شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 18

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 18
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم.

إلى حلقةٍ جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح من كتاب الصوم.

حيث يسرنا مع مطلع حلقتنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: قال –رحمه الله– عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما– أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم– قال: «الشهر تسعٌ وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

راوي الحديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب تقدم التعريف به، والحديث ترجم عليه الإمام البخاري –رحمه الله تعالى– بقوله: باب قول النّبي –صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأَيْتم الهلال فصوموا، وإذا رأَيْتُموه فأفطِروا» وقال صلة عن عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم –صلى الله عليه وسلم–، المناسبة بين الحديث والترجمة الحديث «فلا تصوموا حتى تروه».

المقدم: والترجمة «إذا رأَيْتم الهلال فصوموا»، مطابقة يعني من وجه.

الآن دلالة الترجمة كدلالة النص، أو أنّ أحدهما دلالته بالمنطوق والأخرى بالمفهوم؟ نعم، الترجمة تصريحٌ بمفهوم الخبر، الخبر «فلا تصوموا حتى تروه» تصريحٌ بالنهي، «فلا تصوموا حتى تروه» المفهوم مفهوم هذه الجملة «لا تصوموا حتى تروه».

المقدم: إذا رأيتموه فصوموا.

إذا رأيتموه فصوموا، والترجمة جاءت بحديثٍ صحيح، تقدم شرحه، وسواء كانت هنا في النهي بدلالة المنطوق، أو في الحديث السابق دلالة المفهوم تتعارض وتتضافر دلالة المنطوق مع المفهوم، فمفهوم الحديث السابق: «إذا رأَيْتم الهلال فصوموا»، وهذا نبهنا عليه سابقًا ألا تصوموا حتى تروه، التي هي منطوق حديث الباب: «فلا تصوموا حتى تروه»، ولسنا بحاجةٍ إلى أن نفاضل بين دلالة المفهوم والمنطوق هنا؛ لأنها متحدةٌ في الحكم، يعني يتضافر على الحكم دلالة المنطوق مع المفهوم، وإنا نحتاج أن نقدم دلالة المنطوق على المفهوم عند الاختلاف؛ لأنّ دلالة المنطوق دلالة اللفظ محل نطقه، ودلالة المفهوم دلالته في غير محل النطق.

قوله: «الشهر تسعٌ وعشرون» ظاهره حصر الشهر في هذه المدة مع أنه لا ينحصر فيه، بل قد يكون ثلاثين، أجاب ابن حجر بأنّ المعنى أنّ الشهر يكون تسعةً وعشرين، والحديث: الشهر يكون تسعةً وعشرين، وجواب ابن حجر أنّ الشهر يكون تسعةً وعشرين، فيها حصرٌ هذه الجملة؟

المقدم: لا، ما فيها.

ويكون ثلاثين، فالأسلوب الذي جاء في الخبر مع أنّ ظاهره الحصر لابد من توجيهه بهذا، أو اللام الشهر للعهد، يعني الشهر المعهود كما سيأتي في ذكر أخبار تدل عليه، الشهر المذكور الذي هو شهر الإيلة في الحديث الذي يأتي، والمراد شهرٌ بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب أنّ الغالب أنّ الشهر تسعٌ وعشرون، والأقل أن يكون الشهر ثلاثين؛ لقول ابن مسعود –رضي الله تعالى عنه–: ما صمنا مع النّبي– صلى الله عليه وسلم– تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين؛ فيخرج اللفظ مخرج الغالب، وهذا منه، أخرجه أبو داوود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسنادٍ جيدٍ، ويؤيد قوله في حديث أم سلمة في باب أنّ الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، حديث أم سلمة الذي يليه إنّ الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وهذه ليس فيها حصرٌ.

يقول ابن العربي في شرح الترمذي واسمه ((عارضة الأحوذي)) الخامسة قوله: «تسعٌ وعشرون» معناه حصرٌ من أحد طرفيه وهو النقصان، أي أنه قد يكون تسعًا وعشرين وهو أقله، وقد يكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطةً ابتداءً وانتهاءً باستهلاله.

