التعليق على تفسير القرطبي - سورة الشورى (01)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة الشورى (01)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 02/ ربيع الثاني/ 1440 6:00 م

سماع الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:

سُورَةُ الشُّورَى مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهَا أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ { قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى } [الشورى: 23] إلى آخرها، وهي ثلاث وخمسون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{حم (1) عسق (2) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)}.

قوله تعالى: {حم، عسق} قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ: سَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ: لِمَ قَطَعَ " حم" مِنْ" عسق" وَلَمْ تُقْطَعْ " كهيعص" وَ" المر" وَ" المص"؟ فَقَالَ: لِأَنَّ {حم عسق} بَيْنَ سُوَرٍ أَوَّلُهَا "حم" فَجَرَتْ مَجْرَى نَظَائِرِهَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، فَكَأَنَّ " حم" مُبْتَدَأٌ، وَ"عسق" خَبَرُهُ، وَلِأَنَّهَا عُدَّتْ آيَتَيْنِ، وَعُدَّتْ أَخَوَاتُهَا اللَّوَاتِي كُتِبَتْ جُمْلَةً آيَةً وَاحِدَةً".

هذا التعليل الذي ذكره هو مجرد التماس، وإلا لا يوجد ما يدل عليه، التعليل الأخير الذي قال فيه: ولأنها عدت آيتين، وعدت أخواتها التي كتبت جملة آية واحدة، لماذا عدت آيتين؟ لأنها قطعت، ولماذا قطعت؟ لأنها عدت آيتين، هذا مقتضى كلامه، فهذا الدور بعينه، ويعلل لقطعها بكونها عدت آيتين، طيب لماذا عدت آيتين؟ لماذا تعد آية مثل كهيعص؟ لأنها قطعت، ولو جمعت لعدت آية، فهذا ليس بتعليل في الحقيقة؛ لأن كل ما قيل في هذا الباب من المستنبطات التي لا تستند إلى دليل، وأصل ما تكلم فيه مما يلتمس له مثل هذه الأمور العقول لا تدركه، حروف مقطعة كلام أهل العلم فيها كثير، لكن أفضل ما يقال فيها: الله أعلم بمراده، يعني التمس بعضهم أشياء قطع الحروف وقال: الألف كذا، واللام كذا، والميم كذا، والراء كذا، والحاء كذا، والقاف كذا.

طالب: .............

نعم.

 طالب: .............

لا، هذا ما يدل عليه من شيء ملزم، بعضهم يقول: إن القرآن مركب من هذه الحروف، وأنتم أفصح الناس، يعني الذين نزل عليهم القرآن، ومركب من الحروف التي تنطقون بها، فركبوا مثله، ائتوا بسورة من مثله، مع ذلك عجزوا، ولذا يستدلون على ذلك أنه لم يذكر في مطلع سورة من السور هذه الحروف إلا وذكر بعدها القرآن، إلا وذكر بعدها القرآن، مما يدل على أن العلة في إيجاد هذه الحروف المقطعة شيء يتعلق بالقرآن، ولا أوضح من كونهم طُلب منهم الإتيان بمثله فعجزوا، بعشر سور ثم عجزوا، بسورة واحدة عجزوا، فالقرآن مركب من هذه الحروف، يأتون بمثله أو بعضه، بعشر سور أو سورة.

 أما التعليل لماذا قطعت؟ لماذا جيء بها من الأصل وهذا فرع عنه؟ يعني إذا عجزنا أن نعلل الأصل فتعليل ما تفرع عنه من باب أولى.

"وَقِيلَ: إِنَّ الْحُرُوفَ الْمُعْجَمَةَ كُلَّهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أُسُّ الْبَيَانِ وَقَاعِدَةُ الْكَلَامِ، ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ، وَكُتِبَتْ { حم، عسق} مُنْفَصِلًا، وَ{ كهيعص} مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّهُ قِيلَ: حم، أَيْ حُمَّ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَفَصَلُوا بَيْنَ مَا يُقَدَّرُ فِيهِ فِعْلٌ وَبَيْنَ مَا لَا يُقَدَّرُ، ثُمَّ لَوْ فُصِلَ هَذَا وَوُصِلَ ذَا لَجَازَ، حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ".

