كتاب بدء الوحي (059)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (059)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ شعبان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا يسأل فيقول: هل يوجد اختصار لتفسير القرطبي؟
نعم، يوجد له مختصر في خمسة مجلدات، لكن أنا لا أرتاح لهذه المختصرات؛ لأنه في الأصل أضعاف أضعاف ما أثبته المختصِر، وقد يكون في كثير مما تركه أجود مما أثبته، قبل هذا المختصر ظهر في مجلدٍ كبير مختارات من تفسير القرطبي، مجلد كبير، هذا شخص ليس من أهل العلم، إنما هو من الأدباء، وما صنع شيئًا، حتَّى ما كلَّف نفسه ولا كتابة ما يريد، أو تكليف أحد بالكتابة، صوَّر تصوير أوراق، وصفَّها، تصوير يعني على الحرف الأول، وجُلِّدَت، فقيل: مختارات من تفسير القرطبي، هذا لا قيمة له ألبتَّة، يبقى المختصر الذي أشرت إليه، نسيت من قام به، خمسة مجلدات، مع أني لا أرتاح إلى هذه المختصرات.
نعم هناك من يُضفِي على المختصر، بعلمِه، وبراعتِه، ما يجعل المختصر أصلًا يُحتاج إليه مثل الأصل، مثل "عمدة التفسير" للحافظ ابن كثير للشيخ أحمد شاكر، هذا يُحتاج إليه مع وجود الأصل، لكن ما عدا ذلك من المختصرات الحرفيَّة، أو التي يحصل فيها شيء من التصرُّف من قبل بعض المختصرين الذين هم ليسوا على مستوى الشيخ أحمد شاكر مثل هؤلاء، أنا أتمنَّى أن يقوم طالب العلم بالاختصار لنفسه، ويقرأ تفسير القرطبي، ويضع أقواسًا على ما يريد إثباته، ويترك الباقي أو العكس، أو يظلل ما يريد نقله إلى مختصره بالألوان التي يُقرأ ما تحتها، أما أن يعتمد على اختصار غيره، فالناس لهم نظرات متفاوتة متباينة في الأهم والمهم والذي أقل من ذلك، والذي لا أهمية له، فقد يُنظر إليه من زاوية، أو من وجهة نظر أن هذا أهم المهمات، لكن ينظر إليه غيره أنه أقل، وأن ما تُرِك أهم منه.

 لذلك أقول: طالب العلم لا سيما من هو في مستواكم يستطيع أن يمسك القلم، ويقرأ في تفسير القرطبي أو الطبري أو  ابن كثير أو فتح الباري أو غيره من الكتب المطوَّلَة، يمشي عليه بالأقلام، بالأقواس، والشيخ أحمد شاكر –رحمة الله عليه- لما اختصر تفسير ابن كثير، هذه طريقته في العرضة الأولى، مشى على التفسير في طبعة الاستقامة، وقوَّس على ما يريد إثباته، ثم عاد إليه فصاغ ما اختاره من الكتاب بأسلوبِه وأضفى عليه بعلمِه –رحمه الله- وزاد، وحذف كثيرًا، لكنَّه زاد ما يحتاج إليه طالب العلم، وبلغ في ذلك إلى قدرِ الثُّلث، ظلَّ الأمر إلى سورة "الأنفال" في طبعة "دار المعارف" بمصر، مدة طويلة، ثمَّ خرج إلينا مختصر كامل في ثلاثة مجلَّدات، المجلد الأول يشتمل على ما حرره الشيخ بنفسه، والثاني والثالث: فيه أو فيهما ما قوَّس عليه الشَّيخ –فقط- يعني: ما صاغه الشيخ مثل الثلث الأول، لا، أثبتوا ما أثبته الشيخ بين الأقواس، هو مُختصر على طريقة كثير من النَّاس هو مختصر، وماشٍ على الجادَّة إذا نسبناه إلى المختصرات الموجودة، لكن إذا نسبناه إلى الشيخ فلا يليق بالشيخ، يبقى أن الذي اعتنى به الشيخ هو الثلث الأول، والثلثان تكملة.
طالب:....
هو اختصار الشيخ واختيار الشيخ، لكن ما فعل به ما يليق بالشيخ من إعادة الصياغة، وإضافة ما يُحتاج إليه مثل ما فعل بالثلث الأوَّل.
طالب:....
نعم.
طالب:....
لا، كثير منه بأسلوب الحافظ ابن كثير، لكن إذا احتيج إلى... أحيانًا الاختصار يحتاج إلى إعادة صياغة، يحتاج إلى إعادة صياغة، ويحتاج إلى جمل تربط بين هذه الجمل؛ لأن هذه الجمل المثبتة كانت متناثرة في
أثنائها جمل محذوفة، فنحتاج إلى ما يربط هذه الجمل، من يقوم بهذا إلا إنسان على مستوى، أما أن يأتي إنسان إلى مقطع، يحذف مقطعًا كاملًا، وفي ثنايا هذا المقطع ما يُحتاج إليه، ويثبت مقطعًا كاملًا وفي ثناياه ما لا يحتاج إليه، هذا اختصار ذا؟ هذا ليس باختصار.
طالب:....
نعم؟
طالب:..
المباركفوري؟ جيد أنا فحصته لجهة من الجهات، جيد لكن ما هو مثل أحمد شاكر، لا "المصباح المنير" ولا اليسير، الذي اختصره جمع من الشيوخ بمكة، زين، يعني لا بأس، الذي يقتصر عليها، لكن ما تغني عن الأصل، وقلت أيضًا: إن مختصر الشيخ أحمد شاكر ما يمكن أن يستغنى به عن الأصل، لكن يُستفاد منه مع الأصل.
يقول: ما الكتاب الذي يعتني بدليل المسألة وتعليلها من كتب الفقه الحنبلي؟ إن كان الفقه الحنبلي مجردًا عن غيره من الأقوال الأخرى، فالقول بدليله موجود، وتعليله موجود في "الكافي" وإن كان مع المقارنة بالمذاهب الأخرى بأدلتها "فالمغني".
يقول: ما القول الصحيح في تفسير "البركة" في قوله: «من أحب أن يبسط له رزقه»؟
المقصود في تفسير الزيادة؛ لأن البركة قول من الأقوال في الزيادة، وتكلمنا فيها كثيرًا، ولاشك أنها من نظر إليها إلى أنها: تغير في المثبت، فالله –جل وعلا- يمحو ما يشاء ويثبت، وفيها مقالة عمر –رضي الله عنه- وإن نظر إلى أنها فيها نوعُ مخالفة لقولِ الله –جل وعلا- {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً
ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]. مع أنه يمكن توجيه الآية أنه إذا حلَّ الأجل، وجاء الأجل لا يمكن تقديمه ولا تأخيره، أما قبل ذلك فيمكن أن يغيَّر ويقدَّم ويؤخَّر على حسب ما في علم الملائكة، أما ما في علم الله –جل وعلا- فهو لا يتغير.
أما بالنسبة للزيادة، الزيادة المعنوية التي هي: البركة في العمر، فيمكن أن ينجز الإنسان في سنين يسيرة ما لا ينجزه غيره في أضعاف هذه المدَّة.
هذا يقول أيضًا نفس الكتاب، وأظنه نفس الكاتب أيضًا، يقول: هل يوجد كتاب في فقه الحنابلة يهتم بالدليل والتعليل؟

