تعليق على تفسير سورة الأنعام من أضواء البيان (10)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة الأنعام من أضواء البيان (10)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير أضواء البيان
تاريخ النشر: 
خميس 22/ Dhu al-Qada/ 1440 7:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا يقول: تكررت في الدرس الماضي عبارة: "كبلح مُضر وعنبها" هكذا وقع في طبعة عالم الفوائد، وفي غيرها: "كبلح مصر وعنبها"، وهو الموافق لِما في كُتب المالكية -وذكر كم كتابًا- (النوادر والزيادات، وتفسير القرطبي، والتوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب، الدر الثمين، شرح الزرقاني على مختصر الخليل، والفواكه الدواني).

وأصل هذه العبارة من فتوىً للإمام مالك رواه ابن زنجويه في (الأموال)، وذكرها ابن عبد البر في (الاستذكار)، ولم أجد من بيَّن سبب اختصاص بلح مصر ورُطبها بعدم الجفاف، لكن قال محمود خطاب –يعني السبكي- في كتابه (الدين الخالص): وهذا فيما شأنه أن يُجفف من العنب والرُّطب، أما ما لا يُجفف منهما كعنب مصر ورطب شمالها، فتجب فيه الزكاة عند النعمان قَل أو كثر، يعني: أبا حنفية. 

وفي حاشية الصاوي على الشرح الصغير فإن كان من شأنه اليُبس كالذي يُزرَع بمحل النيل، فهل يتعين فيه الإخراج من حبِّه إن أُكِل أخضر أو بِيع كالرطب والعنب اللذين من شأنهما اليُبس أو لا يتعين، بل يجوز الإخراج من ثمنه أو قيمته كالذي شأنه عدم اليُبس؟

قولان.

المصريون يعرفون هذا.

طالب: ..........

فقط.

طالب: ..........

لأنه يقول: شمالها، كعنب مصر ورُطب شمالها.

طالب: ..........

كله يُذبذب؟

طالب: ..........

أما ما لا يُجفف منهما كعنب مصر.

طالب: ..........

لا لا.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

هذا مصر هذا نكرة.

طالب: ..........

لا لا ما يُمكن لفظ مصر المنكَّر هذا يُعم جميع الأمصار.

طالب: ..........

ومصر كانوا يُطلقونها بالتحديد على الفسطاط وما والاها، ما يُطلقونه على القطر كله.

طالب: ..........

المفترض الجنوب الذي أجواؤه حارة.

طالب: ..........

ما فيه شيء.

طالب: ..........

على كل حال تنبيه طيب، جزاه الله خير.

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله تعالى-: "قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} الْآيَةَ [الأنعام: 145].  

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا، الَّتِي هِيَ: الْمَيْتَةُ، وَالدَّمُ، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَحْرِيمَ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ، كَتَصْرِيحِهِ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90].

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَحْرُمُ مَطْعُومٌ إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُرْوَى عَنْهُمْ أَيْضًا خِلَافُهُ".

القول بأنه لا يحرم غير هذه الأربعة هو مقتضى الحصر، والقول بتحريم غيرها هو مقتضى ما دلت عليه النصوص الأخرى من الكتاب كتحريم الخمر أو من السُّنَّة: كتحريم الحُمر الأهلية، وكل ذي نابٍ من السِّباع، وذي مخلبٍ من الطير وغيرها مما جاءت به السُّنًّة من الزيادة على ما حُصِر في هذه الآية.

معروفٌ أن الحنفية يرون أن ما زاد على النص فهو نسخ، وأنا ما جاء من السُّنَّة ولو صح لا يُنسَخ به القرآن؛ لأنه قطعي، لكن الذي يعرف مذهب الحنفية في الأطعمة يجده من أضيق المذاهب بخلاف مذهب المالكية.

على كل حال النصوص الصحيحة جاءت في تحريم ما زاد على ذلك، والأصل قبول ما جاءت به السُّنَّة كالذي به القرآن إذا صح ما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام-.

وأما القول: بأنه نسخ أو ما هو نسخ، يعني إذا كان بمثل ما جاء في هذه الآية من الحصر فالتعارض ظاهر بين مفهوم المخالفة في الآية، وبين ما جاء في الأحاديث.

أما ما جاء من غير حصر مما لم يتعرض له النص القرآني فلا منافاة أصلًا بينه وبين ما جاء في السُّنَّة، وهنا جاء الحصر، فدلالة المنع ما عدا ذلك بالمفهوم، وجاءت الأدلة من الأحاديث الصحيحة بالتحريم بالمنطوق، ومعلومٌ أن المنطوق أقوى من المفهوم، مفهوم المخالفة مختلفٌ فيه عند أهل العلم، والمنطوق لم يُخالف فيه أحد.

