولى فلما لم نر طريقه قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سبحان الله، هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة»، وفي رواية التيمي: ثم نهض فولَّى، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «عليَّ بالرجل»)، يعني ردوه عليَّ (فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه، فقال: «هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه»)، يعني خذوا عنه ما سمعتم من السؤال وجوابي عليه، («خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شُبه عليَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولَّى»، قال ابن حبان: تفرد سليمان التيمي بقوله: «خذوا عنه»).

 يعني معنى الزيادة «خذوا عنه»، «يعلم الناس دينهم»، ليأخذوا عنه، يعلمهم دينهم فيأخذوا عنه (إشارة إلى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلى جبريل مجازي؛ لأنه كان السبب في الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه)، يعني العلم أُخذ من النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ لأنه هو الذي أجاب، لكن مما يدل على أن السائل له مدخل كبير في الجواب، لا سيما إذا كان ممن يُظن به أنه يعرف الجواب، أما شخص عادي جاء يستعلم ويستفهم عن شيء لا يعرف، فهذا ما يجيء يعلم الناس، جاء يتعلم.

(واتفقت هذه الروايات على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم وغيره من حديث عمر في رواية كهمس: ثم انطلق، قال عمر: فلبثت مليًّا، ثم قال: «يا عمر أتدري من السائل؟»)، في بعض الروايات: ثلاثًا. (ثم قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل»، فقد جَمع بين الروايتين بعض الشراح بأن قوله: فلبثت مليًّا أي زمانًا بعد انصرافه، فكأن النبي-صلى الله عليه وسلم- أعلمهم بذلك بعد مُضي وقت، ولكنه في ذلك المجلس. لكن يعكر على هذا الجمع قوله في رواية النسائي والترمذي: فلبثت ثلاثًا)، والله ثلاثًا ومليًّا وما هي ببعيدة في الصورة، فالتصحيف وارد.

قال: (لكن ادعى بعضهم فيها التصحيف، وأن مليًّا صُغِّرت ميمها، فأشبهت ثلاثًا؛ لأنها تكتب بلا ألف)، ثلاثًا يكتبونها بلا ألف.

طالب: كأنها ثلثًا.

نعم، مثلها، مثل: الحارث إسماعيل، كلها تكتب بدون ألف.

(لأنها تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة فإن في رواية أبي عوانة: فلبثنا ليالي، فلقيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ثلاث)، هذه ما تحتمل التصحيف.

(فلقيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ثلاث، ولابن حبان: بعد ثالثة)، كأن عمر- رَضِيَ اللهُ عنهُ- انصرف قبل أن يُعلمهم النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-. (ولابن حبان: بعد ثالثة، ولابن منده: بعد ثلاثة أيام، وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر لم يحضر قولَ النبي- صلى الله عليه وسلم- في المجلس، بل كان ممن قام إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: فلقيني، وقوله: فقال لي: يا عمر، فوجه الخطاب له وحده بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن)، يعني الجمع واضح.

(تنبيهات: الأول)، يعني من هذه التنبيهات (دلت الروايات التي ذكرناها على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما عَرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم).

 يعني الغالب أن جبريل -عليهِ السَّلامُ- إذا أراد أن يأتي في صورة رجل أنه يأتي في صورة دحية الكلبي. هنا في صورة رجل حسن الهيئة غير معروف لديهم، وإلا لو قال: «أتدرون من هذا؟»، قالوا: دحية، ما ترددوا فيه.

طالب: .......

جمال دحية، لجماله.

(وأما ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث: «وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي»، فإن قوله: «نزل في صورة دحية الكلبي» وهمٌ؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر: ما يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي فقال في آخره: «فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم» حسب، وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات.

 الثاني)، يعني من التنبيهات (قال ابن المنير في قوله: «يعلمكم دينكم» دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علمًا وتعليمًا)، السؤال الحسن يسمى علمًا وتعليمًا؛ لأنه سبب لاستخراج العلم؛ (لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه معلِّمًا، وقد اشتهر قولهم: حُسن السؤال نصف العلم، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معًا.

