كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 09

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 09
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني:

"وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة))" بدأنا بشرح الحديث في الأمس، وقلنا: إن المرجح عند أهل العلم أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وأن عورة المرأة عند المرأة كعورتها عند محارمها، وأما عند الرجال فكلها عورة، وكلام أهل العلم في التفاسير وشروح الحديث وكتب الفقه معروف.

((ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد)) يقول ابن سيدة في المحكم: أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه، ابن سيدة هذا من أئمة اللغة، له المحكم والمحيط الأعظم، وله أيضاً في فقه اللغة: المخصص.

يقول: أفضى فلان إلى فلان وصل إليه، وتقدم حديث: ((من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر)) معناه أنه المس من غير حائل، من دون حائل.

المقصود هنا: ((ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد)) معناه أنه لا تمس بشرته بشرته.

((ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد)) يعني لا تمس بشرتها بشرتها إلا ما استثني كالمصافحة مثلاً، والمعانقة عند القدوم من سفر ونحوه، هذه أمور مستثناة، أما أن يمس من بشرته من بشرته ما يثير شهوته فلا، والحديث حسم لباب الفتنة.

((ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد)) بل لا بد أن يكون هناك حائل، والمقصود من الحديث أنه لا يحصل بينهما مباشرة بدون ستر، وإذا كان الثوب الواحد لا يكفي للحيلولة بين الماس والممسوس، فإنه أيضاً لا يجوز ذلك، ومع الأسف أنه يوجد التساهل الكثير في مثل هذا، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أن يفرق بين الأطفال إذا بلغوا العشر، يفرق بينهم في المضاجع، وتجد في الأماكن أحياناً في المساجد، وأحياناً قد يكون من أناس معتكفين، أو جاءوا لعبادة، تجد بينهم من الالتصاق ما لا يقره عقل ولا نقل، نعم الحائل موجود، لكن هل يمنع الحائل من ثوران الشهوة بالنسبة لمن في قلبه مرض؟ وحسم المادة هذه أمر لا بد منه، فعلى الإنسان أن يستتر، وأن يحتاط لنفسه ولغيره، لا يفتتن ولا يفتن.

((ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد)) بمعنى أنه إذا كان الثوب الواحد لا يمنع من الوقوع في الفتنة التي تحصل من المباشرة بدون حائل فإنه لا يكفي، وعلى هذا يمنع كل ما أثار الشهوة بين الجنسين، أو بين الجنس الواحد؛ لأنه مع مسخ الفطر قد تحصل الفتنة بين رجل ورجل، وبين امرأة وامرأة، ومع الأسف أنه يذكر من هذا الشيء الكثير، ويذكر في التجمعات النسائية شيء لا يخطر على البال من النظرات، وبعض التصرفات التي لا تحصل في الغالب إلا من الرجال إلى النساء أو العكس، فمثل هذا لا بد من الاحتياط فيه، وبعض من يفتي بأن عورة المرأة عند المرأة كعورة الرجل عند الرجل فتح باب في زمن عرف الناس فيه بالتساهل، فتجد النساء في المناسبات هي أفتيت بأن تستر ما بين السرة إلى الركبة، لكن هل تكتفي بهذا؟ وبالفعل هل هذا يكفي؟ إخراج الصدر والساقين وغيرهما ألا يثير فتنة النساء؟ لأن بعض النساء مثار فتنة حتى للنساء، فمثل هذه إذا كانت تثير فتنة تؤمر بالاحتجاب حتى عن النساء، ومع الأسف أنه يوجد من النساء من تتبذل للنساء غير المسلمات مجاراة لهن؛ لأن غير المسلمين لا يتحفظون عن إبداء العورات، فتجد هذه تبدي ما تبديه تلك مجاراةً لها؛ ولتظهر بمظهر كما تزعم أو يزعم الناس بمظهر حضاري، وهذا كله لا شك أنه تخلف، أما الحضارة على حقيقتها هي في الاتباع، وقيادة الدنيا بقال الله وقال رسوله، كما فعل الصحابة -رضوان الله عليهم-، تلك السيادة التي دان لهم بها العرب والعجم في نصف قرن من الزمان، شرق الأرض وغربها في أقل من نصف قرن، والآن مع ما نرى من مظاهر ترى ما لنا سيادة، السيادة تكاد تكون معدومة في كثير من الدول التي ليست هي كما يقولون الدول العظمى؛ لأن من شأن الدنيا تسلط القوي على الضعيف، وإذعان الضعيف للقوي، واقتداء المغلوب بالغالب، إذاً أين السيادة؟ إذا كان الإنسان ما يرفع رأسه ويقول: إنني من المسلمين، وإذا كان يمد يده ليعينه أعداؤه أين السيادة؟ وإذا وقعت لنا مشكلة أخذنا نناشد العالم وصناع القرار من الكفار، لا نكتفي بأن نستثير همم المسلمين لا، بل لا نطلب هذا استشعاراً منا بالضعف، فالحضارة بقيادة الأمم والشعوب بقال الله وقال رسوله.

"رواه مسلم".

ثم قال: "وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟" يسأل ما الشيء المباح إبداؤه من العورات؟ وما الشيء الممنوع من العورات؟ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ وكأنه يقصد العورة التي يجب حفظها، وكأنها أمر مقرر، العورة أمر مقرر لغة وشرعاً وعرفاً؛ لأنه قال: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ يعني مقتضى السؤال أن يقول: ابدوا كذا، وأخفوا كذا.

فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((احفظ عورتك)) دليل على أن العورة معروفة ((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)) فدل على أن ما عدا الزوجة وما ملكت اليمين بالنسبة للرجل أو الزوج بالنسبة للمرأة على كل من الأطراف أن يحفظ عورته باستثناء الزوجة وما ملكت اليمين، فهذه له أن يرى منها وترى منه ما لا يراه غيره، وهل لها أو له أن يرى العورات المغلظة؟ نعم له ذلك، قد يقول قائل: إنه خلاف الأدب، وجاء في الخبر تقول عائشة: "ما رأى مني ولا رأيت منه" لكن الحديث فيه كلام، وإذا جاز الجماع فما دونه أسهل، فمجرد النظر أمره أخف، فلا يستثنى من ذلك إلا الزوجة أو ما ملكت اليمين، ويبقى من عدا ذلك على المنع، حتى من أقرب قريب، وبعض الناس يوجد عنده الأب كبير السن والأم كبيرة السن فيحتاج الأب إلى خدمة، والأم تحتاج إلى خدمة، فلا تستطيع أن تخدمه ولا يستطيع أن يخدمها، فيضطرون إلى خدمة الآباء والبنات تضطر إلى خدمة الأمهات، أو يستقدم خادم ليخدم الأب، وخادمة تخدم الأم، وتطلع على العورات.

