شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 04

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 04
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 وأهلاً ومرحبًا بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع بداية حلقتنا نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبدالله الخضير، فأهلاً ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: في باب فضل الصوم، في كتاب الصوم من هذا الكتاب لحديث أبي هريرة- رضي الله عنه- كنا توقفنا عند قول النبي- صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، سقتم شيئًا من الخلاف؛ في مسألة قوله: فم الصائم؛ هناك من يقول: تثبت الميم هنا، وهناك من يقول: الأصل الحذف، توقفتم عند هذه المسألة، وفصلتم القول فيها، لو نذكر بعضها باختصار، أحسن الله إليكم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

في قوله: «فم الصائم» قال ابن حجر: فيه رد على من قال: لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة إلا في ضرورة الشعر؛ لثبوته في هذا الحديث الصحيح وغيره. وذكرنا نقلاً عن التهذيب للأزهري الذي نقل بدوره عن ابن السكيت قال الفراء: يقال هذا فَمٌ مفتوح الفاء مخفف الميم، وكذا في النصب يخفف، ومنهم من يقول: هذا فُمٌ بالضم في المواضع الثلاثة، وأما تشديد الميم فإنه يجوز في الشعر، قال: وأما فُو، وفِي، وفا ..

المقدم: هذا لا تأتي إلا في الإضافة.

 فإنما يقال في الإضافة، يعني مفهوم كلامه أنه لا تثبت الميم في الإضافة، فإنما يقال في الإضافة أسلوب حصر، وأما مع عدم الإضافة فيؤتى بالميم، يعني في الإضافة كما في الحديث : حتى ما يضعه...

المقدم: في في امرأة.

في في امرأة، والنهي عن الشرب من في ..

المقدم: السقاء.

السقاء، كونه بالإضافة إذا جيء به باعتباره أحد الأسماء الخمسة لابد من الإضافة لغير ياء المتكلم أيضًا؛ لأنه إذا أضيف إلى ياء المتكلم قيل:

الأخ الحاضر: فمي.

 فمي، نعم. «أطيب عند الله من ريح المسك» قال ابن حجر: هذه المسألة إحدى المسائل التي تنازع فيها ابن عبد السلام وابن الصلاح، فذهب ابن عبدالسلام إلى أن ذلك في الآخرة، من ابن عبد السلام؟

المقدم: العز.

العز بن عبد السلام، إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد، واستدل بالرواية التي فيها: يوم القيامة يعني في الآخرة، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا، واستدل بالرواية المخرجة عند ابن حبان وأحمد: «فم الصائم حين يخلف في الطعام»، وفي رواية: «حين يمسي في الدنيا»، وترجم عليها ابن حبان بقوله: "ذكر البيان بأن ذلك قد يكون في الدنيا"، ولا مانع من أن يكون ذلك في الدارين، طيب ما سبب الخلاف؟ يعني هل ابن الصلاح يرى أن هذا في الدنيا، وأنك تشم فعلاً رائحة المسك من فم الصائم في آخر الوقت.

المقدم: لا ما يمكن.

إذًا كيف قال ابن الصلاح أنه في الدنيا؟ لأنهم يهربون من شيء وهو كون هذه الريح عند الله؛ لأن الشم من خواص أيش؟ الأجسام؛ لأنه يقتضي حاسة، وهو عندهم شيء من الانحراف في هذا الباب، والشراح كلهم أطالوا حول هذا الكلام. «أطيب عند الله» يعني عند خلقه، عند ملائكته، عند كذا وينزل كذا، كلهم يهربون أن يكون هذا وما دام ثبت في الحديث الصحيح..

المقدم: فلماذا هذا الهروب؟

لماذا الهروب منه؟ نعم، نحن متعبدون بهذه النصوص، فإذا صحت وثبتت فلا مناص ولا مفر من القول بها، هذا الذي يجعلهم يختلفون هل هو في الدنيا والآخرة، وما المانع أن يكون في الدنيا والآخرة، ويكون عند الله- جلا وعلا- وأما بالنسبة للمخلوقين في الدنيا فالرائحة ليست..

المقدم: ليست مثل المسك.

مثل المسك قطعًا.

المقدم: أبدًا.