نعم، قلنا: إن "الكافي" في رواية المذهب بأدلتها، و"المغني" في أدلة المذهب وغيره.
هذه كتب مقارِنة، الحكم فيها مقرون بالدليل، وفي "المغني" الحكم مقرون بالدليل مع الإشارة إلى الخلاف بدليله.
طالب: زاد مسائل؟
نعم زاد مسائل؛ لأن الموفق تابع للخرقي، والذي يريد أن يقرأ يعني: يستوعب "المغني" مع تطبيقِه على كتبِ المتأخرين، ومجاراته لها فليقرأ في "الشرح الكبير"؛ لأنه مستوعب لــ "المغني" ومسائله على المسائل عند المتأخرين، يعني على "المقنع".
يقول: قمت ببيع سيارتي لأحد الأشخاص بالتقسيط، واشترطت عليه عدم نقل الملكية إلا بقدر انتهاء الأقساط.
إن كان هذا التصرف بمثابة الرهن من أجل أن لا يبيعها حتى تستوفي، فهو إن اختلف المسمى فالمقصود به "الرهن" وضمان الحق، وتوثقة الدَّين بهذه العين، وإن كان المقصود به حجر التصرف من غير إرادةٍ للرهن فهذا شرطٌ ينافي مقتضى العقد، فهو باطل.
يقول: حديث «من أصبح منكم اليوم صائمًا» هل يشترط وقت محدد لعمل هذه الأشياء في اليوم، أم يجزئ الأمر خلال اليوم كاملاً؟
يعني الذي يريد أن ينظر إلى لفظ الحديث، قال: إن هذا الأمور كانت في الصباح، كلها كانت في الصباح، في أول النهار.
طالب:.....
ماذا؟
طالب:....
 نعم.
طالب:...تغني عن .. حتى ..
المرور ما يعترف بمثل هذه الأمور، ما يعترف بمثل هذه الأمور، وإلَّا فكان في السابق لما كانت الاستمارات دفاتر إذا كانت السيارة مرهونة، راحوا، ذهب الطرفان إلى المرور وختموا عليها السيارة مرهونة فلا تُباع، هذا زين. هذا أفضل بكثير مما يتحايل عليه بعض الناس ويُجرون عقودًا خفيَّة.
طالب:.. يا شيخ.. مبايعة، كتابته..
.
نعم: هذه من أجل.. لكنها عقدٌ خفي، يعني لو ذهب وباع أم نقل ما أحد يمنعه، ومدَّة لكن تُحبس الاستمارة عند الدائن الراهن، ويُعطيه ورقة أن الاستمارة عندي.
طالب:....
يعطيه ورقة، يعطيه ورقة، ما هو بتفويض باعتبار أن السيارة له، لا، هو باع السيارة، والسيارة ملك للمشتري، لكن يعطيه ورقة أن الاستمارة محبوسة عندي حتى يتم السداد ويصدقون عليها من المرور وتمشي.
هذا يقول: هل يمكن أن إنزاله إلى بيت العزة للتشريف، لا أنه يأخذ منه، وإنما يأخذ من الله– عز وجل- فتكون الجهة منفكة؟
كلٌّ يستفيد من هذا الحديث على مذهبه، كلٌّ يوجه الحديث على ما يراه، فالذي يقول: إن الله –جل وعلا- تكلَّم ويتكلَّم متى شاء إذا شاء، قالوا: ولو أُنزل القرآن إلى بيت العزَّة فيبقى أن أخذ القرآن من الله –جل وعلا- مباشرة، في كل حادثة تقتضي إنزاله، والذي يقول إنه تكلم في الأزل ولا يتكلَّم يقول: إنه تردد على هذا القرآن المنزل إلي بيت العزة ويأخذ منه.
يقول: هل يدخل في الغيبة ذكر بعض المشايخ ببعض أعماله الحسنة، وهو معروفٌ بكرهه لها، ولا يرضى أن يذكره أحدٌ بها؟
مقتضى التعريف النبوي للغيبة: وهي أنها: ذكرك أخاك بما يكره، ذكرك أخاك بما يكره، وهو يكره هذا أنها تدخل، لكن من المعروف لدى الناس كلهم أنَّ الأعمال الحسنة ليست مما يُكره، نعم، إظهارها قد يُكرَه، لكن الأعمال الحسنة ليست مما يكره، وثناء الناس على الشخص بأعماله الصالحة من عاجل بشراه.
يقول: ذكرت في الدرس الماضي كتاب "حجة الله البالغة" للدهلوي، فهل تنصح به؟
نعم، فيه فوائد كثيرة جدًّا، لكن فيه مثل هذه الشطحات، الشطحات التي لا َيدلُّ عليها دليل، لا عقلي ولا نقلي، ولا يُعرف من سبقه بالقول أن ليلةَ القدر أكثر من ليلة.
على كل حال: الكتاب فيه فوائد يُستفاد منه.
يقول: هل نقول: إن الأقرب أن القرآن نزل قبل البعثة إلى السماء الدنيا؛ لأنه لو نزل بعد البعثة فهل جبريل أخذ الآيات الأول مثل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] من اللوح المحفوظ أو سمعها من الله؟
فيه فرصة وفيه فترة بين البعثة وبين نزول "اقرأ" ستة أشهر، وتفاصيل هذه الغيبيات لا يمكن أن تُدرك بالرأي، يعني: يُوقف على ما سُمِع، ولا يُزاد عليه إلا بما يدلُّ عليه الدليل.
هذا سؤال خاص: يقول: ما رأيك بالجامعة الإسلامية أريد أن أدرس فيها للتفرغ، وأهلي في الرياض، وقد قبلت في الرياض في كلية الشريعة الفصل الثاني، فما نصيحتك؟
مرد ذلك إلى والديك، المرجِّح هما الوالدان، ثم يبقى النظر في حقيقةِ الجامعتين.
وكلية الشريعة سواء كانت هنا أو هناك متقاربة، متقاربة، لكن يبقى إذا كانت رغبة الوالدين البقاء فالبقاء هو المرجح.
يقول: ما حكم التكبير عند سجود التلاوة؟
الذي يقول: إن سجدة تلاوة صلاة، يقول: تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، والذي يقول: إنه ليس بصلاة فلا يحتاج لا إلى تكبير ولا إلى تسليم، يهوي بالسجود من غير تكبير ولا تسليم، هذا إذا كان خارج الصلاة، وأما إذا كان السجود في الصلاة فقد كان النبي –عليه الصلاة والسلام- يكبر مع كل خفضٍ ورفع، مع كل خفض ورفع، وهذا منها.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف –رحمه الله تعالى-: "حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس عن الزهري، حدثنا بشر بن محمد قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس" إلى هنا انتهينا منه، انتهينا من مناسبة الحديث للترجمة.
قال: "كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أجود النَّاس"
كان: هذه تدل على الاستمرار، وهذا ما تقتضيه الصيغة، ويؤيده، ويشهد له الواقع، فالوقائع والحوادث التي تدل على جوده وكرمه –عليه الصلاة والسلام- لا تكاد تُحصر؛ لأنه تأتي كان والأصل فيها الاستمرار في نصوص ما حصل فيها الكون إلا مرة واحدة، فهذا عليه خلاف الأصل، لكن الذي معنا هذا على الأصل وهو مؤيد بالنصوص الكثيرة المتضافرة المتوافرة على جوده وكرمه –عليه الصلاة والسلام- في سائر الأحوال.
"كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أجود الناس": بنصب أجود خبر كان، أي: أجودهم على الإطلاق.
طالب:.......
ما وجه المناسبة؟
طالب:....
وقبل؟
طالب:...
هو معروف بالكرم والجود من الأصل.
طالب:....
بعيد قليلًا، بعيد.
أجود الناس، بنصب أجود خبر كان، أي: كان –عليه الصلاة والسلام- أجودهم على الإطلاق، وفي كل حال، وفي كل ظرف، وأعطى غنمًا بين جبلين، وأعطى عطاء من لا يخشى الفقر، وأعطى فلانًا مائة من الإبل و.. مع أنه في حاله وعيشه –عليه الصلاة والسلام- يجوع يومًا ويشبع يومًا، وربط الحجر على بطنه –عليه الصلاة والسلام- ويُرى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاث أهلة في شهرين، لا يوقد في بيته نار –عليه الصلاة والسلام-.
هكذا ينبغي أن تكون الحال بالنسبة للمسلم، أن يجود بما في يده لله –جل وعلا-، بينما نشاهِد بعض الأثرياء يسهل عليه جدًّا أن يجود بالمال في وجوهٍ لا يُحمد عليها لا شرعًا ولا عقلًا، ويبخل بما فرض الله عليه، وهو شيء يسير جدًّا، تجده يسافر الأسفار ويُنفق الأموال الطائلة، فلعل زكاته تعادل نفقة يوم من هذه الأيام.