لا شك أن الضرورات تقدر بقدرها، والطبيب يباح له من أجل العلاج ما لا يباح لغيره، ولذا يقول أهل العلم: "ولطبيب مسلم نظر ولمس ما تدعو إليه الحاجة" قالوا: حتى الفرج، المقصود أن الضرورات تقدر بقدرها، وبعض الناس يتساهل في هذا الأمر، أمه تستطيع خدمة الأب، لكن من باب بره بأمه أو بر البنت بأمها تخدم أباها وتطلع على عورته أو العكس، وكل هذا لا يجوز؛ لأن ما دامت الأم قادرة فهي المسئولة عن هذا الأمر، والأب إذا كانت الأم لا تستطيع خدمته يستخدم له من يجوز له النظر إليه، تأتي خادمة ويعقد عليها، وترتفع المحرمية وتخدمه، ويوجد من يقبل مثل هذا الأمر، لكن أحياناً يمنع من ذلك الغيرة، غيرة الأبناء على أبيهم من أجل أمهم، فتجدهم يقولون: نستقدم ولا نعقد، هذا لا يحل الإشكال؛ لأنها أجنبية منه، وهو أجنبي عنها.

فالمقصود أنه لا يجوز الاطلاع على العورات إلا من استثني الزوجة وما ملكت اليمين، والضرورات تقدر بقدرها.

"قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟" يعني مختلطون "قال: ((إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها))" يعني كأن هذه العبارة: "القوم بعضهم في بعض" هناك اختلاط لا يمكن الانفكاك منه كالمشاعر مثلاً غير المهيأة، الناس ليلة جمع، ويحتاجون إلى قضاء الحاجة، وفي مثل هذا عليه أن يحرص إن استطعت ألا يراها فلا يرينها، وبعض الناس في محافل الناس ما دام في بلد لا يعرف يتوسع، ويتداولون مثل هذا الكلام، ما دام ما يعرفك أحد فكيف تتحفظ عنه؟ وتجدون من النساء حتى بين الرجال تقضي حاجتها، يعني في الأماكن إذا كان القوم بعضهم في بعض، يعني في مثل ليلة مزدلفة ما وجد، أو اضطر إلى ذلك والدورات عليها سراوات تحتاج إلى ساعات، فمثل هذا يجب عليه أن يحتاط لنفسه.

((إن استطعت ألا يراها أحد فلا يرينها)) واستدل بعضهم بالتعليق على الاستطاعة من قال بأن ستر العورة مستحب؛ لأنه علق بالاستطاعة، يعني كأن فيه ثنيا، لكن هل يفهم أحد من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) أن الأمر للاستحباب مطلقاً؟ لا، التعليق بالاستطاعة مقرر شرعاً في نصوص كثيرة، نصوص الكتاب {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [(16) سورة التغابن] إذاً التقوى ليست بواجبة؛ لأنها علقت بالاستطاعة.

قال بعضهم باستحباب ستر العورة للتعليق بالاستطاعة، ورد بأنه مستطاع لكل أحد إلا في ظروف خاصة، وفي هذه الظروف يبقى أنه على الأصل في التحريم، والمانع من الإثم هو عدم القدرة وعدم الاستطاعة، ورد بأنه مستطاع لكل أحد فهو شرط، كما يقول أهل العلم: شرط تهييج وإلهاب؛ لأنه ما دام الناس يستطيعون حفظ العورات إذاً كيف يفرطون فيها؟ شرط تهييج وإلهاب كما في علم البيان، يذكر بعض الأمور من أجل التهييج، يعني إثارة الغيرة في نفس الإنسان، وأن مثل هذا أمر لا بد منه متحتم إلا في حالة عدم استطاعتك، يعني في غياب وعيك لا تستطيع أو لا تجد، فعلى هذا ستر العورة واجب.

((إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها)) يعني حتى في المواطن التي يختلط بعض الناس ببعض، والظروف الحرجة الصعبة ((إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها)).

"قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟" ما عنده أحد، في مكان ليس عنده أحد، يعني في بيته بمفرده والأبواب مغلقة، وما في أحد "فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: ((فالله -تبارك وتعالى- أحق أن يستحيى منه من الناس))".

استدل الإمام البخاري -رحمه الله- على جواز التكشف في الخلوة في الغسل على وجه الخصوص بقصة موسى وأيوب، موسى -عليه السلام- نزع ثوبه فاغتسل وهرب الحجر بالثوب وضعه على حجر فهرب به، فتبعه فصار يضربه ثوبي حجر، ثوبي حجر، من أجل أن يطلع بنو إسرائيل على سلامته مما وصفوه به، وأيوب -عليه السلام- اغتسل عرياناً، فأرسل الله عليه رجلاً من جراد -جراد من ذهب- فغفل، فصار يجمع ويقول: "اللهم لا غنى بي عن بركتك" المقصود أنه إذا كان الإنسان خالياً ما عنده أحد، واحتاج إلى خلع ثيابه من أجل الغسل البخاري يستدل بذلك على الجواز، وعموم قوله: فإذا كان أحدنا خالياً؟ ((فالله -تبارك وتعالى- أحق أن يستحيى منه)) يشمل هذه الصورة، أنه لا يغتسل عريان ولو كان منفرداً، لكن في قصة موسى وأيوب ما يدل على الجواز، كما قال الإمام البخاري.

((فالله -تبارك وتعالى- أحق أن يستحيى منه من الناس)) فلا تكشف العورة.

وقال أبو عبد الله البوني: إن المراد بقوله: ((أحق أن يستحيى منه)) أي: فلا يعصى، يعني هذا الجواب أجاب النبي -عليه الصلاة والسلام- بقاعدة عامة ((أحق أن يستحيى منه)) في كل شيء، في هذه المسألة وفي غيرها، فلا يعصى بالتعري ولا بغيره، وهو كلامه في الجملة جيد، يعني فلا يعصى بما في ذلك التعري الذي جاء النهي عنه.

"رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وحسنه، وإسناده ثابت إلى بهز، وهو ثقة عند الجمهور" أولاً: بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري أبو عبد الملك قال ابن حجر: صدوق من السادسة، مات قبل الستين، علق له البخاري وخرج له الأربعة، بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، أبو عبد الملك، صدوق من السادسة، مات قبل الستين، يعني مع أبي هريرة مات؟ يعني مات مع أبي هريرة سنة 59هـ؟ نعم؟

طالب:.......