والشيخ سيتكلم عن هذه المسألة بشيءٍ من التفصيل- رحمه الله-.  

"وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي (صَحِيحِهِ): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحُكْمَ".

الحَكم.

"قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكْمَ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145]، انتهى.

وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَحْلِيلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ فِي الْآيَةِ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.

وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ لُحُومَ السِّبَاعِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ مَا سِوَى الْإِنْسَانِ، وَالْخِنْزِيرِ مُبَاحَةٌ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ إِبَاحَةُ أَكْلِ لُحُومِ السِّبَاعِ، وَالْحُمُرِ، وَالْبِغَالِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَا آنِفًا.

ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لُحُومِ السِّبَاعِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، فَقَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا لِحَدِيثِ أَعْرَابِيٍّ يَبُولُ عَلَى سَاقَيْهِ.

وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ لَحْمِ الْفِيلِ، وَالْأَسَدِ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَمَّا سَمِعَتِ النَّاسَ يَقُولُونَ: حُرِّمَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، ذَلِكَ حَلَالٌ، وَتَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} الْآيَةَ [الأنعام:145].

قَالَ مُقَيِّدُهُ -عَفَا اللَّهُ عَنْهُ-: اعْلَمْ أَنَّا نُرِيدُ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ أَنْ نُبَيِّنَ حُجَّةَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ، وَالْحَمِيرِ، وَنَحْوِهَا، وَحُجَّةَ مَنْ قَالَ بِمَنْعِهَا، ثُمَّ نَذْكُرَ الرَّاجِحَ بِدَلِيلِهِ.

وَاعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ دَعْوَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مَطْعُومٌ غَيْرُ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَاطِلَةٌ، بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَهُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى تَحْرِيمِ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ.

وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ، فَهُوَ كَافِرٌ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ مَا ذُكِرَ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ حَصَرَ الْمُحَرَّمَاتِ فِيهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَحَصَرَهَا أَيْضًا فِي النَّحْلِ فِيهَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [النحل:115]؛ لِأَنَّ إِنَّمَا أَدَاةُ حَصْرٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ".

مثل: ما وإلا أو لا وإلا كما في الآية {لَا أَجِدُ} [الأنعام:145] {إِلَّا} [الأنعام:145].

"وَالنَّحْلُ بَعْدَ الْأَنْعَامِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي النَّحْلِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} الْآيَةَ [النحل:118].

وَالْمَقْصُوصُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْأَنْعَامِ، فِي قَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الْآيَةَ [الأنعام:146]، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْأَنْعَامِ: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} الْآيَةَ [الأنعام:148]، ثُمَّ صَرَّحَ فِي النَّحْلِ بِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، فِي قَوْلِهِ: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} الْآيَةَ [النحل:35]".

ما الذي يُفيده التقدم والتأخر بين آيتي الأنعام والنحل في موضوعنا؟

طالب: ..........

نعم تأكيد الحكم، لكن هل التحريم {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا} [النحل:118] يتأثر بتقدم سورة الأنعام على سورة النحل؟

طالب: ..........

التحريم على الذين هادوا.

طالب: ..........

تحريم الأربعة هو معروف أن تحريم الأربعة على هذه الأمة وغيرها.

طالب: ..........

يؤكد بقاء الحكم، لكن {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل:118].

طالب: يستدل بها...

على أن الأنعام قبل النحل، وإلا فمثل الأمور المتعلقة بغيرنا كون التحريم نزل في المدينة أو نزل بمكة نزل بيانه وتقريره وهو محرَّمٌ على الأمم السابقة، فما الذي يكتسبه تأخر نزول الآية؟ له أثر في النسخ أم ما له أثر؟ يعني مثل ما تقدم في القصاص كون النفس بالنفس نزلت في أي سورة؟ في المائدة آخر ما نزل، هل نزوله في المائدة {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} [المائدة:45] يعني: في التوراة، نزوله في المائدة ينسخ ما نزل في غيرها من السور المتقدمة؟ هو مُقرر على أهل الكتاب الذين هم قبل شرعنا.

طالب: ..........

ما يؤثر على اذلي نزل حتى في السور المكية؛ لأن التحريم سابقٌ لما نزل بالمدينة، وما نزل في مكة، وما نزل في أول الإسلام، وما نزل في آخره.

طالب: ..........

على كل حال مثل هذه الأمور ينبغي التنبه لها يحفظ الإنسان المائدة من آخر ما نزل، ويحكم بأن ما فيها ناسخ لِما نزل قبلها، انظر إلى ظروف النص، كيف؟ على مَن نزل على أمم متقدمة وأمم متأخرة علينا أو على غيرنا؟ إذا كان من الأمور المتعلقة بشريعتنا وبأهل مِلتنا، هذا معروف أن المتقدم يُنسَخ بالمتأخر، لكن إذا صار التحريم نازل في سورةٍ متأخرة وهو متعلقٌ بأمةٍ متقدمة، فيُنظَر إليه بعين العناية.   