ظاهر، أم يحتاج إلى إعادة؟

المقدم: طيب الإعادة.

طيب، يقول ويرتب الشرح على الفوائد، الفائدة الأولى، الثانية، الثالثة، والمسألة الأولى، الثانية، الثالثة.

الخامسة: قوله: « تسعٌ وعشرون» معناه حصرٌ من أحد طرفيه، هو قال: «الشهر تسعٌ وعشرون» هذا حصرٌ للطرف الأقل، وهناك حصرٌ في الطرف الأعلى الشهر ثلاثون، ونص هنا على النقصان؛ فيقول: معناه حصرٌ من أحد طرفيه وهو النقصان، أي أنه قد يكون تسعًا وعشرين وهو أقله، وقد يكون ثلاثين وهو أكثره؛ فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطًا؛ يعني لما عرف من حال الصحابة ومن حرصهم على الخير، من حالهم وحرصهم على الخير أنهم يجعلون الشهر ثلاثين على الكمال والتمام؛ فبيّن النّبي –عليه الصلاة والسلام– أنّ الشهر يكون تسعًا وعشرين، لكن لو جاء شخصٌ متساهلٌ، يعني النصوص الشرعية أحيانًا تأتي بالوعد، وأحيانًا تأتي بالوعيد، يعني إن أخذنا بأحاديث الوعد، وأغفلنا جانب الوعيد صرنا مرجئة، وإن أخذنا بالعكس صرنا خوارج.

النصوص تأتي علاج، فأنت إذا وجدت شخص متساهل، مفرط، هل تسوق له أحاديث الوعد؟ أو تعالج وضعه بأحاديث الوعيد؟ والعكس لو وجدت شخصًا متشددًا متطرفًا تورد عليه أحاديث الوعد.

هنا الصحابة من حرصهم على الخير يريدون أن يجعلوا الشهر ثلاثين؛ فنص على الحد الأدنى، ولذلك الكلام من ابن العربي ملحظه دقيقٌ جدًّا، يقول: قوله: «تسعٌ وعشرون» معناه حصرٌ من أحد طرفيه، لكن لو جاءنا شخص متساهل؟

المقدم: قلنا: الشهر ثلاثون.

نعم، الشهر ثلاثون، يريد أن يخرج من التكاليف بأدنى سبب، نقول: يا أخي الشهر ثلاثون.

معناه حصرٌ من أحد طرفيه وهو النقصان، أي أنه قد يكون تسعًا وعشرين وهو أقله، وقد يكون ثلاثين وهو أكثره؛ فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته «فلا تصوموا حتى تروه»، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطةً ابتداءً وانتهاءً باستهلاله. يعني ملحظٌ دقيقٌ جدًّا.

في شرح ابن بطال نقلًا عن الطبري: «الشهر تسعٌ وعشرون ليلة» يقول: فإنما هو الشهر الذي نحن فيه.

المقدم: نقلًا عمن؟

نقلًا عن الطبري، والذي قد علمتم إخباري عنه؛ لأنّ الألف واللام إنما تُدخلهما العرب في الأسماء إما لمعهود قد عرفه المخبِر والمخبَر، وإما للجنس العام، «الشهر» الشهر (ال) هذه يُحتمل أن تكون للعهد، ويُحتمل أن تكون للجنس، لكن هل يرد هنا الجنس؟ يعني جميع الشهور تسعةٌ وعشرون؟ لا يرد.

يقول: والذي قد علمتم إخباري عنه؛ لأنّ الألف واللام إنما تُدخلهما العرب في الأسماء إما لمعهودٍ قد عرفه المخبِر والمخبَر، وإما للجنس العام، ومعلومٌ أنّ النّبي –صلى الله عليه وسلم– لم يقصد بذلك الخبر عن الجنس العام؛ لأنه لو كان كذلك لم يقل: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» ما يحتاج أن ترى الهلال كلما مر علينا تسعةٌ وعشرونٌ يومًا انتهى الشهر، نبدأ بعد التسع وعشرين غدًا واحدًا، معروفٌ، لو كان المقصود الجنس ما احتاج أن يقول......

