شرح صحيح البخاري - كتاب الصلاة (42)

 
 
 
 
 
 

تعليق على تفسير سورة الأعراف من أضواء البيان (02)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة الأعراف من أضواء البيان (02)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير أضواء البيان
تاريخ النشر: 
خميس 22/ Dhu al-Qada/ 1440 8:00 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله تعالى-: "قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف:12].

قالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، وَ(لَا) صِلَةٌ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي سُورَةِ (ص)".

الصلة يقول: (لا) صِلة هذا أدب مع القرآن، وإلا فأهل العربية يقولون: زائدة؛ ولكون الصِّلة لا محل لها من الإعراب شبَّهوها بها من هذه الحيثية قالوا: صِلة كأنها صِلة موصول لا محل لها من الإعراب.

وعلى كل حال كونها صِلة متعين؛ لأنها ذُكِرت وجاء عدم ذِكرها في القرآن نفسه، وجاء في قوله –جلَّ وعلا-: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75] (لا) تعين أن تكون صِلة؛ لأنه قال بعد ذلك: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ} [الواقعة:76] قَسم مُثبت ومؤكد، {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة:76].

ولذا يُذكر عن الحسن البصري قراءة حذف (لا) وإثبات لام التأكيد {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75] جعلها لام مؤكِّدة بدلًا من لا.

 وعلى كل حال في الموضع الذي معنا {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف:12] وفي سورة ص: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص:75] لو كان الأصل ثبوت (لا) لقال عنه أهل العربية ممن يُقر بالمجاز قال: في الآية الثانية مجاز الحذف، كما قالوا في قوله –جلَّ وعلا- في سورة الكهف: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف:72]، وفي الآية الثانية {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ} [الكهف:75] قالوا: في الآية مجاز الحذف.

وعل كل حال إثبات المجاز ونفيه مسألةٌ معروفة عند أهل العلم، والخلاف فيها مشهور، والمحققون لا يرون ثبوت المجاز لاسيما في النصوص في الكتاب والسُّنَّة؛ لأنهم يستدلون عليه بجواز نفيه، وليس في كلام الله وكلام رسوله ما يجوز نفيه.

وهذه المسألة تكلم عليها الشيخ في (دفع إيهام الاضطراب) وهو معنا الكتاب.

"وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ (ص) : {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] الآية، وَقَدْ أَوْضَحْنَا زِيَادَةَ لَفْظَةِ (لَا) وَشَوَاهِدَ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ، فِي كِتَابِنَا (دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ)، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى".

نسمع ما قاله الشيخ في هذه المسألة من الكتاب المشار إليه.

من أول السورة اقرأ.

عكس ما ذُكِر هنا هو من كلام عامي يقرأ قراءةً محرَّفة وقد سمعته يؤم الناس {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8] ماذا قرأها؟

(ثم لا تُسألن) قلب للمعنى يقرأها في الصلاة.

"سُورَةُ الْبَلَدِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يَتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِهَا أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا يُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين:3] والجواب من أربعة وجوه:

الْأَوَّلُ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّ (لَا) هُنَا صِلَةٌ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهَا رُبَّمَا لَفَظَتْ بلفظة (لَا) مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الْكَلَامِ وَتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ} [طه:92-93] يَعْنِي أَنْ تَتْبَعَنِي، وَقَوْلِهِ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف:12]، أَيْ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.

وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ (ص): {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ} [ص:75] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد:29]، أَيْ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء:65]، أَيْ فَوَرَبِّكَ، وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} [فصلت:34] أَيْ وَالسَّيِّئَةُ وَقَوْلُهُ: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95] عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:109]، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا} [الأنعام:151] عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ الْمَاضِيَةِ.

وَكَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:

فَلا أَلُومُ الْبِيضَ أَلَّا تَسْخَرَا


 

لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمِطَ الْقَفَنْدَرَا


يَعْنِي أَنْ تَسْخَرَ.

وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَتَلْحِينَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لَا أُحِبَّهُ


 

وَلِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ


يَعْنِي أَنْ أُحِبَّهُ وَ(لَا) زَائِدَةٌ.

