كتاب بدء الوحي (079)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (079)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ شعبان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يقول: ما حكم جعل المسجل يعمل بتلاوة القرآن طوال اليوم سواء كان في المنزل أو لا؟ وهل يحصل بذلك التحصين للبيت، أم لا بد من القراءة المباشرة؟

 القرآن ما أنزل ليسمع من غير سامع، أو غير مستمع، ولا يكفي أن يُقرأ القرآن مع السماع دون الاستماع، فكيف إذا لم يوجد من لا يسمع ولا يستمع؟ هذا ابتذال للقرآن، وامتهان للقرآن، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [سورة الأعراب: 204] لا بد من الاستماع والإنصات، ولذا لا يسوغ للمسلم أن يسمع القرآن من غير استماع، بل لا بد أن يلقي بسمعه وقلبه؛ ليعي لمن ألقى إيش؟ ألقى السمع وهو شهيد، ليس لكل أحد، وبعض الناس لا يهمهم أمر الدين عنايتهم بأمر الدنيا، قيل لهم: صحيح أن الشيطان لا يدخل البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، على كل حال هي سبب، لكن لا بد أن يكون السبب على وجهه الشرعي على وجهه الشرعي، وإذا حصل مع السبب مخالفة شرعية فإنه حينئذٍ يكون وجد مانع من قبول السبب ومن ترتب أثره عليه.

طالب:...

لكن هو يسمع؟ في أحد يستفيد؟

طالب:...

وبعض الناس يتخذ هذا من أجل أن لا يُظن، أو يظن من أجل أن يظن السارق أن في البيت أحدًا، فيترك المذياع شغالًا على إذاعة القرآن، ويخرج هو وأهله عن البيت وليس فيه أحد يستمع لا للقرآن ولا للعلم هذا أيضًا ابتذال وامتهان لا يسوغ إطلاقًا، يعني من الطرائف من الطرائف، وهي أن بعض الناس يقول: إن من فوائد شرب الدخان أن السارق لا يقرب البيت، لماذا؟ لا، ما هي برائحته، يقول: صاحب الدخان يبتلى بالسعال، فتجده كل الليل يسعل فيظنه السارق مستيقظًا، والله المستعان.

يقول: نرى البعض يجهر بالتهليل عقب الصلاة، ثم إذا جاء التسبيح والتحميد والتكبير أتمه سرًّا، فهل هذا صحيح؟

المقصود أن يعرف المتخلف أن الصلاة قد انتهت، كما في حديث ابن عباس: كنا نعلم انقضاء صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالتكبير، والمقصود به الذكر؛ لأن أول ما يُبدأ به الاستغفار.

يقول: وصلنا الرياض ظهر الأحد، وننطلق منها ظهر الخميس، فهل نتم أم نقصر في الصلاة؟

كم؟ الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء أربعة أيام كاملة على مذهب الأكثر أنكم في حكم المقيم عليكم الإتمام والصلاة في وقتها.

 هذا يقول: نسمع منكم أحيانًا أقوالاً عادية في مسألة معينة أقوالاً عديدة في مسألة معينة، وقد لا يتبين لنا اختياركم في المسألة، فهل هناك من توجيه في كيفية معرفة اختياراتكم أهو القول الأول أم القول الأخير أم غير ذلك؟

القرائن تدل على الميل إلى أحد الأقوال، وهذا يفهمه وينتبه له المتوسط، وأما التصريح بأن هذا هو القول الراجح، وهذا الاختيار هذا يحتاج إليه في المسائل المجزوم بها، وبقية المسائل مثل ما ذكرنا مرارًا، الدرس ليس بدرس تلقين، وإنما هو درس تمرين، وليس بدرس تلقين، ولذلك تطرح الأقوال بأدلتها وتُناقش، واللبيب يفهم الراجح من خلال العرض.

يقول: ما رأيكم في بطاقات التخفيض التي تمنحها بعض الشركات التجارية لأناس مخصوصين دون مقابل، هل يسوغ لغير الممنوحين الانتفاع بها؟

إذا كان صرفها للشخص فلا يسوغ، لا يسوغ انتفاع غيره بها، وإذا كان صرفها لوصف فيسوغ لكل من شاركه في الوصف.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وقفنا على قوله قول هرقل: (وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلُص إليه لتجشمت لقاءه) لتجشمت وقفنا على هذا؟ لتجشمت بالجيم والشين المعجمتين، أي تكلفت على مشقة لقائه وحملت نفسي على الارتحال إليه، ننتبه لقوله: فلو أني أعلم أني أخلص إليه مع قوله: وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم. فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه. التجشم التكلف التكلف، يعني حملت نفسي على الارتحال إليه لو كنتُ أتيقن الوصول إليه، لكني أخاف أن يعوقني عنه عائق، فأكون قد تركت ملكي، ولم أصل إلى خدمته فأكون قد تركت ملكي ولم أصل إلى خدمته، لكن هل هذا عذر؟ لو قُبِض في الطريق وهو ذاهب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- تاركًا ملكه وقُبِض في الطريق، لكنه هنا لا يتيقن أنه يصل إليه، فامتنع من الذهاب إليه؛ لأنه لا يتيقن، لو كنت أتيقن الوصول إليه، لكني أخاف أن يعوقني عنه عائق، فأكون قد تركت ملكي ولم أصل إلى خدمته، لو أراد الله به خيرًا لفعل، ولو لم يصل إليه.