"ثُمَّ صَرَّحَ فِي النَّحْلِ بِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، فِي قَوْلِهِ: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} الْآيَةَ [النحل:35] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّحْلَ بَعْدَ الْأَنْعَامِ، وَحَصَرَ التَّحْرِيمَ أَيْضًا فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

 فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَالُوا: هَذَا الْحَصْرُ السَّمَاوِيُّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ الْمَلَكُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي مَكَّةَ فِي الْأَنْعَامِ، وَالنَّحْلِ، وَفِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ فِي الْبَقَرَةِ لَا يُمْكِنُنَا مُعَارَضَتُهُ، وَلَا إِخْرَاج شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيِّ الْمَتْنِ، مُتَوَاتِرٍ كَتَوَاتُرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ".

يعني في قوله في سورة النساء في القتل الخطأ.

طالب: ..........

ما يقتل المؤمن إلا خطأً.

{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92] كم كُرِّر هذا الوصف في الآية؟

طالب: ..........

يعني كُرٍّر، المقصود أنه كُرر؛ لأن هذا تكرار، وفي الآيات المطلقة التي ما فيها وصف الإيمان.

طالب: المجادلة.

نعم في كفارة الظهار {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة:3].

يعني هل للتأكيد في تكرار الإيمان في آيةٍ واحدة مقصد شرعي من وجود هذا الوصف في هذه الآية؟

طالب: ..........

أنا أقول: يعني نتأمل الحنفية يقولون: ما يُشترط الإيمان، ولما أراد الإيمان ذكره وكرره وأكد عليه، بينما في حال الإطلاق الجمهور مذهبهم ماشٍ وجارٍ على قواعدهم ولا فيه أدنى إشكال، وهو الراجح، لكن قد يُشغِّب بعض الحنفية أنه لو أراد الإيمان لذكر على الأقل ما هو بلازم، يكرره كما في آية النساء.

طالب: ..........

لا، ما هو بالإيمان مُقارن بالقتل {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92] هذه للمُعتَق ما هو للقاتل.

طالب: ..........

وإذا كان المقتول غير مؤمن؟

طالب: ..........

ماذا فيه؟

طالب: ..........

هو الجمهور على أن المسألة فيما اتفق فيه الحكم، وإن اختلف السبب حينئذٍ يُحمَل المطلق على المقيد عند جمهور أهل العلم، وهذا معروف في مذهبهم وماشٍ على قواعدهم، ولا إشكال فيه.

طالب: ..........

على ما اعتقد.

طالب: ..........

على كل حال أظن التهيؤ لفهم مثل هذا يحتاج إلى وقت.

طالب: ..........

أنا أحيانًا أذهب إلى أبعد من ذلك، وهو أن دلالة الإشارة هنا تدل على أنه إذا كان المقتول غير مؤمن فما فيه عِتق؛ لأنك قتلت مؤمن تحرِّر مؤمنًا، قتلت مؤمنًا تحرِّر مؤمنًا، وأُكِّد على هذا التحرير، لكن قول الجمهور حتى قتل الكافر فيه عتق رقبة، والشعبي ومجموعة من أهل العلم قالوا: ما يحتاج قتل الكافر إلى عتق.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

عند الجمهور ما فيه إعتاق رقبة في قتل غير المؤمن؟

طالب: ..........

معروف الحنفية مذهبهم، لكن غيرهم أنا ما أعرف أن الذي أوجب في قتل الكافر ما يشترط الإعتاق، ولا يأمر به، وأنه غير مطلوب، وما فيه إلا الدية إذا كان كافرًا، وأما إعتاق الرقبة ففي قتل رقبةٍ مؤمنة، وصدر الآية {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} [النساء:92]، وما جاء بعدها محتمل للفهم والتوجيه، انظر الآية يا أبا إبراهيم.

"فَالْخَمْرُ مَثَلًا دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَحَرَّمْنَاهَا؛ لِأَنَّ دَلِيلَهَا قَطْعِيٌّ، أَمَّا غَيْرُهَا كَالسِّبَاعِ، وَالْحُمُرِ، وَالْبِغَالِ: فَأَدِلَّةُ تَحْرِيمِهَا أَخْبَارُ آحَادٍ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْقَاطِعُ، وَهَى الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ آنِفًا.

تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ زِيَادَةَ تَحْرِيمِ السِّبَاعِ وَالْحُمُرِ مَثَلًا بِالسُّنَّةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَاتِ، كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ بِالسُّنَّةِ عَلَى جَلْدِ الزَّانِي مِائَةً الثَّابِتِ بِالْقُرْآنِ، أَوْ زِيَادَةِ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، أَوِ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} الْآيَةَ [البقرة:282] غَيْرُ ظَاهِرٍ عِنْدِي".

لوجود الفرق الحصر له مفهوم، وفي آية النور في الجلد {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور:2] ما فيه تعرُّض للتغريب بنفيٍ ولا إثبات لا بمنطوق ولا مفهوم، هذا فرق بينه وبينه {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} [الأنعام:145] هذا يتضمن النفي لتحريم ما عداه.

"لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ التَّغْرِيبِ وَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى آيَةِ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} الْآيَةَ [النور:2] فِي الْأَوَّلِ".

يعني: في الآية الأولى، يعني في الأولى، يعني في الآية الأولى.

"فِي الْأَوَّلى، وَآيَةِ: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} الْآيَةَ [البقرة:282].

فِي الثَّانِي زِيَادَةُ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْقُرْآنُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَمِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا مَانِعَ مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَيْسَتْ نَسْخًا لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-.

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ مَنَعَ التَّغْرِيبَ وَالْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عِنْدَهُ نَسْخٌ، وَالْقُرْآنُ لَا يُنْسَخُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعِيُّ الْمَتْنِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ.

أَمَّا زِيَادَةُ مُحَرَّمٍ آخَرَ عَلَى قَوْلِهِ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} الْآيَةَ [الأنعام:145] فَلَيْسَتْ زِيَادَةَ شَيْءٍ سَكَتَ عَنْهُ الْقُرْآنُ كَالْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ شَيْءٍ نَفَاهُ الْقُرْآنُ؛ لِدَلَالَةِ الْحَصْرِ الْقُرْآنِيِّ عَلَى نَفْيِ التَّحْرِيمِ عَنْ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ وَاضِحٌ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَالِكًا -رَحِمَهُ اللَّهُ- لَيْسَ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَثْبَتَتْ مَا كَانَ مَنْفِيًّا بِالنَّصِّ قَبْلَهَا، فَكَوْنُهَا إِذَنْ نَاسِخَةً وَاضِحٌ، وَهُنَاكَ نَظَرٌ آخَرُ، قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهُوَ أَنَّ إِبَاحَةَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْإِبَاحَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهِيَ اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَحْرِيمِ شَيْءٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ، كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ.

وَإِذَا كَانَتْ إِبَاحَتُهُ عَقْلِيَّةً: فَرَفْعُهَا لَيْسَ بِنَسْخٍ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِي نَاسِخِهَا التَّوَاتُرُ، وَعَزى ابْنِ كَثِيرٍ فِي (تَفْسِيرِهِ) هَذَا الْقَوْلَ بِعَدَمِ النَّسْخِ لِلْأَكْثَرِينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ".

ويبقى أن كلًّا على مذهبه من أهل العلم، فمنهم من يرى أن الأصل الإباحة، ولا يُمنع من شيءٍ حتى يرد دليلٌ يقتضي تحريمه، ومنهم من يرى أن الأصل المنع، فلا يُباح شيءٌ إلا إذا دل الدليل على إباحته، وكل عالمٍ من أهل العلم على أصله في هذه المسألة، كلام المؤلف أن استصحاب الأصل هو الأصل، لكن الذين يقولون بأن الأصل التحريم فلا يتناول شيء من الأطعمة إلا ما دل الدليل على إباحته، ويُمثلون لهذه المسألة بالحشيشة، وذكرها بعض أهل العلم مثالًا لهذه المسألة، وجاء واحد من المحققين وعلَّق بصفحات على هذه المسألة، وزعم أن المراد بالحشيشة المخدرة التي أجمع العلماء على تحريمها، وذكر ذلك شيخ الإسلام.

كيف يُقال الحشيش الذي هو أشد من الخمر يختلف فيه أهل العلم؟ كيف؟! مقصود حشيشة واحدة الحشيش التي تنبت إثر المطر، فأنت وجدت شيئًا أعجبك من هذا الحشيش فأردت أن تأكله، أعجبتك رائحته، أعجبك شكله. قلت: أتذوقه آكل منه، هل نقول: لا تأكل إلا بدليل أو نقول: كُل حتى يرد دليلٌ يمنعك، هذا مقصود المؤلف، ما يقصد الحشيشة التي نُقِل الإجماع على تحريمها، وأنها مخدرة، وأنها أسوأ من الخمر، في التخدير والضرر أيضًا.

فكون الشيخ يمشي على أن الأصل البراءة الأصلية وعدم التحريم هذا يُنازع فيه، وأن من أهل العلم من يرى العكس.

