شرح العقيدة الواسطية (07)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم رسله صادقون مصدوقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؛ ولهذا قال: ﯿ  فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسَلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب. وهو -سبحانه- قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول:  وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: ﮩﮪ ﮯﮰ    ﯘﯙ ﯠﯡ ﯧﯨ     ﯰﯱ          ﯵﯶ       ﯹﯺ   -أي لا يكرثه ولا يثقله-     ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. وقوله -سبحانه-:   ﯸﯹ  وقوله -سبحانه-:  وقوله:               ﭬﭭ   ﯲﯳ    ﯸﯹ ﯿ                وقوله:   ﰌﰍ  وقوله:           .

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: ثم رسله صادقون مصدوقون، سبق تعريف الرسول الذي هو مفرد الرسل وما قيل فيه من كلام، وما استُدرك على بعض التعاريف، والفرق بينه وبين النبي في أول درس الرسل الذين بعثهم الله -جل وعلا- مبشرين ومنذرين لأممهم صادقون؛ لأنهم لا يأتون بما يخالف الواقع، فالصدق هو الخبر الذي يطابق الواقع ويقابله الكذب الذي يخالف الواقع قصدًا كان أو سهوًا أو خطأً، فإذا لم يطابق الواقع قيل له: كذب ولا واسطة بين الصدق والكذب عند أهل السنة، وأثبت المعتزلة الواسطة فأثبتوا كلامًا ليس بصدق ولا كذب، والذي عليه أهل السنة أنه لا كلام يخرج عن هذين الوصفين إما صدق وإما كذب، فالصدق والكذب نقيضان لا يجتمعان في خبر واحد ولا يرتفعان عنه؛ فإن طابق الواقع فهو صدق وإن خالفه فهو كذب، أثبت المعتزلة الواسطة بينهما، وقالوا: يوجد كلامًا لا يوصف بكونه صدقًا ولا كذبًا وجعلوا منه الخطأ، مما استدلوا به على إثبات الواسطة قوله -جل وعلا-:       ﭗﭘ  فجعلوا الجنون مقابل الكذب، فكلامه الذي لا يطابق الواقع ليس بكذب؛ لأنه جعل في مقابلة الكذب هذا من أدلتهم، لكن الاستدلال بمثل هذا صحيح أو ليس بصحيح؟ كيف نرد عليهم: {أفترى على الله كذبًا أم به جنة} الآن الكلام بإزاء الأخبار من قبله -عليه الصلاة والسلام- ولا يخلو حينما خالف كلامه الواقع من أن يكون كاذبًا أو مجنونًا، فجعلوا استنباطًا من الآية واستدلالاً بها الجنون في مقابل الكذب، ومعلوم أن الصدق أيضًا يقابل الكذب، فجعلوا الكلام على ثلاثة أنحاء، المجنون يقصد الكذب أو لا يقصد أو لا قصد له أصلاً؟ لا قصد له فإذا كان لا قصد له، وجعل كلامه في مقابل الكذب وليس منه؛ لأنه جعل في مقابله إذًا هناك كلام ليس بصدق ولا كذب، ولكن ماذا عن كلام المجنون الذي يطابق الواقع، ماذا يسمونه؟ إذًا يلزم عليهم كم قسم؟ نعم يصير أربعة أقسام: صدق مقصود، وصدق غير مقصود، وكذب مقصود، وكذب غير مقصود، لكن عامة أهل العلم على أن الخبر ينقسم إلى قسمين فقط ولا ثالث لهما، ويجعلون الضابط في ذلك مطابقة الواقع أو مخالفة الواقع، ولا واسطة بينهما، قد يقول قائل: الذي يخطئ في كلامه بحيث يقع منه الخطأ من غير قصد، هل حكمه حكم من كذب كلامه كذب؛ لأنه لم يطابق الواقع، لكن الإثم يختلف؛ ولذا جاء في الحديث الصحيح: «من كذب علي متعمدًا» دل على أن الذي لا يتعمد أيضًا يكذب، لكنه ليس بمتعمد، والوصف واحد كله كذب، لكن الحكم يختلف، فالمتعمد إن كان كذبه على النبي -عليه الصلاة والسلام- فليتبوأ مقعده من النار، وإن كان على غيره -عليه الصلاة والسلام- فهو من صفات المنافقين، وهو محرم الكذب، محرم، إلا ما استثني فيما مصلحته راجحة، وجاءت به النصوص في الإصلاح وشبهه، الكذب الذي يقابل الصدق في الحديث الصحيح: «صدق الله وكذب بطن أخيك»، كيف ينسب الكذب إلى ما لا يعقل؟