وَقَوْلِ الْآخَرِ:

أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ


 

نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودَ قَاتِلُهْ


يَعْنِي أَبَى جُودُهُ الْبُخْلَ، وَ(لَا) زَائِدَةٌ عَلَى خِلَافٍ فِي زِيَادَتِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ الْأَخِيرِ، وَلَاسِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ (الْبُخْلِ) بِالْجَرِّ؛ لِأَنَّ (لَا) عَلَيْهَا مُضَافٌ بِمَعْنَى لَفْظَةِ لَا، فَلَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى رِوَايَةِ الْجَرِّ.

وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

فَلَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِيِّ


 

لَا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنَّى أَفِرْ


يَعْنِي وَأَبِيكِ.

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ لِزِيَادَةِ (لَا) فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْجَحْدِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ


 

وَالْأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ


يَعْنِي وَعُمَرُ، وَ(لَا) صِلَةٌ.

وَأَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ لِزِيَادَتِهَا قَوْلَ الْعَجَّاجِ:

فِي بِئْرِ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ


 

بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ جَشَرْ


فَالْحُورُ الْهَلَكَةُ يَعْنِي فِي بِئْرٍ هَلَكَةٍ، وَ(لَا) صِلَةٌ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ.

وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ لِزِيَادَتِهَا قَوْلَ سَاعِدَةَ الْهُذَلِيِّ:

أَفَعَنْكَ لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ


 

غَابَ تَسَنُّمُهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ


وَيُرْوَى أَفَمِنْكَ، وَتَشَيُّمُهُ بَدَلَ أَفَعَنْكَ، وَتَسَنُّمُهُ، يَعْنِي أَعَنْكَ بَرْقٌ وَ(لَا) صِلَةٌ.

وَمِنْ شَوَاهِدِ زِيَادَتِهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:

تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ


 

وَكَادَ صَمِيمُ الْقَلْبِ لَا يُقَطَّعُ


يَعْنِي كَادَ يَتَقَطَّعُ.

وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ أَبِي عُبَيْدَةَ لِزِيَادَتِهَا بِقَوْلِ الشَّمَّاخِ:

أَعَائِشُ مَا لِقَوْمِكِ لَا أَرَاهُمْ


 

يَضِيعُونَ الْهِجَانَ مَعَ الْمُضِيعِ


فَغَلَطٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ (لَا) فِي بَيْتِ الشَّمَّاخِ هَذَا نَافِيَةٌ لَا زَائِدَةٌ، وَمَقْصُودُهُ أَنَّهَا تَنْهَاهُ عَنْ حِفْظِ مَالِهِ مَعَ أَنَّ أَهْلَهَا يَحْفَظُونَ مَالَهُمْ، أَيْ: لَا أَرَى قَوْمَكِ يُضَيِّعُونَ مَالَهُمْ، وَأَنْتِ تُعَاتِبِينَنِي فِي حِفْظِ مَالِي.

وَمَا ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ مِنْ أَنَّ لَفْظَةَ (لَا) لَا تَكُونُ صِلَةً إِلَّا فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْجَحْدِ، فَهُوَ أَغْلَبَيٌّ لَا يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِدَلِيلِ بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لَا جَحْدَ فِيهَا، كَهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقَوْلِ: بَأَنَّ (لَا) فِيهَا صِلَةٌ، وَكَبَيْتِ سَاعِدَةَ الْهُذَلِيِّ.

وَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ زِيَادَةِ (لَا) فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ (لَا) نَفْيٌ لِكَلَامِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَوْلُهُ: {أُقْسِمُ} [البلد:1] إِثْبَاتٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي".

لأنه يحتاج إلى تقدير بعد (لا) ثم تستأنف الكلام المثبت، مثل في آية النمل {أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل:25] ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيحتاج إلى تقدير.

"وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:2]؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:2] يَدُل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْإِثْبَاتَ الْمُؤْتَنَفَ بَعْدَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: {أُقْسِمُ} [القيامة:2]، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا حَرْفُ نَفْيٍ أَيْضًا".

نفي القسم بالنفس اللوامة مُتجه، فهي على بابها، فلا يحتاج إلى تقدير كلام للمشركين، ثم نفيه.