الثالث)، من التنبيهات (قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أُم السُّنة؛ لِما تضمنه من جمل علم السنة، وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه المصابيح وشرح السنة اقتداءً بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالاً)، وهذا الحديث تضمن علوم السنة كلها، يدخل فيه كل ما جاء؛ لأنه في المراتب الثلاث، والمراتب الثلاث معلوم أنها تشمل الدين كله.

(وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداءً وحالاً ومآلاً، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. قلت: ولهذا أشبعت القول في الكلام عليه، مع أن الذي ذكرته وإن كان كثيرًا لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل فلم أخالف طريق الاختصار والله الموفق).

 الآن لو يشرح الحديث بكل ما يتطلبه أو ما تتطلبه جمل هذا الحديث لاحتاج إلى مجلدات؛ لأنك تأتي إلى أركان الإيمان وتفصل هذه الأركان بجميع ما جاء فيها من نصوص وأقوال أهل العلم، ثم تأتي إلى أركان الإسلام وكل ركن يشتمل على شروط وأركان وواجبات وسنن ومستحبات، هذا كله يحتاج إلى موسوعة تفصله فيه. ولذلك يقول: (أشبعت القول في الكلام عليه، مع أن الذي ذكرته وإن كان كثيرًا لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل)، بل نذر يسير، (فلم أخالف طريق الاختصار والله الموفق.

قوله: "قال أبو عبد الله")، يعني نفسه المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ- البخاري (يعني المؤلف، جعل ذلك كله من الإيمان، أي الإيمان الكامل المشتمل على هذه الأمور كلها).

الآن الأركان أركان الإيمان هل هي متعلقة بكمالها أو بأصله؟

طالب: بأصله.

بأصله. المسألة الثانية: أركان الإسلام متعلقة بأصل الإيمان أو بكماله؟

طالب: أصله.

أركان الإسلام العملية؟

طالب: .......

اعتقادًا ما فيها إشكال أنها متعلقة بأصله، لكن تأثيرها على الإيمان تبعًا لما يقال به من تكفير تارك الصلاة أو أحد الأركان الأربعة الثلاثة الأركان العملية؛ لأن الذي لم يأت بالشهادتين الركن الأول هذا ما دخل أصلاً في الإسلام. نأتي على بقية الأركان: الصلاة ورد فيها نصوص تخصها «العهد الذي بيننا وبيهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، «بين المرء وبين الكفر -أو الشرك- ترك الصلاة»، إلى غير ذلك مما يترجح به القول بكفره. لكن بقية الأركان؟

طالب: أقل .......

القول بكفر تارك أحد الأركان قول معروف عند أهل العلم، وهو قول للإمام مالك ورواية عن أحمد، يعني من ترك الصيام كفر، من ترك الزكاة كفر، من ترك الحج كفر. ولا شك أنها أركان ودعائم للإسلام شأنها عظيم، لكن يبقى أن عامة أهل العلم أو جمهور أهل العلم على أنه لا يكفر وإن أتى بابًا عظيمًا من الموبقات.

طالب: .......

النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ما رأى جبريل على صورته إلى مرتين.

طالب: .......

ما يمكن أن يكون على هيئته.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

كيف عرف؟ المهم أنه وقع، كيف عرف؟ الله أعلم، لكنه وقع، أخذ من أثر جبريل، وأكثر من ذلك ....... إلا إذا أُطلعنا على شيء من ذلك.

طالب: .......

أو الحج أو الزكاة نعم.

طالب: .......

فعل أبي بكر، كل من امتنع، إذا امتنع مجموعة عن ما أوجب الله عليهم، امتنعوا عما أوجب الله عليهم ولو هو دون الأركان، لو امتنعوا عن ترك الأذان يقاتلون أم ما يقاتلون؟ يقاتَلون.

نعم.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الله اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين يا ذا الجلال والإكرام.

قال الإمام أبو عبد الله البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بابٌ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لاَ يَسْخَطُهُ أَحَدٌ".