يعني لو جاء في التنزيل هذا موصولًا وذا مفصولًا، خلاف ما هو الواقع لجاز، تجويز هذا هل هو للبشر أو لله –جل وعلا-؟ يعني تجويزه هذا من حيث العربية أو من حيث العقل والنقل؟ يعني لو فصلت كهيعص ووصلت حم عسق يقول: لجاز، لا يخاطب المكلف باعتبار الجواز الحكم التكليفي المعروف بمعني أن لك أن تفصل، ولك أن تصل، أو أنه لو جاءنا من عند الله– جل وعلا- ونقله الصحابة كما نطق به النبي -عليه الصلاة والسلام- مفصولاً وموصولاً لجاز، فتجويز مثل هذه الأمور مما لا يوجد ما يمنع ذلك من حيث العربية، أما من حيث المعاني التي ذكروها ففيها بعد، حم ما هو كائن، لماذا حم ما هو كائن؟

 ديننا -ولله الحمد- كله قائم على البيان والإيضاح والوضوح، ليس فيه شيء من الإشارات والألغاز، ولا متمسك بهذا لمن يقول بوجود شيء اسمه التفسير الإشاري، كما هو عند الصوفية، يبنون على حروف يستنبطون منها حوادث، وتقدمت مقالة اليهود عند تفسير قوله –جل وعلا-: {الم} البقرة أن اليهود رفضوا أن يدخلوا في الإسلام يقولون: دين عمره سبعون سنة، كيف يُدخل فيه؟

 من أين أخذوا سبعين سنة؟ من الم في حساب الجُمْل العمر سبعون سنة، هل يمكن أن يعول على مثل هذا؟

مثله قول من قال: إن القيامة، الساعة تقوم سنة ألف وأربعمائة وسبعة بناءً على أن الباء والغين والتاء والهاء مجموعة محسوبة بحساب الجُمل ألف وأربعمائة وسبعة، بغتة، {لا تأتيكم إلا بغتة}؛ لأن الاسترسال في مثل هذه الأمور حتى الدخول فيها لم يرد به شرع، بل هو عكس ما جاء به النبي- عليه الصلاة والسلام- من بيان للقرآن وإيضاح له، ولم يثبت عنه في ذلك شيء بتفسير الحروف المقطعة، ما دام لم يثبت عنه شيء، وشيء لم يدركه العقل، ولا يعرف من لغة العرب، لا يعرف من لغة العرب.

 قد يقول قائل: العرب تكلموا عن الحاء المفردة وما يتعلق بها، وتكلموا عن الميم، لكن ما تكلموا عليها من حيث المعنى، هي حرف مبنى، وليست حرف معنى، فلا يدرك من حيث النقل، ولا من حيث ما جاء في لغات العرب؛ لأنه ما لم يرد فيه شيء عن الله وعن رسوله ولا عن صحابته وعن سلف هذه الأمة وأئمتها، التي هي طرق التفسير المعتبرة، يرجع فيه إلى لغات العرب، لكن لو رجعت إلى القواميس والمعاجم كلها تبحث عن معنى حم، ما وجدت باعتبارها مفردة، ولا يوجد حرف مفرد له معنى إلا إذا حذف منه شيء، ونطق بمفرده مثل قِ من الوقاية أو عِ من الوعي وما أشبه ذلك.

طالب: ........

نعم.

طالب:.......الحركات الباطنية..

هو باطني، هو باطني جاءنا منه.

طالب: ..............

كذلك، كذلك، لا يمكن إن تدرك هذا الأمور بالعقل، ولا يمكن أن تطرد أيضًا، لا تطرد، ومع الأسف أنه يوجد من عُرف بالعلم، وأنه ليس من هذا النوع من الباطنية وغيرهم، يهتم بالتفسير الإشاري، وأودعه في تفسيره مثل الألوسي، الألوسي عليه ملاحظات بلا شك عقدية، لكن لا يصل إلى حد أن يكون من هذا النوع من هذا الصنف

" وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ " حم، سق" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَعْرِفُ الْفِتَنَ بِهَا، وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: { حم، عسق}، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا، قَدْ عرفتَ..".

عرفتُ.

"قد عَرَفْتُ لِمَ تَرَكَهَا".

يعني ممن يأتي بعد في الدولة العباسية، يأتي هذا.