"وَوَجْهُهُ أَنَّ إِنْشَاءَ الْقَسَمِ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ، فَهُوَ نَفْيٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُعَظَّمُ بِالْقَسَمِ، بَلْ هُوَ نَفْسُهُ عَظِيمٌ أَقْسَمَ بِهِ أَو لا".

أُقسِم به أو لا هو عظيمٌ في نفسه.

طالب: ...........

أو لم يُقسَم به.

طالب: ...........

وضع شدة؟

طالب: لا فتحتين.

هو عظيم سواءٌ أُقسِم به أو لم يُقسَم به.

"وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَصَاحِبُ رَوْحِ الْمَعَانِي، وَلَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ بُعْدٍ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّامَ لَامُ الِابْتِدَاءِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُهَا، وَالْعَرَبُ رُبَّمَا أَشْبَعَتِ الْفَتْحَةَ بِأَلِفٍ وَالْكَسْرَةَ بِيَاءٍ وَالضَّمَّةَ بِوَاوٍ".

هذا ما يُنسب إلى الحسن، مثل قراءة أبي الحسن بحذف اللام؟

طالب: ...........

بحذف الألف مثل ما نُقِل عن الحسن.

"فَمِثَالُهُ فِي الْفَتْحَةِ قَوْلُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَقَّاصٍ الْحَارِثِيِّ:

وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ


 

كَأَنْ لَمْ تَري قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيًا


فَالْأَصْلُ كَأَنْ لَمْ تَرَ، وَلَكِنَّ الْفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ.

وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:

إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ


 

وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِي


فَالْأَصْلُ تَرَضَّهَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَجْزُومٌ بِلَا النَّاهِيَةِ".

في قوله –جلَّ وعلا-: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} [يوسف:90] بالإشباع.

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي


هذا إشباعٌ للأصل أنه مجزوم بدون ياء.

"وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ فِي مُعَلَّقَتِهِ:

يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ


 

زَيَّافَةٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ


فَالْأَصْلُ يَنْبُعُ يَعْنِي أَنَّ الْعَرَقَ يَنْبُعُ مِنْ عَظْمِ الذِّفْرَى مِنْ نَاقَتِهِ، فَأَشْبَعَ الْفَتْحَةَ فَصَارَ يَنْبَاعُ عَلَى الصَّحِيحِ.

وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:

قُلْتُ وَقَدْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَالِ


 

يَا نَاقَتِي مَا جُلْتِ مِنْ مَجَالِي


فَقَوْلُهُ: (الْكَلْكَالِ) يَعْنِي: الْكَلْكَلَ، وَلَيْسَ إِشْبَاعُ الْفَتْحَةِ فِي هَذِهِ الشَّوَاهِدِ مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ؛ لِتَصْرِيحِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ بِأَنَّ إِشْبَاعَ الْحَرَكَةِ بِحَرْفٍ يُنَاسِبُهَا أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَسْمُوعٌ فِي النَّثْرِ كَقَوْلِهِمْ: كَلْكَالٌ، وَخَاتَامٌ، وَدَانَاقٌ، يَعْنُونَ: كَلْكَلًا وَخَاتَمًا وَدَانَقًا.

وَمِثْالُهُ فِي إِشْبَاعِ الضَّمَّةِ بِالْوَاوِ، قَوْلُهُمْ: بُرْقُوعٌ وَمُعْلُوقٌ، يَعْنُي: بُرْقُعًا وَمُعَلَّقًا.

وَمِثَالُ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ بِالْيَاءِ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ:

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي


 

بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادٍ


فَالْأَصْلُ يَأْتِكَ لِمَكَانِ الْجَازِمِ، وَأَنْشَدَ لَهُ الْفَرَّاءُ:

لَا عَهْدَ لِي بِنِيضَالِ


 

أَصْبَحْتُ كَالشَّنِّ الْبَالِ


وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:

كَأَنِّي بِفَتْخَاءِ الْجَنَاحَيْنِ لَقْوَةٍ


 

عَلَى عَجَلٍ مِنِّي أُطَأْطِئُ شِيمَالِي


وَيُرْوَى: (صَيُودٍ مِنَ الْعِقْبَانِ طَأْطَأْنَ شِيمَالِي).

وَيُرْوَى: (دَفُوفٍ مِنَ الْعِقْبَانِ) إلى آخره.