لأنه وقع منه ما يخالف الواقع، والواقع أن العسل شفاء بالنص القطعي الذي لا يحتمل الكذب بوجه من الوجوه، لكن لما زاد استطلاق بطنه خالف الواقع من هذه المادة التي هي شفاء، ثم بعد ذلك لزم فهو علاج؛ لأن زيادته هي طريق إلى الشفاء والعلاج، المقصود أن هذا مما يستدل به على أن الكذب قد يكون عمدًا، وقد يكون غير متعمد، كما في قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث المتواتر: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، دليل على أنه يقع الكذب عليه لا عن عمد، الخطأ الذي يقع في كلام الإنسان من غير قصد، ويجرح به الراوي إذا كثر وهو خطأ؛ لأنه يخالف الواقع وهو أيضًا داخل في حد الكذب؛ ولذا إذا وصفوا الراوي بأنه صدوق ونأتي على هذا في قوله: "مصدوقون" إذا وصفوه بأنه صدوق ماذا يعني هذا الوصف، ألا يكفي أن يقال: صادق؟ لماذا عدلوا عن صادق إلى صدوق؟ للنكتة التي أشرنا إليها، فعدولهم عن صادق إلى صدوق من اسم الفاعل إلى صيغة المبالغة تدل على أنه لا يقع الخطأ في كلامه لا عن عمد ولا عن غير عمد؛ ولذا استحق صيغة المبالغة، ودلت على قبول الراوي، وإن قال بعضهم: إنها لا تشعر بشريطة الضبط، لكنها بهذه الصيغة تشعر بشريطة الضبط؛ لأنه لو كان صادقًا في كلامه لا يكذب قيل له: صادق، ولما كان ملازما للصدق بحيث لا يقع الكذب من كلامه لا عن قصد ولا عن غير قصد استحق الصفة بصيغة المبالغة فأشعرت بشريطة الضبط من هذه الحيثية، وشرح هذه الكلمة واحتجاج العلماء بالموصوف بها يطول ويخرجنا عن مقصودنا، لكن الإشارة إليها لا بد منها. "صادقون مصدوقون"، في بعض النسخ "مصدّقون" ما الفرق بين اللفظين؟ في حديث ابن مسعود في الصحيح: «حدثني الصادق المصدوق».

طالب: ...........

هم صادقون لكن بين مُصَدَّقُون ومَصْدُوقون، انتهينا من "صادقون مصدقون من قبل قومهم ومن قبل الله -جل وعلا- الذي أيدهم بالمعجزات الدالات على صدقهم"، فقد صدّقهم بالمعجزات وصدّقهم قومهم الذين بعثوا إليهم وهم مصدوقون، أنا أريد الفرق بين مُصَدَّق ومَصْدُوق.

طالب: .............

هم صادقون فيما يقولون، الفعل من مَصْدُوق صَدَق فهو صادق ومصدوق، ومُصَدَّقون فعلها صَدَّق يصدق فهو مُصَدِّق ومُصَدَّق:  بعدها إيش؟  وفي قراءة: (كُذِّبوا) وهذه الآية مشكلة عند كثير من المفسرين، لكن الفرق بين كُذِبوا وكُذِّبوا كالفرق بين مَصْدُوقون ومُصَدَّقون.

طالب: ..........