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (قوله: "بابٌ" كذا هو بلا ترجمة)، "بابٌ" بلا ترجمة، والباب بدون ترجمة كما قرر أهل العلم هو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله. (كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوقت، وسقط من رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما، ورجح النووي الأولَ، قال: لأن الترجمة يعني سؤال جبريل عن الإيمان لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه)، الآن الذي ترجح الأول أم الثاني؟

طالب: بلا ترجمة.

كونه بلا ترجمة يعني داخل دخولاً ظاهرًا في سؤال جبريل؟

طالب: لا، هذا ترجيح النووي.

أو السقوط مرة واحدة؟

طالب: السقوط نعم.

إذًا الثاني، الاحتمال الثاني.

طالب: .......

لكن رجح النووي الأول، وما هو الأول؟

طالب: .......

سقوط الترجمة، هو مذكور بدون ترجمة.

طالب: .......

نعم، هذا الراجح؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: نعم، كأنه فصل ضمن الأول.

لا، (رجح النووي الأول، كذا هو بلا ترجمة) يعني "باب" فقط بدون ترجمة، يعني ثبوت كلمة "باب" هذا الذي رجحه النووي. طيب قال: (لأن الترجمة يعني سؤال جبريل عن الإيمان لا يتعلق بها هذا الحديث)، يعني لا بد أن يُفصل عن سؤال جبريل، إذا لم يُفصل صار تعلقه بالترجمة تعلقًا ظاهرًا، لكن يبقى أنه إذا فُصل فهو بمنزلة الفصل من الترجمة، فما وجه اتصاله بالترجمة؟

طالب: .......

وكذلك الإيمان.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

"كذلك الإيمان حتى يتم"، ولا شك أن قوله: "حتى يتم" يدل على التفاوت، وأنه يتم وينقص، صح أم لا؟

طالب: نعم.

لكن علاقته بالترجمة السابقة؟

طالب: ....... سؤال جبريل والثاني من النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ماذا؟

"عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلاَمِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا".

طالب: من تمام السؤال عنه .......

يعني نرجع إلى ما قررناه سابقًا أن الإسلام والإيمان بمعنى واحد، نعم، الإيمان والإسلام عند البخاري واحد، والدين عند الله الإسلام، إذًا يصح أن نقول: الدين عند الله الإيمان. وهناك أشار: "{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]"، و"«جاء جبريل يعلمكم دينكم»"، وهنا: "وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ" الذي هو بمثابة الإسلام، ويكون أيضًا بمثابة الدين.

(لأن الترجمة يعني سؤال جبريل عن الإيمان لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه. قلت: نفى التعلق لا يتم هنا على الحالتين؛ لأنه إن ثبت لفظ "باب" بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، فلا بد له من تعلُّق به، وإن لم يثبت فتعلُّقه به متعين، لكنه يتعلق بقوله في الترجمة: "جعل ذلك كله دينًا"، ووجه التعلق أنه سمى الدين إيمانًا في حديث هرقل، فيتم مراد المؤلف بكون الدين هو الإيمان.

فإن قيل: لا حجة له فيه؛ لأنه منقول عن هرقل؟).

وهرقل كافر ما يُحتج بقوله.

(فالجواب أنه ما قاله من قِبل اجتهاده)، وإنما قاله مما بقي عنده من علم دينه الذي هو عليه النصرانية.

(فالجواب: أنه ما قاله من قبل اجتهاده، وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء كما قررناه فيما مضى، وأيضًا فهرقل قاله بلسانه الرومي، وأبو سفيان عبر عنه بلسانه العربي وألقاه إلى ابن عباس، وهو من علماء اللسان، فرواه عنه ولم ينكره، فدل على أنه صحيح لفظًا ومعنًى)، يعني حينما "وكذلك الإيمان حتى يتم"، أبو سفيان ترجم ما قاله هرقل بلفظ الإيمان، وأبو سفيان نقله إلى ابن عباس، وابن عباس بلغه بهذا اللفظ.

طالب: .......

الترجمان نعم، لكن الترجمان وهو بين يدي هرقل المظنون أنه لا يفتري عليه ويخاف منه.