 التائب الذي قيل له: إن هذه القرية قرية سوء، فانتقل إلى القرية الفلانية فانتقل، فمات في الطريق، فتنازعته ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، فجاء من يحكم بينهم بأن يقاس ما بين قرية السوء وقرية الخير والأخيار، فوُجد أقرب إلى قرية الخير بشيء يسير، فقبضته ملائكة الرحمة، لكن لو أنه وقر الإيمان في قلبه وصدق في ذلك وذهب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وتجشم الوصول إليه فمات قريبًا من بلده بعيدًا عن المدينة مدينة المصطفى -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:...

{ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} [سورة النساء: 100] مجرد خروجه من بيته في مثل هذه الصورة هرقل ما نطق بالشهادة، ما نطق بالشهادة، إنما قال: لو أني أعلم أني أصل إليه لتجشمت، ما نطق بالشهادة، فقُبض قبل أن يصل إليه -عليه الصلاة والسلام- بيسير، يعني صار بعده عن بلده كثير جدًّا، وقربه من المدينة النبوية شديد، يعني على مشارفها وقُبِض، لكنه لم ينطق بالشهادة، فكيف يعامل؟ هل يقال: تقبضه ملائكة الرحمة؟

طالب:...

ذاك مسلم، لكنه مسرف على نفسه، هذا ما دخل في الإسلام؛ لأن الدخول يكون فيها بالنطق، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، فما دام لم يقل: لا إله إلا الله، فحكمه في الدنيا أنه لم يسلم، وسيأتي بيان مزيد لهذا، إن شاء الله تعالى.

قال ابن بطال: قول هرقل: لو كنت أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، قوله: لو كنت أرجو أن أخلص إليه أو فلو أني أعلم أني أخلص إليه؛ لأن بعض الروايات هكذا وهكذا لتجشمت لقاءه، يقول: دون خلع من ملكه، دون خلع من ملكه، ولا اعتراض عليه في شيء، وهذا التجشم هي الهجرة، وكانت فرضًا على كل مسلم قبل فتح مكة. هذا كلام ابن بطال، قال: فإن قيل: فإن النجاشي لم يهاجر قبل فتح مكة وهو مؤمن، فكيف سقط عنه فرض الهجرة؟ قيل: هو في أهل مملكته أن أشرنا إلى هذا في الدرس السابق، قيل: هو في أهل مملكته أغنى عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام- وعن جماعة المسلمين منه لو هاجر بنفسه فردًا؛ لأن أول غنائه حبسه الحبشة كلهم عن مقاتلة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمسلمين، مع طوائف الكفار مع أنه كان ملجأً لمن أوذي من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وردءًا لجماعة المسلمين.

 قال: وحكم الردء في جميع أحكام الإسلام حكم المقاتل، وكذلك في ردء اللصوص والمحاربين عند مالك وأكثر الكوفيين يقتل بقتلهم، ويجب عليه ما يجب عليهم، وإن كانوا لم يحضروا الفعل، ومثله تخلف عثمان وطلحة وسعيد بن زيد عن بدر فضرب لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسهامهم من غنيمة بدر وقالوا: وأجرنا يا رسول الله؟ قال: «وأجركم»، أظن هذا ما نحتاج إليه، هذا تقدم، وما زلنا في قوله: لتجشمت.

 يقول النووي في شرح القطعة من أوائل الصحيح: لتكلفت على خطرٍ ومشقة، يقول ابن حجر: هو بالجيم والشين المعجمتين أي تكلفت الوصول إليه وهذا يدل على أنه ...

طالب:...

معجمتين؟ الجيم لأنها لا تشتبه بالحاء، لكن قد تشتبه تلتبس بالميم، قد تلتبس بالميم في صورتها، والشين إذا كانت غير مضمومة إلى حرف معجم ثانٍ قيل بالمثلثة، وهذا يدل على أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستفاد ذلك بالتجربة، كما في قصة ضغاطر الذي أظهر لهم إسلامه فقتلوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وللطبراني من طريق ضعيف عن عبد الله بن شداد عن دحية في هذه القصة مختصرًا فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلتُ ذهب ملكي، وقتلني الروم، وفي مرسل ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال: ويحك، والله إني لأعلم أنه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته.

يقول ابن حجر: لو تفطن هرقل لو تفطن هرقل لقوله -عليه الصلاة والسلام- في الكتاب الذي أرسل إليه أسلِم تسلم، أسلِم تسلم، وحمل الجزاء على عمومه يعني السلامة، الجزاء تسلم، لو حمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم لو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله تعالى.

ولو كنتُ عنده أي عند النبي -صلى الله عليه وسلم- لغسلتُ عن قدمه، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قدمه، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر قدميه بالإفراد بالتثنية، الأولى بالإفراد، والثانية بالتثنية، بينهما فرق؟

طالب:...

نعم.

طالب:...