مَصْدُوقون من قبل من أرسلهم، وماذا عن كُذِبُوا ؟ هل يظنون به هذا؟ هل يظنون بالله -جل وعلا- مثل هذا؟ أو نقول قراءة: (كُذِّبوا) ممن حصل منه تكذيب بالفعل {ظنوا أنهم كُذِبُوا} من أتباعهم الذين هم مصدقون في الحقيقة لهم، لكن من شدة ما أصابهم من اليأس ظنوا أن من صدقهم كذبهم، على كل حال الفرق بين مُصَدَّق ومَصْدُوق إذا نظرنا إلى أصل المادة مَصْدُوق اسم مفعول من صدق يصدق فهو صادق، وهو أيضًا مَصْدُوق اسم المفعول يعني يصدقه من يحدثه، بمعنى أنه لا يُحَدَّث إلا بالصدق؛ ولذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- والرسل صلوات الله وسلامه عليهم مصدوقون صدقهم الله صدقهم من أرسلهم وصدقهم من تحدث معهم، لماذا؟ لأنهم متصفون بالصدق، فالشخص الذي يلازم الصدق ألا يستحيي من يحادثه حتى من البشر أن يكذب عليه فهو مصدوق فيما يُحَدَّث به وهو مُصَدَّق أيضًا فيما يُحَدِّث به ظاهر أو ما هو ظاهر؟ يعني حينما يقولون في راوٍ من الرواة أو في سند من الأسانيد: رواته موثَّقون، وأحيانًا يقولون: رواته موثوقون، ما الفرق بينهما، ما الفرق بين مُوَثَّق

وموثوق؟ موثَّق من قبل الأئمة وموثقون من قبل الأئمة وثقهم الأئمة وموثوقون يعني هم ثقات بأنفسهم، والوصف من المتكلم الذي وصفهم بهذا الوصف ما الفرق بين موثقون وثقات؛ إذا قال العالم إذا خرج حديثًا: رواته موثقون، وبين أن يقول: ثقات، ثقات حكم من المؤلف نفسه، هو حكم عليهم بالثقة بأن كل واحد منهم ثقة، لكن موثقون ينقل حكم غيره ومثل هذا إنما يقال فيما يشك المؤلف برجحانه من التوثيق وعدمه لو لم يشك لقال: ثقات.

ثم رسله صادقون مصدوقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون ممن تجاوز القرآن والحديث، فوصف الله -جل وعلا- بما لم يصف به نفسه، وسماه بأسماء لم ترد عنه لا في كتابه ولا على لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام-، أو نفوا عنه ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات، هؤلاء يقولون عليه ما لا يعلمون، يقولون عليه ما لا يعلمون نفيًا وإثباتًا لماذا؟ لأنه إذا نفى صفة الكمال فقد أثبت له نقيضها، وإن كانت دعواهم هي نفي التشبيه، لكن هذا الواقع، حينما يقول هو لا يصف الله -جل وعلا- بصفة العلم، ماذا يلزم من هذا أن يصفه بضد ذلك؛ ولذا لما القدرية نفوا صفة العلم قيل يحاجون بالعلم، فإن نفوه كفروا وإن أثبتوه خصموا ماذا قالوا؟ قالوا: لا نقول: عليم؛ إنما نقول: لا يجهل. بم رد عليهم؟ قيل: السارية لا تجهل، السارية يجهل أو يعلم؟ لا يعلم ولا يجهل، فالحي القادر المتكلم المريد لا بد إما أن يوصف بعلم أو بجهل، أما الذي تنفى عنه هذه الصفات لا يوصف السارية لا تعلم ولا تجهل، والقول على الله بلا علم من عظائم الأمور لما ذكر الفواحش والشرك وغيرهما قال: ﯿ     ، وأهل العلم يقولون: إنما ذكر مرتب على سبيل الترقي، فيكون القول على الله بلا علم أعظم من الشرك على هذا لماذا؟ لأن منه شرك بل من أعظم الشرك والشرك كله قول على الله بلا علم، ومن القول على الله بلا علم: الإخبار عنه بما لم يصف به نفسه، أو نفي ما أثبته لنفسه، ومن القول على الله بلا علم: التوقيع عنه من غير علم، الفتوى بغير علم، وهذا فيه تهويل لشأنها، نسأل الله السلامة والعافية، ومن الكذب: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} والأمر جد خطير في هذه المسألة.

طالب: ............

الأصل أنه لا يقول إلا الصواب إذا كان عالم المسألة على الأصل.

طالب: ............