كما أن الدم دم الشهيد، ليس مثل المسك عند الخلق في الدنيا، أما في الآخرة كونه تتحول هذه الرائحة حتى عند الخلق فما المانع؟ ما فيه مانع، وأما عند الله فالرائحة كذلك عند الله مثل رائحة المسك في الدنيا والآخرة ما المانع؟ وقد دل على كونها في الدنيا الحديث الأخير، وكونها في الآخرة الرواية التي تقول: يوم القيامة. نقول: مثل هذا لابد فيه من التسليم، نعم لابد فيه من التسليم، قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، فإذا جاء عن الله وعن رسوله شيء فما ثبت عن الله شيء فلا مفر ولا محيد من إثباته.

المقدم: التسليم.

«المسك» والمسك نوع من الطيب قال الجوهري: هو فارسي معرب، وكانت العرب تسميه المشموم، وثوب ممسك أي مصبوغ به، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  ذكر امرأة من بني إسرائيل حشيت خاتمها مسكًا، والمسك أطيب الطيب، كذا كما في حديث مسلم، والمسك أطيب الطيب.

« يترك طعامه وشرابه وشهوته» أي أن الصائم يترك المفطرات مما يؤكل ويشرب وما يتلذذ به من الجماع، وغيره مما يفطر الصائم مما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. ووقع عند ابن خزيمة «ويدع زوجته من أجلي» من أجلي قال الحافظ: فيه التنبيه على الجهة التي يستحق الصائم ذلك، يستحق هذا الوعد بأي شيء؟ بتركه ذلك من أجل الله- جلا وعلا-. فيه التنبيه على الجهة التي يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاص به حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور، إذا صام حمية، صام حمية هو صام صومًا شرعيًّا، عدل عن مجرد الانكفاف عن الأكل والشرب والجماع من أجل الحمية إلى الصيام الشرعي بأن أمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ناويًا بذلك التقرب إلى الله بهذا الصيام يؤجر عليه كما تقدمت الإشارة إليه، لكن مع ذلك  ليس أجره كأجر من أمسك عن الأكل والشرب والجماع..

المقدم: بنية الصيام.

 لا ينهزه إلا الصيام، ولذا قال: من أجلي الصيام لي، ووقع في الموطأ: فالصيام بزيادة الفاء- فاء السببية- أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته من أجلي. وجاء من رواية المغيرة عن أبي صالح عند سعيد بن منصور: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به». وقد اختلف العلماء في مراد قوله تعالى: الصيام لي وأنا أجزي به، مع أن الأعمال كلها له، وهو الذي يجزي بها، الصلاة له: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} [ سورة الأنعام 162]. وهو الذي يجازي به، يعني استشكل مثل هذا...

المقدم: لماذا خص الصيام؟

اختلف العلماء في السبب، في المراد بقوله: الصيام لي وأنا أجزي به، مع أن الأعمال كلها له، وهو الذي يجزي بها، وقد اختلف العلماء في السبب في المراد بقوله: الصيام لي وأنا أجزي به، مع أن الأعمال كلها له، وهو الذي يجزي بها. يقول القرطبي في تفسيره: إنما خص الله سبحانه وتعالى الصوم بأنه له، وإن كانت العبادات كلها له؛ لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات؛ يعني يختلف الصيام مع سائر العبادات في هذين الأمرين:

أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات، نعم ما لا يمنع منه..

المقدم: سائر العبادات.

 سائر العبادات، قد يقول قائل: الصلاة تمنع، فهل يأكل أو يشرب أو يجامع وهو يصلي؟ نقول: الأمر كذلك، لكن مدة الصلاة تختلف عن مدة الصيام، والانكفاف أثناء الصلاة أقل بكثير من الانكفاف أثناء الصيام. قد يقول قائل: الحج يمنع من استعمال الشهوات، ويكف عنها لا سيما إذا كان يقتضي ذلك السفر عن أهله ولم يسافر بأهله مثلاً، يمنعه ذلك، لكن الصوم لمدة شهر كامل، وهو أيضًا عمل سر بين العبد وبين ربه كما سيأتي في الأمر الثاني. فيتجه القول بأن الحج يمنع من الملاذ والشهوات قد تكون زوجته معه فمنعه منها مدة يسيرة مدة تلبسه بالإحرام.