وَيُرْوَى (شِمْلَالِ) بَدَلَ شِيمَالِ، وَعَلَيْهِ فَلَا شَاهِدَ فِي الْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ الْيَاءِ مَشْهُورَةٌ، وَمِثلُ إِشْبَاعِ الضَّمَّةِ بِالْوَاوِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هَجَوْتُ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتُ مُعْتَذِرًا


 

مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُ وَلَمْ تَدَعِ


وَقَوْلُ الْآخَرِ:

اللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّا فِي تَلَفُّتِنَا


 

يَوْمَ الْفِرَاقِ إِلَى إِخْوَانِنَا صُوَرُ


وَإِنَّنِي حَيْثُمَا يَثْنِي الْهَوَى بَصَرِي


 

مِنْ حَيْثُمَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُورُ


يَعْنِي فَأَنْظُرُ، وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:

لَوْ أَنَّ عَمْرًا هَمَّ أَنْ يَرْقُودَا


 

فَانْهَضْ فَشُدَّ الْمِئْزَرَ الْمَعْقُودَا


يَعْنِي: يَرْقُدَ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قِرَاءَةُ قُنْبُلٍ: (لَأُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) بِلَامِ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْبَزِّيِّ وَالْحَسَنِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى".

وعلى هذا لا يتجه القول بأنها صِلة، كونها صِلة يُنافي كونها مؤكِّدة.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12] ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ إِبْلِيسَ -لَعَنَهُ اللَّهُ- خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إِبْلِيسَ هُوَ الْجَانُّ الَّذِي هُوَ أَبُو الْجِنِّ، فَقَدْ زَادَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَوْصَافًا لِلنَّارِ الَّتِي خَلَقَهُ مِنْهَا.

مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهَا نَارُ السَّمُومِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر:27].

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهَا خُصُوصُ الْمَارِجِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن:15]، وَالْمَارِجُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ فِيهِ.

وَسُمِّيَتْ نَارَ السَّمُومِ؛ لِأَنَّهَا تَنْفُذُ فِي مَسَامِّ الْبَدَنِ؛ لِشِدَّةِ حَرِّهَا، وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرْفُوعًا-: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» وَرَوَاهُ عَنْهَا أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ".

يعني كونه خُلِق من مارجٍ من نار لا ينفي الإطلاق في كون الجن خلقوا من نار؛ لأن هذا جزءٌ منه، ويصح الإطلاق حينئذٍ.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف:13].

بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ عَامَلَ إِبْلِيسَ اللَّعِينَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، حَيْثُ كَانَ قَصْدُهُ التَّعَاظُمَ وَالتَّكَبُّرَ، فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ صَاغِرًا حَقِيرًا ذَلِيلًا، مُتَّصِفًا بِنَقِيضِ مَا كَانَ يُحَاوِلُهُ مِنَ الْعُلُوِّ وَالْعَظَمَةِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف:13]، وَالصَّغَارُ: أَشَدُّ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَقَوْلِهِ: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا} [الأعراف:18]، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَيُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ لَا يَنَالُ مَا أَرَادَ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ، إِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ نَقِيضُ ذَلِكَ".

هذا مُجرَّب حتى في حياة الناس، إذا حضر الإنسان في مجلس، ورأى أن له شأنًا بينهم، وتوقع أنهم يُقدمونه، فالذي يحصل في الغالب خلاف ذلك؛ ولذلك خُلق المؤمن التواضع، وألا يرى لنفسه حقًّا، ولا يرى له عن غيره رفعة ومكانة، فإن رأى ذلك عُوقِب بنقيض قصده.  

"وَصَرَّحَ تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر:56]، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَثِيرًا مِنَ الْعَوَاقِبِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنِ الْكِبْرِ-أَعَاذَنَا اللَّهُ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْهُ- فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِصَرْفِ صَاحِبِهِ عَنْ فَهْمِ آيَاتِ اللَّهِ، وَالِاهْتِدَاءِ بِهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:146] الْآيَةَ".

وبهذا استدل السقَّاف في رسالةٍ له في العلم وطلبه وآدابه الرد على من اتهم شيخ الإسلام بالكِبر، بعض من ترجم له قال: إنه يترفع في بعض المواضع، ويرى نفسه، قال السقَّاف: وهذا الكلام باطل؛ لأن الله –جلَّ وعلا- قال: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف:146]، وشيخ الإسلام القرآن على طرف لسانه وعلى أسلة بنانه، لو كان متكبِّرًا ما صار بهذه.

