شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 16

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 16
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 2:45 م

سماع الدرس


المقدم:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله مُحمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد، فالسلام عليكم ورحمته وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم مستمعينا الكِرام إلى هذا اللقاء الجديد في برنامجكم التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، حيث يشرح معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العُلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، يشرح كتاب الاعتكاف في هذا الشهر الفضيل، مطلع هذه الحلقة أرحب بمعاليه، فأهلاً ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ وأهلًا وسهلًا.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: في هذه الحلقة مستمعينا الكرام حديث عمر- رضي الله عنه-: أنه سأل النبي- صلى الله عليه وسلم-  قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: «فأوفِ بنذرك».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فراوي الحديث أمير المؤمنين، أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل الأمة بعد أبي بكر، ولي الخلافة بعده عشر سنين، يعني بعد أبي بكر ونصفًا، واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين.

وحينما نقول راوي الحديث أمير المؤمنين عمر، هذا على حد صنيع المختصر، وإلا فالحديث كما ستأتي الإشارة بعد الترجمة أنه من مسند ابن عمر، لا من مسند عمر، والحديث ترجم عليه الإمام البخاري باب الاعتكاف ليلًا.

قال ابن حجر: قوله: باب الاعتكاف ليلاً أي بغير نهار، وقال العيني: أي هذا باب في بيان حكم الاعتكاف ليلاً بغير نهار، ومطابقة الحديث للترجمة، في قوله: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلاً أو ليلة، وسيأتي ما في هذه الجملة من استدلال لبعض أهل العلم في عدم اشتراط الصوم للاعتكاف، ويأتي في كلام طويل تفصيل المسألة إن شاء الله تعالى.

قول المختصر: عن عمر- رضي الله عنه- أنه سأل النبي- عليه الصلاة والسلام-، أقول كذا في المختصر جعله من مسند عمر، والذي في البخاري: حدثنا مسدد قال: حدثني يحيي بن سعيد عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن عمر سأل النبي- صلى الله عليه وسلم- ، أن.. أخبرني نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن عمر سأل النبي، فهو من مسند ابن عمر، لا من مسند عمر.

وهو الصواب كما في جميع مواضع التخريج من الصحيح، هذا إذا كان مراد المختصر هذا الموضع، المترجم بباب الاعتكاف ليلًا، وهو ظاهر صنيع المحقق؛ لأنه ترجم على الحديث عن عمر باب الاعتكاف ليلاً، وإلا فالحديث مخرج في الصحيح من رواية عمر، لكن بغير هذه الترجمة في كتاب الاعتكاف، كما سيأتي بعد عشرة أحاديث، من لم يرَ عليه إذا اعتكف صومًا.

قال:- رحمه الله-: حدثنا إسماعيل بن عبد الله عن أخيه عن سليمان عن عبد الله بن عمر.. عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، يعني بعد عشرة أحاديث سيأتي ذكر البخاري له من رواية عمر، من لم يرَ عليه إذا اعتكف صومًا، فهل المختصر يقصد الموضع الأول المترجم بباب الاعتكاف ليلا كما صنع المحقق، أو يقصد الموضع الثاني الذي ترجم له البخاري باب من لم ير عليه إذا اعتكف صومًا.

يعني نسبته إلى عمر أو تخريجه من حديث عمر وجعله من مسند عمر.

المقدم: هذا من صنيع المحقق طبعًا.. كونه وضع الترجمة.. واضع الترجمة المحققُ التي استدعت هذا الإشكال.

الآن عندنا خطأ إما من المختصر أو من المحقق، ولا مفر، فإن كان المراد مراد المختصر الموضع الأول، باب المترجم بباب الاعتكاف ليلاً، فهو من مسند ابن عمر لا من مسند عمر، فيكون الوهم منه، وإذا كان مراد المختصر، الموضع الثاني من لم ير عليه إذا اعتكف صومًا، فيكون الحديث من مسند عمر؛ لأنه قال: عن ابن عمر عن عمر، نعم، فيكون الوهم من المحقق حينما ترجم لحديث عمر بترجمة لحديث ابن عمر، وأيهما أولى بالوهم؟

المقدم: المحقق؛ لأنه أضاف شيئًا لم يكن موجودًا.