المقدم: «فلا تصوموا حتى تروه».

نعم، فأحال على الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرةً ثلاثين ومرةً تسعة وعشرين، فعُلم أنّ قوله: «الشهر تسعٌ وعشرون» أنّ ذلك قد يكون في بعض الأحوال، وقد جاء هذا عن ابن عمر عن النّبي –صلى الله عليه وسلم– بينًا في قوله: «إنا أمةٌ أميةٌ لا نكتب ونحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرةً تسعٌ وعشرون، ومرة ثلاثون، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة كاملٌ ومرة ناقصٌ.

وروي عن عروة عن عائشة أنها أنكرت قول من قال: إنّ النّبي –عليه الصلاة والسلام– قال: «الشهر تسعٌ وعشرون» أنكرت قول من قال: إنّ النّبي –عليه الصلاة والسلام– قال: «الشهر تسعٌ وعشرون»، الحديث ثابتٌ ما فيه إشكال، ولم يخفَ عليها قوله –عليه الصلاة والسلام –: «الشهر تسعٌ وعشرون» ما خفي عليها، كيف أنكرت؟ أنكرت من حمله على العموم، على الجنس، أنكرت قول من قال: إنّ النّبي –عليه الصلاة والسلام– قال: «الشهر تسعٌ وعشرون» وسكت، وقالت: لا والله ما قال كذلك، إنما قال حين هجرنا: «لأهجرنكم شهرًا»، وأقسم على ذلك، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت شهرًا، فقال: «إنّ الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة» يعني الإشكال الذي أنكرته عائشة يعني...

المقدم: أن يظن الناس أنّ الشهر كاملٌ، هذا للجنس، كل شهر جنسه تسع وعشرون.

لا، هي أنكرت فصل هذا الخبر: الشهر تسعٌ وعشرون عن قصة الإيلاء، هذا الذي أنكرته عائشة.

المقدم: أنكرت عائشة.

يعني إنما أنكرت عائشة –رضي لله عنها- من فصل هذه القطعة من الخبر: الشهر تسعةٌ وعشرون من قصة الإيلاء؛ لأنها إذا اقترنت بقصة الإيلاء ارتفع الإشكال؛ ولذلك قالت: لا والله ما قال كذلك، إنما قال حين هجرنا: «لأهجرنكم شهرًا»، وأقسم على ذلك، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت شهرًا، فقال: «إنّ الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة»، يعني أحيانًا يقتطع جملة من الخبر.

المقدم: وتُفهم على غير المراد.

نعم، لا شك أنّ اختصار الحديث جائز عند أهل العلم، يعني تقطيع الحديث والاقتصار على بعضه دون بعض، والاستدلال ببعض جمله التي لا يحتاج إليها، جائز عند أهل العلم، إذا كان الاقتصار على بعض الآية يجوز فمن باب أولى الاقتصار على بعض الحديث، يعني لك أن تقول: {إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وتسكت، ولا يلزم أن تقول: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} لأنك محتاج أن تتحدث عن الأمانة، إذا احتجت إلى الحديث عن العدل تقول: {إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، ولا تحتاج أن تقول: {إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات}.

أقول: تقطيع الأحاديث جرى عليه الإمام البخاري، لكن يشترطون في ذلك........

المقدم: ألا يفقد معنى آخر.

ألا يكون ما ذُكر لا يُفهم إلا بما حُذف، قد يقول قائلٌ مثلًا: إنّ هذا منه، ما فهمنا حتى ذكرنا، البخاري لو اقتصر على هذه القطعة في هذا الموضع.....

المقدم: لقلنا بهذا.