يعني مفرد مضاف فيعم، مفرد مضاف فيعم، المراد بالقدم القدمين؛ لأنه أضافه إليه، «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبه منه شيء» وفي رواية: «منكبيه» ليس على منكبه منه شيء، هل يكفي واحد؟ يكفي منكب واحد أم لا بد من الاثنين؟

طالب:...

الرواية المصرحة بالمنكبين تقطع الشك، وهي صحيحة، ويكون المراد برواية الإفراد منكبه إرادة الاثنين؛ لأنه مفرد مضاف، فيشمل الاثنين، إذا قلت: مالي، مال جمع أم مفرد؟ مفرد جمعها أموال، وإذا أضفته إليك أو مال فلان الأصل أنه يشمل جميع ماله، في حديث عائشة: «فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد» فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد، استدل به من استدل على إلزاق القدمين أو إلصاق القدمين في السجود، قال: على قدميه، ويد عائشة صغيرة ما يمكن أن تشمل القدمين مع التباعد، لا بد أن تكون القدمان ملتصقتين، ولو أرادت واحدة منهما لقالت: فوقعت يدي على قدمه، يعني هل يتم بمثل هذا الاستدلال على إلصاق القدمين؟ يتم؟ لأنه لا فرق بين الإفراد والتثنية، لو قالت: وقعت يدي على قدمه، هل يمكن أن يستدل به على إلصاق القدمين؟ نقول: مفرد مضاف فيشمل الاثنين.

طالب:...

لكنه في الرواية الثانية مفسرة ليس على منكبيه منه شيء أو ينظر إلى المنكبين باعتبار أن ما وقع على أحدهما فقد وقع عليهما في الجُملة، بدليل أن المنكب الواحد لا يلزم استيعابه، يلزم استيعاب المنكب الواحد؟ لأنه قال: «ليس على عاتقه منه شيء» نكرة في سياق النفي فتشمل أو تحصل بأدنى شيء، تحصل بأدنى شيء، فإذا كان على أحدهما شيء صحَّ أنه عليهما شيء، يعني لو قيل: لا تضع كتابًا مثلاً على الطاولات مثلاً بالجمع لا تضع الكتاب أو لا تضع الكتب على الطاولة، فوضعت واحدة على طاولة واحدة صحّ أنك وضعت الكتاب عليها، فمن حيث المعنى ملحظ دقيق جدًّا، ما أدري أنا استطعت أن أعبر عما أريد أم لا؟

طالب:...

يعني ليس على منكبيه منه شيء كثير من الفقهاء يقول: يكفي أن يضع على أحد المنكبين أدنى شيء مما يستتر به، على رواية على منكبه، هذا سهل، لكن على منكبيه، هل يصحّ أنه وضع على المنكبين باعتبار المجموع أم باعتبار الجميع شيء؟ لأنه عندنا شيء يطلق باعتبار المجموع، وشيء يطلق باعتبار الجميع. الآن من وضع على عاتقه حبل متدلٍّ من هذه السترة من الثوب، وهذا يحصل كثيرًا في بعض الفنايل يعني لا تزيد على عرض الأصبع على المنكب، تكفي أم ما تكفي في السترة؟

طالب:...

لا لا، شيء في سياق النفي تكفي، تكفي، ولو كانت في جهة واحدة دون الأخرى إذا قلنا: إرادة المجموع يكفي، وإذا قلنا: إرادة الجميع حتى على التثنية لا يكفي.

طالب:...

لا، شيء، أدنى شيء، ولعله من أجل أن يمسك بالسترة؛ لأنه إذا لم تضع على عاتقك شيئًا ما تسقط السترة؟ ولذلك المجمع عليه في السترة بالنسبة للرجل بين السرة والركبة، وهذا لا يصلي نهي، والأصل في النهي التحريم، فيجب ستر ما يتناوله الحديث سواء قلنا: منكبه أو منكبيه، الواحدة والاثنين على ما ذكروا، وإذا أردنا أن نرد رواية الإفراد على رواية التثنية فنقول: منكب مفرد مضاف يعم الاثنين، يراد به الجنس جنس المنكب، فيشمل الاثنين، وإذا نظرنا إلى مجموع المنكبين لا إلى جميع المنكبين قلنا: إن الامتثال يحصل بوضع شيء على أحد المنكبين حتى على رواية التثنية، يعني من وضع حبلاً على منكبه ونظرنا إلى مجموع المنكبين.

طالب:...

خلاص عرفنا أنه وضع على منكبيه شيئًا؛ لأنا نظرنا إلى المجموع لا إلى الجميع، طيب نأتي إلى حديث عائشة: فوقعت يدي على قدميه قال: هذا فيه دليل على أنه كان ملصقًا للقدم اليمنى باليسرى وإلا ما يمكن أن تقع يد عائشة على القدمين وقد فرج بينهما، هل نقول: إن المراد هنا وقعت يدها على مجموع القدمين؟

طالب:...

هو الأصل الجميع، لكن إذا وجد ما يعارض؛ لأن من أهل العلم من يقول: السُّنَّة تفريج القدمين؛ لعموم المجافاة في الصلاة، وهذا دلالته يعني ليست صريحة؛ لأنه يمكن حمله على مثل ما حملنا عليه المنكب.

طالب:...

نجعل الأحاديث والنصوص مسارها واحد؛ لأنك إذا حملت هذا على وجه وحملت الثاني على وجه آخر والمساق واحد يستدرك عليك.