(فدل على أنه صحيح لفظًا ومعنًى. وقد اقتصر المؤلف من حديث أبي سفيان الطويل الذي تكلمنا عليه في بدء الوحي على هذه القطعة لتعلقها بغرضه هنا)، (اقتصر المؤلف من حديث أبي سفيان الطويل) وقد تقدم برقم: سبعة (الذي تكلمنا عليه في بدء الوحي على هذه القطعة؛ لتعلقها بغرضه هنا، وساقه في كتاب الجهاد تامًّا بهذا الإسناد الذي أورده هنا، والله أعلم).

نعم.

طالب: .......

نعم. وسقط، يعني الباب.

طالب: يعني أسقط الباب والترجمة.

لا لا، أسقط الترجمة فقط "باب".

طالب: أبو ذر.

نعم.

طالب: .......

ننظر، "بابٌ" يقول: لا، عند أبي ذر والأصيلي والمستملي، وثبت لفظ "باب" لأبي الوقت وكريمة. عندك لا إلى أين؟ أنتم ما معكم النسخة التي عليها الفروق؟

طالب: .......

انظروا الآن كتب: لا، إلى أين؟ لأنهم إذا أرادوا أن يحذفوا شيئًا كاملاً جعلوه بين اللاءين، يعني لا يوجد في الأصل، فدل على أن التي سقطت الترجمة فقط الباب فقط. عشرون يقول: ثبت لفظ "باب" لأبي الوقت وكريمة. لكن ما أشار إليه.

طالب: صح يا شيخ.

ماذا؟

طالب: باب.. الوقت، وكريمة.

ما هو؟

طالب: يقول كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوقت.

نعم كذا يعني وجود اللفظ "باب"، وسقط لفظ "باب".

طالب: من رواية أبي ذر والأصيلي.

نعم.

طالب: .......

ماذا، الكلام كله في الترجمة، في "باب". كذا هو بلا ترجمة.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

وغيرهما.

طالب: .......

نعم، لكن كذا هو بلا ترجمة، يعني "باب" مفرد، موجود يعني، كلمة "باب" موجودة، وسقطت لفظة "باب" كذا "باب" بلا ترجمة، ما قال: باب كذا، الترجمة التي سقطت، والباب موجود لفظ الباب، من رواية كريمة وأبي الوقت. وكلمة "باب" لا توجد عند البقية، أما الحديث فموجود عند الجميع.

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

"بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ.

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ»".

نعم. يقول الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (قوله: "باب فضل من استبرأ لدينه" كأنه أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان، فلهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان)، وأورده أيضًا في أبواب كثيرة أو في كتاب البيوع، أورده في كتاب البيوع؛ لأن دخول الورع في البيوع والمعاملات ظاهر، يعني طرفه، والثاني في كتاب البيوع. وهناك قال: قال حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئًا أهون من الورع، يعني أسهل من الورع، «دع ما يريبك إلى ما يريبك». الضابط كل يعرفه، كل ينطق به، وكل يتصوره، لكن تطبيق هذا الضابط على الواقع من يطيقه؟

يطيقه مثل حسان بن أبي سنان، من أيسر الأمور عنده هذا، سهل. حج في سنة من السنين وقيل له: أرأيت يا فلان كثرة النساء في حج هذا العام وتبرجهم؟ قال: والله إني خرجت من بيتي من المشرق، ورجعت إليه ما رأيت امرأة! ما رأى حريمًا.

الآن نعرف ناسًا يجيئون للحرم في العشر الأواخر من رمضان لو تقول لهم: ما رأوا حريمًا ولا رجالًا بعد، ما هو فقط حريم، ما رأوا واحدًا ما هو ببعيد هذا ما يرفع رأسه أصلًا، نعم، رأيناهم، ونعرفهم بأعيانهم وأشخاصهم، يعني هذا ما هو بمستحيل، لكن الذي حياته كلها فضول وأكثر كلامه فيما لا يعنيه، ويقلب بصره يمينًا وشمالاً، هذا الله أعلم بما ينطوي عليه قلبه.