طالب: ..........

التي معنا {قُلْ لَا أَجِدُ} [الأنعام:145].

طالب: ..........

لكن لهم أدلة أخرى، لهم نصوص أخرى تقتضي أن المسلم مزمومٌ بزمام الشرع، ليس له أن يتصرف بغير إذن؛ لأن هذه ملكٌ لله –جلَّ وعلا-، فلا يتصرف فيها إلا بإذن مالكها، والخلاف معروف وقديم، ولن ينقطع، يعني حديث اتقاء الشبهات شيء آخر: «فَمَن اتَقَى الشُبُهَاتْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِه»، ومع ذلك الحديث لا يدل على التحريم، بل إنه مجرد ورع، إنه من باب الورع.

طالب: ..........

يعني في الحكم الأول، والثانية في الثاني؛ لأنه حتى عندك الثانية في الثاني، وإن كان المقصود الآية فهي الأولى والثانية، وإن كان المراد بالحُكم فهو الأول والثاني.

"قَالَ مُقَيِّدُهُ -عَفَا اللَّهُ عَنْهُ-: وَكَوْنُهُ نَسْخًا أَظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ فِي الْآيَةِ يُفْهَمُ مِنْهُ إِبَاحَةُ مَا سِوَى الْأَرْبَعَةِ شَرْعًا، فَتَكُونُ إِبَاحَةً شَرْعِيَّةً؛ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا، وَرَفْعُ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَسْخٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَشَارَ فِي (مَرَاقِي السُّعُودِ) إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي لَا تُنَاقِضُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ لَيْسَتْ نَسْخًا بِقَوْلِهِ:

وَلَيْسَ نَسْخًا كُلُّ مَا


 

أَفَادَا فِيمَا رَسَا بِالنَّصِّ الِازْدِيَادَا


وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَوَجَّهُوهُ بِعَدَمِ مُنَافَاةِ الزِّيَادَةِ لِلْمَزِيدِ، وَمَا لَا يُنَافِي لَا يَكُونُ نَاسِخًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ فِي لُحُومِ السِّبَاعِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي (الْمُوَطَّأِ)؛ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ فِيهِ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِإِسْنَادِهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ» ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ تَحْرِيمُهَا، وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ (الْمُدَوَّنَةِ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ، وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا".

تأثُّر العالِم بالظرف الذي يعيشه ملحوظ في الكلام وتعليق الإمام على (الموطأ) هو يتعامل مع آثار، يتعامل مع أحاديث وآثار، فالذي يُنقل في المدونة آراء ليست مقرونة بآثار يستحضرها العالِم، وهذا معروف حينما كان الشخص يتكلم عن شيء يرده إلى حظيرة النص يستحضر هذا النص، ويهاب هذا النص، وإذا أبعد عنه فصار يُفتي برأيه أو بفهمه، يعني قد يتخلَّف عنه بعض الشيء؛ ولذلك قال بالكراهة في (المدونة)، ولما قرب من النصوص والأحاديث والآثار في (الموطأ) طبيعة البشر هكذا، إذا كان حديث عهد بشيء تأثر به.

وقد يقول قائل: هذا ما يُعقل عن الإمام مالك أنه يتردد ويقتنع، وإن قلنا: ما في (المدونة) محمولٌ على (الموطأ) من أن الكراهية كراهية تحريم، فلا يختلف مذهبه في ذلك، ولكن أصحابه قرروا أن المذهب مُختلف في هذه المسألة، والصحيح من مذهبه التحريم، والمعروف والمنقول عن الإمام مالك والمالكية التسامح في مسائل الأطعمة، وأنه أخف المذاهب.

ما عندنا مالكية؟

طالب: ..........

ماذا؟ 

طالب: ..........

نعم مخلوط متأثر، يعني أبعدت عن المالكية وتأثرت.

طالب: ..........

أبعد عن المالكية، ما في غيره حديث عهد بالمالكية؟

وصَحَّحُوا اكتفاء ذي الشُّهْرَةِ عَنْ


 

تَزكيةٍ كمالِكٍ نَجْمِ السُّنَنْ


لا نحتاج أن نسأل عنه مالكًا، لكننا نُناقش أقوالًا ومسائل علمية، وتُرد إلى أصول، وإذا كان لها ارتباط بأي شيءٍ يُذكر معه، والله المستعان.

"وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ مِنْ إِبَاحَتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ".

هو قول الأوزاعي.

طالب: هو قول؟

هو قول الأوزاعي، ما روي عن ابن عباس ومن معه هو قول الأوزاعي، وإلا إذا قلت: وهو قول الأوزاعي نحتاج إلى خبر.

طالب: عطف على ما سبق ومن جملتها؟

طالب: .........