طالب:...

هو حديث ابن خزيمة: على قدميه، نحن نناقش رواية التثنية، هذا فُهم منه أن يد عائشة وقعت على القدمين إذًا هما ملصقان، نحن نناقش هذا، لو قالت على قدمه ما فيه إشكال.

طالب:...

طيب، والإمام أحمد الذي روى: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه شيء» يقول يكفي واحد.

طالب:...

ما فهمت المقصود بالجميع والمجموع؟ هناك شيء يقال له: جميع بمعنى أنه يتناول جميع الأفراد، وهناك شيء يقال له: مجموع بمعنى أنه لو فرد من أفراده صحّ على أن هذه المجموعة حصل لهم كذا.

طالب:...

نعم.

طالب:...

فهمه هذا، هذا فهمه للنص.

طالب:...

دعنا من الرواية الأخرى، لا، أنا أريد أن أقرر وهنا رواية لغسلت عن قدمه، ورواية عن قدميه، وحديث: ليس على عاتقه، أو على منكبه، والثاني على منكبيه، ونأتي إلى حديث عائشة على قدميه، نقول: هل يتم الاستدلال بهذه الرواية على الإلصاق؟ هل يتم الاستدلال بهذه الرواية على الإلصاق؟ يعني من دقائق العلم مثل هذه الأمور، يعني من مسائل دقيقة جدًّا لا بد أن تمشي في مساق واحد؛ لأننا أمام نصوص، أمام نصوص السُّنَّة، طيب الذين قالوا: إن السترة من السرة إلى الركبة يخفى عليهم حديث: «ليس على عاتقه منه شيء»؟ لا يخفى عليهم، لكن يقولون: هذا ليس من ستر العورة، ولذا لا تبطل الصلاة حتى من يقول بالوجوب إذا لم يستر منكبه، صلاته صحيحة، لكنه آثم على هذا، ليس بشرط، واجب وليس بشرط، ونظيره القول بوجوب غسل الجمعة، حتى عند من يقول بالوجوب لا يبطل الصلاة؛ لأنه ليس بشرط، بخلاف غسل الجنابة.

 لغسلت عن قدمه، لماذا خصص القدم دون اليد مثلاً؟

طالب:...

طيب تمام الخضوع والذل، لكن ما فيه شيء أدنى من القدمين؟ فيه، لكن ما تجوز مباشرته ولا رؤيته، هذا مما يمكن أن يُفعل، أما غير الممكن ففيه ما هو أدنى في الخدمة، كالعورة مثلاً، لكن العورة لا تجوز مباشرتها، يعني هذا من القدر المتاح هذا يدل على أنه أدنى شيء، يبقى مسألة وهي مسألة تقديم تقبيل القدمين.

طالب:...

لكن هي أسفل البدن فيه خضوع وانحناء وفي مثل ما تفضلت أنها أكثر بقية البدن من الأوساخ، لكن يبقى أن هناك ما هو أدل على الخضوع منها لكنه لا يتاح. تقبيل القدم تقبيل القدم جاء فيه حديث، لكنه ضعيف، أما تقبيل اليد ففيه ثلاثة أحاديث بمجموعها صحيح، الذي جرنا للكلام هذا: لغسلتُ عن قدميه، ولو كنت عنده أي عند النبي -عليه الصلاة والسلام- لغسلت عن قدمه، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: قدميه.

 قال ابن الملقن في التوضيح: هذا فيه إيماء إلى أنه علم بنبوته لكن خشي، لكنه خشي خلع قومه له، لكنه خشي خلع قومه له على ما جاء مفسرًا في البخاري، فأصرّ على كفره، بعد علمه، فكان أشد في الحجة عليه. وهذه عبارة القاضي. فأصرّ على كفره بعد علمه به، فكان أشد في الحجة عليه، يعني قيام الحجة أولًا لا مؤاخذة قبل قيام الحجة، لكن الحجج متفاوتة، وتكون المؤاخذة بقدر هذا التفاوت، ولذا أعلم الكفار بالدين أبو طالب؛ لقربه من النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو في يوم القيامة في ضحضاح من نار، وفي الحديث: «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» يعني كافر ما هو منافق، والدرك الأسفل لمن؟ للمنافقين، لكن لقيام الحجة عليه بأجلى صورها يعرف يعرف الدين معرفة تامة، لكنه أصرّ على كفره، ومات على ذلك؛ لئلا يرغب عن ملة عبد المطلب، نسأل الله السلامة والعافية.

ولقد علمت بأن دين محمدٍ
لولا المذمة أو حذار مسبة

 

من خير أديان البرية دينًا

لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا

هذا الذي خافه وإلا فهو يعرف أن الدين حق، لذا عومل معاملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار، نسأل الله العافية.

طالب:...