نعم، لكنه ذكره كاملًا في مواضع أخرى، وتبرأ عهدته بهذا.

قوله: «فإن غُمّ عليكم» بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم يقال: غممت الشيء إذا غطيتَه،

غممت الشيء إذا غطيتَه أم غطيتُه؟

المقدم: هنا يقول: غطيتَه.

من الذي قاله؟

المقدم: أهل اللغة هكذا يقولون: غممت الشيء إذا غطيتَه.

صحيحٌ، لكن أنت تعرف الفرق بين إذا وأي، أي غطيتُه، وإذا؟

المقدم: تصير غطيتَه.

نعم، قال ابن حجر: ووقع في حديث أبي هريرة من طريق المستملي: إن غُمّ، ومن طريق الكشميهني أغمي، ومن رواية السرخسي غَبِي غَبِي بفتح الغين وتخفيف الموحدة، وأغمي وغُمّ.....

المقدم: غَبِي بالياء ولا بالميم يا شيخ؟

بالباء وتخفيف الموحدة، وأغمي وغُمّ وغمي بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغمومٌ الكل بمعنى، يعني بمعنى واحد، وأما غبي فمأخوذٌ من الغباوة، وهي عدم الفطنة، وهي استعارةٌ لخفاء الهلال؛ لأنّ الغبي يخفى عليه كثيرٌ من الأمور، والهلال إذا استُتر غبي.

وفي ((عمدة القاريء)) قوله: «فإن غُمّ عليكم» أي إن سُتر الهلال عليكم، ومنه الغم؛ لأنه يستر القلب، والرجل الأغم المستور الجبهة بالشعر، وسُمي السحاب غيمًا؛ لأنه يستر السماء، ويقال: غُمّ الهلال إذا استتر، ولم ير لاستتاره بغم ونحوه، وغممت الشيء أي غطيتُه بخلاف الأولى إذا غطيتَه.

يقول ابن العربي في العارضة: قوله: «فإن غُمّ عليكم» بناء المادة للستر والتغطية، ومنه الغم، فإنه يغطي القلب عن استرساله في آماله، ومنه الغمام وهي السحابة، وروي فيه «فإن عمي عليكم» العين المهملة قد يقول: من العمى؛ لأن ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصر عن المعقولات، ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصر عن المعقولات كذا في العارضة، لكنه ذهاب أيش؟

المقدم: العقل.

الذي هو أيش؟ البصيرة، عن المعقولات، ومثله إن حال دونه غياية بالغين والياءين المعجمتين باثنتين من تحتهما، دونه غياية، وجاء في البقرة وآل عمران أنهما.....

المقدم: غيايتان.

نعم، ومنه الغي الذي لا يظهر معه الرشد، يستره ويُذهبه، وكذا بياءٍ متقدمةٍ، ويُجعل بدل الياء الآخرة باءً، إن حال دونه غيابة، يعني الياء الثانية بدلها باء بواحدة يعني بنقطةٍ واحدةٍ؛ لأنه من الغيب، وتقديره ما خفي عليك واستتر، وكذلك لو روي غيانة بالنون من الغين، وهو الحجاب الذي على القلب من الغفلة «إنه ليغان على قلبي»، وهو الحجاب الذي على القلب من الغفلة، والدين من الكفر كيف؟ الغين الحجاب على القلب من الغفلة هذا بالنسبة للمسلم، وأيضًا الغين حجاب على القلب.

المقدم: دينًا من الكفر.

نعم، فالدين معطوفٌ على القلب الحجاب الذي على الدين من الكفر.

«فأكملوا العدة» أي عدة الأيام من شهر شعبان ثلاثين يومًا، وتقدم الكلام في هذا الحديث من حيث ما تقدم في هذا اليوم، عن يوم الثلاثين، من حيث الصيام وعدمه، فإن كانت السماء صحوًا فقد جاء النهي عن تقدم رمضان بيومٍ أو يومين من أجل رمضان، بخلاف من اعتاد صيامه كالاثنين والخميس مثلًا، أو نذر، أو قضاء لا بأس بصيامه حينئذٍ، وهذا تقدم كله.