 "نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْإِلَهِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَى نَهَرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْمَشْرِقِ، يَبْنِي عَلَيْهِ مَدِينَتَيْنِ يَشُقُّ النَّهَرُ بَيْنَهُمَا شَقًّا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَانْقِطَاعَ دَوْلَتِهِمْ، بَعَثَ عَلَى إِحْدَاهُمَا نَارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، فَتُحْرَقُ كُلُّهَا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكَانَهَا، فَتُصْبِحُ صَاحِبَتُهَا مُتَعَجِّبَةً، كَيْفَ قُلِبَتْ! فَمَا هُوَ إِلَّا بَيَاضُ يَوْمِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهَا وَبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {حم، عسق} أَيْ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ، وَفِتْنَةٌ وَقَضَاءٌ.

 حم: حُمَّ،" ع": عَدْلًا مِنْهُ،" س": سَيَكُونُ،" ق": وَاقِعٌ فِي هَاتَيْنِ الْمَدِينَتَيْنِ".

ما علق على هذا الكلام؟

طالب:....

ما علقوا؟

طالب: قال: أخرجه الطبري، وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال: أثر غريب منكر.

يعني مثل هذا يكتم ابن عباس تفسير الآية؛ لأنه نزل في رجل من أهل بيته؟ يعني من الدولة العباسية، فهل يليق بابن عباس أن يسمع مثل هذا؟

 يعني مما يذكر على سبيل الترفه، يذكر في كتب الأدب أن أعرابيًّا جاء إلى رجل وبين يديه تين وزيتون، فأخفى التين تحت رجليه فقلا له: ألا أسمعك ألا أسمعك شيئًا من كلام الله؟ قال: تفضل، قال: والزيتون وطور سنين، قال: طيب والتين؟ قال: التين تحت رجليك، يعني مثل هذه الطرف يمكن .. أما ابن عباس فيمكن أن يخفي شيئًا من كلام الله أو من معاني كلام الله؛ لأنه نزل في أحد من أهل بيته؟ هذا لا شك أنه منكر، هذا منكر ولا يثبت ألبتة.

"وَنَظِيرُ هَذَا التَّفْسِيرِ مَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «تُبْنَى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ وَقُطْرُبُّلَ وَالصَّرَاةِ، يَجْتَمِعُ فِيهَا جَبَابِرَةُ الْأَرْضِ تُجْبَى إِلَيْهَا الْخَزَائِنُ يُخْسَفُ بِهَا- وَفِي رِوَايَةٍ: بِأَهْلِهَا- فَلَهِيَ أَسْرَعُ ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْوَتَدِ الْجَيِّدِ فِي الْأَرْضِ الرِّخْوَةِ».

 وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ" حم، سق" بِغَيْرِ عَيْنٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" الْحَاءُ" حِلْمُهُ ، وَ" الْمِيمُ" مَجْدُهُ، وَ" الْعَيْنُ" عِلْمُهُ، وَ"السِّينُ" سَنَاهُ، وَ" الْقَافُ" قُدْرَتُهُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِحِلْمِهِ وَمَجْدِهِ وَعُلُوِّهِ وَسَنَاهُ وَقُدْرَتِهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ عَاذَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وسعيد بن جبير:" الحاء" من الرحمن، "والميم" مِنَ الْمَجِيدِ، وَ" الْعَيْنُ" مِنَ الْعَلِيمِ، وَ" السِّينُ" مِنَ الْقُدُّوسِ، وَ" الْقَافُ" مِنَ الْقَاهِرِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: إِنَّهُ اسْمُ الْجَبَلِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا".

يعني مثل ما قالوا عن قاف أنه جبل محيط بالدنيا، وذكروا من عظمه ما لا يحتمله عقل، ولا يثبت به نقل، وسيأتي هذا في تفسير سورة ق.

" وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ وَاللَّفْظُ لِلثَّعْلَبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عرفت الكآبة في وجهه، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْزَنَكَ؟ قَالَ: «أُخْبِرْتُ بِبَلَايَا تَنْزِلُ بِأُمَّتِي مِنْ خَسْفٍ وَقَذْفٍ، وَنَارٍ تَحْشُرُهُمْ، وَرِيحٍ تَقْذِفُهُمْ فِي الْبَحْرِ، وَآيَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ مُتَّصِلَاتٍ بِنُزُولِ عِيسَى وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

طالب: شيخ...

نعم.

طالب:.......

الكلام كله مبني على لا شيء.