لكن إذا نظرت إلى ترتيب الأحاديث في المختصر، ونظرت إلى ترتيبها في الأصل.

المقدم: الأصل بُدِئ بحديث مسند ابن عمر.

نعم قدم ما رواه ابن عمر على ما رواه عمر- رضي الله عنه-، إذا نظرنا إلى الترتيب، ومشّينا ترتيب المختصر على ترتيب الأصل نعم، قلنا إن الوهم من المختصر، احتمال أن يكون المختصر قدم حديث عمر عن موضعه في ترتيب البخاري نعم، واعتمد تخريج الحديث عن عمر؛ لأنه هو الأصل وهو السائل، لاسيما أنه مخرج في الصحيح، لكن أيهما أولى بالمطابقة لما ذكره المختصر حديث ابن عمر أم حديث عمر؟ كنت نذرت.. أن عمر سأل النبي- صلى الله عليه وسلم-: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: «فأوفِ بنذرك».

هذا الموضع المخرج عن ابن عمر، والموضع المخرج عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي- صلى لله عليه وسلم-: «أوف بنذرك» فاعتكف ليلة.

المقدم: المطابقة لرواية ابن عمر. 

نعم الحرفية لرواية ابن عمر، وإذا استصحبنا أن المختصِر ليس من أهل هذا الشأن، ليس من أهل الحديث، وجزمنا أو غلب على الظن أن الوهم منه، وإن كان ثمة احتمال أن يكون الوهم من المحقق، حيث ترجم لحديث عمر بترجمة حديث ابن عمر، وهذه من الدقائق التي لا يلتفت لها كثير من الناس، ولا يهتم بها؛ لأن مقصوده  المتن، سواء كان عن عمر أو ابن عمر، وكلاهما في الصحيح، فلا يلتفت لمثل هذا.

طيب قد يقول قائل: السؤال من عمر سواء قلنا: إنه من مسنده أو من مسند ابنه، والرواية التي هي من مسند عمر، في الموضع الثاني من لم ير عليه إذا اعتكف صومًا عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله، وفي الموضع الأول أن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن عمر سأل النبي  -صلى الله عليه وسلم-  قال: فصاحب المسألة هو عمر في الموضعين، إلا أن صيغة الأداء في الموضع الأول أن عمر سأل النبي  -صلى الله عليه وسلم- ، وفي الموضع الثاني عن عمر- رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله، ما الفرق بينهما؟ قد يقول قائل: ما فيه فرق؛ لأن هذا سند مأنن، وذاك سند معنعن، ولا فرق بينهما من حيث الاتصال والانقطاع.

لا فرق

............................         وحكم أنَّ حكم عنْ، فالجل

سووا وللقطع نحا البرديجي             حتى يبين الوصل بالتخريج

حكمهما واحد، فهل نقول إن الحكم واحد في مثل هذا، ونقول في الحديث في الموضعين من مسند عمر، سواء روي بصيغة عن أو بصيغة أنَّ أو يختلف الأمر؟

الآن من الذي يحكي القصة في الموضع الأول؟ ابن عمر، والذي يحكيها في الموضع الثاني؟ عمر.  فبان الفرق بين الموضعين بأن كان الموضع الأول من مسند عمر، والموضع الثاني نعم من مسند عمر.

المقدم: والأول من ابن عمر.