يذكر فيها المذاهب، لكن عنايته في الفقه المالكي أشد.

طالب: .........

أنت تعرف لمن هذا الكتاب؟

طالب: .........

تحلف على هذا؟

طالب: .........

تحلف عليه؟ تحلف على هذا؟

طالب: .........

في كتاب (التكملة) في التراجم هو لما ترجم لابن رشد قال: جاء رجلٌ من المشرق، ومعه كتابٌ يذكر فيه مذاهب العلماء، فمات هذا الرجل ووصل الكتاب إلى ابن رشد -معلوم هذه دعوى يدعيها صاحب الكتاب- فأخذه ونسبه إليه.

طالب: .........

ما أدري من ذكر المسألة بعيدة العهد جدًّا.

طالب: .........

عندنا الكتاب ماشيين على الموضع وما له علاقة أبدًا بابن رشد.

طالب: .........

هو ليس بفقيه هو طبيب.

طالب: .........

على كل حال ابن رشد فيلسوف.

طالب: .........

هذه شهادة يعتز بها منك.

طالب: .........

لا كونه أضاف إليه وزاد ونقص هذا شيءٍ ظاهر؛ لأن هو أشار إلى أنه أضاف إليه بعض الأشياء.

وعلى كل حال هذه دعوى، ونحن يهمنا ما في الكتاب بغض النظر عن فلان أو علان، ويبقى أن الأصل على ما توارثه الناس واستفاض بينهم أنه لابن رشد، بمجرد دعوى تُذكر لا مانع من ذكرها، فإن وُجِد ما يُعززها ويقويها...

طالب: .........

لا، كون الكتاب المتأخر أضعف من المتقدم ماذا يعني؟

طالب: .........

الذي مسك مسألة وعرف أن هذا الكتاب لفلان أو سمع عنه، ما يمكن، لعل الكُتب التي نُفاجأ بأنها ليست لأصحابها؛ لا لأننا نجزم بذلك إنما وافق قلبًا خاليًّا فتمكن، سمعنا أنه لفلان واستمررنا عليه، لكن المفترض أنه بعد عشرين سنة تكون كتابته أفضل بكثير من المتقدم.

طالب: .........

على كل حال نحن ما نُريد أن نُحاكم الرجل أو نُريد نسلبه خصوصيته أو كتابه الله يتولاه، لكن هذا قد قيل، هذا الذي أذكره قد قيل.

طالب: .........

لكن أنت ما وافقته على ذلك؛ لأنك عمدة في الباب من أهل القراءات، اختبرته فوجدته لا يصلح لهذا الكتاب؟

طالب: .........

أنت كأنك تقول: أخذ فنجانًا ومشي.

طالب: .........

أنت تعرف الرجل؟

طالب: .........

والسيوطي في...

طالب: .........

كذا نفس الشيء.

طالب: .........

لا، كله واحد.

طالب: .........

كلامك قران معروف.

الشعراني الصوفي في كتابه، كتاب له في التصوف.

طالب: .........

لا ما هو بالطبقات.

طالب: .........

لا.

قال: إن فتح المغيث –المعروف للسخاوي- ليس له، وإنما هو مجرد أقوال لابن حجر جمعها ونسبها لنفسه، فمثل هؤلاء الأصل أن يبقى ما استفاض واشتهر بين الناس على ما هو عليه إلا أن يُوجد ما يرده من حقيقة الكتاب؛ لأنه قد ينقل عن متأخر مثلًا، فينفي أن يكون له.

طالب: .........

هو طُبِع باسم هذا.

طالب: .........

لا؛ لأن فيه نُقُولًا بعد ابن دقيق، فيه نُقُول عن علماء جاؤوا بعد ابن دقيق العيد، فتقوى التهمة.

طالب: .........

نعم.

طالب: .........

لا، يبقى أنه يحتاج إلى تثبت.         

"قَالَ مُقَيِّدُهُ -عَفَا اللَّهُ عَنْهُ-: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ: مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحَةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُّنَّةٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَيُزَادُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَاتِ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَيُّ مُنَاقَضَةٍ لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَزِيدَةَ عَلَيْهَا حُرِّمَتْ بَعْدَهَا.

وَقَدْ قَرَّرَ الْعُلَمَاءُ: أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ يَثْبُتُ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَ زَمَنُهُمَا؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا، وَقَدِ اشْتَرَطَ عَامَّةُ النُّظَّارِ فِي التَّنَاقُضِ اتِّحَادَ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ إِنِ اخْتَلَفَ جَازَ صِدْقُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا، كَمَا لَوْ قُلْتَ: لَمْ يُسْتَقْبَلْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، قَدِ اسْتُقْبِلَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ".

"كُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا"؟

طالب: "لِأَنَّهُ إِنِ اخْتَلَفَ جَازَ صِدْقُ".