 الآن كثير من الناس حتى في أفرادهم إذا قيل له: ادفع السعي، اثنين ونصفًا بالمئة يتردد أم لا؟ لكن إذا قيل له: ادفع الزكاة اثنين ونصفًا بالمئة يصعب عليه هذا، مع أنَّه إذا بذل النسبة في الربحِ، إذا بذل لله –جل وعلا- أقلّ تقدير عشرة بالمائة؛ لأنه اعترض بعضهم -كما قال ابن القيم- أنه كيف أبيع عاجلًا بآجل، أدفع الدراهم وأنتظر الأجر بعد! كيف أبيع عاجلاً بآجل، ناجزًا بآجل؟ نقول: نعم إن كانت النسبة مثل ما يتداول النَّاس اليوم، عشرة بالمائة خمسة بالمائة تزيد أو تنقص، فأنت تحسب، لكن إذا كانت المسألة عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
الأمر الثاني: أن النسب التي تنظر إليها على أنها نسب فانية قد تفنى مع أصلِها، بينما النِّسب التي تزعم أنها آجلة فنسب باقيَة، فبعضُ النَّاس يسهُل عليه جدًّا أن ينفق ويبذِّر في وجوه لا يُحمد عليها، بل يُذم عليها، وإذا جاء الإنفاق في سبيل الله تجده يتردد ويتلوى ويفرض رقمًا ثم يحذف نصفَه، ثم..،  وإذا نظر إليه المجتمع أخذ يحسب كم جمعت هذا المال الذي أخرجه في لحظة، كم أخذ عليّ من المدة، يحسِّب، الرسول –عليه الصلاة والسلام- الذي يجود بالأموال الطائلة يمكث ثلاثة أهلّة في شهرين لا يوقد في بيته نار، وخرج هام على وجهه مع خِيَار الأمة، لم يخرجه من بيته إلا الجوع –عليه الصلاة والسلام-. نحن ننظر إلى هذه الدنيا كأنَّما خُلقنا لها، كأنما خُلقنا لها، وليس وراءنا غيرها، فعلينا أن نعيد حسابتنا، عندنا أثرياء يعدُّون من الأوائِل في العالَم، ومع ذلك يُوجد عندنا من لا يجدُ ما يدفعهُ لولَدِه مصروفًا للمدرسة، حتى إنه وُجد في بعض المدارِس من يحمِلُ الماء في القوارير الخُضر، حتى يُظن أنه مشروب، مثل غيره، والذي فيه ماء؛ لأن ماء القارورة البيضاء يرى أنه ماء، يعني يوجد هذا في جانب من يبذِّر ويُسرف ويفعل ويفعل، سبحان الله! أين الكرم؟ أين الجود؟! والله المستعان.
طالب:...........
يقول: وليّ الأمر -هو يريد أن يطبق ما سمعنا- ولي الأمر إذا أنفق من بيتِ المال في وُجوهِ البرِّ والإحسان وفيما مصلحتُه عائدَة إلى الإسلام والمسلمين هل يُمكن أن يوصف بالجود؟ نعم، يوصف بالجود، يوصف بالجود والكرم؛ لأنه بيده بيت المال، لو شاء لصرفه إلى غير ذلك، ولو شاء لأمسكه.
طالب:....شيء واجب..
يشمل الأمرين، يشمل الواجب والمندوب.
طالب:....
ماذا فيه؟
طالب:.....
من لم يدفع الزكاة، يعني: الممتنع من الأركان، عرفنا أن الشهادتين لا يدخل الإسلام إلا إذا نطق بهما، والصلاة القول المرجح عليها الأدلة الصحيحة الصريحة أنه يكفر، لكن بقية الأركان، أظن أشرنا إلى هذا في.. في أول الحج قول رواية عند الحنابلة وقول عند المالكية أنه يكفر بترك الزكاة، بترك الصيام، بترك الحج، وعامة أهل العلم أنه لا يكفر إلا إذا جحد.
وأجود ما يكون "وكان أجود ما يكون في رمضان" يعني: حال كونه في رمضان، برفع أجود اسم كان، كان أجودُ: برفع أجود اسم كان، وخبرها محذوف وجوبًا، قال: على حدِّ قولك: أخطب ما يكون الأمير قائمًا. قالوا: و "ما" مصدرية، أي: أجود أكوان الرسول –عليه الصلاة والسلام-، يعني: تؤول وتُسبك مع ما بعدها بمصدر، أي: أجود أكوان الرسول –صلى الله عليه وسلم- وفي رمضان، أجود ما يكون في رمضان، يعني: حال كونه في رمضان، ويقول: إن قوله: في رمضان: سدَّ مسدَّ الخبر، أي: حاصلاً فيه. في رواية الأصيلي: "أجودَ: بالنصب خبر كان.