والنهي عن الصيام بعد انتصاف شعبان كما في المسند والسنن من حديث أبي هريرة، وصححه بعضهم، وحكم عليه الإمام أحمد بالنكارة، وتقدم أيضًا الحديث فيه.

وإن كان في السماء ما يحول دون رؤية الهلال من غيمٍ أو غبارٍ أو نحوهما فهو يوم الشك الذي من صامه فقد عصى أبا القاسم –صلى الله عليه وسلم– كما قال عمار بن ياسر في الترجمة التي معنا.

والحديث نص على عدم صيامه، حديث الباب، «فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، هذا الحديث فيه نصٌّ على عدم صيام يوم الثلاثين؛ لأنه أمرنا «فأكملوا العدة ثلاثين» عدة شعبان؛ فعلى هذا لا نصوم، يؤيده «من صام يوم الشك» هذا هو يوم الشك، وهذا تقدم الكلام فيه بالتفصيل.

والحديث نصٌّ على عدم صيامه، ففيه الأمر بإكمال شعبان ثلاثين يومًا خلافًا للحنابلة، وقد تقدم ذكر مذهبهم في هذا، ومن سبقهم إلى القول به كابن عمر وغيره.

قال ابن حجر في ((فتح الباري)): ذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتبها ترتيبًا حسنًا؛ فصدرها بحديث عمار المصرح بعصيان من صامه، هذا ما يحتمل، ثم بحديث ابن عمر من وجهين: أحدهما بلفظ «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له»، والآخر بلفظ «فأكملوا العدة ثلاثين»، وقصد بذلك بيان المراد من قوله: «فاقدروا له»؛ لأنه تقدم لنا أنّ من يقول: يصام يوم الشك يرى أن يقدروا له يضيق عليه، وقصد بذلك بيان المراد من قوله: «فاقدروا له».

ثم استظهر بحديث ابن عمر أيضًا «الشهر هكذا وهكذا»، وحبس الإبهام في الثالثة، وخنس على ما سيأتي، ثم ذكر شاهدًا من حديث أبي هريرة، ابن عمر مصرحًا بأنّ عدة الثلاثين المأمور بها تكون من شعبان، ثم ذكر شاهدًا لحديث ابن عمر في كون الشهر تسعًا وعشرين من حديث أم سلمة، وهو الحديث الذي يلي هذا مصرحًا فيه بأنّ «الشهر تسعٌ وعشرون».

ومن حديث أنس كذلك، وأطرافه تقدمت في شرح الحديث في باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟ وخرجه مسلم أيضًا، وهو متفقٌ عليه، وترك المختصر كعادته حديث ابن عمر بعده «الشهر هكذا وهكذا» وخنس الإبهام في الثالثة، عادته أنه إذا كان الحديث يغني عن غيره ترك ما يستغنى عنه، خنس كذا للأكثر أكثر الرواة من المعجمة والنون أي قبض، والانخناس الانقباض.

حديث أبي هريرة لما قابله النّبي –صلى الله عليه وسلم– في بعض سكك المدينة وهو جنب قال: خنست، قاله الخطابي وقال: وقد يكون الخنوس أيضًا لازمًا، يقال للرجل مع قوم وتخلف عنهم قد خنس، وقال لي بعض شيوخنا هذا في شرح البخاري للخطابي اسمه تقدم مرارًا ((أعلام الحديث)).

المقدم: أو ((أعلام السنن)) أحيانًا يسمى.

