شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 11

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 11
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب ((الصوم)) من كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

التي يتولى شرح أحاديثها صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: لازلنا في الحديث في باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام، حديث أبي سعيدٍ- رضي الله عنه- لعلنا نستكمل ما تبقى من أحكام هذا الحديث، يا شيخ.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فقد ذكرنا في الحلقة السابقة أن راوي الحديث: أبو سعيد، سعد بن مالك بن سِنان الخدري، الأنصاري، مرَّ ذكره مرارًا، وأنه لا يحتاج إلى تعريف.

وأما ترجمة البخاري- رحمه الله تعالى- للحديث، فقد ترجم عليه بجُمل، قال: باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام، لقوله -عزَّ وجلَّ-: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [سورة البقرة 187]. والجملة الثالثة: ونهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عنه؛ رحمةً لهم وإبقاءً عليهم. والجملة الرابعة: وما يُكره من التعمُّق.

المقدم: الجملة الثالثة من كلام البخاري.

نعم، في ترجمته.

قال: باب الوصال، أي: ما حكمه؟. ومن قال ليس في الليل صيام، جملة ثانية. والجملة الثالثة: ونهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عنه؛ رحمةً لهم وإبقاءً عليهم، يعني العلة والحكمة في النهي عن الوصال، ويتمسَّك بها من يقول: إن الوصال جائز؛ لأنه إنما نهى عنه رأفةً بهم وشفقةً عليهم. ويأتي ما في هذا الكلام أيضًا، من إنه يستدل بها من يقول بمنعه، هذه الجملة الثالثة.

والجملة الرابعة: وما يُكره من التعمُّق.

قوله: ونهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عنه، يعني عن الوصال، يعني نهى أصحابه عنه، أي: عن الوصال؛ رحمةً لهم وإبقاءً عليهم. وهذه جملة من حديث وصله الإمام البخاري في آخر الباب من حديث عائشة، بلفظ: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال؛ رحمةً لهم.

وأما قوله: وإبقاءً عليهم، فكأنه أشار إلى ما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجلٍ من الصحابة، قال: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة والمواصلة، ولم يُحرمهما؛ إبقاءً على أصحابه، وإسناده صحيح. وهو معارِضٌ لحديث أبي ذر المذكور سابقًا، قال: لا صيام..  فيما ذكره قبل.. تقدَّم حديث أبي ذر؟

المقدم: حديث أبي ذر أم أبي الدرداء، يا شيخ؟

لا، حديث أبي ذر.

تقدَّم لنا من حديث أبي ذر، رفعه، قال: «لا صيام بعد الليل».

المقدم: ما يكون معنا، يكون في الأصل، يا شيخ؟

لا، ليس في الأصل، هذا في الشرح، تقدَّم في الشرح.

«لا صيام بعد الليل» وهي الجملة الثانية من ترجمة البخاري؛ لأنه قال: ومن قال ليس في الليل صيام.

قال في حديث أبي ذر: «لا صيام بعد الليل» ما وجه المعارضة بين: نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة والمواصلة، ولم يُحرمهما؛ إبقاءً على أصحابه وإسناده صحيح؟

يقول ابن حجر: إسناده صحيح وهو يُعارض حديث أبي ذر المذكور قبل، في قوله: «لا صيام بعد الليل».

وجه المعارضة؟

المقدم: الأول ينفي الصيام في الليل تمامًا.

طيب، «لا صيام» نفي يُراد به ...

المقدم: التحريم.

إن قلنا: إنه يُراد به النهي، فهو موافق للحديث هذا: نهى النبي- صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة. إذا قلنا: «لا صيام» نفيٌ يُراد به النهي، وإذا قلنا: إنه نفيٌ لحقيقة الصيام في الليل وإنه لا يوجد صيام أصلاً من أجل أن يُنهى عنه، فهو مُعارضٌ لحديث: نهى عن الحجامة والمواصلة. لكن كونه- عليه الصلاة والسلام- واصل بهم، كما في الحديث.

المقدم: يدلُّ على أنه لا يُراد بها النفي.

نفي حقيقة الوصال، وإنما يُراد به النهي. فعلى هذا هو مُطابق للنهي.

على الأصل: «لا صيام بعد الليل» إذا أُريد به النهي والنهي على أصله، قلنا: محرَّم. وحديث أبي سعيد: «لا تواصلوا» صريح في النهي.

وقوله في حديث: عن رجلٍ من الصحابة قال: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة والمواصلة، ولم يُحرمهما؛ إبقاءً على أصحابه، يعني كون النهي نهي تنزيه، وقد تقدَّم أن من الصحابة من حمله على التنزيه ومنهم من واصل، وكذلك من التابعين.

