شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (243)

المقدم:

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: كنا في الحلقة الماضية ولا يزال الحديث في باب قول الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، الحديث رقم 125، 104 بحسب المختصر، توقفنا عند وعدكم المستمع الكريم أن تنقلوا كلامًا لجلال الدين السيوطي-رحمه الله- في آخر تفسير سورة الإسراء.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

 فقال الجلال السيوطي في نهاية تفسيره لسورة الإسراء المكمل لتفسير المحلي الذي عرف فيما بعد بتفسير الجلالين، والمحلي ابتدأ بالكهف وانتهى بتفسير سورة الفاتحة، يعني عاد عليه من الأول، قد يقول قائل: لماذا يبدأ بالكهف ما يبدأ بالفاتحة؟ فقد تكون البداية شفوية للطلاب، ثم يبدأ بالكتابة إذا رأى التأليف، يعني مثل ما صنع الحافظ ابن كثير كان يفسر القرآن، لكن الكتابة بدأت من الأنعام ثم لما أكمل عاد على أوله، وبعض الناس بالنسبة للتفسير يبدأ من أثنائه؛ لأن في أوله طولًا، التفاسير يعني لو بدأ الإنسان بالفاتحة مثلًا وبدأ بالبقرة، والنفس طويل جدًّا عند المفسرين، يمل الطلاب وهو ما يستطيع أن يُجمع ما قيل، يعني الكلام في التفاسير فيه طول.

 يعني لو أراد أن يؤلف تفسيرًا، ثم جمع بين يديه أربعين، خمسين تفسيرًا مثلًا، أو مائة تفسير منها: الطبري في ثلاثين جزءًا، والبقرة يمكن في ستة أجزاء من تحقيق شاكر، ومنها: القرطبي البقرة في ثلاثة مجلدات، ومنها: الرازي البقرة فيها طول شديد، الفاتحة في جزء، ومنها تفسير الألوسي تفسير البحر المحيط يتشتت، لكن لما يضعف نفس المفسرين يستطيع الحصر، ثم هو بعد ذلك إذا أكمل النصف الثاني تشجع على النصف الأول، فهذا ملحظ أحيانًا يسلكه بعض الناس، فأظن أن المحلي ابتدأ بالنصف الثاني لهذا الأمر، لأنه لو بدأ بالنصف الأول يمكن أن يدب إليه اليأس، أو أنه ما طرأ عليه أن يكتب إلا فيما بعد، كما فعل الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى-، يعني الحافظ ابن كثير أول ما بدأ بالأنعام كتابه كان يفسر بدون كتابة، ثم عاد إلى أوله.

يقول السيوطي: خالفت الشيخ -يعني المحلي- في مواقع قليلة يسيرة جدًّا، ما أظنها تبلغ عشرة، ما أظنها تبلغ عشرة مواضع، منها أن الشيخ -يعني المحلي- قال في سورة (ص): والروح جسمٌ لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه، الروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه، وكنت تبعته أولًا فذكرت هذا الحد في سورة الحجر، ثم ضربت عليه يعني مسحته؛ لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85]، الآية.

فهي صريحة في أن الروح من علم الله تعالى، لا نعلمه، فالإمساك عن تعريفها أولى، فالإمساك عن تعريفها أولى، ولذا قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في "جمع الجوامع": والروح لم يتكلم عليها محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-، فنمسك عنها، وعرفنا أن هناك مصنفات في الروح، وأهل التحقيق من أهل العلم إنما يتحدثون عنها باعتبار ما جاء فيها من أخبار، وشيخ الإسلام في "التدمرية" ضرب بها مثلًا، أحد الأمثلة المعروفة.

المقدم: نعم.

بأن روحك التي بين جنبيك.

المقدم: لا تعلم.

لا تعلم كُنهها، فكيف تعرف كنه الخالق -جل وعلا- فقد جاء في الروح مثلًا بعض النصوص أنها إذا خرجت تبعها البصر ، تبحث من هذه الحيثية، لا يبحث من ماهيتها وكيفيتها ولونها وحجمها، أو جسم لطيف أو كثيف، أو محسوس، أو غير، هذا لا داعي له.