أحيانًا يُشم من بعض التعبيرات عند ابن القيم أن فيها نوع رؤية للنفس والعلم الذي يتوصَّل إليه ويوضحه ويُبينه، فتجده يُطلق بعض العبارات يحث على الحرص على فهم هذا الكلام وحفظه، ثم يقول: علَّك ألا تجده في مصنفٍ آخر ألبتة، ويقول: هذا ما يوجد عند غيري، وليس هذا مراده، وإنما مراده حفز الهِمم، وحث الطلاب –طلاب العلم- على أن يُعنوا بهذا الكلام الذي تعب عليه هذا الإمام، ولا يلزم منه أن يترفع به أو يتكبر على غيره.

"وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الثَّوَاءِ فِي النَّارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60]، وَقَوْلِهِ: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات:35].

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْلِهِ: {لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل:23]، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى اسْتَعَاذَ مِنَ الْمُتَّصِفِ بِهِ وَلَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا مِمَّا هُوَ شَرٌّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر:27] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَتَائِجِهِ السَّيِّئَةِ، وَعَوَاقِبِهِ الْوَخِيمَة. وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْآيَةِ: أَنَّ الْمُتَوَاضِعَ لِلَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- يَرْفَعُهُ اللَّهُ.

وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى مَكَانَةِ الْمُتَوَاضِعِينَ لَهُ عِنْدَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان:63]".

وقد ذم السلف التماوت في المشي، وهذا ليس من هذا، التماوت: إظهار النفس بخلاف ما هي عليه، بخلاف من جُبِلوا على التواضع، والمتماوت ليُري الناس أنه متواضع، وقلبه بخلاف ذلك.

"وَقَوْلِهِ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ».

 وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالْبَدْرِ تُبْصِرُ وَجْهَهُ


 

عَلَى صَفَحَاتِ الْمَاءِ وَهُوَ رَفِيعُ


وَلَا تَكُ كَالدُّخَّانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ


 

إِلَى صَفَحَاتِ الْجَوِّ وَهُوَ وَضِيعُ


يقول:

تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالْنجم لاح لناظرٍ


 

عَلَى صَفَحَاتِ الْمَاءِ وَهُوَ رَفِيعُ


وَلَا تَكُ كَالدُّخَّانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ


 

إِلَى طبقات الْجَوِّ وَهُوَ وَضِيعُ


المعنى واحد.

"وَقَالَ أَبُو الطِّيبِ الْمُتَنَبِّي:

وَلَوْ لَمْ يَعْلُ إِلَّا ذُو مَحَلٍّ


 

تَعَالَ الْجَيْشُ وَانْحَطَّ الْقَتَامُ


طالب: ...........

"تَعَالَ الْجَيْشُ" ترفَّع يعني الجيش، يعني كان أوساط الناس ومن دونهم لا قيمة لهم في الحياة، "وَلَوْ لَمْ يَعْلُ إِلَّا ذُو مَحَلٍّ" كان علية القوم ورؤساؤهم لهم المكانة كلها، وأولئك ليس لهم شيء "وَانْحَطَّ الْقَتَامُ".

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمَنْظَرِينَ} [الأعراف:14-15].

لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ الْغَايَةَ الَّتِي أَنْظَرَهُ إِلَيْهَا، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي (الْحِجْرِ) وَ(ص)، مُبَيِّنًا أَنَّ غَايَةَ ذَلِكَ الْإِنْظَارِ هُوَ يَوْمُ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ؛ لِقَوْلِهِ تعالى: فِي سُورَةِ (الْحِجْرِ) وَ(ص): {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر:37-38]، فَقَدْ طَلَبَ الشَّيْطَانُ الْإِنْظَارَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، وَقَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْإِنْظَارَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ.

وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: الْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ النَّفْخَةِ الْأُولَى، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى".