 وعورض بأنه يلزم منه أن يكونَ اسمها خبرها"، ولابدَّ أن يكون الخبر غير المبتدأ؛ لأن المبتدأ جُزء من الفائدة ولا تتم به الفائدة، وإنما تتمُّ الفائدةُ بالخبر، والخبرُ: الجزءُ المتم الفائدة. يعني: ركن الجملة، لا بد منه. وفي رواية الأصيلي: "أجودَ بالنصب خبر كان، وعورض؛ لأنه يلزم منه أن يكون اسمها خبرها، وأُجِيبَ بجعلِ اسم كان ضمير النبي –عليه الصلاة والسلام-" يعني الضمير الذي يعود إليه –عليه الصلاة والسلام- "وأجود: خبرها، و "ما" حينئذ مصدرية ظرفية"، يعني: ليست، يعني: مع كونها مصدرية لكن مشربة بالظرف؛ لأنها واقعة في رمضان، وهو ظرف، "والتقدير: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- متصفًا بالأجوديَّةِ مدَّةَ كونه في رمضان، مع أنه أجود النَّاسِ مطلقًا".

يقول النووي في شرحه على "أوائل البخاري" على "بدء الوحي والإيمان": "يجوز في أجود الرفعُ والنَّصبُ،  والرفعُ أصح وأشهر". قال ابن حجر: "يُرجح الرفع وروده بدون كان، عند المؤلِّف في الصوم".

طالب: ...........