يقول العيني قوله: {وَمَا أُوتِيتُمْ} [الإسراء:85]، الخطاب عام، وروي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قال لهم ذلك، يعني قال ذلك لليهود قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ يعني قول الله- جل وعلا-: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، هل هذا خاص بالمخاطبين الذين هم اليهود، أو يعم جميع المخلوقين بمن فيهم النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ قال: «بل نحن وأنتم لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا» يعني في جنب علم الله -جل وعلا-، الأمور نسبية، {مَا أُوتِيتُمْ مِنَ}، ولذا في تراجم أهل العلم الكبار تجد مثل الحافظ الذهبي حينما يترجم لإمام يقول: إنه من بحور العلم، هل معنى هذا أنه خرج عن دائرة قول الله -جل وعلا-: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]؟ أبدًا، ولكنه بالنسبة...

المقدم: بحر من بحور العلم لغيره.

لغيره من المخلوقين، بالنسبة لغيره من المخلوقين، أما بالنسبة لعلم الله -جل وعلا- فما أوتي من العلم إلا قليلًا، نظير ذلك: كيد الشيطان، كيد الشيطان ضعيف بالنسبة لكيد الله -جل وعلا-، و{إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف:28] بالنسبة للمرأة، هل إذا قلنا: كيد الشيطان ضعيف، وكيد المرأة عظيم، أن كيد المرأة أعظم من كيد الشيطان؟

المقدم: لا.

لا، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وليس هذا من وصف المرأة، نعم المرأة لديها قدرة على التأثير على الرجل، لكن يبقى أن كيدها بالنسبة للرجل...

المقدم: عظيم.

عظيم، وكيد الشيطان بالنسبة لكيد الله -جل وعلا- ضعيف، لكن لو قارنا كيد الشيطان بالنسبة لكيد المرأة لوجدناه أعظم من كيدها، وليس في هذا اعتراض على ما جاء في النصوص، إنما الأمور نسبية، فالأمور النسبية تدرس على ضوء ما نُسبت إليه، يعني لو استطردنا قليلًا، وأبعدنا عن موضوعنا، لكن هذا ينفع طلاب العلم، إن شاء الله، لكن لو قيل مثلًا: ابن لهيعة أوثق من الإفريقي، عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، مثلًا.

المقدم: وابن لهيعة معروف بضعف الحديث.

ضعيف، هل يعني هذا أننا نوثقه؟ لا، إنما هو بالنسبة لمن قُرن معه، وإذا قلنا مثلًا: نافع أضعف من سالم، هل معنى هذا أننا نضعف نافعًا؟ لا.

المقدم: أبدًا.

إنما هو بالنسبة لمن قُرن معه، وتسمع ما يقول هنا.

المقدم: ونافع أحاديثه في الصحيحين.

أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، كلام البخاري.

المقدم: نعم.

قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ قال: «بل نحن وأنتم لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا» فقالوا: ما أعجب شأنك! ساعة تقول: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة:269]، وساعة تقول هذا {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] كيف يؤتى الحكمة، ويؤتى خيرًا كثيرًا، وتقول: ما أوتي من العلم إلا قليلًا؟ هذا عدّوه تناقضًا، فنزلت {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } [لقمان:27] يعني إن هذه الكثرة وهذه القلة...

المقدم: نسبية.  

إذا قلت: فقد أوتي خيرًا كثيرًا بالنسبة لما أوتي أمثاله ونظراؤه، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا بالنسبة إلى علم الله- جل وعلا-، قال العيني: وليس ما قالوه بلازم؛ لأن القلة والكثرة يدوران مع الإضافة، يعني هي أمور نسبية إضافية، يدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافًا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافًا إلى ما تحته، واضح؟

المقدم: نعم.

يقول: وليس ما قالوه بلازم؛ لأن القلة والكثرة يدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافًا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافًا إلى ما تحته، نحتاج إلى مثال، الحافظ ابن حجر لما تكلم على كتب علوم الحديث ذكر كتب علوم الحديث في النزهة، ثم جاء الحاكم أبو عبد الله فألف معرفة علوم الحديث، لكنه لم يهذب ولم يرتب، ابن خلدون في مقدمته لما تكلم على علوم الحديث قال: وألف الحاكم أبو عبد الله معرفة علوم الحديث، وهو أول من هذب هذا العلم ورتبه.