طالب: .......

طيب، ولو ضيعهم وصاروا عطلة أو ضاعت أرزاقهم.

طالب: .......

لا لا، هذا ما عنده، هذا معترض على الحديث، هو ما يعترض على تصرفات أو على ممارسات، يعترض على نص.

طالب: .......

والله هو يعترض على نص، وهو على خطر عظيم، ولا ندري ماذا عنده من تأويل.

(قوله: "حدثنا زكريا" هو ابن أبي زائدة، واسم أبي زائدة خالد بن ميمون الوادعي.

قوله: "عن عامر" هو الشعبي الفقيه المشهور، ورجال الإسناد كوفيون، وقد دخل النعمان الكوفة وولي إمرتها، ولأبي عوانة في صحيحه من طريق أبي حَريز، وهو بفتح الحاء المهملة وآخره زاي، عن الشعبي أن النعمان بن بشير خطب به بالكوفة، وفي رواية لمسلم: أنه خطب به بحمص، ويُجمع بينهما بأنه سُمع منه مرتين، فإنه ولي إمرة البلدين واحدةً بعد أخرى، وزاد مسلم والإسماعيلي من طريق زكريا فيه: وأهوى النعمان بأصبعه إلى أذنيه يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول، وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه أن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).

 نعم هو صحابي صغير، بل صغير جدًّا، لكن قصة هبة والده له وإشهاد النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عليها يدل على أنه له شأن في حياة النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

(وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه)، النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، (وأهوى النعمان بأصبعه إلى أذنيه يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول، وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه أن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مات وللنعمان ثماني سنين)، وسيأتي في كتاب العلم قصة محمود بن الربيع وأنه عقل المجة التي مجها النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في وجهه من دلو وهو ابن خمس سنين.

(وزكريا موصوف بالتدليس، ولم أره في الصحيحين وغيرهما من روايته عن الشعبي إلا معنعنًا، ثم وجدته في فوائد ابن أبي الهيثم من طريق يزيد بن هارون عن زكريا حدثنا الشعبي، فحصل الأمن من تدليسه)، (في فوائد ابن أبي الهيثم).

 يقول المعلق: وهو في مسند أحمد عن زكريا قال: حدثنا عامر قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول. (فائدة: ادعى أبو عمرو الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير النعمان بن بشير، فإن أراد من وجه صحيح فمسلَّم، وإلا فقد رُويناه من حديث بن عمر وعمار في الأوسط للطبراني، ومن حديث ابن عباس في الكبير له)، أي للطبراني (ومن حديث واثلة في الترغيب للأصبهاني وفي أسانيدها مقال)، يعني إذا كان بشرط الصحة يستقيم النفي، وإن كان بشرط الإطلاق فلا.

(وادعى أيضًا أنه لم يروه عن النعمان غير الشعبي، وليس كما قال فقد رواه عن النعمان أيضًا خيثمة بن عبد الرحمن عند أحمد وغيره، وعبد الملك بن عمير عند أبي عوانة وغيره، وسِماك بن حرب عند الطبراني، لكنه مشهور عن الشعبي رواه عنه جمع جم من الكوفيين، ورواه عنه من البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق البخاري إسناده في البيوع ولم يسق لفظه، وساقه أبو داود، وسنشير إلى ما فيه من فائدة إن شاء الله تعالى)، يعني في كتاب البيوع.

(قوله: «الحلال بين والحرام بين» أي في عينهما، ووصفهما بأدلتهما الظاهرة)، ما فيه شك أن المحرمات لا تخفى على عامة الناس في الجملة، والحلال كذلك، هناك أمور يعرفها عامة الناس، وهناك أمور تلتبس على العامة، وهناك أمور تلتبس على طلاب علم، وهناك أمور يخفى حكمها على علماء. فالاشتباه والبيان نسبيان.