 كيف؟ وكان أجود ما يكون، بدون كان.
طالب:... أجود والناس، وأجودُ ما يكون في رمضان.
نعم، بدون "كان"، كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أجودُ الناس، وأجودُ ما يكون في رمضان.
وأجود: أفعل تفضيل، أجود الناس، أفعل تفضيل، يعني: أنه يشتركُ مع غيرِه في هذا الوَصف، في الجُود، فالنَّاس كثيرٌ فيهم الجود، لكن لا في جميعهم، ويفضلهم النبي –عليه الصلاة والسلام- في هذا الوصف، كما هو مقتضى أفعل التفضيل، وأفعل التفضيل من الجود، وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي. يعني: ليس كل إعطاء جود، ليس كل إعطاءٍ جود، إنما هو: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي. وهل يُشترط في تسمية الجود أن يكون السَّبب والوسيلة في الحصول على المال تكون شرعيَّة؟

يعني لو كسب من أموال خبيثة وصار ينفق؟
طالب:.....
يُسمى جوادًا أم غير جواد؟ قلنا: الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي. يعني: إذا بذر الأموال في غير وجوهها ما يقال: جود، هذا معروف مفروغ منه، لكن إذا اكتسبها من غير وجوهها، من غير حلّ؟
طالب:.....
نعم؟
طالب:....
ما ينبغي لمن ينبغي، أن تعطي الشخص ما يستحقه، لو أعطيت امرأة سيارة، هذا ما ينبغي، لكن هل يُمكن أن يقول قائل: إن حاتم ليس بجواد؟ وهل يُضمن دخله أنه شرعي؟
طالب:....
المسألة لغوية، وللعرب في هذا الباب أطناب واصلة إلى التخوم في الجود والكرم، مع أن مكاسبهم كثير منها من الإغارة، من الإغارة، من النهب والسلب.
طالب:.....
نعم؟
طالب:.....
المسألة مسألة إطلاق لُغوي، يعني حقيقة الجود اللغوية، تحصل أم ما تحصل؟
طالب:....
لكن بالنسبةِ للأجر المرتَّب على ذلك، جاء في الحديث الصحيح «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا».
 نعم؟
طالب:...
ما الفرق بين الجود والكرم؟
طالب:......
الجود ماذا؟
طالب:...
قدر زائد على مجرد الكرم؟
طالب:.... الجود يشمل المال والجاه..
ما الذي يقابل الجود، وما الذي يقابل الكرم؟ البخل يقابل ماذا؟
طالب: الجود.
هم فسروا الجود في هذا المقام بالكرم، لكن لا يلزم من تفسير كلمة بكلمة أن تكون مساويةً لها ومطابقة لها من كل وجه.
طالب:.... يسمى جوادًا، يسمى كريمًا.
يسمى هذا وهذا، لكن يبقى أن من الناس من يُسمَّى جوادًا ويسمى كريمًا، ومنهم من يسمى كريمًا ولا يسمى جوادًا، والعكس.
طالب:....
نعم؟
طالب:...
وجهه، ما وجهه؟
طالب:....
كيف؟
طالب:.......جواد مع ذلك ..
يعني: الكريم من يُكرم نفسه وغيره، والجواد من يجود ويتفضل على غيره.
طالب:.....
دون نفسه.
يعني أنت أخذته من واقع النبي –عليه الصلاة والسلام- ليس من مصدرٍ لُغوي، يعني تصورت المسألة هكذا.
طالب:.....
نعم.
طالب:....
لا تحضره الآن الدرس القادم، نعم، جزاك الله خيرًا.
طالب:.....
طيب.
طالب:.....
نعم.
طالب:.....
لا، ينبغي باعتبار أن المسألة شرعيَّة من باب التأليف، هو ينبغي أن يُعطى.
طالب:....
نعم، ينبغي أن يعطوا من أجل التأليف، لا لحاجتهم وفقرهم، يقول الكرماني: "وهو– عليه الصلاة والسلام- أسخى من سائر الناس لمَّا كانت نفسُه –عليه الصلاة والسلام- أشرف النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة؛ لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال. قال: وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شك أن يكون أجود، كيف لا وهو مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصالحات، وكان في رمضان أكثر؛ لأنه موسم الخيرات، ولأن الله –جل وعلا- يتفضّل على عبادِه في رمضان، ما لا يتفضل في غيرِه، فكان –عليه الصلاة والسلام- يؤثر متابعة سنة الله في عبادِه، ولأنه يصادِفُ البشرى من الله –جل وعلا- بملاقاةِ أمين الوحي، ويتابع أمداد الكرامة عليه، فينعِمُ على عباده بما يمكِّنه بما أنعم الله عليه، ويحسن إليهم كما أحسن الله إليه".
قال: "وفيه امتثال قوله تعالى في تقديم الصدقة على النجوى {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة:12]  فهذه مقدَّمة بين يدي مناجاة جبريل –عليه السلام- وهو رسول، قال: وفيه امتثال قوله تعالى بتقديم الصدقة على النجوى؛ إذ جبريل رسول أيضًا. قال: أو شبيه بذلك. فإن قلت: آية النجوى منسوخة"، يعني ما عمل بها قبل نسخها إلا علي –رضي الله عنه وأرضاه- "فإن قلت: آية النجوى منسوخة، قلت: الوجوب إذا نسخ بقي الندب.

قال: وثبت في شرح السُّنة أنه –صلى الله عليه وسلم- كان من أجمل النَّاس، وكانَ أجودَ الناس، وأشجع الناس –عليه الصلاة والسلام-.

وقال ابن حجر: قدَّم ابن عباس هذه الجملة". ماذا؟ "كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أجود الناس. قدم هذه الجملة على التي تليها، وكان أجود ما يكون في رمضان". رمضان ومدارسة القرآن فيه مناسبة، لكن الجملة الأولى ما فيها مناسبة. قال: "قدم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها وإن كانت لا تتعلق بالقرآن؛ على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها"، على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها؛ لأن الجملة التي تليها: أجود ما يكون في رمضان، لكن ماذا عن شعبان وشوال؟ يتناولهما قوله: كان –عليه الصلاة والسلام- أجود الناس.