لا لا مات قبل الستين، يعني قبل سنة ستين، هو من السادسة، هاه؟

طالب:.......

من له تعامل مع التقريب؟ نعم؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

نعم يعني قبل الستين ومائة، ابن حجر ما يذكر المئات، إذا ذكر الطبقات ما ذكر المائة، معلوم من السادسة وين؟ الله المستعان، يعني ومائة، قبل الستين ومائة، وعلق له البخاري، خرج له البخاري تعليقاً، وروى له الأئمة الأربعة، ووالده حكيم؛ لأن الحديث عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أبوه حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، صدوق من الثالثة، وعلق له البخاري نفس الحديث الذي رواه عن ولده، وخرج له الأربعة، وجده معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري صحابي نزل البصرة، ومات بخراسان، فإذا كان بهز بن حكيم قال فيه ابن حجر: صدوق، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وهو ثقة عند الجمهور" لكن بهز صدوق، وأبوه صدوق، وكأن ابن حجر حكم عليه بصدوق بناءً على الخلاف في مرويات هذه السلسلة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، خلاف بين أهل العلم معروف، والقول المتوسط أنها مثل عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من قبيل الحسن، وتقدم الكلام فيها، فإذا كان حديثه من قبيل الحسن، هل يقال فيه: ثقة؟ يقال فيه: صدوق؛ لأن هذه المرتبة مناسبة لهذه المرتبة، فسبب الخلاف في بهز بن حكيم كلام بعض أهل العلم فيه، وأنه لا يصل إلى مرتبة الثقة، فحديثه من قبيل الحسن، والكلام في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إنما هو الخلاف في عود الضمير على ما تقرر سابقاً، والترجيح بين السلسلتين بين عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده معروف، يعني لو ورد حديث من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وورد حديث آخر يعارضه ويخالفه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، فماذا نرجح؟ بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مخرج في الصحيح تعليقاً، يعني لا في الأصول، في أصول الكتاب التي هي مقاصده، مخرج في البخاري تعليقاً، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما خرج له في الصحيح لا في الأصول ولا في التعاليق، لكن الترمذي سأل البخاري -رحمه الله- عن حديث أظنه التكبير في صلاة العيد، فقال: وحديثه أصح شيء في الباب، فقوله: أصح شيء في الباب تمسك بها من رجح حديث عمرو بن شعيب، وتخريج البخاري لبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ولو تعليقاً، لا شك أنه يعطيه قوة، وعلى كل حال هما في مرتبة الحسن إذا ثبت الإسناد إلى عمرو وإلى بهز، ولذا قال المؤلف: "رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه النسائي الترمذي حسنه" وإلا الخلاف المعروف، وإسناده ثابت إلى بهز، نحتاج إلى هذه الكلمة من أجل أنه إن لم يثبت إلى بهز فالتضعيف بسبب آخر، قال: وهو ثقة عند الجمهور، يعني عند الأكثر، وفيه كلام لبعضهم، هو الذي جعل ابن حجر ينزل مرتبته من الثقة إلى الصدوق.

في بعض النسخ: ((والله -تبارك وتعالى- أحق أن يستحيى منه من الناس)) والمفضل عليه معروف سواء ذكر أو لم يذكر، أحق أن يستحيى منه من كل أحد.

ثم قال -رحمه الله-:

"وعن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه- قال: كنت جالساً عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أما صاحبكم فقد غامر))" الحديث، وفيه..، وهو مختصر هنا، ولذا قال: الحديث على النصب، يعني اقرأ الحديث، أو أكمل الحديث.

((أما صاحبكم فقد غامر)) والشاهد منه "آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته".

أولاً: المغامر في قوله: ((فقد غامر)) في الأصل الملقي بنفسه في الغمرة، وغمرة الشيء شدته ومزدحمه، الجمع غمرات، والمراد بالمغامرة هنا المخاصمة أخذاً من الغِمر أو الغَمر أو الغُمر، هذا من المثلث، ولكل واحد من الثلاثة معناه، وهو مذكور في مثلث قطرب، من يحفظ المثلثة؟

طالب:.......

ويش يقول؟

طالب:.......

يعني هنا ماذا يكون؟

طالب:.......

بالفتح؟

طالب:.......

الغَمر؟

طالب:.......

طيب والغِمر؟

طالب:.......

والغُمر؟

طالب:.......

نعم، إذاً هنا نقول: لأنه من الحقد، المخاصمة سببها الحقد، إذاً هو بكسر الغين، أخذاً من الغِمر الذي هو الحقد والبغض، والحديث يدل على أن الركبة ليست عورة؛ لإقرار النبي -عليه الصلاة والسلام- حيث لم ينكر عليه، أخذ منه أن الركبة ليست بعورة، أخذاً من الغمر الذي هو الحقد والبغض، والحديث يدل على أن الركبة ليست عورة؛ لإقرار النبي -عليه الصلاة والسلام- حيث لم ينكر عليه، هذا قال به بعض أهل العلم، النبي -عليه الصلاة والسلام- رآه أبدى عن ركبته ولم ينكر عليه، لكن الظروف الخاصة مثل هذا الظرف جاء مخاصم ومشاجر ومسرع، هل يؤخذ منه سريان الحكم في الظروف العادية؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- في السعي سعى سعياً شديداً حتى بدت إيش؟ ركبتاه، فمثل هذه الظروف لا يحمل عليها الظروف العادية، ولذا الحديث الذي يليه، روى عن أبي موسى، يقول: الأول رواه البخاري، والثاني روى عن أبي موسى يعني البخاري: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قاعداً في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه أو ركبته فلما دخل عثمان غطاها" وهذا أيضاً فيه دليل لمن يقول بأن الركبة ليست بعورة كالشافعي، وأجاب عنه من قال بأنها عورة بأن الكشف كان لعذر الدخول في الماء، وتغطيته عن عثمان دليل على أنها عورة، النبي -عليه الصلاة والسلام- حسر عن ركبته، وفي رواية غير الصحيح الفخذ، لكن رواية الصحيح البخاري: الركبة.