وهو يُعارض حديث أبي ذر المذكور قبل، وقد قررنا وجه المُعارضة ووجه الموافقة.

وما يُكره من التعمُّق، الجملة الرابعة في الترجمة، هذا من كلام المُصنِّف معطوفًا على قوله: الوصال، أي: باب ذكر الوصال وذكر ما يُكره من التعمُّق، والتعمُّق: المُبالغة في تكلُّف ما لم يُكلَّف به، وعُمق الوادي: قعره، كأنه يُشير إلى ما أخرجه في كتاب ((التمني)) من طريق ثابت عن أنس، في قصة الوصال، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «لو مُدَّ بيَّ الشهر، لواصلت وصالاً يدعُ المُتعمقون تعمقهم» هذا الحديث يدلُّ على هذا الشطر من الترجمة.

قوله في الحديث: «لا تواصلوا» لا: هذه ناهية، وفي معناها ما جاء في حديث عائشة- رضي الله عنها-: نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال؛ رحمةً بهم. وفي رواية اين خزيمة من طريق أبي سعيد، مولى بني هاشم، عن شُعبة: «إياكم والوصال» يعني تحذير.

فقوله: «لا تواصلوا» ونهى عن الوصال و«إياكم والوصال» كل هذه من أدلة من يقول بتحريمه.

واستدلالهم بأنه- عليه الصلاة والسلام- يواصل، سيأتي ما يدلُّ على أنه من خصائصه- عليه الصلاة والسلام-.

«لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر»، أي: آخر الليل، قُبيل الفجر؛ من أجل أن يتناول طعام السحور، وهو الفاصل بين صوم المسلمين وصوم أهل الكتاب، أكلة السحر. وحتى هذه، أثرها فيما بعدها، جارة. (حتى) هذه جارة.

يقول مالك-  رحمه الله-:

                هاك حروف الجر وهي من إلى                  حتى خلا حاشا عدا في عن على

فهي جارة.

وتمام الحديث: قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ».

وفي حديث أنس في الباب ...

المقدم: التمام في البخاري؟

نعم، في البخاري في الموضع نفسه.

وفي حديث أنس في الباب: «لستُ كأحدٍ منكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقى» أو «أني أبيت أُطْعَمُ وأُسْقى».

وفي حديث عائشة: «إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربِّي ويسقين».

يقول ابن حجر: استدل بمجموع هذه الأحاديث على أن الوصال من خصائصه -صلى الله عليه وسلم-، وعلى أن غيره ممنوع إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر.

فوصال صيام يومين بدون فِطر، ممنوع على الخلاف الآتي: هل هو مُحرَّم أو مكروه؟ فلا حُجة لمن أضرب عن الطعام مُدةً طويلة، إما للضغط على غيره على حد قوله، كما يفعل الآن، أو من أجل الرياضة، كما يفعله بعض المتصوَّفة؛ إنهم يصومون- كما في السير وغيره، في تراجم كثير منهم- إنهم يصومون أربعين يومًا بدون أكل، ثمَّ بعد ذلك يصلون إلى الحقيقة، يتراءى لهم ما لا يتراءى لغيرهم.

المقدم: الكشف.

نعم، يسمونه الكشف، يُكشف لهم عن أشياء وعن مُغيبات وعن أمور، وفي كلام الحافظ الذهبي، يقول: إن هذه هلوسة، سببها الجوع.

نعم، المجنون يترائى له أشياء، فهذه هلوسة سببها الجوع.

فإذا كان الوصال في هذه العبادة بين يومين، ممنوع، «لا تواصلوا». فكيف بالمدة الطويلة؟ سواءٌ كان مع التعبُّد، كما يفعله بعض المتصوفة. أو كان من أجل الضغط على الغير، كما يفعله من يُضرِب عن الطعام في أيامنا هذه، فكل هذا ليس بشرعي.

ثمَّ اختُلِف في المنع المذكور، يعني من الوصال، فقيل: على سبيل التحريم، وقيل: على سبيل الكراهية، وقيل: يَحْرُمُ على من شق عليه ويُباح لمن لم يشق عليه. وقد أختلف السلف في ذلك، فنُقِل التفصيل عن عبد الله بن الزبير: روى ابن ابي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عنه: أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا. ووافقه أخت أبي سعيد الخدري وجمعٌ من التابعين.