لأنهم يختلطون بالمسلمين؛ يصلون معهم، ويصومون معهم، ويجاهدون معهم، فالحجة قامت عليهم بجلاء ووضوح ما فيها غبش، لكن بعض الكفار تقوم عليه الحجة، لكن ما هي مثل قيامها على أبي طالب أو على المنافقين، لكنهم لا يعذرون بلغتهم الحجة ويفهمون الحجة، الحجة لا بد من بلوغها {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}[سورة الأنعام: 19]، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [سورة الإسراء: 15] الحجة لا بد من بلوغها، ولا بد من فهم الحجة، فالأعاجم لا بد أن يوضح لهم، ومن في حكمهم من العرب، من العرب من يعيش بين المسلمين من لا يفهم النصوص، ودلالات النصوص يُفهَّم هذا، لكن المانع من قبول الحجة لا يشترط، المانع من قبول الحجة لا يشترط زواله؛ لأنك كثير من المسلمين في الأقطار والعصور تبلغهم الحجة ويصرون، ويفهمون الحجة وتوضح لهم، لكنهم يصرون؛ لوجود مانع من قبول الحجة وهو الشيوخ والآباء التي منعت كفار قريش من الاتباع أنهم وجدوا آباءهم، وكثير من المسلمين تقول له: الطواف على القبر أو الذبح للمقبور من الشرك يقول: لا، لو كان شركًا لكان الشيخ فلان، تجادل شخصًا في السبعين من عمره يقول: مذ ظهرنا على الدنيا والشيخ فلان يطوف، هذا مانع من قبول الحجة ويشترط زواله.

طالب:...

خلاص قامت عليه الحجة.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

أقل شيء النطق بالشهادتين ما نطق، أخلص إليه، ما يلزم، لكن ينطق بالشهادة، ما نطق، نسأل الله العافية.

طالب:...

ما نطق بالشهادة، ما دخل في الإسلام أصلاً.

طالب:...

لوجوبها لا أنها شرط في الإسلام، وكذا قوله في آخر الحديث: هل لكم في الفلاح والرشد فتبايعوا هذا النبي؟ يقول: فيه إعلام بإيمانه، بإيمانه، قد يكون هناك قناعة داخلية، والسياقات كلها تدل على أنه متقنع داخليًّا أن هذا هو الرسول الموعود به، لكنه آثر الفاني على الباقية، وقال ابن بطال: لم يصح عندنا أنه جهر بالإسلام، لم يصح عندنا أنه جهر بالإسلام، وإنما آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق، ولسنا نقنع بالإسلام دون الجهر به، ولم يكن مكرهًا حتى يعذر وأمره إلى الله. طيب، لم يكن مكرهًا، هو الرجل عليه ضغوط، تنكر أم ما تنكر؟ عليه ضغوط، هل هذه الضغوط إكراه؟ بحيث يُعذَر يعني كما يتذرع الآن في كثير من القضايا يقال والله عليهم ضغوط، وضغوط في أمورٍ قد تصل إلى عظائم الأمور، هذا عليه ضغوط شديدة عُذِر أم ما عُذِر؟ ما عُذِر، بالمقابل الضغوط على الآخرين ممن يوجد الآن ويتذرع بهذه الضغوط يُعذَر أم ما يُعذَر؟

طالب:...

لا، فرق بين الأمرين، فرق بين من الأصل فيه الإسلام، ثم يُنظر في إخراجه منه، هذا يُنظر في الأعذار، لكن من الأصل فيه الكفر، ثم يُنظر في إدخاله فيه، هو كلٌّ على أصله؛ لأن ما خالف الأصل مشكوك فيه، الفرق واضح أم ليس بواضح؟ يعني هذا الأصل فيه الكفر والضغوط التي قد يُعذر بسببها مظنونة، فيبقى على أصله، من كان الأصل فيه الإسلام والضغوط التي قد يُعذر بسببها مظنونة الأصل فيه الإسلام، ولا يُخرج إلا بيقين، وهذا لا يدخل إلا بيقين، فكلٌّ يبقى على أصله.

 يقول ابن بطال: وليس مكرهًا ليس مكرهًا، هو لو أسلم وأُكره على كلمة الكفر، لكن إذا كان مسلم ثم نطق بكلامٍ مضاد للإسلام، وهو مسلم؛ بسبب ضغوط في أيام الانتخابات يقول: إذا وصلنا للحكم صححنا الأوضاع وحكمنا وفعلنا وتركنا، ويعد الناس، ثم ينطق بكلمة يرضي بها بعض الفئات كأن يقول مثلاً: الدولة علمانية والدولة كذا وما أدري إيش الأصل فيه الإسلام وقال كلامًا من عظائم الأمور، ووعد بكلام حق؛ ليرضي هؤلاء، ويرضي هؤلاء، مثل هذا على خطر عظيم، نسأل الله العافية.

 يعني لا يجزم الإنسان بتكفيرهم، لكن الأمر ليس بالسهل؛ لأنه ما يقول يعد الآخرين بالمعاصي، فالمسألة تحتاج إلى تحرير، والإنسان ألزم ما عليه براءة ذمته؛ لأنه في نيته، ولا يظن به إلا هذا أنه يتوصل بهذا الكلام إلى الحكم من أجل أن يصحِّح، يعني هذا المظنون به، لكن أمام خصوم عتاة، ما يمكن أن يسمحوا أن يصل إلى الحكم وهو مخالف لهم من العلمانيين وغيرهم، فيعدهم بأن تكون الدولة كذا وكذا، مسألة كبيرة جدًّا، وحب الدنيا طغى على كثير من الناس، قد يقول قائل: إن المصلحة راجحة، وبقرار واحد من مثل هؤلاء أقيم ألوفًا مؤلفة من مدارس تحفيظ القرآن، وكان ما يوجد شيء في بلده، ولما انتهت مدته ألغيت كل المدارس هذه، وصول مثل هذا إلى الحكم فيه خير كثير، لكن أيضًا في مقابل أمر عظيم، والله المستعان.