فدخل أبو بكر ما غطى، ثم دخل عمر فلم يغط، ثم دخل عثمان غطاها، لما دخل عثمان غطاها، فقيل له في ذلك، قالت له عائشة أو غيرها، قال: ((ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟)) فهل في مثل هذا دليل على أن الركبة ليست بعورة أو ليس فيه دليل؟ ومثل ما قلنا: إن أبا بكر جاء مسرعاً مغامراً مخاصماً الظرف ليس بعادي، نعم ليست بعورة مغلظة بحيث تنكر، إنما هي عورة، وجاء بالنص عند الدارقطني وغيره ((عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة)) ودخول الغاية محل خلاف بين أهل العلم، وإخراجها أيضاً معروف.

الحديث هذا المكان فيه ماء، فيلزم من ذلك رفع الثوب، لكن هل يلزم منه رفع الثوب إلى الركبة؟ لنفرق بين الظرف الخاص والظروف والحياة العادية.

أولاً: هذه النصوص يستدل بها من يقول: إن الركبة ليست بعورة، ودليله واضح، لكن يجيب من يقول: بأنها عورة بمثل ما قلنا: إن أبا بكر جاء مخاصماً مشاجراً ظرفه ليس بالعادي كسعيه -عليه الصلاة والسلام-، وكونه -عليه الصلاة والسلام- دخل القاعد في مكان فيه ماء يستلزم رفع الثوب، ثم غطاه لما دخل عثمان حياءً من عثمان، وإلا فالأصل أن مثل هذا لا يغطى؛ لأنه لم يغطه عن أبي بكر وعمر، فالدلالة واضحة لمن قال بأن الركبة ليست بعورة، ومن قال -وهم الأكثر-: إن الركبة داخلة في العورة قالوا: إن هذه أمور حاجية تقدر بقدرها، مع أنهم يتفقون على أن الركبة ليست مغلظة.

ثم قال -رحمه الله-:

"وعن صفية بنت الحارث عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))" نفي القبول كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) يراد به نفي الصحة؛ لأن النفي متعلق بأمر مؤثر في الصلاة، يعني عدمه مؤثر في الصلاة؛ لأنه شرط من شروطها، فيحمل على نفي الصحة، ويأتي نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على العمل، كما تقدم تقريره بالأمس.

((لا يقبل الله صلاة حائض)) يعني من بلغت سن المحيض لا الملابسة بالحيض، يعني التي اتصفت بها، يعني أنها حائض بالفعل، يعني بعبارة اليوم يعني عليها الدورة، ليست هي المطلوبة؛ لماذا؟ لأن الحائض ممنوعة من الصلاة، بل يحرم عليها أن تصلي، فالمراد بالحائض هنا من بلغت سن المحيض، ويفسر ذلك رواية ابن خزيمة: ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار)) يعني كلفت، بلغت سن المحيض، يعني سبق لها أن حاضت، فصارت في عداد المكلفين، هذه لا يجوز لها أن تصلي بغير خمار، أما من لم تبلغ سن التكليف ولو ناهزت، يعني بنت عمرها إحدى عشر أو اثنتا عشرة أو ثلاث عشرة أو أربع عشرة لم تحض، هذه لها أن تصلي بغير خمار، لكن تنشئة البنت على الستر من أول الأمر هو مطلوب كأمرها بالصلاة، وأمرها بالصلاة أمر لما تتطلبه الصلاة من وضوء وستارة وغير ذلك، يعني ما نفهم من هذا أننا نقول: البنت أم عشر وتصلي حاسرة عن شعرها؛ لأن أمرها بالصلاة للتمرين والتأديب، فتمرن على كل ما تطلبه الصلاة، لكن مسألة الرد وعدم القبول إنما هو بالنسبة للمكلفين، فلا يقبل الله صلاة من كلفت إلا بخمار، وهو ما يغطي الرأس.

قال ابن سيدة: الخمار النصيف، وجمعه أخمرة وخمر، وجمعه أخمرة وخمر، فمما يشترط لصحة صلاة المرأة تغطية الرأس، وإذا أمرت بتغطية الرأس فبقية البدن من باب أولى، والمرأة الحرة كلها عورة، أما بحضرة الأجانب فلا إشكال أنها كلها عورة، وأما بالنسبة للصلاة إذا كانت خالية فمحل خلاف بين أهل العلم، منهم من يستثني الوجه فقط، وهو المعروف عند الحنابلة يستثنون الوجه فقط يكشف إذا كانت خالية، والحرة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها، ورواية في المذهب يرجحها شيخ الإسلام الكفين أيضاً، لا يلزم سترهما في الصلاة، بل يكشفان كالوجه، ومذهب الحنفية القدمان أيضاً يكشفان، وشيخ الإسلام كأنه يميل إلى قول الحنفية.

وعلى كل حال الاحتياط أن تغطي المرأة جميع بدنها، أما إذا كانت بحضرة من يجب الحجاب عنه هذا لا إشكال فيه، أما إذا كانت خالية فلا تبدي إلا وجهها، وإن أبدت كفيها فالأمر فيه سعة، والقدمان محل خلاف قوي بين أهل العلم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور القدمين كما سيأتي في حديث أم سلمة، فالقدمان يغطيان، لكن لو صلت امرأة وقالت: أنا والله ما دريت أن القدم تغطى، فقوله: "ظهور قدميها" يدل على أن بطون القدمين لا يلزم تغطيته، فيدل على أن القدم فيها شيء من السعة، ومذهب أبي حنيفة في هذا واضح، فمن صلت وهي كاشفة عن قدميها ثم سألت لا تؤمر بالإعادة، أما من سألت قبل الصلاة يقال: غطي، والأحوط أن تغطي كل شيء إلا الوجه.

"رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه، والحاكم وقال: على شرط مسلم" وعلى كل حال الحديث مصحح عند أهل العلم "وصفية وثقها ابن حبان" يعني التابعية الراوية عن عائشة -رضي الله عنها-، "وقد روي موقوفاً ومرسلاً" الآن المقابلة بين الوقف والإرسال، يعني كل النسخ كذا موقوفاً ومرسلاً؟

طالب:.......

هل هناك تقابل بين الوقف والإرسال أو التقابل بين الوقف والرفع والوصل والإرسال؟ أو أنه اجتمع فيه الأمران؟ اجتمع فيه علتان الوقف والإرسال؟

"وروي موقفاً ومرسلاً ورواه ابن خزيمة في صحيحه، ولفظه: ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار))" وعلى كل حال الحديث مصحح عند أهل العلم، والعمل عليه عندهم، أنه لا بد أن تصلي بالخمار فتغطي رأسها.