لأنها تنتهي مهمته، وهي إغواء الناس، إذا نُفِخ في الصور انتهت المهمة.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:17] هَذَا الَّذِي ذَكَرَ إِبْلِيسُ أَنَّهُ سَيُوقِعُ بَنِي آدَمَ فِيهِ، قَالَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمْ سَيُطِيعُونَهُ فِيمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ حَتَّى يُهْلِكَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي سُورَةِ (سَبَأٍ) أَنَّ ظَنَّهُ هَذَا صَدَقَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ} [سبأ:20] الْآيَةَ، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف:18].

بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ قَالَ لِإِبْلِيسَ: اخْرُجْ مِنْهَا فِي حَالِ كَوْنِكِ مَذْمومًا مَدْحُورًا".

مذءوم.

طالب: .............

"فِي حَالِ كَوْنِكِ مَذْءومًا مَدْحُورًا، وَالْمَذْءُومُ: الْمَعِيبُ".

"وَالْمَذْءُومُ: الْمَعِيبُ أَوِ الْمَمْقُوتُ، وَالْمَدْحُورُ: الْمُبْعَدُ عَنِ الرَّحْمَةِ، الْمَطْرُودُ، وَأَنَّهُ أَوْعَدَهُ بِمَلْءِ جَهَنَّمَ مِنْهُ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص:84-85].

وَقَوْلِهِ: {قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء:63-64]، وَقَوْلِهِ: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعراء:94-95]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف:27].

حَذَّرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَنِي آدَمَ أَنْ يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْهِمْ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُ حَذَّرَ آدَمَ مِنْ مَكْرِ إِبْلِيسَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ، وَلَمْ يُنْجِهِ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِنْ عَدُوِّهِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه:117]".

النفس والشيطان مصدر لإغواء كثير من الناس إلا من عصمه الله -جلَّ وعلا-.

وخالف النّفس والشّيطان واعصهما


 

وإن هما محضاك النّصح فاتّهم


يأتي إبليس ويُزين لهما ويُسوِّل لهما، جاء إلى آدم وزوجته {وَقَاسَمَهُمَا} [الأعراف:21] حلف لهما ما مُنِعا من الشجرة، مُنِعا من الأكل من الشجرة إلا لئلا يكونا ملكين، أو يكونا من الخالدين، فهما صدَّقاه لاسيما وأنه أقسم، فهو رأس الكذب، وحامل لوائه، ومع ذلك النفس تضعف والشيطان يُسوَّل، فيُستجاب له، ولكن من عصمه الله –جلَّ وعلا- من الشيطان وشِركه فهو المعصوم، وإلا فكثيرٌ من الناس {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]، وعلى رأس الغاوين المغوين الشيطان.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} [الأعراف:28] الْآيَةَ.

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً، اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّهَا حَقٌّ وَصَوَابٌ، بِأَنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ يَفْعَلُونَهَا، وَأَنَّهُمْ مَا فَعَلُوهَا، إِلَّا لِأَنَّهَا صَوَابٌ وَرُشْدٌ.

وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ هَذَا وَاقِعٌ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف:23]".

وهذا سببه التقليد للآباء والأجداد وما كانوا عليه من غير نظرٍ ولا روية؛ ولذا حتى في مقلدة المذاهب من يقرب من الاستدلال بهذه الآية، ويتبع المتبوعين ولو كانوا علماء، ويُقلدهم من غير نظرٍ في أقوالهم التي استدلوا بها، فيأخذون الأقوال من غير نظرٍ في الأدلة، وهذا هو التقليد المذموم؛ حتى صرَّح بعضهم بتحريم الاجتهاد، حتى حرَّم بعضهم الخروج عن أقوال الأئمة ولو خالفت الكتاب والسُّنَّة، صرَّح به الصاوي وغيره، قال: ولا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة ولو خالفت الكتاب والسُّنَّة وقول الصحابي.

وذهب إلى قولٍ أخبث من هذا مؤيدًا قوله بأن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر، يعني أغمض واتبع ما عليك من أحد، لكن أين يذهب بك هذا الذي تبعته؟ قد ينجو وتهلك؛ لأنه هو وصل إلى هذا القول باجتهاد، ولكنه لم يُصب في اجتهاده فخالف، لكن أنت هل قصدت اتباع الحق أو قصدت اتباع الشخص؟ وإلا إذا أخطأ الإمام وهو ممن تبرأ الذمة بتقليده، وتابعه من غير أهل النظر والاجتهاد قلنا: تبرأ الذمة بتقليد هذا الإمام، والمقلِّد ما عليه، لكن أن يقصد مثل ما في كلام الصاوي: لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة؛ لأن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر، إذا لم تأخذ بالظواهر...