المقدم: في الظاهر تناقض.

نعم بعضهم يقول: ابن خلدون ما دخله في الموضوع، نحن ننقل كلام ابن حجر، لكن ما فيه داعي نضرب كلام أهل العلم ببعض، نقول: أمور إضافية نسبية، الحاكم بالنسبة لمن تقدمه أول من هذَّب ورتَّب، لكن لو تقارن كتاب الحاكم بكتاب الخطيب مثلًا، دعنا من الخطيب؛ لأنه بعده، الرامهرمزي مثلًا المحدث الفاصل، تجد أن الحاكم أكثر ترتيبًا وتهذيبًا وتبويبًا من الرامهرمزي، لكن لما تنسب كتاب الحاكم إلى كتاب ابن الصلاح مثلًا، إلى من جاء بعده كابن الصلاح، تجد أنه لم يهذب ولم يرتب، وإذا نسبت ابن الصلاح إلى ما جاء بعده مثل النخبة مثلًا، تجد أيضًا كلام ابن الصلاح أيضًا فيه تقديم وتأخير وأشياء ترتيبها يحتاج إلى إعادة نظر، فالأمور إضافية نسبية، فيوصف الشيء بالقلة مضافًا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافًا إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خيرٌ كثير في نفسها، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة.

 وقيل: هو خطاب لليهود خاصة؛ لأنهم قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: قد أوتينا التوراة فيها الحكمة، وقد تلوت {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } [البقرة:269]، فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله.

 قوله: {إِلَّا قَلِيلًا} يقول العيني: هو استثناء من العلم أي: إلا علمًا قليلًا، أو من الإيتاء أي إلا إيتاءً قليلًا، أو من الضمير أي: إلا قليلًا منكم، أي ما أوتي منكم من العلم إلا نفر يسير، يعني عدد قليل، وكأن الاستثناء مع العلم، الاحتمال الأول الذي أورده العيني.

في شرح ابن بطال قال المهلب: هذا يدل على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًّا ولا غيره، أراد الله تعالى أن يختبر بها خلقه، فيوقفهم على العجز عن علم ما لا يدركوا؛ حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه، ألا تسمع قوله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255]، فعلم الروح مما لم يشأ الله تعالى أن يطلع عليه أحدًا من خلقه، لا شك أن وجود مثل هذا لا شك أن فيه امتحانًا للمكلفين، وكذلك.. وقل مثل هذا في وجود المتشابه، وجود المتشابه في القرآن لا شك أنه امتحان للمكلفين، إذا استرسل المكلف وبحث عن أمور لا يدركها لا يستطيع الوصول إلى حقائقها بعقله، لا شك أنه يزيغ، فالذين يتتبعون المتشابه هم أهل الزيغ كما جاء في الأثر: "فاحذروهم"، والذي يقول: آمنا، هذا هو الراسخ في العلم، لا يعني أن الإنسان لا يسمى راسخًا إلا إذا استطاع أن يفهم كل شيء، ويجيب عن كل شيء، هناك أمور لا بد فيها من التسليم.

 فالروح مثلًا لا يمكن أن يُوصل إلى حقيقتها، مهما بحث الإنسان، ومهما بذل من جهد، ومهما أحاط من علم، هناك أمور لا يدركها عقل الإنسان؛ لأنه لا وسيلة إلى إدراكها، يعني مثل كون الشمس تسير في فلكها على مدى أربع وعشرين ساعة، وكونها تسجد كل ليلة تحت العرش ماذا يعني هذا؟ هل نستطيع أن نقول: هذا ليس بحقيقة، والحديث الصحيح لابد أن نسلم، هناك أمور لابد فيها من التسليم، ولذا بث المناظرات بين أهل الحق مع غيرهم على عامة الناس هذا لاشك أنه يوجد حرجًا كبيرًا بالنسبة لعامة المسلمين، قد يقف العالم يُسأل عن مسألة ويقف، لا يدري كنهها، ولا يستطع الوصول إليها بما لديه من وسائل التحصيل، لا يمكن الوصول إليها، ومع ذلك لابد أن يقف.