ثم قال: "وعن أيوب عن نافع" أيوب بن أبي تميمة السختياني "عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: ((يرخين شبراً)) قالت: إذا تنكشف أقدامهن؟ قال: ((فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه))" انظروا كيف يتعامل مع أصحاب التحري والاحتياط للدين بخلاف أصحاب التعري والتساهل في أمور الدين، يعني بدأ بها النبي -عليه الصلاة والسلام- بالأخف، ما بدأ بالأشد؛ لأنه يعرف أنه لو قال: أرخيه ذراع زادت؛ لأنها حريصة على الستر، فبدأ معها بالأقل ((ترخيه شبراً)) لكن الآن لو تأتي امرأة تسأل يبدأ معها بالشبر وإلا بالذراع أو أكثر من الذراع؟ وليت الأمر يستقر على مجرد الستر، ولا شك أن هذا هذه طريقة وأسلوب نبوي متبع، يعني مطرد عند النبي -عليه الصلاة والسلام-، إذا كان السائل أو المسترشد عنده شيء من التحري يبدأ به من الأقل؛ لئلا يزيد ويرتفع، وإذا كان عنده شيء من التساهل أطره على ما أوجب الله عليه، فعبد الله بن عمرو بن العاص جاء متحمس يبي يقرأ القرآن في كل ليلة، فقال له: ((اقرأ القرآن في شهر)) لأنه لو وافق على ليلة أو على ليلتين أو على ثلاث من أول الأمر لا شك أن عبد الله بن عمرو لن يترك المصحف، ويمكن يختم في اليوم مرتين أو أكثر، لو بدء به مما طلب، لكن مثل هذا يبدأ معه بالأخف، فقال له: ((اقرأ القرآن في شهر)) قال: إنه يستطيع أكثر من ذلك، ((اقرأ القرآن مرتين في الشهر)) قال: يستطيع أكثر من ذلك، ((اقرأ القرآن في عشر)) قال: إنه يستطيع أكثر من ذلك، قال: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) فبدأ بالأخف، لكن لو جاء شخص من طلاب العلم وقال: إنه لا يفتح المصحف إلا في رمضان، قلنا له: عثمان يختم في كل ليلة، والشافعي يختم مرتين، مرة بالنهار ومرة بالليل، وفلان وفلان، وعددنا له من هؤلاء الذين يحملونه على أن يستحيي من الله -جل وعلا- أن يهجر كلامه، وإن كنا لا نريد أن يفعل مثل فعل عثمان، ولا مثل فعل الشافعي، ولا مثل فعل يقرأ القرآن في يوم، لكن إذا قلت له: اقرأ القرآن في يوم عله أن يقرأه في أسبوع، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)).

وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم كالطبيب يعالج الناس بما يناسبهم وينفعهم، فإذا كان موجوداً في مجتمع تغلب عليه الشدة لا شك أنه يبدأ بهم بالأسهل؛ لأنه لو بدأ بهم بالأشد زادوا، وإذا كان في مجتمع غالبه مرجئة يتساهلون، ولا يرون العمل من الإيمان مثل هؤلاء يبدأ بهم بالأشد، يعني لا يعامل المرجئة مثل ما يعامل الخوارج، فأولئك تلقى إليهم نصوص الوعد، وهؤلاء تلقى إليهم نصوص الوعيد، يعالجون بهذا وهؤلاء يعالجون بهذا، ولذلك قال النبي -عليه الصلاة والسلام-...، قالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: ((يرخين شبراً)) فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن؛ لأنه لو نزل شبر على الأرض مع المشي لا بد أن يخرج شيء، والآن مع الأسف أن النساء جل النساء الآن فوق الكعب وعلى الجوانب فتحات، إذا مشت تخرج إلى الركبة، الفتحة أنزل من الركبة، لكن مع ضرورة المشي أن يرتفع الثوب، ومع الأسف أيضاً أنا صرنا كأننا بتصرفاتنا نقر مثل هذه الأمور، يعني إذا كان علامة مدرسة بنات وضعنا الصور التي تدل على العلامة هذه، يعني في اللوحات الإرشادية، يعني أمامك مدرسة بنات أمامك مدرسة أولاد وضعنا صور البنات بالقصير هذا شيء مشاهد، وصور الأولاد إذا كانت مدرسة أولاد بالطويل المسبل، وكأننا بهذا نقر من يفعل هذا الأمر، وكذلك في دورات المياه، وكذلك تجد أمور كأن فيها إقرار لهذا الشيء، وإن لم يكن مقصوداً، لكن ينبغي أن يكون الحق والحقيقة والمظهر والمخبر سواء، لا نقول هذا الكلام ثم إذا جئنا بدعاية أو بشيء خرجنا عن طورنا، أمامك مدرسة أولاد تجعل الولد ثوبه هذا على سبيل التنزل أننا نحتاج إلى مثل هذه الأمور، وإلا لسنا بحاجة إلى مثل هذه اللوحات، يعني أمامك مدرسة أولاد، أمامك مدرسة بنات يكفي، كتابة، لكن إنما هو التقليد ((لتتبعن سنن من كان قبلكم)) ولسنا بحاجة إلى شيء من هذا، وإذا ابتلينا بمثل هذا لا نقر المنكر، على أن التصوير معروف أنه حرام، لكن قد يقول قائل: إنه تصوير ما بان فيه شيء، ما في وجه، ما فيه إلا بقية الجسم، والثوب هذا يدل على أنها مدرسة بنات، واللباس هذا يدل على أنه مدرسة أولاد، نقول أيضاً على سبيل التنزل: لسنا بحاجة، لكن إذا فعلتم ذلك طبقوا السنة، والله المستعان؛ لأن النشء ينشأ على مثل هذا ويستمريه، ويعرف أن هذا لباس امرأة، وذاك لباس رجل، المسبل لباس رجل، والقصير لباس امرأة، ينشأ الفتيان على هذا، فلا يصير في قلوبهم شيء من الإنكار له.

وهنا تقول لما قال لها شبر، قالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: ((فيرخينه ذراعاً، لا يزدن على ذلك)) لأنه لو زاد على الذراع صار خطر عليها أن تسقط أو تتعثر، ومع ذلكم الذيل لا يحيط بالبدن أو بالأقدام من جميع الجهات، الأقدام مستورة بلا شك، لكنه من الأمام لا يرخى لئلا يحصل تعثر، إنما الذيل يكون كما هو بطبيعته الذيل في الخلف، وأدركنا النساء وهن يجرجرن الذيول، وعلى الغانيات إيش؟ جر الذيول.