نعم من أدوات الاجتهاد، ومن مؤهلات النظر أن تنظر فيما قرره الأئمة في طريقة التعامل مع النصوص؛ لأنه قد يرد نصوص متعارضة مختلفة تحتاج إلى إجالة نظر على حسب ما قرره أهل العلم وقعَّدوه وحرروه في كيفية التعامل مع النصوص المتعارضة، وإلا فالعامي في الأصل فرضه التقليد، يعني ليست لديه أهلية نظر ولا اجتهاد تُلزمه بما لا يُطيق، ولا يستطيع الوصول إليه ما يمكن، لكن عليه أن يُحضر نية الاتباع، وأنه إذا وُجِد عنده إمامان كلاهما من أهل النظر والاجتهاد، وقد تخالفت أقوالهم، اختلفت، وتعارضت فعليه أن يُعيد النظر في طريقته، ويسأل ويتأكد، وما دليل هذا؟ وإلا فتكليفه بمعرفة الأدلة والوصول إليها بنفسه تكليف بما لا يُمكن، بما لا يُطاق.

طالب: ..........

ماذا تقول أنت؟

طالب: ..........

ما أعرفه ولا أسمع كلامه، وأنا مع هذه المسألة من أكثر من أربعين سنة؛ حتى إني سألت الشيخ ابن باز، وقلت له: إذا كان الدليل -وليس فيه معارضة صريحة- إذا ورد دليل فيه أمرٌ أو نهي وعامة أهل العلم حملوا الأمر على الاستحباب، والنهي على الكراهة، ولم يقل: بالوجوب أو التحريم إلا الظاهرية، ما الحكم؟ الأئمة كلهم وأتباعهم من القرن الثاني إلى يومنا هذا على الاستحباب، وقال الظاهرية بالوجوب.  

طالب: ..........

لكن لا بُد أن تتهم نفسك يمكن أن تكون هناك في قرينة ما توصلت إليها، ممكن وإلا فالملايين من هذه الجموع الغفيرة التي تقصد الحق وتبحث عنه أئمة كبار أهل علم وعمل، وأهل نصوص واتباع واقتفاء، وخوف وخشية من الله –جلَّ وعلا- يُخالفون مراد الله -جلَّ وعلا- بمجرد التشهِّي؟

حاشا وكلا، فالمسألة تحتاج إلى إعادة نظر.

طالب: ..........

توقف كثيرًا وطويلًا، ثم قال: الحَكم النص.

طالب: ..........

الصاوي يُبرر؛ لأن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر، هذا ضد قول الظاهرية، وهو يرد على الظاهرية، من الخطير كلامه، وكثير من المقلِّدة إن لم يُصرِّحوا فهذا مآله. 

طالب: ..........

أقول: المقلِّدة الذين لا ينظرون في شيء إلا قول الإمام، تدري أن واحدًا من متعصبة الحنفية لما صلى بجانبه شخص يرفع إصبعه في التشهد، ماذا صنع؟ كسر إصبعه، وقُل في هذا قضايا كثيرة جدًّا، لكن الله المستعان، من قاده الكتاب والسُّنَّة وصل إلى بر الأمان.

"وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا التَّقْلِيدَ الْأَعْمَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:170]، وَقَوْلِهِ: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة:104]، وَقَوْلِهِ: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف:24]، وَقَوْلِهِ: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات:69-70] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} [الأعراف:29-30].

فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ مَعْنَى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف:29] أَيْ: كَمَا سَبَقَ لَكُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ، فَإِنَّكُمْ تَصِيرُونَ إِلَيْهِ، فَمَنْ سَبَقَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ سَعِيدٌ صَارَ إِلَى السَّعَادَةِ، وَمَنْ سَبَقَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ شَقِيٌّ صَارَ إِلَى الشَّقَاوَةِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف:30]، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى، وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن:2]، وَقَوْلُهُ: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:119] الْآيَةَ، أَيْ: وَلِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ إِلَى شَقِيٍّ، وَسَعِيدٍ خَلَقَهُمْ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف:29]، أَيْ: كَمَا خَلَقَكُمْ أَوَّلًا، وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، فَإِنَّهُ يُعِيدُكُمْ مَرَّةً أُخْرَى، وَيَبْعَثُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ أَنْ مِتُّمْ وَصِرْتُمْ عِظَامًا رَمِيمًا، وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا} [الأنبياء:104] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم:27] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:79] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج:5] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ".