يعني إذا سُئل عن مثل هذا الحديث ماذا يقول؟ يقول: هكذا جاء الخبر {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس:38] وفي قراءة "لا مستقر لها"، المقصود أنها تسجد تحت العرش في الحديث الصحيح، يعني لو ضربنا مثالًا ثانيًا كما يقرر شيخ الإسلام -رحمه الله- في حديث النزول، فحديث النزول متواتر، ولا ينكره إلا مبتدع، ومع ذلك يقول شيخ الإسلام: إنه لا يخلو منه العرش، فمثل هذا لا بد من التسليم، وأهل العلم يقررون أن قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، لا بد أن يقول الإنسان في النهاية: سمعنا وأطعنا. هذا سبيل الراسخين في العلم.

مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لذكر الآية في الترجمة، باب قول الله -عز وجل- {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] والحديث في الآية، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء:85] إلى آخره، الآية مذكورة، الآية المترجم بها مذكورة في الحديث المترجم عليه، والحديث يبين سبب نزولها مع ما فيها من التنبيه على أن علم الروح علمٌ قد استأثر الله به، ولم يطلع عليه أحدًا كما قد ذكرنا.

 بينا متن الحديث فيه يقول ابن مسعود «بينا أنا أمشي» في النهاية لابن الأثير: أصل بينا بينَ فأشبعت الفتحة فصارت ألفًا، يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمانٍ بمعنى المفاجأة، ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملةٍ من فعلٍ وفاعل، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، يقول ابن الأثير: والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا، يعني إذا اقترن جوابهما بإذ وإذا...

المقدم: خلاف الأفصح.

خلاف الأفصح، وإن كان فصيحًا، لكن أفصح منه التجرد، وقد جاءا في الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرٌ، مجردًا من إذ وإذا، وتقول: بينا زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرٌ، وتقول: بينا زيد جالسٌ إذا دخل عليه عمر، لكن الأفصح التجرد، قالوا: ومنه قول الحُرَقة في كلام ابن الأثير في النهاية يقول: ومنه قول الحرقة بنت النعمان:

بينا نسوس الناس والأمر أمرنـا

إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

هكذا الدنيا لا تثبت على حال، وجبلت على هذا، وهم ساسة يسوسون الناس..

المقدم: صاروا مسوسين.

لكن صاروا..  في النونية في رثاء الأندلس بينما هم، بينما ماذا؟

بالأمس كانوا ملوكًا في أسرتهم

واليوم هـم في بلاد الكفـر عُبدانُ

هكذا كفر النعم، والإعراض عن دين الله هذه النهاية، وهذه سنن إلهية لا تتغير ولا تتبدل، والله المستعان. «أنا أمشي» جملة من مبتدأ وخبر، أنا أمشي مبتدأ وخبر في محل المضاف إليه؛ لأن بينا تضاف، تضاف إلى جملة من فعل وفاعل، أو من مبتدأ وخبر، كما هنا كما تقدم في كلام ابن الأثير. «مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» المعية كما هو معروف تشعر بالتبعية.

 «في خِرب»، في خِرَب بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء جمع خربة، ويقال بالعكس (هذا كلام ابن حجر)، خِرب بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء جمع خربة، ويقال بالعكس، والخرِب ضد العامر، ووقع في موضعٍ آخر: بفتح المهملة وإسكان الراء بعدها مثلثة، في حرث بدل خرب، في عمدة القاري ننتبه إلى كلام ابن حجر، وكلام العيني، في عمدة القاري: خِرَب بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء، وفي آخره باء موحدة جمع خربة، جمع خربة، ويقال بالعكس، أعني الخاء وكسر الراء، هكذا ضبط بعضهم أخذًا عن بعض الشارحين، مسألة خَرِب وخرَب، هذا الأول مفتوح، والثاني مكسور، أو العكس، هل هذا في الجمع، وهذا في المفرد أو العكس؟ قال: خِرب بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء، وفي آخره باء موحدة خرِبة، ويقال بالعكس، أعني الخاء وكسر الراء هكذا ضبط بعضهم أخذًا عن بعض الشارحين، قلت: هذا مخالف لما قاله أهل العربية، هذا مخالف لما قاله أهل اللغة، فقال الجوهري: الخراب ضد العمارة، وقد خِرب الموضع بالكسر فهو خِرب، قد خَرِب الموضع بالكسر فهو خربٌ، وفي العباب: وقد خرب الموضع بالكسر فهو خربٌ، ودار خربة والجمع خرَب، خَرِب ودار خَرِبة والجمع خِرَب، مثال: كلمة وكلم، خَرِب، خربة جمعها خَرِب، نقول مثل: كلمة وكلم، وخرب الدار وأخربها وخربها، فعلم من هذا أن الخرب بفتح الخاء وكسر الراء تارة تكون مفردة كما يقال: مكان خَرِب، وتارة يكون جمعًا كما يقال: أماكن خَرِب، جمع خربة، وأما خِرَب بكسر الخاء وفتح الراء، فليس بجمع خربة كما زعم هؤلاء الشارحون، وإنما جمع خربة، خرب ككلمة وكلم، كما ذكره الصاغاني.