كتب القتل والقتال علينا
 

 

وعلى الغانيات جر الذيولِ
ج

المرأة تسحب ثوبها وراءها ذراع، وهذا شيء أدركناه، كان معروف عند المسلمين، ثم بعد ذلك صاروا يتدرجون ويقلدون، وانتهينا إلى ما وصل إليه الحد، والله أعلم ما يكون في المستقبل، نسأل الله -جل وعلا- أن يرد المسلمين إلى دينه رداً جميلاً، وأن يرجعهم إليه.

"رواه النسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح، وقد روي عن نافع عن أم سلمة، وعنه عن صفية عن أم سلمة، وعنه عن سليمان عن أم سلمة" المقصود أنه من حديث أم سلمة، يروى من طرق متعددة، وبعضهم يجعل مثل هذا إعلال، لكنها طرق يعضد بعضها بعضاً، ولذا هو صحيح عند أهل العلم.

((من جر ثوبه خيلاء)) الإسبال جاء فيه هذا الحديث الشديد: ((ثلاث لا ينظر الله إليهم، ولا يكلمهم)) منهم من جر ثوبه خيلاء، وفي الحديث هنا: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) والخيلاء: بضم الخاء المعجمة ممدود فعلاء، والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر والخيلاء معانيها متقاربة، يقال: خال واختال اختيالاًَ إذا تكبر.

((من جر ثوبه خيلاء)) في الحديث الآخر: ((ما أسفل من الكعبين فهو في النار)) هذا مقيد بالخيلاء وذاك مطلق، ((ما أسفل من الكعبين فهو في النار)) ولو بدون خيلاء، وهذا: ((من جر ثوبه خيلاء)) وأبو بكر لما سمع هذا الوعيد الشديد قال: إنه يسترخي أحد جانبي إزاره، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إنك لا تفعله خيلاء)) لست ممن يفعله خيلاء، فهذه تزكية من النبي -عليه الصلاة والسلام- لأبي بكر؛ لأن الخيلاء والكبر من أعمال القلوب، لا يستطيع إنسان أن يزكي أحد، ولا يزكي نفسه، بل نهي عن ذلك، وإذا وجد من يجر ثوبه ويقول: إنه لا يفعله خيلاء، قلنا: هذا الكلام ليس بصحيح، فليس لنا إلا الظاهر، والباطن الله -جل وعلا- يتولى السرائر، وكلامك عن نفسك تزكية، وقد نهيت عنها، فعليك أن ترفع ثوبك.

هنا الحديث مقيد، وحديث: ((ما أسفل من الكعبين)) مطلق، وقال بعضهم: إن المطلق يحمل على المقيد، فإذا برئ الإنسان وسلم من الخيلاء والكبر فإنه يجوز له ذلك، لكن بالنظر إلى القواعد، قواعد حمل المطلق على المقيد نجد أنه لا يمكن حمل المطلق على المقيد هنا؛ لماذا؟ للاختلاف في الحكم والسبب، وإذا اختلف الحكم والسبب فلا يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً، الحكم مختلف هناك في النار، وهنا: ((لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) الحكم أشد، مناسب لما اقترن بمجرد الإسبال إذا اقترن معه الخيلاء، إذا اقترن مع الإسبال الخيلاء فالحكم أشد، فجاء حكم يناسب، إذا كان مجرد إسبال من غير خيلاء فحكمه مناسب ((ما أسفل من الكعبين ففي النار)) والمراد بذلك ليس الثوب، وإنما هو ما يقابله من بدن الإنسان، ما يقابل هذا القدر الزائد من بدن الإنسان.

((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه)) فيه إثبات النظر لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته.

أدخل المؤلف هذا الحديث في شروط الصلاة لأن من أهل العلم من يرى أن من ارتكب مثل هذه المعصية فإنها تؤثر على صلاته، وجاء في المسألة حديث لكنه ضعيف، رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- رجلاً مسبلاً يصلي فقال له: ((أعد وضوءك)) ولما توضأ قال: ((صل)) فسئل؟ قال: لأنه مسبل، فعلى هذا صلاته تكون باطلة لو صح الخبر؛ لكان الخبر لم يصح، فتجرى القواعد، وجاء النهي عن الإسبال والوعيد الشديد لكن النهي خارج عن الصلاة، فالإسبال مما يستعمل داخل الصلاة وخارج الصلاة، فالنهي ليس عائد إلى ذات الصلاة ولا إلى شرطها؛ لأن القدر الزائد على ما تستر به العورة ليس من شرطها، فهو لأن الخارج كالعمامة، فالصلاة صحيحة مع الإثم الشديد الثابت والوعيد الأكيد بهذا النص وغيره، فصلاة المسبل صحيحة مع التحريم؛ لأن النهي إنما يعود إلى أمر خارج عن الصلاة.

بعد هذا يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجل وفخذه خارجة، فقال: ((غط فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته)) رواه أحمد، وهذا لفظه، وأبو يعلى والترمذي، ولفظه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الفخذ عورة)) وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه الطحاوي، وأبو يحيى مختلف فيه، وثقه ابن معين في رواية" يعني في رواية الدارمي، أما في رواية الدوري التي هي من أكبر الروايات قال: في حديثه ضعف "وثقه ابن معين في رواية، وقال النسائي: ليس بالقوي" أبو يحيى القتات الكوفي اسمه زادان، وقيل: دينار، وقيل: مسلم، وقيل: يزيد، وقيل: زبان، وقيل: عبد الرحمن، أقوال كثيرة في اسمه كعادة من اشتهر بالكنية يضيع الاسم.

قال ابن حجر: لين الحديث، ومتى يحكم ابن حجر على راوٍ بأنه لين؟ متى يحكم ابن حجر عليه أنه لين؟ نعم؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

يكون إيش؟

طالب:.......

هو حكم عليه بالتقريب بأنه لين؛ لماذا؟ ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، فإن توبع فمقبول وإلا فلين، ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، فإن توبع فمقبول وإلا فلين، إذاً هذا حديثه قليل، وليس فيه كلام لأهل العلم قوي يترك حديثه من أجله، ومع ذلك لم يتابع إذاً لين، وهذه القاعدة التي قعدها ابن حجر عليها مناقشات ومؤاخذات كثيرة، وبسطناها في مناسبات كثيرة، لا داعي لتكرارها، المقصود أنه هنا أبو يحيى القتات اختلف فيه، منهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، فحديثه ليس بشديد الضعف.

"عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجل وفخذه خارجة، فقال: ((غط فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته))" ويشهد له الأحاديث التي أشار إليها الإمام البخاري -رحمه الله-.