قضيتان نعم "وَقْتِهَا" تعود إلى القضية.

"جَازَ صِدْقُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا، كَمَا لَوْ قُلْتَ: لَمْ يُسْتَقْبَلْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، قَدِ اسْتُقْبِلَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَعَنَيْتَ بِالْأُولَى مَا بَعْدَ النَّسْخِ، وَبِالثَّانِيَةِ مَا قَبْلَهُ، فَكِلْتَاهُمَا تَكُونُ صَادِقَةً، وَقَدْ أَشَرْتُ فِي أُرْجُوزَتِي فِي فَنِّ الْمَنْطِقِ إِلَى أَنَّهُ: يُشْتَرَطُ فِي تَنَاقُضِ الْقَضِيَّتَيْنِ اتِّحَادُهُمَا فِيمَا سِوَى الْكَيْفِ، أَعْنِي الْإِيجَابَ وَالسَّلْبَ، مِنْ زَمَانٍ، وَمَكَانٍ، وَشَرْطٍ، وَإِضَافَةٍ، وَقُوَّةٍ، وَفِعْلٍ، وَتَحْصِيلٍ، وَعُدُولٍ، وَمَوْضُوعٍ، وَمَحْمُولٍ، وَجُزْءٍ، وَكُلٍّ، بِقَوْلِي:        

وَالِاتِّحَادُ لَازِمٌ بَيْنَهُمَا


 

فِيمَا سِوَى الْكَيْفِ كَشَرْطٍ عُلِمَا


وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ مَعَ الْمَكَانِ


 

وَالْفِعْلِ وَالْقُوَّةِ وَالزَّمَانِ


إِضَافَةُ تَحْصِيلٍ أَوْ عُدُولِ


 

وَوَحْدَةِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ


فَوَقْتُ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا".

لو ترى تمرًا موضوعًا في إناء، ويقول لك واحد: التمر الذي في الإناء الفلاني بلح، ويقول لك آخر: التمر الذي في الإناء الفلاني رُطب، ويقول لك واحد: التمر الذي في الإناء الفلاني تمر يابس، يعني: جاف.

اختلفت الكيفية بين الثلاثة، لكن ألا يُمكن أن تُصحح ويُصدَّق كل الثلاثة؟ هذا رآه في أول الأمر، وهذا رآه بعد كذا، أو في النخلة الفلانية، يقول: بلح أخضر، رأيته أخضر، التمر الذي في النخلة الفلانية أخضر، وواحد يقول: رأيته أحمر، وواحد يقول: رأيته رُطبًا وهكذا، يعني إذا اختلف الزمان يُمكن التصديق فيما يُحتمل، وإلا ما يُمكن تصديق واحد يقول: رأيته أحمر، وواحد يقول: رأيته أصفر.  

"فَوَقْتُ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَحَصْرُهَا صَادِقٌ قَبْلَ تَحْرِيمِ غَيْرِهَا بِلَا شَكٍّ، فَإِذَا طَرَأَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ آخَرَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْحَصْرَ الْأَوَّلَ؛ لِتَجَدُّدِهِ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-، وَبِهِ يَتَّضِحُ أَنَّ الْحَقَّ جَوَازُ نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتِ تَأَخُّرُهَا عَنْهُ، وَإِنْ مَنَعَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ".

طالب: .........

هو الاختلاف في حديث عُبادة بن الصامت هل هو ناسخ أم مُبيِّن، «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي»؟

طالب: .........

لا.

طالب: .........

هذا مثال «لا وَصِيَّةَ» ما هو بالصحيحين، أما حديث عبادة بن الصامت ففي الصحيحين «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» السبيل المشار إليه في سورة النساء {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء:15] «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ» هل هو ناسخ لآية {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء:15]؟

طالب: .........

لكنه بيان أم نسخ؟

طالب: .........

إذا قلنا: بيان، فهذا من أقوى الأدلة التي يستدل بها من يقول: إن الظني ينسخ القطعي.

"وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ: فَسَنُفَصِّلُ لَكَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي حُرِّمَتْ بَعْدَ هَذَا، وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا.

فَمِنْ ذَلِكَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، فَالتَّحْقِيقُ تَحْرِيمُهُ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ مِنَ النَّهْيِ عَنْهَا، وَتَحْرِيمِهَا، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي (صَحِيحِهِ) عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِلَفْظِ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، فَأَكْلُهُ حَرَامٌ».

وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ التَّحْقِيقَ: هُوَ تَحْرِيمُ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَكْلَ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لِمَا ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. انتهى.

فَقَرَنَ فِي (الصَّحِيحِ) بِمَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ حَرَامٌ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ذُو عَدَاءٍ وَافْتِرَاسٍ، فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ".