قال ابن حجر: وقوله: لغسلت عن قدميه، مبالغة، يقول ابن حجر في العبودية عندكم كذا؟ نعم في العبودية له مبالغة في العبودية له، يعني التصريح بالعبودية لو قال: بالخضوع، التذلل، الخدمة شيء من هذا أسهل، أما المبالغة في العبودية، العبودية لله -جل وعلا- التي هي الهدف من خلق الإنس والجن.

طالب:...

يعني في الخدمة، في الخدمة لا في صرف شيء مما لا يصرف إلا لله -جل وعلا-، طيب، لأنه قال: مبالغة في العبودية له والخدمة.

طالب:...

يعني مثل الرقيق يكون، يعني عبد فلان رقيق، لعله من هذا النوع، زاد عبد الله بن شداد عن أبي سفيان: لو علمت أنه هو، لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه، وهي تدل على أنه كان بقي عنده بعض شكٍ، لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه، وهي تدل على أنه بقي عنده بعض شك؛ لأنه قال: لو علمت، وزاد فيها: ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقًا من كرب الصحيفة، يعني لما قُرئ عليه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.

طالب:...

من أين جاء هذا العرق؟ من الصراع الشديد في داخله، صراع شديد؛ لأنه أمام فتنة، يعني فرق بين أن يقدم رشوة لموظف، ولعن الله الراشي، وهو يعرف الحكم أنها حرام، وآخذها ملعون، بين أن يقدم له ألف ريال، وبين أن يقدم له مليونًا، صراع هذا ما يمكن تغلبه نفسه، فهنا صراع النفس بين ملك وبين دين، وإن خسر به الدنيا ربح الآخرة، فهو هذا الصراع جعله يحس بهذا الإحساس، وهذا الحرج الشديد، فجعل يتحدر عرقًا.

نعود إلى المسألة، وهي ارتكاب المفسدة المحققة؛ من أجل دفع مفسدة مظنونة أو جلب مصلحة مظنونة راجحة، ارتكاب مفسدة أو تفريط بمصلحة محققة في مقابل دفع مفسدة أو جلب مصلحة أكبر لكنها مظنونة، الدخول في كثير من الأمور المشتملة على مخالفات من أجل المزاحمة، هذا موجود، موجود وجود كثرة في كثير من بلاد المسلمين، العلماء في بلاد الهند في وقت الاحتلال البريطاني كتبوا للشيخ محمد رشيد رضا أنه عُرض عليهم القضاء، ومعلومٌ أن القضاء إنما هو بالقانون البريطاني الإنجليزي المحتل، فالشيخ من باب التخفيف على المسلمين وتحصيل بعض حقوقهم قال: ادخلوا في القضاء، ويكفي أن يُخفف الشر بقدر الإمكان، وهذا ما يسمى في أسلوب العصر المزاحمة.

 وفي بعض أقوال لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه يجوز الدخول في العمل بالمكوس من أجل التخفيف على المسلمين، يعني المكس مقرر على هذه السلعة ألفًا، لكن إذا دخل فيه شخص مصلح، وبنية الإصلاح يمكن أن يصير خمسمائة، فبهذه النية في كلام شيخ الإسلام ما يومئ إلى الجواز في مثل هذا، لكن إذا نظرنا إلى قصة موسى والخضر، الخضر لما خرق السفينة، السفينة فيها واحد أم مجموعة {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} [سورة الكهف: 71] مجموعة، مجموعة من الناس، خرقها لكن هل الهلاك مظنون أو متحقق؟

طالب:...

مظنون، لما قتل الغلام وهو واحد، لكن المفسدة محققة قال في المظنونة: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}[سورة الكهف: 71]،  وقال في المحققة: {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} [سورة الكهف: 74] هذا واحد وهذا لمجموعة، السفينة مملوءة من الركاب وهذا واحد، هذا إمرًا، وهذا نكرًا، بعض المفسرين يقول: إمرًا أعظم من نُكرًا، ويمشي استدلال بعضهم بالمزاحمة على هذا القول، لكن الحديث الصحيح الذي فيه قصة موسى والخضر قال لما قتل الغلام قال: «وهذه أشد» فدل على أن ارتكاب المحظور المحقق أعظم من المحظور المظنون، لكن يبقى أن هناك أشياء تغتفر في جانب أشياء تغتفر، يمكن أن يرتكب مفسدة في جانب مفسدة أكبر منها؛ لأنها كلها محققة، وارتكاب أخف الضررين أمر مقرر في الشرع، كما أن ترك أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما أمر مقرر في الشرع.