 وقال القاضي: رواه البخاري في غير هذا الموضع: حرث، بالحاء المهملة والثاء المثلثة، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه، وقال بعضهم: هو الصواب.

الآن ما الفرق بين كلام العيني وكلام ابن حجر؟ ننظر ونسمع إلى كلام صاحب المبتكرات، يقول: بعد أن نقل كلام العيني قلت: راجعت ابن حجر، فإذا عبارته هكذا قوله: خِرَب بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء جمع خربة، ويقال بالعكس، والخرب ضد العامر، ووقع في موضع آخر بفتح المهملة وإسكان الراء بعدها مثلثة، يعني حرث، فظهر أن النزاع في لفظ خرب، بفتحٍ فَكَسْر، هو هل جمع خربة أو لا؟ فالعيني يمنع ذلك، يقول: فرجعنا إلى كتب اللغة، فإذا ابن الأثير يقول في نهايته ما نصه في حديث بناء مسجد المدينة كان فيه نخل، كان فيه نخل وقبور المشركين وخِرَب، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخِرَب فسويت، فالخرب يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الراء جمع خَربة كـ(نِقَم) جمع نقمة ونقم؛ لأنها خربة، ويكون قولهم نقمة هذه تخفيف، ويجوز الآن فتح الراء بكسر الخاء وفتح الراء جمع خربة، لعله نَقِمَة ونقم، ويجوز أن يكون جمع خِرْبة بسكون الراء على التحقيق كنعمة ونِعم، ويجوز أن يكون الخَرِب بفتح الخاء وكسر الراء كنبقة ونبق، وكلمة وكلم.

 والقاموس يقول: والخرِبة كـ(فرِحَة) موضع الخراب، جمعه خربات، وخِرَب، وخَرِب ككتف، وفي التاج، يعني ككلمات، وكلم جمع كلمة، ثم نقل ما نقلناه عن ابن الأثير، فظهر أن ما اقتصر عليه العيني ليس بصواب، وأن ما ضبط به ابن حجر صواب أيضًا، ما اقتصر عليه العيني ليس بصواب، وأن ما ضبط به ابن حجر صواب أيضًا، وأن مرده قبل المراجعة تقصير مبني على الخفة وعدم الرزانة، المسألة ما تسلم من شيء في النفس، لا من المتعقب ولا المتعقب عليه، ومع ذلك كلهم ممن يخطئ ويصيب، والإصابة في كلامهم كثيرة، ولله الحمد.

 في حديث عمر بن سعيد الأشدق الذي تقدم في حديث أبي شُريح حينما كان يجهز الجيوش لغزو مكة، وقال له أبو شريح الخزاعي، ذكر له حديثًا ما، مكة لها... أن الله حرمها منذ خلق السماوات والأرض قال عمر بن سعيد الأشدق: أنا أعلم منك يا أبا شريح، لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدمٍ ولا فارًّا بِخَرْبة، الخرْبة بفتح المعجمة وإسكان الراء، ثم الموحدة يعني السَّرِقة، كذا ثبت تفسيرها في رواية المستملي، وقال ابن بطال: الخُرْبة بالضم الفساد، وبالفتح السرقة، وتقدم شرحه في شرح الحديث.

المقدم: أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.

 ونستكمل بإذن الله ما تبقى من ألفاظ هذا الحديث في حلقة قادمة، وأنتم على خير. أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة، شكرًا لطيب متابعتكم.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.