"يقول: قدَّم ابن عباس هذه الجملة، يعني قوله: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، على ما بعدها، وإن كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها". يعني لئلا يُفهم أن جوده، وأجوديته في رمضان خاصة، فهو على الدوام والاستمرار هذا وصفه.

قال ابن حجر: "ومعنى أجود النَّاس: أكثر الناس جودًا، أكثر الناس جودًا، وهو من الصفات المحمودة. وقد أخرج الترمذي من حديث سعد رفعه: «إن الله جواد يحب الجود»، «إن الله جواد يحب الجود» الحديث، وله من حديث أنس رفعه «أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي من علم علمًا فنشر علمه. أو: رجل علم علمًا فنشر علمه، ورجل جاهد بنفسه في سبيل الله» قال: وفي سنده مقال". "وسيأتي في الصحيح من وجهٍ آخر عن أنس: كان رسول –صلى الله عليه وسلم- أشجع الناس وأجود الناس –عليه الصلاة والسلام-". وجاء في حديث: وأتقى الناس، وأعلم الناس بالله –جل وعلا-. "وفي الصحيح من حديث جابر: ما سُئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- شيئًا فقال: لا. ما سُئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- شيئا فقال: لا".
هذا يقول: ألا يمكن أن يُقال: إن الجود هو: إعطاءٌ لمن ينبغي، وأن الكرم هو إعطاءٌ عطاءً زائدًا عن قدرِ حاجة المُعطَى؟
واضح الكلام؟
طالب:....
يقول: ألا يمكن أن يُقال: إن الجود هو: إعطاءٌ لما ينبغي، وأن الكرم هو إعطاءٌ عطاءً زائدًا عن قدرِ حاجة المُعطى؟
طالب:....
أيهما أدخل في المدح، وأوغل في المدح. الجود أم الكرم.
طالب:...
يعني الجود كرم وزيادة؟
طالب:.....
نعم، جاء وصفه بالجود.
طالب:.......
نعم.
طالب:.....
نعم، جاء ما يدلُّ على ذلك.
يقول: هناك الصِّفات المشتركة، والصفات الخاصة بالله –جل وعلا-.
 جاء ما يدل على الاقتداء به في الكرم، في الجود، «إن الله جواد» ما معنى هذا؟ من أجل ماذا؟ أن يحثَّ الناس على الجود، لكن الجبار، ما يجوز. فهناك ما دل الدليل على الاقتداء به فيه، وهناك ما دل الدليل على منع الاقتداء به.
طالب:.......
ماذا؟
طالب:......
المقصود أنها فيها سعة، ما يصح الاقتداء به لا مانع، ومنه ما لا يصح..
طالب:....
أنت أعرف، ما أدري، والله أنا بعيد العهد.. عن الفتاوى.
الآن فيما يقابل الجود والكرم، على القول بالترادف: البخل والشح. فأيهما أشدّ؟
الشح أشد؛ {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الحشر:9].
وأيضا جاء ذم البخل، ماذا قالوا عنهما؟ قالوا: الشُّح بُخلٌ مع حرص. بعض النَّاس يجمع الأموال بشرَه، ثمَّ يمنع ما أوجب الله عليه، فهذا شح. وبعض الناس لا يهتم لجمع الأموال، لكنها إذا حصلت في يده أمسكها. قالوا: هذا بخيل.
حين يلقاه، يقول هنا: "وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل"، حين يلقاه: حالٌ من الضمير الموجود في حاصل، يعني: الذي يتعلق به الجار والمجرور، "حالٌ من الضمير الموجود في حاصل مقدَّر فهو حالٌ عن حال، حالٌ عن حال، ومثلها يُسمَّى بالحالين المتداخلين، ومعناه: وكان أجود أكوانِه –عليه الصلاة والسلام- حاصلًا في رمضان حال الملاقاة". وكان أجود أكوانه حاصلاً، هذا حال. في رمضان حال الملاقاة. قالوا: "ويحتمل أن يكون في "كان" ضمير الشأن، فيكون المعنى: كان الشأن الموجودُ، أو: كان الشأن أجود أكوانِهِ حاصلًا في رمضان عند الملاقاة".