يعني في مقدمة الكتاب ذكر أمثلة على بيان القرآن بالقرآن، وأن البيان أحيانًا يحتمل وجهًا واحدًا، وأحيانًا يحتمل أكثر من وجه، وكلها لها ما يؤيدها من الكتاب، وحينئذٍ تكون كلها صحيحة، مثل ما عندنا الآن الوجه الأول، والوجه الثاني لهما مؤيدات من الكتاب، فالحمل عليها صحيح.

"أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْآيَةِ وَجْهَانِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ، فَنَذْكُرُ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى".

طالب: ...........

لكن قد يكون أحدهما أليق وأقرب إلى السياق، فيُرجَّح به، ويبقى الوجه الثاني صحيحًا وله سياقه.

طالب: ...........

ما هو بالنزاع في هذا، ما هو بالنزاع إذا تساوى الوجهان، ولهم أدلة، وهذا له أدلة، وكانا على حدٍّ سواء فيكون الوجهان مقصودين، ومع ذلك يبقى أن للسياق وجهًا للترجيح.

طالب: ...........

ما اختلاف التنوع؟ أنا أقول: مثِّل لاختلاف التنوع، هل منه هذا؟

طالب: ...........

هات لي مثالًا لاختلاف التنوع.

طالب: ...........

ماذا فيه؟

طالب: ...........

يعني ورود تفسير الكلمة أو الجملة عن السلف بألفاظٍ مختلفة ومؤداها واحد، هذه ليس مؤداها واحدًا، التي معنا ليس مؤداها واحدًا.

طالب: ...........

لا لا، ليس بصحيح، ليس من هذا.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف:30].

بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمِنْ تِلْكَ الْمُوَالَاةِ طَاعَتُهُمْ لَهُمْ فِيمَا يُخَالِفُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعَ ذَلِكَ يَظُنُّونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى هُدًى.

وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَخْسَرُ النَّاسِ عَمَلًا -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى- وَهُوَ قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104].

تَنْبِيهٌ: هَذِهِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَنْفَعُهُ ظَنُّهُ أَنَّهُ عَلَى هُدًى؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ لَمْ تَتْرُكْ فِي الْحَقِّ لَبْسًا وَلَا شُبْهَةً، وَلَكِنَّ الْكَافِرَ لِشِدَّةِ تَعَصُّبِهِ لِلْكُفْرِ لَا يَكَادُ يُفَكِّرُ فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي هِيَ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، لَجَاجًا فِي الْبَاطِلِ، وَعِنَادًا؛ فَلِذَلِكَ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى".

التعصب يُعمي ويُصم، فإذا تعصبت لقولك أو لغيرك وأورِد عليك من الأدلة ما يقتضي خلاف ذلك فإن هذا التعصب الذي للنفس أو للغير يُعميك عن قبول الحق؛ ولهذا وقع كثيرٌ من أو فئامٌ من هذه الأمة في الشرك، والأدلة من الكتاب والسُّنَّة ظاهرة، وخلاصة ما يقول لك: الشيخ فلان يقول كذا، تقول له: القرآن، يقول لك: الشيخ فلان هو أعرف منَّا، ولو كان كلامك حقًّا ما خالفه الشيخ فلان، هو يعرف أن الشيخ فلان أو لا يعرف أنه يُخطئ ويُصيب، يجزم بأنه يُخطئ ويُصيب، لكنه أنزله في منزلة المعصوم، وإذا أوردت عليه من العلماء المتبعين يخالفون قول هذا الإمام يرد عليك بأن هذا إمامٌ عندك وقدوةٌ لك، ونحن عندنا أئمتنا وقدواتنا، وهذا موجود في كلام كثير من المبتدعة، يُصرِّحون به، والله المستعان.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.