المقدم: صحيح.

لكن مدة تلبسه بالإحرام من أن يحرم بالحج إلى أن يتحلل منه أطول من مدة الصيام.

المقدم: قليلة يا شيخ أحيانًا ما تتجاوز ثلاثة أيام.

لا، مدة الصيام  كان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .

المقدم: تقصد في اليوم يعني.

في اليوم، أما في الليل، نعم ما فيه إشكال.

المقدم: لكنها مع الاستمرار يعني كثرة، ثلاثون يومًا، مدته ثلاثون يومًا أكثر من الحج.

المسألة مثل ما أشار، يعني الحج منع من التلذذ بالجماع، ما منع من الأكل والشرب وغيرهما، المنع من الأمور المجتمعة لا يكون إلا في الصيام.

الثاني أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصًّا به، وما سواه من العبادات ظاهر ربما فعله تصنعًا ورياءً، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره. قال ابن عبد البر: كفى بقوله: الصوم لي، فضلاً للصيام على سائر العبادات، الإضافة إضافة تشريف، الصوم لي، يعني يكفي بقوله: الصوم لي فضلاً للصيام على سائر العبادات. سر بين العبد وبين ربه، لكن قد تظهر آثاره، ولذا يعمد كثير من السلف على تغيير هذه الآثاره، فتجده إذا أراد أن يخرج إلى الناس ادهن وتطيب ورطب الشفتين؛ لئلا يظن به أنه صائم، وذكرنا مثالًا في مناسبات كثيرة، وهو أن في حديث الأعمال بالنيات: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» والسياق سياق ذم، نعم وقلنا: إنه سياق ذم إذا أظهر أنه هاجر لله ورسوله وهو في الحقيقة إنما يقصد الدنيا أو يقصد المرأة، ولكن لو هاجر من أجل الدنيا، ضاقت به المعيشة في بلده، وانتقل إلى بلد آخر طلبًا للزرق يذم أم ما يذم؟ ما يذم.

المقدم: ما يذم.

وكذلك إذا لم يجد امرأة تناسبه في بلده، وانتقل إلى بلد آخر ليتزوج لم يذم، بل قد يؤجر على ذلك تبعًا لما يقر في قلبه من نية صالحة. إذًا نقول: نظير هذا الصيام مثلاً، بل العكس المثال الذي ذكرناه ونظرنا به الهجرة المذمومة في الحديث من أجل الدنيا أو من أجل المرأة قلنا: لو أن شخصًا في يوم الإثنين من كل أسبوع يأخذ معه...

المقدم: التمر والقهوة إلى المسجد.

التمر والقهموة للمسجد قبيل الغروب، ثم ينشر هذا في المسجد، وينتظر حتى يؤذن، والناس داخلين في المسجد، وتفضل يا فلان.

المقدم: هذا يتظاهر.

ويرد عليه بعض الناس: أنا والله مفطر، نعم مثل هذا يتظاهر بأيش؟

المقدم: بالصوم.

بالصوم، لكن هل الأكل في المسجد ممنوع في الأصل؟ هل انتظار الأكل إلى وقت الأذان ممنوع؟ لا، ليس ممنوعًا في الأصل، لكنه يظهر للناس من خلال عمله أنه صائم، فيذم من هذه الحيثية، كما يذم من هاجر للدنيا أو للمرأة التي يتزوجها، وقد تظاهر بين الناس أنه إنما هاجر لله ورسوله، نقول: صنيع مثل هذا، معارض ومناقد تمامًا لما يفعله خيار هذه الأمة من التظاهر بعدم الصوم أثناء الصوم. حكى عياض عن أبي عبيد: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، كما يقع في غيره من العبادات؛ لأنه ترْك، ما هو إيجاد عمل.

المقدم: والتروك أخف.