" وَقِيلَ: هَذَا فِي شَأْنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَ " الْحَاءُ" حَوْضُهُ الْمَوْرُودُ، وَ" الْمِيمُ" مُلْكُهُ الْمَمْدُودُ، وَ " الْعَيْنُ" عِزُّهُ الْمَوْجُودُ، وَ" السِّينُ" سَنَاهُ الْمَشْهُودُ، وَ" الْقَافُ" قِيَامُهُ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَقُرْبُهُ فِي الْكَرَامَةِ مِنَ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ صَاحِبِ كِتَابٍ إِلَّا وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ: { حم، عسق} فَلِذَلِكَ قَالَ: {يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ}، وقال الْمَهْدَوِيُّ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ { حم، عسق} مَعْنَاهُ أَوْحَيْتُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ.

 وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَمُجَاهِدٌ" يُوحَى" بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مُضْمَرًا، أَيْ يُوحَى إِلَيْكَ الْقُرْآنُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ، وَيَكُونُ اسْمُ اللَّهِ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَيْكَ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْرٍ: { يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ  رِجالٌ} [النور: 37 - 36] أي يسبحه رجال، وأنشد سيبويه:

لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ بِخُصُومَةٍ ،،، وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطوائح
فقال: لبيك يَزِيدُ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَبْكِيَهُ، فَالْمَعْنَى يَبْكِيهِ ضَارِعٌ".

الذي نحفظه من شواهد شروح الألفية، ومن شواهد سيبويه أنه:

 لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ لخُصُومَةٍ

 يعني يبكيه ضارعٌ.

 ومُخطبِتٌ مما تطيحه الطوائح.

" فَالْمَعْنَى يَبْكِيهِ ضَارِعٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُ يُوحيهِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ مُبْتَدَإٍ أَيِ الْمُوحِي اللَّهُ، أَوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ" الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "يُوحِي إِلَيْكَ" بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَرَفْعِ الِاسْمِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ".

وحينئذٍ لا نحتاج إلى تقدير لا في الأول ولا الثاني.

"{لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} تَقَدَّمَ في غير موضع قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَكادُ السَّماواتُ} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ،" يَتَفَطَّرْنَ".

لأن تأنيث السماوات تأنيث ليس بحقيقي، فيذكر معه الفعل ويؤنث.

" يَتَفَطَّرْنَ" قَرَأَ نَافِعٌ وَغَيْرُهُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ فِي الطَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ والمفضل وأبو عبيد: " ينفطرن" من الانفطار، كقول تعالى: {إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]، وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ " مَرْيَمَ" بَيَانُ هَذَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ}".

نعم تقدم بيانه وسببه، سببه زعمهم أن الله له ولد؛ { قالوا اتخذ الرحمن ولد لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات} زعمهم أن له ولدًا، هو السبب في كون السماوات تكاد تفطرن.

"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: { تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ} أيْ تَكَادُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَنْفَطِرُ فَوْقَ الَّتِي تَلِيهَا، مِنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً} [البقرة: 116]، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: " يَتَفَطَّرْنَ" أَيْ يَتَشَقَّقْنَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ فَوْقَهُنَّ، وَقِيلَ: " فَوْقِهِنَّ"، فَوْقَ الْأَرَضِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ لَوْ كُنَّ مِمَّا يَعْقِلُ.

 قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}" أَيْ يُنَزِّهُونَهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي وَصْفِهِ، وَمَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَقِيلَ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ جُرْأَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَيُذْكَرُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، وَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ تَسْبِيحَهُمْ تَعَجُّبٌ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ تَعَرُّضِهِمْ لِسَخَطِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَسْبِيحُهُمْ خُضُوعٌ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ، وَمَعْنَى " بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" بِأَمْرِ رَبِّهِمْ، قَالَهُ السُّدِّيُّ.

 {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} قَالَ الضَّحَّاكُ: لِمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وقاله السدي، بيانه في سورة المؤمن: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْمَلَائِكَةُ هنا حملة العرش"..