نعم، وعند الكنعانيين المتقدمين بكثرة باسم ((أعلام السنن)) في مقابل ((معالم السنن)) شرح سنن أبي داود، لكن الذي حقق الكتاب استظهر من خلال النسخ أنّ أكثر النسخ على ((أعلام الحديث)) يقول: وقال لي بعض شيوخنا: كنت مع نفر من أعلام بني عقيل فتخلفت عنهم، فلحقني آخر منهم فقال لي: ما لك أراك خانسًا؟! وفي رواية الكشميهني: وحبس بالحاء المهملة ثم الموحدة أي منع، والمقصود أنه –عليه الصلاة والسلام– أشار بيده في المرتين الأولى والثانية بالأصابع العشرة كاملة، وأما في المرة الثالثة حبس الإبهام؛ ليكون عدد الأصابع تسعة، وبهذا يتفق مع حديث الباب؛ ولذلك حذفه المختصر.

المقدم: أحسن الله إليك، لم يتبق معنا وقت، لكن إن أذنت في سؤال: فيما يتعلق بالأطراف في باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا، في المختصر عندنا قال: أطرافه ألف وتسعمائة وستة وألف تسعمائة وسبعة، ثم أورده ألف وتسعمائة وسبعة، أورد الحديث على خلاف منهجه؛ إذا أورد في الأطراف معناه أنه لا يذكر في المختصر مرة أخرى، ثم قال: في أطرافه انظر ألف وتسعمائة، وهذا على خلاف منهجه المعتاد؟

لكن هل في القطعة التي أوردها أو في الموضع الثاني ما فيه زيادة فائدة.

المقدم: بلى، حتى في الأصل هو لم يجتزئه، أتى به في الأصل كما هو، وبالتالي أنه ليس هو نفس الحديث؛ فلماذا يرجع إليه؟ يعني في صحيح البخاري في الأصل حديث ابن عمر هنا ألف وتسعمائة وسبعة، كما هو في المختصر ما اجتزأ منه شيئًا، فكأن هذا الحديث غير ذاك الحديث؛ فلماذا يجعله من أطرافه، ألف وتسعمائة؟ حديث باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا، هذا حديث ابن عمر قال: في أطرافة ألف وتسعمائة وستة، وألف وتسعمائة وسبعة، أما ألف تسعمائة وستة فعلًا، أما ألف وتسعمائة وسبعة؟

هو حديثٌ واحدٌ عن ابن عمر.

المقدم: لكنه يختلف يا شيخ لا في اللفظ؛ ولذلك في البخاري في الموضعين لم يجزئهما.

لا، البخاري أحيانًا يختلف سياقه للحديث، البخاري لا يكرر الحديث إلا لفائدة أحيانًا لاختلاف السياق في الحديث، وقد يكون هذا الاختلاف ممن بعد ابن عمر، فيريد «إذا رأيتموه فصوموا»، وعندنا هنا «فلا تصوموا حتى تروه» قلنا: إنّ تلك بالمفهوم وهذه بالمنطوق والمؤدى واحد؛ فكرره في الموضعين، البخاري، كرره في الموضعين؛ ليبين أنّ الحديث روي على الوجهين.

المقدم: ما يقال: إنّ البخاري كرره في الموضعين؛ لأنه يعلم أنّ هذا حديثٌ مستقل، وهذا حديثٌ مستقل؟

لا، ما يلزم.

المقدم: لأنّ هذا «اقدروا له» وهذا «أكملوا العدة»، والخلاف في اللفظين أصلًا، وهذا يدل على أنّ هذا حديث وهذا حديث «غم عليكم» غير «اقدروا له».

في الموضعين «غم عليكم».

المقدم: نعم، «اقدروا له» هناك وهنا «فأكملوا العدة» ونحن قلنا: إنّ ابن عمر أيضًا له رأي في مسألة «اقدروا له».

نعم، هذه توضيحٌ للرواية السابقة، وجاء الجمع بينهما في بعض الروايات؛ «اقدروا له» بجعل شعبان ثلاثين أو «فأكملوا العدة ثلاثين».

المقدم: أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.

إذًا أيها الأخوة والأخوات نستكمل - بإذن الله تعالى- ما تبقى في هذا الباب من كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح في حلقةٍ قادمةٍ، وأنتم على خير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.