 نعم، التروك أمور قلبية ما له شيء يظهر أمام الناس. وجاء في خبر مرسل: ليس في الصوم رياء، لكنه ضعيف، وقيل: إن المراد بقوله: وأنا أجزي به أي أنفرد بعلم مقدار ثوابه، وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد أطلع عليه بعض الناس. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كُشفت مقادير ثوابه للناس، وأنها تضاعف من عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله إلا الصيام، فإن الله- جلا وعلا- يثيب عليه بغير تقدير، فإن الله- جلا وعلا- يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا رواية الموطأ: «كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، أي: أجازي عليه كثيرًا من غير تعيين لمقداره، قد يقول قائل مثلاً: الحرف من القرآن بعشر حسنات، والله- جلا وعلا- يضاعف لمن يشاء، وكذلك في الإنفاق إلى...

المقدم: إلى سبعمائة.

 إلى أضعاف كثيرة، لماذا خُص الصيام بهذا؟ الصيام لجميع الناس وغيره لمن يشاء، المضاعفات الكثيرة في الصيام لجميع الناس، وأما بالنسبة لغير الصيام من العبادات لبعض الناس.

المقدم: لمن يشاء.

 لمن يشاء نعم، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، نعم أي : أجازي عليه جزاءً كبيرًا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ سورة الزمر10]. والصابرون الصائمون في قول كثير من العلماء هم الصائمون. وقيل: سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يُعبد به غير الله بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك، الصيام لم يُعبد به غير الله- عز وجل-  بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك، وقيل: لأن جميع العبادات، نعم الصلاة منهم من يصلي يسجد للشمس مثلاً أو يسجد للقمر، ومنهم من يتصدق، لغير الله- جلا وعلا-.

المقدم: الصوم.

والطواف قد يطوف بقبر، قد يطوف بمكان عبادة آخر غير الكعبة.

حتى الصيام.

الأخ الحاضر: صوم الكهنة والسحرة يصومون صيامًا مخصوصًا، أم تقصد بالصيام الشرعي؟

الكلام.

الأخ الحاضر: الحقيقة الشرعية أم الحقيقة العرفية؟

أين؟

الأخ الحاضر: يعني الصيام الحقيقة العرفية أم الحقيقة الشرعية؟

لا، هو العبرة بمسمى الصوم.

الأخ الحاضر: هو الكهنة والسحرة حتى يأخذوا مطلوبهم وأحيانًا عندهم رياضات من ضمنها الصوم يصومون على نحو وعلى طريقة يعني على الطريقة غير الشرعية التي نعرفها.

المقدم: معينة.

الأخ الحاضر: يصومون على طريقة على حقيقة تخصهم.

المقدم: مثل يا شيخ...

يعني مثل الصلاة يصلون ليست صلاة على الحقيقة الشرعية.

المقدم: يعني مثل بعض الأديان الآن الموجودين في الصين وغيرها لهم صيام معين.

الأخ الحاضر:البوذيون لهم صيام.

المقدم: البوذيون لهم صيام.

على كل حال أورد على هذا القول، وقيل: سبب الإضافة أن الله لم يعبد... أورد مثل هذا الكلام.

أورد مثل هذا الكلام. وقيل: لأن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام، يعني إن الصيام لا تدخله المقاصة؛ لأنه لله- جلا وعلا- هذا مقتضى الإضافة، الصوم لي معناه ليس لفلان ولا علان منه شيء، المفلس..

المقدم: يؤخذ من صلاته وصدقته.

نعم.

المقدم: لكن ما يؤخذ من صيامه.

يقول القرطبي: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكرت في حديث المقاصة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة.

المقدم: وصيام.

 وصيام، فظاهره الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك.

الأخ الحاضر: مردود على القول بالحديث نفسه.

نعم، كيف يكون له ويأخذه فلان وعلان، الصيام لله- جلا وعلا- الصوم لي، ثم بعد ذلك يأتي هذا الصائم..

المقدم: ويؤخذ من صيامه.

فيؤخذ من صيامه.

المقدم: قد يكون المراد بها ما فسره بعدها الذي هو أنا أجزي به، انفراده بمعرفة مقدار ثوابه وتضعيفه.

أما بعده عن الرياء فهذا واضح، بعده عن الرياء ما لم يكشفه صاحبه فهذا واضح. يقول: فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك، وقد أخرج البخاري في التوحيد عن آدم عن شعبة بلفظ يرويه عن ربكم قال: «لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به»، ومعناه: أن لكل عمل من المعاصي كفارة من الطاعات إلا الصيام، كذا قيل، لكن ترجم البخاري بعد هذا بقوله: باب الصوم كفارة، فليتأمل وقيل غير ذلك، باب قوله الصوم كفارة، ما معنى كفارة؟ أنه يكفر الذنوب، نعم يكفر الذنوب، لكل عمل كفارة، لكل عمل من المعاصي كفارة من الطاعات إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يعني مقتضى قوله كفارة أن ينقص أجره أو لا ينقص، يعني الصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة.