قوله: معنى بحمد ربهم بأمر ربهم؛ لأن التسبيح غير الحمد، ولا يمكن تفسيره به اللهم إلا إذا ضمن التسبيح معنى الذكر، ما هو أعم من التسبيح بلفظه، يذكرون الله –جل وعلا – ويحمدونه؛ لأنه قال: بحمد ربهم بأمر ربهم، إذا قلنا: إن التسبيح بلفظه قول سبحان الله، والتحميد الحمد لله فهما متغايران، وإذا ضمنا التسبيح ما هو أعم من ذلك من الذكر فهم يلهجون بحمد ربهم، يذكرون الله حامدين له مسبحين، فيقدر ما هو من لفظ التسبيح، يعني يضمن ما هو أعم، مثل ما قيل في حديث: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله –صلى الله عليه وسلم – بالتكبير، بعضهم يقول إذا سلم: الله أكبر، يبادر بها بعد السلام عليكم ورحمة الله، الله أكبر؛ لأنه تعرف صلاته، انقضاء الصلاة يعرف بالتكبير، والمعنى أعم من ذلك، المراد بالتكبير هنا الذكر، والنبي– عليه الصلاة والسلام- يذكر الله –جل وعلا-، ويرفع صوته بالذكر بعد السلام، فتعرف الصلاة بذلك.

 "وعلى هذا تكون الملائكة هُنَا حَمَلَةَ الْعَرْشِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قول الكلبي، وقال وهب ابن مُنَبِّهٍ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا"}، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ".

لأن من في الأرض يعم الذين آمنوا وغير الذين آمنوا، يعم المؤمنين والكفار، فهم يستغفرون لمن في الأرض، لكن هذا من العام الذي أريد به الخصوص، فالكافر لا يجوز الاستغفار له، لا يجوز الاستغفار له؛ لأن معنى الاستغفار طلب المغفرة، والله –جل وعلا- لا يغفر لمن أشرك به، فالاستغفار خاص بالمؤمنين الذين ذنوبهم تقبل الغفران، ومن عداهم ذنوبهم غير قابلة للمغفرة فلا يُستغفر لهم.

"قَالَ الْمَهْدَوِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ، وَهُوَ خَاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا رَأَتِ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتُبِرَا وَبُعِثَا إِلَى الْأَرْضِ لِيَحْكُمَا بينهم، فافتتنا بالزهرة".

بناءً على ما تقدم في قصة هاروت وماروت.

" فافتتنا بالزهرة وَهَرَبَا إِلَى إِدْرِيسَ- وَهُوَ جَدُّ أَبِي نُوحٍ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- وَسَأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا، سَبَّحَتِ الْمَلَائِكَةُ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَاسْتَغْفَرَتْ لِبَنِي آدَمَ".

استغفرت لبني آدم؛ لأنهم رُكبت فيهم هذه الشهوات، ووجد منهم من لا تقوده هذه الشهوات إلى المعصية، والملائكة ليست لديهم هذه الغرائز التي تقودهم إلى المعاصي، كما مضي في قصة هاروت وماروت، يعني طلب بعضهم أو لام بعضهم عصاة بني آدم كيف يعصون؟ فقيل لهم: نختبركم، فاختبروا، ووقع ما وقع، على ما تقدم في القصة بجميع ما قيل فيها هناك في أوائل الكتاب.

 المقصود أن الملائكة ليست فيهم غرائز تدفعهم إلى المعاصي، وأما بالنسبة لبني آدم فركبت فيهم هذه الغرائز؛ فمنهم من يعصمه الله –جل وعلا-، ويغلبه الخير، ويغلب خيره شره، ومنهم العكس.

"قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْحَصَّارِ: وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ من جهل أن هذه الآية نزلت بِسَبَبِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمُؤْمِنِ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ مَخْصُوصُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، وَلِلَّهِ مَلَائِكَةٌ أُخَرُ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، قال الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مُقَاتِلٍ، الثَّانِي: أَنَّهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لَهُمْ وَالسَّعَةِ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.

 قُلْتُ: وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَعُمُّ الْكَافِرَ وَغَيْرَهُ، وَعَلَى قَوْلِ مُقَاتِلٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرُ".

لا؛ لأن الأرض تعم الكافر وغيره؛ لأن "مَن" مِن صيغ العموم، لمن في الأرض من صيغ العموم التي تشمل المؤمن والكافر.

" وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ رَوَاهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنْ آدَمِيٍّ ضَعِيفٍ، كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ، فَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: صَوْتٌ مُنْكَرٌ مِنْ آدَمِيٍّ كَانَ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ، فَلَا يَسْتَغْفِرُونَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي الذَّاكِرِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَهِيَ خَاصَّةٌ بِبَعْضِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهُ أعلم، يحتمل أَنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفَارِ طَلَبَ الْحِلْمِ وَالْغُفْرَانِ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا" } [فاطر: 41]- إِلَى أَنْ قَالَ:- {إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً}، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]، والمراد الحلم عنهم، وألا يعالجهم بِالِانْتِقَامِ، فَيَكُونُ عَامًّا".