طالب: .........

ماذا؟

طالب: .........

ماذا فيه؟

طالب: .........

الأقوال التي تُنقل لا بُد أولًا: من تحرير ثبوتها عن المنقول عنه.

الأمر الثاني: ضمان عدم رجوعه عن القول الأول؛ لأنه ما روي عنه أنه رجع عن القول الأول؛ ولذا يُروى القول وضده عن الإمام الواحد، والروايات كما هي معروفة عن الأئمة وأكثرها عن الإمام أحمد معروفة، قد يروى عن ابن عباس قول، ويُروى عنه غيره.

"وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَبِتَحْرِيمِ ذِي النَّابِ مِنَ السِّبَاعِ، وَذِي الْمِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَدَاوُدُ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ فِي السِّبَاعِ، وَأَنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ الْكَرَاهَةُ، وَعَنْهُ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ أَضْعَفُهَا، وَالْحَقُّ التَّحْرِيمُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

وَمِنْ ذَلِكَ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، فَالتَّحْقِيقُ أَيْضًا أَنَّهَا حَرَامٌ، وَتَحْرِيمُهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشُكَّ فِيهِ مُنْصِفٌ؛ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ بِتَحْرِيمِهَا، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ تَحْرِيمَهَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَنَسٍ، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، وَأَحَادِيثُهُمْ دَالَّةٌ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى التَّحْرِيمِ.

 فَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَهَذَا صَرِيحٌ صَرَاحَةً تَامَّةً فِي التَّحْرِيمِ، وَلَفْظُ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَهُمَا أَيْضًا: إِنِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ".

التعليل بأنها رجس، وتفسير الرجس بالنجس، كما جاء في الحديث «الرِّجْسِ النَّجسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ينفي قول من يقول: إنها إنما حُرِّمت؛ لأنها كانت حَمولة القوم، وخُشي من فنائها وانتهائها، والناس بأمس الحاجة إليها، ويروون في ذلك جاء رجلٌ إلى النبي –عليه الصلاة والسلام- فقال: أُكِلت الحُمر، أُفنيت الحُمر يا رسول الله، فنهى عن أكل لحوم الحُمر الأهلية، فالتعليل بكونها رجسًا، بكونها نجسًا ينفي الارتباط بالحاجة إلى بقائها، كما في الحديث. 

"قَالَ مُقَيِّدُهُ -عَفَا اللَّهُ عَنْهُ-: حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ رِجْسٌ، صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهَا، وَنَجَاسَةِ لَحْمِهَا، وَأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا لَيْسَتْ لِأَنَّهَا لَمْ يُخْرَجْ خُمُسُهَا، وَلَا أَنَّهَا حَمُولَةٌ، كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ".

يبقى أنها كانت حلالًا، ثم حُرِّمت، والله –جلَّ وعلا- يقول: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157].

هل عينها كانت طيبة، ثم صارت خبيثة، طيبة لما كانت حلالًا، وخبيثة لما حُرِّمت؟ 

طالب: .........

كالخمر.

طالب: .........

هي مسألة تدرج تدرج، لكن كانت في وقتٍ من الأوقات حلالًا وتؤكل، ولا ضرر فيها، لم يتضرر منها الناس، لكن لما كانت حرامًا صارت حرامًا ورجسًا ونجسًا، سُلِبت المنافع كالخمر.

"وَلَا تُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ الْمُزَنِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنَا السَّنَةُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا سِمَانُ حُمُرٍ، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ، فَقَالَ: «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ»". 

جوَال.

"«مِنْ أَجْلِ جَوَالِ الْقَرْيَةِ»".

التي تجول وتأكل النجاسات هذه تُسمى بِجلَّالة.

"وَالْجَوَالُ: جمعُ جَالَّةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِلَّةَ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْبَعْرُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَكْلُ النَّجَاسَاتِ كَالْعَذِرَةِ".

لو كان الأمر كذلك لأُمِر بحبسها كما يُحبس الدجاج وغيره.

"قَالَ النَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ): اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ فِي إِسْنَادِهِ، يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تُعَارَضُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا.

وَأَمَّا الْبِغَالُ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا أَيْضًا؛ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، أَصْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ، بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَالشَّوْكَانِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي (تَفْسِيرِهِ): وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْبِغَالِ وَالْحُمُرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ، وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْبِغَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهَا مُتَوَلَّدَةٌ عَنِ الْحَمِيرِ، وَهِيَ حَرَامٌ قَطْعًا؛ لِصِحَّةِ النُّصُوصِ بِتَحْرِيمِهَا".

الكلام على الخيل يُطوِّل فيه الشيخ، نقف عليها.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.