ومن حُجتهم: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- واصل بأصحابه بعد النهي، فلو كان النهي للتحريم، لما أقرهم على فعله، فعُلِمَ أنه أراد بالنهي، الرحمة لهم والتخفيف عنهم.

وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل؛ خشية أن يُفرَضَ عليهم.

فمن لم يشق عليه، ولم يقصد موافقة أهل الكتاب، ولا رَغِبَ عن السُّنَّة في تعجيل الفِطر، لم يُمنَع من الوصال. هذا القول بالتفصيل: إنه إن كان يشق، فيُمنَع، وإن كان لا يشق فليس بممنوع.

فمن لم يشق عليه، ولم يقصد موافقة أهل الكتاب، ولا رَغِبَ عن السُّنَّة في تعجيل الفِطر، لم يُمنَع من الوصال.

وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال. وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة. وقد نصَّ الشافعي في ((الأم)) على أنه محظور. وصرح ابن حزمٍ بتحريمه، وصححه ابن العربي من المالكية، وهو مقتضى النهي. «لا تواصلوا»، نهى عن الوصال، الأصل في النهي التحريم.

وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعةٌ من المالكية إلى جواز الوصال إلى السَحَر؛ لحديث الباب: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ إلى السَّحَرِ» لماذا؟ لتنتفي بذلك مُشابهة أهل الكتاب.

يبقى السُّنَّة في تعجيل الفِطر، إذا لم يرغب عنها، فالرخصة له إلى السحر. أما إذا رَغِبَ عن السُّنَّة، ورأى أن عمله أفضل مما حثه عليه النبي- عليه الصلاة والسلام-، «فمن رَغِب عن سُنتي، فليس مني». لكن إذا عرف أن السُّنَّة التعجيل، وأراد أن لا يأكل ولا يشرب؛ لأن ذلك أعون عليه- على حسب زعمه- على الصلاة والقيام وما أشبه ذلك، فالرخصة له إلى السَحَر.

قلنا: وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعةٌ من المالكية إلى جواز الوصال إلى السَحَر؛ لحديث الباب، وفيه: «فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ إلى السَّحَرِ»، وبهذا تنتفي مُشابهة أهل الكتاب.

واسُتدل للتحريم بقوله: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم» إذا لم يجعل الليل محلاً لسوى الفِطر، فالصوم مُخالفةٌ لوضعه كيوم الفِطر. يعني الذي يصوم ليلاً، والليل ليس محلاًّ للصيام، كما أن يوم الفِطر- يوم العيد عيد الفِطر- ليس محلاً للصيام، ففيه مخالفة للوضع الشرعي.

وأوضحُ من ذلك، صريحُ النهي الذي الأصل فيه أنه للتحريم. وأجابوا- يعني من قال بالتحريم- بأن قوله: «رحمةً لهم» لا يمنع التحريم، فإن من رحمته لهم أن حرَّمه عليهم. يعني شبيه بهذه المسألة: قول النبي- عليه الصلاة والسلام- لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد» إنما نهاه عن الزيادة؛ رأفةً به وشفقةً عليه، فعُرِفَت العلة. لما عرف عبد الله بن عمرو أنه يُطيق أكثر من ذلك، وفعل أكثر من ذلك، فكان يختم في أقل من سبع؛ لأنه عرف أن العلة الرأفة به. يعني كما يقول الوالد لولده: ارفق بنفسك، يعني بدلاً من أن تقرأ في اليوم، في هذه الكتب، يعني الولد طالب علم مثلاً، فكان يقرأ في اليوم عشر ساعات مثلاً، فيقول له أبوه: لا تقرأ إلا خمس ساعات في اليوم تكفيك. يلزم الامتثال أم لا يلزم؟ الولد يعرف أن قول الأب له ليس من باب الأمر، إنما هو من باب الرأفة والرحمة عليه.

لكن لو قال له: لا تقرأ إلا خمس ساعات، واصرف الخمس ساعات الباقية في المحل مثلاً، في الدكان. عرف أن النهي ليس رأفةً به ولا رحمةً له، وإنما هو ...

المقدم: استغلال وقته الآخر في نفعٍ آخر.

نعم، فحينئذٍ يلزمه أن يكُف. عرفنا الفرق بين الأمرين؟

المقدم: نعم.

لكن من أهل العلم من يقول: إن مقاصد التحريم الرحمة بالأمة، فلا يكون مانعًا من أصل التحريم.

وأجابوا بأن قوله: رحمةً لهم، لا يمنع التحريم، فإن من رحمته لهم أن حرَّمه عليهم.