 هناك مفاسد لا تكاد تُذكر في جانب المصالح، وإن كانوا يقولون: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لكن هناك مفاسد ترتكب؛ لأنها لا شيء بالنسبة للمصلحة المرتبة على ذلك، ويبقى أن الإنسان أهم ما عليه براءة ذمته، براءة ذمته، يسعى لخلاص نفسه، قبل أن ينظر في خلاص غيره، فإذا كان ارتكابه لهذا الأمر يخرجه من التبعة والمسؤولية أمام الله -جل وعلا- فليرتكب، وإذا كان يغلب على الظن أن ارتكابه مثل هذه لتحقيق هذه المصالح في جانب المفاسد التي يرتكبها وفيها الوعيد الشديد- نسأل الله العافية-، أو رتب عليها عقوبات، أو جاء النهي الصريح عنها، مثل هذه يصعب أن تخالف الأمر الإلهي، أو ترتكب المحظور من أجل غيرك، قد يقول: إن سعيك في مصلحة غيرك مرده في الحقيقة إلى مصلحتك، وتجده في ميزان حسناتك، نقول: صحيح، لكن المباشِر من مصالحك والمفاسد المرتبة على أعمالك أنت بخصوصك، أولى بالمراعاة من غيره.

وزاد فيها: ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقًا من كرب الصحيفة، يعني لما قرئ عليه كتاب النبي- عليه الصلاة والسلام-، يعني تصور موظفًا صغيرًا يُبذَل له مبالغ طائلة، ماذا يصنع؟ ضحى بهذه الأموال، يمكن أن تكون فرصة العمر ما تتكرر إن أخذ هذه الأموال فاللعن لعن الله الراشي والمرتشي، فتجد بعض الناس تضعف نفسه أمام هذا الامتحان، لكنه إذا كان المبلغ يسيرًا قال له: أفرغ لي هذا الصك وهذا ألف ما هو ملتفت إلى الألف، سهلة ما فيه صراع نفسي، لكن الإشكال حينما تكون المفاضلة بين أمرين عظيمين عنده، وإلا فالدنيا لا تعادل ولا تساوي جناح بعوضة، لا تعدل عند الله جناح بعوضة كل الدنيا، وركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها بدقيقتين أو أقل من دقيقتين؛ لأن من صفتهما التخفيف، خير من الدنيا والآخرة، لكن الموازين الشرعية خفت عند كثير من الناس، حتى إنه وُجد من قيل له: أتبيع الحجة بعشرة آلاف؟ فوافق، حجة تعب عليها وخسر، لكن فيها مكسب، يعني لعله خسر ألفين، ثلاثة ويكسب وهذا الذي عرض عليه هذا هذا آثم بكل المقاييس؛ لأنه أخل بقصده ونيته، وما اشترى شيئًا، لكن بعض الناس من باب التنكيت يأتي بمثل هذا، هذا في مقابل الملك العظيم؛ لأن ملكهم يعني شيء، ملك الروم ما هو مثل أي ملك، وبعد الملك بيده، كل شيء ما هو مثل الآن، الملك يملك كل شيء، في مقابل النجاة يوم القيامة.

وتجدون بعض الناس- نسأل الله السلامة والعافية- يرتد لأدنى شيء، أعجبته امرأة فارتد من أجلها- نسأل الله السلامة والعافية-، أحيانًا تكون العقول ملغاة، من يعرف مثل هذه المقاييس الشرعية؟ سعيد بن المسيب عنده بنت عالمة ليست بطالبة علم، عالمة، بنت سعيد بن المسيب عالمة، وعنده طالب فقير لا يجد ما يصدقها ولا يكسوها، بل لا يجد ما يقدمه لأكلها وشربها، فقير جدًّا جدًّا ما عنده شيء ألبتة، فجاءه من يخطب هذه البنت لابن الخليفة، الذي صار خليفة فيما بعد، أظنها خطبت للوليد، فقال السفير: يا سعيد، جاءتك الدنيا بحذافيرها، قال: ماذا؟ قال: ابن الخليفة يخطب بنتك، قال: إذا كانت الدنيا لا تساوي ولا تعدل عند الله جناح بعوضة، فماذا ترى أن يقص لي من هذا الجناح؟ ما هو معطيه دنيا كلها، ولو معطيه الدنيا كلها مثل جناح بعوضة، لا يعطيه جزءًا من جزء من جزء، هؤلاء الذين يعرفون قدر الدنيا، هذا آثر ملكه- نسأل الله السلام والعافية- على النعيم الباقي.

 وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه إذا وصل إليه سالمًا لا ولاية ولا منصبًا، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة، لا يطلب ولاية ولا منصبًا؛ لأن الذي يطلب ولاية أو منصبًا ما يغسل القدمين، وإن كان بعض الناس يتوصل إلى ما يريد بمثل هذا الخضوع، وهذا التذلل، يعني ليس من قناعة أن يغسل القدمين، وإنما لأمر يريده، قد يتوصل إلى هذا، لكن هذا الملك الذي ترك الملك العظيم وجاء ليغسل القدمين، هل يقال: إنه ليتوصل إلى ولاية أو منصب؟ لا، هذا لو حصل لكان قد آثر الدين على الدنيا، وآثر الآخرة على الفانية.