وقال البخاري: ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الفخذ عورة)) يعني حديث ابن عباس له ما يشهد له من حديث جرهد ومحمد بن جحش عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله: ((الفخذ عورة)) فعندنا ثلاثة أحاديث كلها تنص على أن الفخذ عورة، من قوله -عليه الصلاة والسلام-، حديث ابن عباس الذي تقدم، وجرهد بن رزاح الأسلمي، مدني، له صحبة، وكان من أهل الصفة، مات سنة إحدى وستين، ومحمد بن عبد الله بن جحش نسب إلى جده، زينب بنت جحش عمته أخت أبيه عبد الله بن جحش، هذا من قوله -عليه الصلاة والسلام- يروى من هذه الطرق، وهو بها يكون صحيحاً لغيره، بمجموعها يكون صحيحاً لغيره.

وقال أنس: "حسر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فخذه" هذا الكلام تابع لكلام البخاري، وقال أنس: "حسر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فخذه"، ثم قال البخاري: وحديث أنس أسند، يعني أقوى إسناداً؛ لأنه مخرج في الصحيح، أصل معتمد عليه في البخاري، بل في الصحيحين فهو أسند، يعني أقوى إسناداً، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم.

الأحاديث الثلاثة الواردة عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش كلها نص على أن الفخذ عورة، وحديث أنس: "حسر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو انحسر" وفرق بين حسر وانحسر.

حتى يخرج من اختلافهم، وقد روي حديث ابن عباس من وجه آخر عن طاوس عنه.

وعن أنس بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله -صلى الله عليه وسلم- وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى النبي -صلى الله عليه وسلم- في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما دخل القرية قال: ((الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) قالها ثلاثاً. رواه البخاري ومسلم، وفي روايته، يعني في رواية مسلم "فانحسر الإزار عن فخذ نبي الله -صلى الله عليه وسلم-" قال المؤلف: فلفظ مسلم "انحسر" لا حجة فيه على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأن كون الشيء ينكشف بنفسه لا من فعل المكلف لا يدل على الجواز، ولفظ البخاري محتمل.

يعني إذا سلمنا بأن انحسر لا من فعل ولا قصد المكلف ليس فيه حجة هذا الكلام صحيح، لكن ماذا عن لفظ البخاري: "حسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الإزار أو حسر الإزار عن فخذه"؟ نعم؟ ولفظ البخاري محتمل، يعني لفظه محتمل وإلا دلالته محتملة؟ لفظه غير محتمل، لكن دلالته على المراد حينما حسر لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- راكب، وأحياناً الراكب يتضايق من الثوب، الراكب على الدابة يتضايق من الثوب، فيحسر عن شيء من ثوبه ليرتاح، الآن من أراد أن يجلس على كرسي ألا يحتاج إلى رفع شيء من ثوبه من جهة الخلف ليرتاح ليتصرف براحة؟ من ركب مرتبة السيارة وهي في غاية الراحة يحتاج إلى مثل هذا، من جلس على مجلس أثير في مجلسه يحتاج إلى أن يحسر عن شيء من ثوبه ليرتاح، فيكف بمن ركب على دابة؟! يحتاج إلى مثل هذا، والظرف ظرف جهاد، فلا يحمل عليه ما في الظروف العادية، فقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((الفخذ عورة)) مقدم على مثل هذه الأخبار المحتملة، فالمرجح أن الفخذ عورة.

منهم من يستروح إلى أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((الفخذ عورة)) من كلامه بالنسبة للأمة، تكليف للأمة، وأما كون -عليه الصلاة والسلام- حسر عن فخذه هذا بالنسبة له، يدل على الخصوصية، وذكرنا مراراً أنه ما دام تغطية العورة كمال فكل كمال يطلب من الأمة فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أولى به من غيره، يعني إذا كان تغطية العورة تكريم لبني آدم وهو كمال بالنسبة لهم إذ لم يكونوا مثل الحيوانات، كما يطالب بعض المفتونين، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أولى بهذا الكمال، وإذا كانت العورة مما يستحيى من إبدائه، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- من أشد الناس حياءً، وما رئيت عورته -عليه الصلاة والسلام- لا في جاهلية ولا في إسلام.

"عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله -صلى الله عليه وسلم- وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى النبي -صلى الله عليه وسلم- في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ" راكب الدابة يحتاج إلى مثل هذا، وأنتم ترون الدابة مرتفعة جداً، فلا بد من انحسار شيء من هذا، إذا أراد الإنسان أن يركب السيارة وهي أقل من ذراع عن الأرض، إذا رفع رجله انكشف شيء من ساقه، فكيف بمن ركب دابة ليرتاح عليها؛ لأن اللباس لا شك أنه يشد على لابسه، فيحتاج إلى أن ينفس عن نفسه شيئاً، وقد ينكشف بعض ما لا يجوز انكشافه في حال الرخاء، وبعضهم يقول: الفخذ عورة يعني في الصلاة، وليس بعورة خارج الصلاة، وهذا قال به بعضهم، والأصل العموم، الفخذ عورة عورة، يعني في الصلاة وفي خارج الصلاة هذا الأصل.

قال المؤلف: "فلفظ مسلم لا حجة فيه" ما دام انحسر بنفسه لا حجة فيه، كما لو كان الإنسان يصلي فأطارت الريح إزاره، ثم رده قريباً مثل هذا لا يد له بذلك، أو شيئاً من إزاره حتى بدت بعض عورته يعيده سريعاً، ولا يؤثر في صلاته.

المقصود أن لفظ: "انحسر" كما هي رواية مسلم لا دليل فيها، ولا حجة فيها، ولفظ البخاري محتمل الدلالة لا اللفظ، اللفظ واضح ولا يحتمل، لكن دلالته على المراد وأن الفخذ ليست بعورة محتمل، وقلنا: إن هذا الظرف مما يحتاج إليه.

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) رواه البخاري، وعنده: عاتقيه وعاتقه أيضاً" ((لا يصلي أحدكم في الثوب)) وهو ما يستر به البدن من قميص أو إزار أو غيرهما.