المقصود: أن المعنى واضح سواء على هذا أو ذاك. وقيل: "الوقتُ مُقدَّر كما في مقدم الحاج"، مقدم الحاج: وقت مقدم الحاج: أي أجود أوقات أكوانِه وقتُ كونه في رمضان. "وإسناد الجود إلى أوقاته –عليه الصلاة والسلام- على سبيل المبالغة". وإلا فالأصل أن الجود يسند إليه– عليه الصلاة والسلام- "كإسناد الصومِ إلى النَّهار في نحو: نهاره صائم". وأيضًا: في ليله قائم، إسناد القيام إلى الليل. "وكان جبريل يلقاه" أي: يلقى النبي –عليه الصلاة والسلام. "وكان جبريل يلقاه" "وكان يلقاه" عندنا "وكان يلقاه".
طالب:...
وكان يلقاه، حين جبريل يلقاه انتهينا منها. و"كان يلقاه" من اللَّاقي ومن الملاقَى؟
طالب:....
المصرَّح به في الجملة الأولى: حين يلقاه جبريل، هذا ما فيه إشكال، جبريل الفاعل. وإلا  لقيل: حين يلقى جبريل، حين يلقى جبريل، لكن لما قال: حين يلقاه جبريل عرفنا أن اللاقي هو جبريل في الجملة الأولى ما فيه إشكال، لكن في الجملة الثانية: وكان يلقاه في كل ليلة، وإذا قلنا: إن الملاقاة مفاعلة بين اثنين فكل منهما ملاقٍ ملاقَى حال. يقول: حين يلقاه، وكان جبريل يلقاه، وكان: هذه جبريل.. هذه ليست من المتن، "وكان يلقاه: أي يلقى النبي –صلى الله عليه وسلم- وجوَّز الكرماني: أن يكون الضمير المرفوع". يعني: الملاقي: النبي –عليه الصلاة والسلام- والمنصوب لجبريل والعكس. وهذا ما فيه إشكال المعنى واضح، ومقتضى الملاقاة يعني: مقتضى اللقي شيء، ومقتضى الملاقاة شيء إذا قلنا: يلقاه لُقيًّا، اقتضى أن يكون الفاعل واحدًا، والمفعول الملاقى واحدًا، فإما هذا وإما هذا.
وإذا قلنا: إنه من باب المفاعلة قلنا: إن كل واحد لقي الثاني. لكن لو نظرنا من حيث المعنى أيهما الملاقِي والملاقَى، إذا كان أحدهما يأتي إلى الثَّاني؟
طالب:.....
يعني: أنت لما تسافر تعتبر نفسك راويًا من الرواة، تذهب للقاء شيخ من الشيوخ، أنت الذي ذهبت إليه، فأنت الذي لقيته.
طالب:....
نعم؟
طالب:.....
ماذا؟ هذا دليل على التأويل الثاني كما يقول ابن حجر، لكن نريد الفاعل من المفعول "وكان يلقاه" هل نقول: كان الضمير يعود إلى أقرب مذكور الذي هو جبريل، أو كان الرسول –عليه الصلاة والسلام- يلقاه، يعني: يلقى جبريل؟ نحتاج إلى ضمير في كان، والضمير يلقاه، ضمير النصب، ضمير كان هو: المرفوع، وهو الملاقِي، وضمير النصب هو: المفعول وهو المُلاقَى. ويلقى: من اللقيّ وليست من الملاقاة، لو قال: كان يلاقيه، قلنا: ملاقاةً، فيجوز هذا وهذا أو كلاهما. كل واحد يلقى الثاني. ومحمد –عليه الصلاة والسلام- آتٍ أم مأتي؟
طالب:.....
نعم؟
طالب:....
مأتي، إذًا من الذي يلاقي، ومن الذي يلاقَى؟
جبريل يلاقي النبي –عليه  الصلاة والسلام- "وكان جبريل يلقاه: أي: النبي عليه الصلاة والسلام-، وجوَّز الكرماني أن يكون الضمير المرفوع للنبي –صلى الله عليه وسلم- والمنصوب لجبريل، والعكس". لكن هل يختلف المعنى في هذا أم ما يختلف؟
طالب:....
ما له أثر. المهم: أنهما يلتقيان.
طالب:......
أو كلاهما، سيأتي –إن شاء الله-.
رجح العيني الأوَّل، بقرينة: "حين يلقاه جبريل في كلِّ ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن"
فيدارسه القرآنَ: بالنصب مفعول ثاني ليدارسه على حدِّ: جاذبته الثوبَ، المدارسة معروف أن شهر رمضان هو شهر الصيام، وهو شهر القيام، وهو شهر القرآن أيضًا {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]. فينبغي العناية بالقرآن في شهر رمضان أكثر.
هذا يقول: قال: يقول أبو هلال العسكري: الكرمُ: إعطاء الغير من غير سؤال، والجود: إعطاء الشيءِ عند السؤال. ثم ذكر كلامًا أن الكرم مقدمٌّ عن الجود؛ لأنه ورد في الأثر: أنت الجواد الكريم. أي: أنه يتدرج من الأدنى إلى الأعلى.
"فيدارسه القرآن" قالوا: "بالنصب مفعول ثاني ليدارسه على حد قولهم: جاذبته الثوبَ"، مدارسة مفاعلة، والمجاذبة مفاعلة، وهي تقتضي مفعولين.
على كل حال: المدارسة ينبغي أن تكون دائمة لطالب العلم يُدارِس، يدرس بمفردِه ويُدارس غيره؛ لأن العلم يرسخ بهذه الطريقة، يدرس بنفسِهِ ويُدارسُ غيرَهُ، ويتلقَّى عن غيرِهِ، ويستفيد من كلِّ أحد، فيأخذ عمن فوقه كما هو الأصل، وعن القرين وعمن هو دونَهُ؛ لأنه قد يوجد عند الصغير ما لا يوجد عند الكبير. المدارسة، بعض الناس إذا درس بمفرده يغفل أو يكسل أو يحتاج إلى من يعينه على الفهم، يحتاج من ينشِّطه على الحفظ ويحتاج من يعينه على الفهم، ولذا يوصى بالمدارسة، والمذاكرة للعلم مع الأقران، ومع الشيوخ ومع التلاميذ، يكون دائمًا على مذاكرة، كثير من المجالس تُقضَى بغير فائدة، لو حصلت هذه المذاكرة لاستفدنا خيرًا كثيرًا ولو في كل مجلس تذاكر مسألة واحدة، لا يلزم أن يكون المجلس كله مذاكرة علم؛ لئلا يتطرق الملل والسآمة إلى طلاب العلم.