 ثم قال: ومما يُقوي أن هرقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال، ومما يقوي أن هرقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة ثمانٍ بعد هذه القصة بدون السنتين، ففي مغازي ابن إسحاق: وبلغ المسلمين لما نزلوا معان يعني من أرض الشام من أرض الأردن، لما نزلوا معان من أرض الشام أن هرقل نزل في مائة ألف من المشركين، فحكى كيفية الوقعة، وكذا روى ابن حبان في صحيحه عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إليه أيضًا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة، قارب الإجابة ولم يجب، هو في كل هذه التصرفات قريب الإجابة، لكن النهاية الخلاصة ما أجاب، نسأل الله العافية، ولم يجب فدل ظاهر ذلك على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك، يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي التي هي مقاتلة المسلمين مثلاً؛ مراعاة لملكه، وخوفًا من أن يقتله قومه، إلا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلاً: إني مسلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كذب، بل هو على نصرانيته» طيب يضمر الإيمان، لكن هل يقبل منه أن يضمر الإيمان ولا ينطق بالشهادتين؟ هذه مسألة تأتي إن شاء الله تعالى.

وفي كتاب الأموال لأبي عبيد بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله المزني نحوه ولفظه فقال: «كذب عدو الله ليس بمسلم» فعلى هذا يقول ابن حجر: فعلى هذا إطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه ولا يعمل مقتضاه، بل شحّ بملكه وآثر الفاني على الباقية، والله الموفق. وحكى القاضي عياض وغيره خلافًا للعلماء فيمن اطمئن قلبه بالإيمان فيمن اطمئن قلبه بالإيمان ولم يتلفظ وتمكن من الإتيان بكلمتي الشهادة فلم يأت بها هل يحكم بإسلامه أو لا؟ المشهور المنع، المشهور المنع، يعني من وقر الإيمان في قلبه وتمكن من النطق بالشهادتين ولم ينطق المشهور، وهو الصواب أنه على أصله كافر، ومعنى كافر أنه يعامل معاملة الكفار في الدنيا، وأما الآخرة فيفضي إلى ربٍ حكمٍ عدل، وكنا نظن أن مثل هذه المسائل نظرية كيف يقر الإيمان في قلبه ولا ينطق بالشهادتين؟

كان عندنا طالب أفريقي قبل عشرين سنة في الجامعة، جاء وقال: إن لي زميلًا نصرانيًّا، وقر الإيمان في قلبه وجاء إلي وقلت: نذهب إلى الشيخ فلان من أجل أن يُلقنك فتدخل في الإسلام، ذهبوا إلى الشيخ فلان ما وُفق هذا الشيخ؛ لأن المسألة ما تحتاج إلى وقت قال: بقي الآن على صلاة الظهر ربع ساعة، ما بقي إلا أن نتجهز للصلاة، وبعد الصلاة نفعل إن شاء الله، يقول: خرجنا من عنده فإذا هناك تبادل إطلاق نار فأصيب برصاصة فمات، نسأل الله العافية، فما حكمه؟ قلت: هو في الدنيا كافر نصراني؛ لأنه ما نطق، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» هذا ما قال: لا إله إلا الله، فالكل لم يحالفه التوفيق، هذا يظن أنه لا يتم الدخول في الإسلام إلا على يد عالم وإلا لو قال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، انتهى الإشكال، والشيخ الذي ذهبوا إليه بقي على الأذان ربع ساعة، والمسألة ما تحتمل دقيقة، لكنه الحرمان «لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم»، فالكل محروم- نسأل الله العافية- وهذه من فروع هذه المسألة.

 يقول القسطلاني: قوله: ولو كنت عنده أي النبي -صلى الله عليه وسلم- لغسلت عن قدميه، مما لعله يكون عليهما يعني من غبار ونحوه قاله مبالغة في الخدمة أو لأزلتُ عنهما لغسلت عن قدميه، لماذا عدّى الفعل بعن، والأصل أنه لا يحتاج إلى عن، غسلت قدميه، القدم مغسولة أم مغسول عنها؟ لكن إذا ضُمّن غسلت أزلت، صح؟ أزلتُ قال: أو لأزلت عنهما، كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [سورة النور: 63] والأصل: يخالفون أمره، قال الزمخشري: أي الذين يصدون عن أمره، يعني ضمّن يخالفون يصدون، وفي الحديث ضُمِّن غسلت أزلت؛ ليصح أن يتعدى بعن، وأيهما أولى أن يُضمَّن الفعل أو يُضمن الحرف؟ أيهما أولى؟ ذكرناها مرارًا، وأن شيخ الإسلام يرى أن تضمين الفعل بحرفٍ يتعدى تضمين الفعل فعلًا يتعدى بالحرف المذكور أولى من تضمين الحرف معنى حرف آخر. قال الزمخشري أي الذين يصدون عن أمره، وقال غيره: عُدّي بعن؛ لأن في المخالفة معنى التباعد، معنى التباعد والحيد، كأن المعنى للذين يحيدون عن أمره في المخالف والإتيان بعن أبلغ للتنبيه على هذا الغرض، أبلغ للتنبيه على هذا الغرض، وفي باب دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-  إلى الإسلام يعني من صحيح البخاري إلى الإسلام والنبوة، ولو كنتُ عنده لغسلت قدميه بدون عن، ولو كنت عنده لغسلت قدميه.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.