(قوله: «وبينهما مُشبَّهات» بوزن مُفعَّلات بتشديد العين المفتوحة، وهي رواية مسلم، أي شُبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين، وفي رواية الأصيلي: «مشتبهات» بوزن مُفتَعِلات بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة، وهي رواية ابن ماجه، وهو لفظ ابن عون، والمعنى أنها مُوَحَّدة).

طالب: .......

ماذا عندك؟

(اكتسبت الشَّبه من وجهين متعارضين)، يعني أنها شيء واحد، (اكتسب الشبه من وجهين متعارضين)، انتابه واجتذبه أمران، فمن العلماء من يقول بالمنع، ومنهم من يقول بعدمه؛ لأن الأدلة ليست من الوضوح بحيث يترجح أحد الجانبين.

 (ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: «وبينهما متشابهات». قوله: «لا يعلمها كثير من الناس» أي لا يعلم حكمها).

طالب: .......

لا، هناك ما يطرأ على جعل المرجوح راجحًا من أمور خارجية.

طالب: .......

غير الإسناد نعم، من حيث المعنى مثلاً.

(ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: «وبينهما متشابهات». قوله: «لا يعلمها كثير من الناس» أي لا يعلم حكمها، وجاء واضحًا في رواية الترمذي بلفظ: «لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام»، ومفهوم قوله: «كثير» أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون، فالشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين).

 ما فيه شك أن العالم يمر به مسائل لا يستطيع فيها الترجيح، يعجز عن الترجيح؛ لتساوي الأدلة، يعاني منها أهل العلم إذا بحثوا المسائل، فتجده مع قول فلان وعلان، وهذا دليله، وهذا دليله، كثيرًا ما يبين له الراجح من المرجوح، وأحيانًا قد يخفى عليه الترجيح؛ لأنه ليس الترجيح بمجرد الهوى أو الاستحسان أو الاسترواح والميل، لا. الترجيح لا بد أن يكون بدليل.

طالب: .......

لا، المحرم يعرفه كثير من الناس، والحلال يعرفه أكثر الناس، لا سيما من لديه معاناة للعلم أو من عاش بين المسلمين مما لا يخفى عليه الحكم. أما بالنسبة للمشتبهات التي تجد الإمام يقول: واحد يقول بالجواز، وواحد يقول بالكراهية، والثاني يقول بالجواز، والثالث يقول بالاستحباب، تجده في هذا البحر يعني في التوسط، وكل أمر متوسط كل أمر وسط بين طرفين لا بد أن يقع فيه التباس.

طالب: .......

 لأن التجاذب بين أهل العلم في إلحاقه بأحد الطرفين. وقلنا مرارًا في الحديث الحسن: إنه جزم بعضهم أنه لا مطمع في تمييزه؛ لأنه عائر بين الصحيح والضعيف، متأرجح بين الصحيح والضعيف، فمنهم من يلحقه بالصحيح؛ لقوته من جهة نظره، ومنهم من يلحقه بالضعيف لقصوره عن رتبة المقبول. المقصود أن مثل هذا يحصل فيه التشابه.

طالب: .......

لا، من جهتها هي هل هي مشتبهات من الأصل؟ مثل ما قيل في المحكم والمتشابه، هل يوجد متشابه على جميع أهل العلم بذاتها مشتبهة، عند من يقول: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] هذا يجزم بأن فيه متشابهًا مستغلقًا لا يمكن الوصول إليه على جميع أهل العلم، وقلنا مثل هذا.

طالب: .......

ما تصير متشابهًا لا.

طالب: .......

لا، ما تصير متشابهًا.

طالب: ....... فيه قواعد؟

نعم فيه، وأهم منها المران، كون الإنسان يتمرن ويشتغل ويعمل ويبحث.

طالب: .......

نعم. فيها تجاذب بين أهل العلم.

(ومفهوم قوله: «كثير» أن معرفة حكمها ممكن؛ لكن للقليل من الناس، وهم المجتهدون، فالشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين).

خلاص، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طالب: .......

لا.

طالب: .........

 التوبة؟ التوبة معلقة بـ«طلوع الشمس من مغربها»، وفي رواية: «بالثلاث» في مسلم «بالثلاث: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها».

طالب: .......