 المدارسة في رمضان للقرآن، هل الأفضل أن تكون بالليل أو بالنهار، في كلِّ ليلةٍ من رمضان؟ الأولى أن تكون المدارسة التي يُراد منها تثبيت الحفظ وفهمَ المعنى أن تكون بالليل، وهذه سنَّة تكاد أن تكون مهجورة، والقراءة والدراسة لا مانع أن تكون في كلِّ وقت، يعني: تقرأ القرآن طيلة نهار رمضان، وهذا شأن السلف وديدنهم، لكن في الليل تقرأ، كما تقرأ بالنهار وتقتطع جزءًا من وقتك للمدارسة والمذاكرة، وفي طول العام. الآن رمضان يختصّ بالقرآن؛ لأنه شهر القرآن، والسلف يتركون تعليم العلم ومدارسة العلم غير القرآن في رمضان، يبقى بقية السنة على طالب العلم أن يدرس في النَّهار وفي الليل أيضًا، لكن تكون المدارسة كما هي في رمضان بالليل؛ لأنه أصفى للذهن، الليل تتعطل الأعمال فيهدو الجو، وكل ما قرب من الثلث الأخير كان أهدى.
"فيدارسه القرآن" الفاء في "فيدارسه" عاطفة على "يلقاه" "يلقاه فيدارسه" فبمجموع ما ذُكِر: مجموع الصورة المكتملة، مجموع ما ذُكِر من فضل الزمان: رمضان، ومدارسة القرآن حيث تنزل السكينة وتغشى الرَّحمة، من رمضان ومدارسةُ القرآن، وملاقاة جبريل، "من مجموع ما ذُكر يتضاعف جودُه –عليه الصلاة والسلام-؛ لأن الوقتَ موسمُ الخيرات"، رمضان موسم الخيرات؛ "لأن نعمَ اللهِ –جل وعلى- تربو فيه على عبَادِه. والمدارسةُ مفاعَلَة: من الدرس وهو القراءة على سرعة". يعني كأن معنى الاندراس، اندراس الشيء وذهابه متصوَّر، يعني: أنت تسابق الزمن لئلا يندرس ما أنت بصدده.

قالوا: "وهو القراءة على سرعةٍ من درستُ الكتاب. كما قال –جل وعلا-: {وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران:79]. وقال: {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف:169]، {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} [الأنعام:105] أي: قرأت على اليهود، وهاهنا لما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- وجبريل يتناوبانِ في قراءةِ القرآن، لما كان النبي –عليه الصلاة والسلام- وجبريل –عليه السلام- يتناوبان في قراءة القرآن، كما هو عادةُ القرَّاء بأن يقرأ هذا عشرًا، والآخر عشرًا أتى بلفظِ "المدارسة"، أتى بلفظ: المدارسة، أو أنهما كانا يتشاركانِ في القراءةِ أي يقرآنِ معًا".

 يعني: كل واحد يقرأ، هل هذه مدارسة، يعني كل واحد بيده مصحف أو من حفظهِ يقرأ، سواء كان من موضع واحد أو من أكثر من موضع. هذه مدارسة؟ ليست مدارسة، ليست مدارسة، طيب لو أن واحدًا يقرأ على واحد، من غير عكس، هذه مدارسة؟ هذه دراسة، هذه دراسة وليست مدارسة، إنما المفاعلة هي ما يكون بين طرفين، بأن يقرأ هذا على هذا، ويقرأ هذا على هذا، وهذا إذا كان بين الأقران يُسميه أهل العلم ماذا؟
طالب:.....
يعني في علوم الحديث عندنا شخص يقرأ على آخر، هذا تلميذ وهذا شيخ، هذا مفروغ منه، لكن إذا كان هذا يقرأ على هذا، وهما متساويانِ في السِّن، قيل: هذه روايةُ الأقران، فإن قرأ الثاني على الأوَّل سُمِّي المدبَّج، سمِّي المُدبَّج، "وها هنا لما كان النبي –صلى الله عليه وسلَّم- وجبريل –عليه السلام- يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القرَّاء بأن يقرأ هذا عشرًا والآخر عشرًا، أتى بلفظ المدارسة، أو أنهما كانا يتشاركان في القراءة أي يقرآن معًا" هذا ليس من المدارسة، هذا مُفاده أن كل واحد يقرأ لنفسه، حتى لو انصرف الثاني تأثر القراءة؟
طالب:....
لا، لو أن شخصين كل واحد بيده مصحف ويقرأ ولو كانا من موضع واحد، ولو رفعا صوتيهما هذه مدارسة؟ هذه ليست مدارسة، هذه ليست..، لو قام واحد وترك الثاني، نقول تعطل الثاني؟ لكن في المدارسة لو قام واحد انتهت المدارسة؛ لأنها مفاعلة من طرفين، أما ما يقومان به في آنٍ واحد بأن يقرآ ولو كانا موضع واحد لا يُقال هذه مدارسة؛ لأن استفادة أحدهما من الآخر اللهم إلا في تنشيط الهمَّة، في تنشيط الهمة، لو قام أحدهما وخرج من المسجد أو من المكان ما تأثر الثاني في قراءته، وإنما قد تفتر عزيمته، قد تفتر عزيمته، ولذلك ينبغي أن يكون طالب العلم بقدر ما يحتاج من الخلوة يحتاج إلى شيءٍ من الجلوة؛ لأنه إذا خرج الناس واحدًا تلو الآخر من المسجد، فالهمَّة قد تفتُر، قد تفتر الهمَّة، لكن بعض النَّاس يُفضِّل الخلوة على الجلوة، وتزيد همَّته بالخلوة، لكن ليس هذا من أول الأمر، هذا يحتاج إلى مران، يحتاج إلى وقت ليصل إلى هذه المرحلة، ولذلك أمنيةُ عليّ بن المديني: بيت خالٍ، وإسنادٌ عالٍ. إسناد عالٍ وبيت خالٍ.
طالب:..........
ماذا فيه هذا؟ المعارضة: كل واحد يمسك بنسخة، واحد يقرأ والثاني يتبع.
طالب:.......
بمحفوظيهما، عارضه بمحفوظه.
طالب:....
يستمع. نعم. هذه المعارضة، تصورها أنت في مقابلة كتاب أكثر من نسخة من كتاب، هذه معارضة، واحد يقرأ واحد يستمع وهو يصحح، والثاني كذلك إذا تعب الأول.
طالب:.... معارضة..
عارض هنا هي المدارسة، وقد علم أن باب المفاعلة لمشاركة اثنين نحو ضاربت زيدًا وخاصمت عمرًا.

 والله أعلم.

 وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.