نعم الأول من ابن عمر، والثاني من عمر، لو افترضنا أن الذي قال إن عمر سأل النبي- صلى الله عليه وسلم-، راوٍ من التابعين أدرك عمر ولم يدرك النبي- عليه الصلاة والسلام-، الآن ابن عمر أدرك عمر وأدرك النبي- عليه الصلاة والسلام- وأدرك القصة فهي متصلة، لو افترضنا أن القائل أن عمر سأل النبي- عليه الصلاة والسلام- ممن أدرك عمر ولم يدرك النبي- عليه الصلاة والسلام-، يبين هنا الفرق بين المأنن والمعنعن.

فيكون الراوي قد حكي قصة لم يشهدها، بخلاف ما لو قال: عن عمر أنه سأل النبي- عليه الصلاة والسلام- فيكون يروي القصة عن صاحبها فهي متصلة، ونظير ذلك.. يعني هذه المسائلة من دقائق علوم الحديث التي يحصل فيها التفريق بين أنَّ وعنْ، فذكر عن الإمام أحمد أنّ.. فيما حكاه ابن الصلاح عنه وعن يعقوب بن شيبه أنَّ (أنَّ) منقطعة و(عنْ) تفيد الاتصال؛ استدلالاً بحديث يُروى عن محمد بن الحنفية عن عمار بن ياسر أن النبي- عليه الصلاة والسلام- مر به قالوا هذا متصل، وقالوا في الراوية الأخرى عن محمد بن الحنفية أن عمار بن ياسر مر به النبي- صلى الله عليه وسلم-  قالوا متصلة؛ لأنه في الموضع الأول يروي القصة عن صاحبها، وفي الموضع الثاني يروي قصة لم يشهدها، فهنا يبين الفرق بين السند المأنن والمعنعن، أما إذا كان الراوي في هذه الحالة ابن عمر، وشهد القصة وأدرك عمر، وأدرك النبي- عليه الصلاة والسلام-، لا يبين الفرق الدقيق هذا.

ولذا يقول الحافظ العراقي:

............................         وحكم أنَّ حكم عنْ، فالجل

سووا وللقطع نحا البرديجي             حتى يبين الوصل في التخريج

 

ولما ذكر عن أحمد بن حنبل ويعقوب بن شيبه التفريق بينهما، نقلاً عن ابن الصلاح قال:

                  كذا له ولم يصوب صوبه

 يعني ما أدرك الفرق الذي من أجله حكم الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة على الإسناد بالانقطاع، وحكم على الإسناد الثاني بالاتصال.

ولذا يقول الحافظ بن حجر في شرح الحديث قوله: حدثنا مسدد قال: حدثني يحيي بن سعيد، وهو القطان، كذا رواه مسدد من مسند ابن عمر، ووافقه المقدَّمي وغيره عند مسلم وغيره، وخالفهم يعقوب بن إبراهيم عن يحيى فقال: عن ابن عمر عن عمر، أخرجه النسائي، وكذا أخرجه أبو داود عن أحمد، لكنه في المسند كما قال مسدد فالله أعلم، فاختلف فيه على عبيد الله بن عمر عن نافع، وعلى أيوب عن نافع.

لكن عزوه للنسائي، يعني كونه من مسند عمر وعزوه للنسائي، مع أنه سيأتي بعد عشرة أبواب في الصحيح عن ابن عمر عن عمر فهو من مسنده، فهذه المسألة لا شك أنها من دقائق علوم الحديث، وينتبه لها، والوهم الأقرب أنه من المختصِر أو من المحقِّق؟ لأن أحدهما واهم؛ لأنه لو ترجم المحقق باب من لم يرَ عليه إذا اعتكف صومًا، لو ترجم ما فيه إشكال، لكنه ترجم على حديث عمر الذي نسبه المختصر لعمر ترجم بترجمة حديث ابن عمر فحصل اللبس.

المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، ونفع بما قلتم، وعلى هذه المسألة الدقيقة أيها الإخوة نقف، نسأل الله تعالى تبارك وتعالى أن يعلمنا بما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، جزى الله الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء ما تفضل به، وشكرًا لكم أنتم، ونلقاكم بإذن الله تعالى وأنتم بخير وعلى خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.