((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) العاتق ما بين الكتف وأصل العنق، هذا هو العاتق ما بين الكتف وأصل العنق، شيء نكرة في سياق النفي فتعم القليل والكثير، يعني من صلى بسروال صفيق يستر العورة وعليه فنيلة ذات الخيط الرقيق الذي على العاتق يكفي وإلا ما يكفي؟ قوله: ((شيء)) ((ليس على عاتقه منه شيء)) يعني لو أن إنسان وضع حبل على عاتقه يقال له: شيء وإلا لا؟ فالعلاق الذي تمسك به هذه الفنيلة تدخل في شيء ((ليس على عاتقه منه شيء)) فمقتضى التنكير في سياق النفي جواز مثل هذا وأنه يكفي.

"ورواه البخاري ومسلم وعنده: عاتقيه وعاتقه أيضاً" ولا فرق بين الروايتين؛ لأن عاتقه ((ليس على عاتقه)) مفرد مضاف فيشمل الاثنين، فيكون على العاتقين منه شيء، كثير ممن يصلي وهو محرم تجده مبدياً عاتقه الأيمن؛ لأنه يطوف كذلك، فيظن أنه يستمر إلى أن يحل من عمرته، وإذا أراد أن يصلي لا بد أن يستر العاتقين.

أهل العلم يطبقون على أن عورة الرجل في الصلاة من السرة إلى الركبة، ولا يذكرون العاتق، لماذا؟ الحديث في الصحيحين، نعم؟

طالب:.......

ويش فيه؟

طالب:.......

حديث جابر الذي بعده، لكن هل كون حديث جابر ما فيه دلالة على ستر العاتق ينفي دلالة حديث: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد))؟ لا، لا تعارض بينهما؛ لأن عدم الذكر، أو حديث آخر مستقل لا يدل على ما دل عليه هذا الدليل لا ينفي أن يكون الوجوب يؤخذ من هذا الدليل، أهل العلم لا يذكرون ستر العاتق في الستر، هاه؟ لماذا؟

لأن الستر الذي يذكرونه من السرة إلى الركبة شرط لصحة الصلاة، وأما هذا مجرد وجوب لا يدخل في الشرط، يعني لو صلى وليس على عاتقه شيء وستر من السرة إلى الركبة صلاته صحيحة، لكنه آثم، لكنه آثم وصلاته صحيحة، ففرق بين ما يذكر من الستر اشتراطاً وبين ما يجب فعله في الصلاة، يعني بعض الناس يقول: لا يلزم ستر العاتق؛ لأن العلماء لا يذكرونه في شروط الصلاة، نقول: ليس بشرط صحيح، لكنه يجب أن تستر العاتق، ونظير ذلك من يوجب الغسل، الغسل للجمعة من يوجبه هل يوجبه اشتراطاً لصحتها أو يوجبه بمعنى أنه يأثم إذا تركه وصلاته صحيحة؟ صلاته صحيحة، ما أحد يبطل صلاته إذا لم يغتسل، لكنه يأثم بترك هذا الواجب، وهنا نقول: ما في أحد يبطل الصلاة إذا لم يستر العاتق، لكنه يأثم بترك هذا الواجب، والفرق ظاهر يا إخوان.

ثم قال بعد ذلك:

"وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: خرجت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري فوجدته يصلي وعليَّ ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: ((ما السُرى يا جابر؟!))" يعني هذا الخروج بعد هزيع من الليل في آخر الليل، ما الذي دعاك إليه؟ لأن الأصل في هذا الوقت أن الإنسان يلزم رحله، سواءً كان سفر وإلا حضر، يلزم رحله، إما أن ينام أو يصلي أو..، ومع الأسف أننا نجد والله شيء مؤسف جداً أن نجد في الساعة الثانية أو الثانية والنصف أو الثالثة أو الواحدة نساء بدون محارم شابات يتنقلن ويتجولن في الشوارع، بل بين المطاعم وبين الأسواق وبين..، فأين أولياء الأمور؟! النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((ما السُرى يا جابر؟!)) يستنكر عليه أن يخرج في مثل هذا الوقت.

"فأخبرته بحاجتي" نعم إذا كانت هناك حاجة داعية لمثل هذا لا بأس، يعني شباب وشابات يتجولون ويتسكعون في الشوارع في آخر الليل! والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((ما السُرى يا جابر؟!))
"فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت" لأنه صلى إلى جانبه ائتم به -عليه الصلاة والسلام- "فلما فرغت قال: ((ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟))" يعني تلفلف بالثوب، لكنه لم يستر به جميع بدنه، وإن ستر عورته "فقلت: كان ثوب -يعني ضاق- قال: ((إن كان واسعاً فالتحف به))" أي: اجعله لحافاً يشمل جميع البدن إذا كان واسع، لأن تغطية جميع البدن لا شك أنه أكمل، والله -جل وعلا- يقول:
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [(31) سورة الأعراف] ((إذا كان واسع فالتحف به)) غط به جميع بدنك.

((وإن كان ضيقاً فاتزر به)) يعني اجعله إزاراً يغطي أسفل البدن، يغطي العورة إذا كان ضيق، واترك أعالي البدن؛ لأن أمره أخف، إذا كان لا يستوعب، إذا كان لا يستوعب فاتزر به، أي: اجعله إزاراً، فالحديث فيه دليل على وجوب ستر العورة، بل على اشتراطها، مع قوله -جل وعلا-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [(31) سورة الأعراف] أي عند كل صلاة، والزينة اللباس.

ونقل ابن عبد البر الإجماع على أن من صلى عرياناً فصلاته باطلة.

{خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [(31) سورة الأعراف] يوجد بعض الناس من يأتي إلى صلاة الفجر على وجه الخصوص بقميص يستحيي أن يستقبل به أقل ضيوفه شأناً، ويريد أن يمثل بين يدي الرب في أعظم موقف بين يدي الله -جل وعلا- بمثل هذا الثوب، والله -جل وعلا- يقول: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [(31) سورة الأعراف] فلا ينبغي للإنسان ولو صحت الصلاة وأجزأت بالقميص، لكن ينبغي أن نأخذ الزينة في الصلاة.

"رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه مسلم ولفظه: ((إن كان واسعاً فخالف بين طرفيه))" ليشمل الأعلى والأدنى ((وإن كان ضيقاً فاشدده على حقوك)) الحقو: معقد الإزار، وفي حديث غسل بنت النبي -عليه الصلاة والسلام- زينب قالت أم عطية: فأعطانا حقوه، وتريد به الإزار، من باب إطلاق المحل وإرادة الحال.

((فاشدد به على حقوك)) وفي الأحاديث السابقة كلها ما يدل على وجوب ستر العورة، بل على اشتراطها في الصلاة، وأن على الإنسان أن يراعي هذا الأمر في الصلاة وفي خارجها، وأن لا يتساهل به، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.