المقدم: كلها كفارة وينقص منها الأجر أحيانًا.

في حدود العباد التي فيها مقاصة ينقص الأجر، لكن في حدود الله- جلا وعلا- من الصغائر ما ينقص الأجر؛ لأنه ما استفدنا من هذه النصوص إذا قلنا: ينقص الأجر، فهي كفارات ما اجتنبت الكبائر. فكونها كفارة لا يعني أنه ينقص من أجرها شيء، والحسنة بعشرة أمثالها...

المقدم: لكن المقصود بنقصان  الأجر هنا -أحسن الله إليك- يعني ما فيه خلاف بين قوله: ما يكتب له من صلاته إلا ربعها، ثلثها.

هذا في نفس الصلاة، هذا الخلل في نفس الصلاة

المقدم: إذًا ما المراد بأن لا ينقص ثوابها هنا؟

لا ينقص ثوابه، يعني شخص فعل صغائر ثم صلى.

المقدم: نعم، هذه الصغائر لا تنقص من أجرها.

لا تنقص من أجر الصلاة؛ لأنها كفرت، ما الفائدة إذا كانت تنقص؟ انتهينا ما نحتاج إلى مثل هذا النص.

المقدم: وهذا عام في الصيام وغيره، فلماذا اختص به الصيام؟

نعم؟

المقدم: يعني هذا عام في الصيام والصلاة.

لا، أنا أريد أن أقرر، شوف هنا يقول: أخرج البخاري في التوحيد: لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به، يقولون معناه: أن لكل عمل من المعاصي كفارة من الطاعات إلا الصيام.

يعني في حال المقاصة كذا قيل، لكن البخاري أيضًا ترجم بقوله: باب الصوم كفارة، فالصوم مثل غيره، فإن كانت المعاصي التي تكفر بالطاعات تنقص من أجر هذه الطاعات فلتنقص من أجر الصيام؛ لأنه كفارة.

والبخاري ترجم بقوله: الصوم كفارة، على كل حال المسألة تحتاج إلى مزيد من البسط، والوقت لا يحتمل أكثر من هذا.

والحسنة بعشر أمثالها: جاء في الموطأ إلى سبعمائة ضعف، ومضاعفة الحسنات مما تضافرت عليه نصوص الكتاب والسنة، والسيئات من فضل الله وكرمه وجوده وإحسانه آحاد.

المقدم: الحمد لله.

لا تضاعف، فخاب وخسر من زادت آحاده على عشراته، يعني إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، جاء في المسند إلى ألفي ألف ضعف، مليوني ضعف، لكن الخبر فيه ضعف، لكن أضعاف كثيرة لا تحد، وفضل الله لا يحد. قد يقول قائل: كيف هذه أعداد خيالية؟! نعم كيف يقال: إن فضل الله- تعالى- لا يحاط به ولا يحد؟ فإذا كان أدنى أهل الجنة منزلة وآخر من يدخل الجنة من أهلها، يقال له تمنَّ.

المقدم: مثل ملك أهل الدنيا.

فيتمنى، فيقال له: أترضى أن يكون لك ملك أعظم ملك في الدنيا؟ فيقول: نعم، فيقول: لك وعشرة أمثاله. ففضل الله- جلا وعلا- لا يحد ولا نهاية له، ولا يحاط به، لكن على المسلم أن يعمل، يبذل الأسباب التي يكسب بها هذا الفضل العظيم، فإن زادت آحاده وسيئاته زادت على حسناته وعشراته بل مئاته وآلافه، فهذا لا شك أن علامات الخذلان عليه ظاهرة، والله المستعان.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم، ونفع بعلمكم، أيها الإخوة والأخوات، كنا مع صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، كنا في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لازلنا في هذا الكتاب بإذن الله، نستكمله في حلقة قادمة معكم وأنتم على خير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.