وأما مواصلته بهم بعد نهيه، فلم يكن تقريرًا. يعني لم يكن مخالفة لنهيه، بل تقريعًا وتنكيلاً، فاحتُمِل منهم ذلك لأجل مصلحة النهي.

وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرًا، بل تقريعًا وتنكيلاً، فاحتُمِل منهم ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه- يعني واصلوا بالفعل، يعني النظري يختلف عن العملي، عن التطبيق. قد يدعي الإنسان وقد يقول الإنسان وقد تُمنيه نفسه وقد يتمنى شيئًا أو يعزم على شيء نظري، لكنه إذا باشره عجز عنه، وهذا يحصل في النذور كثيرًا. النظري سهل أن يتكلم الإنسان بشيء وينذر أو يحلف على شيء، لكنه لا يُطيقه فيما بعد. فإذا باشروه؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي.

وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم؛ لما يترتب عليهم من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد ينافي ذلك.

قال ابن حجر: ومما يدلُّ على أنه ليس بُمحرم، حديث أبي داود الذي تقدَّم ذكره عن رجلٍ من الصحابة، وفيه: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة وعن المواصلة، ولم يُحرمهما؛ إبقاءً على أصحابه. هذا دليلٌ على أنه ليس بُمحرّم.

قال ابن حجر: ومما يدلُّ على أنه ليس بُمحرم، حديث أبي داود الذي تقدَّم ذكره عن رجلٍ من الصحابة، قال: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة والمواصلة، ولم يُحرمهما؛ إبقاءً على أصحابه، وإسناده صحيح، كما قال ابن حجر. فإن الصحابي صرَّح فيه بأنه- صلى الله عليه وسلم- لم يُحرم الوصال.

وروى البزار والطبراني من حديث سَمُرة: نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال وليس بالعزيمة.

وأما ما رواه الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي ذر: أن جبريل قال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: إن الله قد قَبِل وصالك، ولا يحلُّ لأحدٍ بعدك، فليس إسناده بصحيح، فلا حُجة فيه.

ومن أدلة الجواز: إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي، فدلَّ على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما أقدموا عليه.

وهذا الحديث خرجه الإمام البخاري في موضعين: الأول في كتاب الصوم، باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام؛ لقوله عزَّ وجلَّ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [سورة البقرة 187]، كما تقدَّم ذكر الترجمة كاملةً.

قال- رحمه الله- حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد- رضي الله عنه- أنه سمع النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر»، وعلى هذا اقتصر المُختصِر، المختصِر اقتصر على هذا.

وفي الصحيح- يعني في هذا الموضع- قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله قال: «إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعمٌ يُطعمني، وساقٍ يسقين» وسبق ذكر المناسبة.

والموضع الثاني في ((كتاب الصوم)) في باب الوصال إلى السحر، قال- رحمه الله-: حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثني ابن أبي حازم، عن يزيد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكره بنحوه، والمناسبة ظاهرة. باب الوصال إلى السحر، وذكر الحديث وفيه: «فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر» مطابقة للترجمة.

المقدم: عند أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- زيادة: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقين» أشرتم إليها، هي زيادة عند أبي سعيد.

نعم، نص الحديث في الصحيح.

المقدم: يعني كيف الآن؟ وفي الأطراف جعلها (1967) وهو نفس طرف حديث أبي هريرة، هل معنى ذلك ...

لا، الحديث (67) حديث أبي سعيد.

المقدم: في الموضع الآخر؟

في الموضع الآخر رقم (1967).

المقدم: ونفس الحادثة لما قال رجل: إنك يا رسول الله تواصل، في حديث أبي هريرة.

هذا سيأتي حديث أبي هريرة.

المقدم: لكن رواية أبي سعيد هي نفس الحادثة، يا شيخ؛ لأن الزيادة فيها واحدة؟

لا، الزيادة هذه «أبيت عند ربِّي» سيأتي ذكرها من حديث عائشة ومن حديث أنس ومن حديث أبي سعيد ومن حديث أبي هريرة، مروية من... والكلام فيها طويل، سيأتي ذكره في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى.

المقدم: جيد، أحسن إليكم ونفع بعلمكم.

إذًا لعلنا- إن شاء الله- نُكمل ما تبقى من هذا الباب، وما يتعلق بالوصال- بإذن الله- في حديث أبي هريرة في الحلقة قادمة وأنتم على خير.

أيها الإخوة والأخوات، بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة شرح كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

لقاؤنا بكم- إن شاء الله- في الحلقة القادمة وأنتم على خير.

شكرًا لطيب المتابعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.