يكون لفظ الناس عامًّا للمسلم والكافر، وهذه المغفرة مغفرة كل إنسان بحسبه لا يعاجلهم بانتقام هذه مغفرة، يعني تأخير للعذاب، والأصل في المغفرة الستر، الإنسان قد يُستر عليه في وقت ولا يمحى ذنبه، لكن المغفرة بمحو أثر الذنب في الآخرة ترك العقوبة هذه هي المغفرة إذا أطلقت في النصوص.

طالب:......معروف......

هذا في يونس –عليه السلام-، هذا ورد في يونس، قد تقوله الملائكة، والكلام مبنى على صحة الخبر.

" قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ: وَجَدْنَا أَنْصَحَ عِبَادِ اللَّهِ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ، ووجدنا أغش عِبَادِ اللَّهِ لِعِبَادِ اللَّهِ الشَّيَاطِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

 {أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} قَالَ بعض العلماء: هيب وعظم -عز وجل- في الابتداء، وألطف وبشر في الانتهاء".

لئلا ييأس السامع والقارئ إذا سمع ما تقدم مجردًا عن ذكر المغفرة والرحمة قد ييأس، لكن إذا بشر بهذه المغفرة والرحمة طمع فيما عند الله-جل وعلا-.

"قوله تعالى:" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا"..

هذا من الأمور التي ذكرها العلماء في تسمية القرآن مثاني يخوف ثم يرجي، { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} أو العكس يأتي هذا ثم يأتي بهذا؛ ليكون المسلم دائمًا في نظرٍ مستمر لهذين الأمرين الخوف والرجاء، ولو نظر إلى الخوف وحده قنت من رحمة الله وآيس، ولو نظر إلى الرجاء وحده لأمن من مكر الله.

"قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ} يَعْنِي أَصْنَامًا يَعْبُدُونَهَا، {اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} أَيْ يَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ لِيُجَازِيَهُمْ بِهَا. {وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} وَهَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَفِي الْخَبَرِ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئطَّ» أَيْ صَوَّتَتْ مِنْ ثِقَلِ سُكَّانِهَا لِكَثْرَتِهِمْ، فَهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ لَا يَفْتُرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ الكفار يشركون به".

حديث الأطيط معروف ضعفه عند جمهور المحققين، فضعفه مشهور.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا} أَيْ وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَإِلَى مَنْ قَبْلِكَ هَذِهِ الْمَعَانِي فَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عربيًّا بيناه بلغة العرب، وقيل: أَيْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسَانِ قَوْمِكَ، كَمَا أَرْسَلْنَا كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

 { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى } يَعْنِي مَكَّةَ، قِيلَ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، {وَمَنْ حَوْلَها} مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ، {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} أَيْ بِيَوْمِ الْجَمْعِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، {لَا رَيْبَ فِيهِ} لَا شَكَّ فِيهِ، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ النَّصْبَ عَلَى تَقْدِيرِ: لِتُنْذِرَ فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير".

فريق في الجنة مبتدأ وخبر، وفريق في السعير أيضًا مبتدأ وخبر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره كائن أو مستقر.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً} قَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، أَهْلُ ضَلَالَةٍ أَوْ أَهْلُ هُدًى، { وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ}".

ليعلم الفريقين؛ ليدخل من يشاء في رحمته، والظالمون الفريق الثاني ما لهم من ولى ولا نصير، نعم.

"قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فِي الْإِسْلَامِ، {وَالظَّالِمُونَ} رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ، {مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} عُطِفَ عَلَى اللَّفْظِ، وَيَجُوزُ " وَلا نَصِيرٍ" بِالرَّفْعِ على الموضع، و" مَنْ" زائدة".

من وليٍّ الأصل ما لهم وليٌ، دخلت من على ولي؛ للتأكيد، تأكيد النفي، هذا من حيث المعنى، واشتغل ولي الأصل ما لهم ولي، ليس لهم ولي، أصله مرفوع، اشتغل بالجر الذي هو حرف الجر الزائد من ولي، فإذا عطفت عليه فلك إن عطفت على اللفظ فتجر، أو على المحل فترفع، ولذا قال: عطف على اللفظ، ويجوز وَلا نَصِيرٍ" بِالرَّفْعِ على الموضع، و"مَنْ" زائدة".

"قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَمِ اتَّخَذُوا} أَيْ بَلِ اتَّخَذُوا، {مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ} يَعْنِي أَصْنَامًا، {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} أَيْ وَلِيُّكَ يَا مُحَمَّدُ وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَكَ، لا ولي سواه وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى " يُرِيدُ عِنْدَ الْبَعْثِ،" وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَقْدِرُ على شيء.

 قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ} حِكَايَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ وَمَا خَالَفَكُمْ فِيهِ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَقُولُوا لَهُمْ حُكْمَهُ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَيْكُمْ، وَقَدْ حَكَمَ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامُ لَا غَيْرُهُ، وَأُمُورُ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ بَيَانِ اللَّهِ".

إن الحكم إلا لله، يعني والمطالبة أن يحتكم إلى غير الله من القوانين الوضعية أو حقوق الإنسان أو ما أشبه ذلك كله خروج عن الهدي، {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} يعني لا إلى غيره، والنفي والإثبات إن الحكم إلا لله فلا حكم لا لأعراف ولا لعادات ولا لشيوخ قبائل ولا قوانين ولا غير ذلك مما يحتكم الناس إليه مما ابتلوا به من حيث عم وطم وشمل كثيرًا من البقاع –نسأل الله السلامة والعافية-.

"{ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي} أَيِ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ هُوَ رَبِّي وَحْدَهُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ: أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ذَلِكُمُ اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَيَحْكُمُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ هُوَ رَبِّي، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اعْتَمَدْتُ، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" أَرْجِعُ}".

لكن الإشكال إذا وجد المسلم في بلاد لا يحكم فيها بشرع الله، وصار له أو عليه حق، كيف يستخلص حقه؟ وكيف يطالب به؟ وإذا طُلِب هل ينقاد ويذعن للاحتكام لغير شرع الله؟

  لا شك أن هذا من الاضطرار الذي تعيشه الأمة في آخر الزمان، والمسألة كلها مبنية على مقدمات غير شرعية، فلا يرجى أن تكون النتائج شرعية، شخص وجد في بلد من بلاد الكفار صار له حق أو عليه حق ماذا يصنع؟ لا تذهب إليهم، طيب إذا دعيت إلى التحاكم، هل نقول: إنك مكره ملزم بهذا الحكم؟

 أصل بقاء المسلم في بلاد الكفر محرم، وعلى هذا كل ما يترتب عليه محرم، والنتائج غير شرعية، يعني ولو وافق حكمهم ما عند الله –جل وعلا-؛ لأن العبرة بالمقدمة في الحكم أن تكون شرعية، يعني لو كانت المقدمة غير شرعية ثم النتيجة موافقة للشرع قلنا: هذا حكم بغير ما أنزل الله– والله المستعان-.

طالب: يعيش في بلاد المسلمين له معاملات تجارة أو غيره........

يعني عند الاختلاف بين الشركتين مثلاً يرجع إلى القانون البريطاني أو الفرنسي مثلاً.

طالب: .................في بلاده..

على كل حال هذا سببه إيثار الدنيا على الدين.

طالب:........بلاد المسلمين .....

التي تحكم.

طالب: لا.

طالب: التي لا تحكم بما أنزل الله.

قلنا نفس الحكم، الحكم واحد، يعني الأرض لا أثر لها، فإذا كان الحكم لله- جل وعلا- فحياها، وإن كان لغيره فلا كائنًا من كان.

طالب:......

هذا الذي طرحناه، الإشكال الذي طرحناه هل يتحاكم إلى غير الشرع؛ لاستخراج حقه؟ وهل يُتجاوز عن مثله في هذه الصورة؟ والله المستعان.

"قوله تَعَالَى: {فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} بِالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ لِاسْمِ اللَّهِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ فَاطِرُ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى النِّدَاءِ، وَالْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ فِي " عَلَيْهِ"، وَالْفَاطِرُ: الْمُبْدِعُ وَالْخَالِقُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً"} قِيلَ: معناه إناثًا، وإنما قَالَ: " مِنْ أَنْفُسِكُمْ"؛ لِأَنَّهُ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ".

يعني الأصل أخذت من نفس الزوج؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم لما تم خلقه ونفخ فيه الروح لما انتبه وجد بجواره المرأة خلقت من ضلعه.

"وَقَالَ مجاهد: نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ".

ويجوز أن يقال: من أنفسكم، يعني من جنسكم، ما فائدة الزوج آدمي والزوجة حيوان أو طير أو وحش أو ما أشبه ذلك، من أنفسكم يعني من جنسكم.

"{وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً} يَعْنِي الثَّمَانِيَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي "الْأَنْعَامِ": ذُكُورَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَإِنَاثَهَا، {" يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أَيْ يَخْلُقُكُمْ وَيُنْشِئُكُمْ " فِيهِ" أَيْ فِي الرَّحِمِ، وَقِيلَ: فِي الْبَطْنِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ كَيْسَانَ: " فِيهِ" بِمَعْنَى بِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} يُكَثِّركُمْ بِهِ، أَيْ يُكَثِّركُمْ يَجْعَلُكُمْ أَزْوَاجًا، أَيْ حَلَائِلُ؛ لِأَنَّهُنَّ سَبَبُ النَّسْلِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْهَاءَ فِي " فِيهِ" لِلْجَعْلِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ " جَعَلَ"، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَخْلُقُكُمْ وَيُكَثِّرُكُمْ فِي الْجَعْلِ، وقال ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" أَيْ فِي الزَّوْجِ، أَيْ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ.

نعم في ظرفية، وأولى ما يقال فيه يذرؤكم فيه في هذا الزوج الذي جعله من أنفسكم، فالذرء والخلق جُعل في هذا الظرف الذي هو رحم المرأة.

"وقَالَ: وَيَكُونُ " فِيهِ" فِي الرَّحِمِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ الرَّحِمَ مُؤَنَّثَةٌ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}".

يعني لما كان جميع المخلوقات إنما تتكاثر وتتناسل بهذه الطريقة نفى عن نفسه أن يكون-جل وعلا- مثل هذه الذي تُكلم عنها، وإن وجوده كان مثل وجودها، بل هو –جل وعلا- ليس كمثله شيء لا في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في شيء مما يتعلق به،

 ليس كمثله شيء تنفي المماثلة بغيره –جل وعلا-، وتثبت له ما أثبته الله لنفسه وأثبته له نبيه- عليه الصلاة والسلام- من الصفات، وهو السميع البصير.

" قِيلَ: إِنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، أَيْ لَيْسَ مثله شيء، قَالَ: وَصَالِيَاتٍ كَكُمَا يُؤْثَفَيْنَ ".

  لا، لا ككما.

طالب: ككما.

هي كافان كاف أولى دخلت على كاف الثانية الأصل: وصاليات كما، فأدخل عليه الكاف الثانية.

طالب: الضمة غير محلى بها.

 لا لا لا.

"قَالَ: وَصَالِيَاتٍ كَكُمَا يُؤْثَفَيْنَ".

يؤثفين بالثاء كقوله: اجلعن أثافي الحجارة التي توضع تحت القدر، هو يريد بهذا على أن الكاف تأتي زائدة، الأصل وصاليات كما يؤثَفين فأدخل عليها الكاف مثل ما دخلت على مثله صارت كمثله.

طالب: كمثله.

الأصل ليس مثله شيء، فأدخلت على الكاف هذا عندهم إن الكاف هذه زائدة، وأن المعنى يتم بدونها، ومنهم وهو الأصح أن الكاف أصلية، وليست بزائدة، وأن النفي للمثل والنفي لمثل المثل النفي لمثله، النفي لمثله يكون أبلغ، إذا نُفي مثلُ المثل، إذا نُفي مِثلُ المثل فنفي المثل من باب أولى، يعني إذا نفي الأصل المماثلة التامة بين المثل ومثيله، أم بين الفرق الأصل التغاير بين المثل ومثله فيه تغاير، المِثل الأول أقرب إلى الأصل، والمثل الثاني أقرب إلى المثل الأول، فإذا نفي المثل الأبعد كان نفي المثل الأدنى من باب أولى، فنفي مثل المثل نفي للمثل، أيضًا إذا كان نظيره ما لهم اثنان، أنت إذا قلت مثلاً: زيد مثل عمرو، زيد مثل عمر، وقلت: عمر ليس لو مثيل الأصل في الباب ما هو زيد لما شبهت عمرًا بزيد تريد أن تقربه منه في هذه الأوصاف التي اشتمل عليه زيد من الأوصاف التي يمدح بها، تقول: عمرو مثل زيد، أي يمدح زيد بأوصاف من الجود والكرم والشجاعة.