هذه مستعملة عند أهل العلم، ولابن القيم كتاب اسمه: "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، وهم المفتون، هم الذين يفتون ويكتبون الحكم الشرعي المبني على الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك يوقعون تحته قاله فلان، أملاه فلان، ويوقع تحته، فهو يوقع عن الله -جل وعلا-؛ لأنه مبين لحكم الله تبارك وتعالى من هذه الحيثية من هذه الجهة المدارسة مع عدم الجزم بالحكم لعله كذا لعله كذا، أو من باب الاختبار، يعني في أسئلة الامتحان في مادة ..، في مقرر الفقه أو الحديث أو التفسير تأتي الأسئلة، هل نقول للطالب الذي لا يعرف الجواب لا يكتب شيئًا؟ أو نقول: قل: لعل المراد كذا أو لعل الراجح كذا وتبرأ من العهدة، لكن لا تجزم بنسبة شيء إلى الله -جل وعلا-، وليس عندك فيه برهان منه؛ ولذا لما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- عن السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ما بَيَّنَهم، فبات الصحابة يدوكون لعلهم كذا، لعلهم كذا، هم ما أصابوا في تقديرهم، ومع ذلك ما ثُرِّب عليهم، فإذا لم يجزم الإنسان وقال: لعل كذا لعل كذا من باب المباحثة لا بأس إن شاء الله تعالى؛ ولهذا اللام هذه لام التعليل يعني لأجل ما تقدم من كلام الله وكلام رسله الصادقين قال: ﯿ  سبحان اسم مصدر سبح يسبح تسبيحًا، هذا المصدر التسبيح وسبحان اسم المصدر، كلم يكلم تكليمًا المصدر واسم المصدر الكلام، والتسبيح هو التنزيه لله -جل وعلا- {سبحان ربك} سبحان مضاف ورب مضاف إليه ورب مضاف والكاف مضاف إليه، رب بدل من ربك وهو مضاف والعزة مضاف إليه، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته؛ لأن العزة من صفة الله -جل وعلا- من صفته العزة ومن أسمائه العزيز، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته {رب العزة عما يصفون} وعما الأصل عمّا، والمقصود به الذي يصفونه به أو تكون ما مصدرية، فيكون المراد تنزيه الرب رب العزة عن وصفهم إياه بما لا يليق به: ﯿ  وما هذه إما أن تكون موصولة فيكون التقدير عن الذي يصفونه به من الأوصاف التي لا تليق به مما لم يرد عنه ولا عن نبيه -عليه الصلاة والسلام-، أو تكون مصدرية، فيكون المقصود تنزيه الرب -جل وعلا- رب العزة عن وصفهم إياه بما لا يليق به والمعنى واحد.

طالب: .............

هذه لو كانت استفهامية حذفت (عم)، لكن هذه إما مصدرية أو موصولة    هذا استفهام، لو كانت ما استفهامية الراجح حذف ألفها (عم، وعلام، وبم، ولم) تحذف، أما هذه ليست استفهامية.    .

يقول الشيخ رحمه الله تعالى: فَسَبَّحَ نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل الذين اتبعوا غير سبيل المرسلين، وحادوا ومالوا عن طريقهم، وألحدوا في أسمائه وصفاته، فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وسلام على المرسلين؛ لأنهم جاؤوا بالكلام السالم من النقص والعيب والله -جل وعلا- من أسمائه السلام.

وهو السلام على الحقيقة سالم              من كل ما عيب ومن نقصان

فالسلامة هنا المراد بها من النقص والعيب، وسلامة القرآن بحفظه من الزيادة والنقصان، فسلام المرسلين بسلامة ما قالوه وما أتوا به من كل ما يشتمل على نقص أو عيب، وهو -سبحانه- قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، يعني جاءت نصوص الأسماء والصفات وفي كل منهما نفي وإثبات، وهما طرفان وفي الطرفين أيضًا إجمال وتفصيل، فهناك نفي مجمل ونفي مفصل، وهناك إثبات مجمل وإثبات مفصل، فكل من الطرفين من النفي والإثبات مشتمل مجمل ومفصل، فالنفي المجمل فهو أن ينفى عن الله -عز وجل- كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، كل ما يضاد كمال الرب -جل وعلا- من أنواع  العيوب والنقائص ينفى؛ ولذا الرسل لا يأتون ولا يقولون إلا بما هو سالم من العيب والنقص، من أدلة ذلك النفي المجمل قوله -جل وعلا- {ليس كمثله شيء} {هل تعلم له سميا}؟ استفهام إنكاري، سبحان ربك التنزيه الذي معنا، {سبحان ربك رب العزة} هذا أيضًا يتضمن النفي المجمل؛ لأن الله -جل وعلا- منزه عن كل ما لا يليق به، والنفي المجمل هو الغالب، والنفي المفصل غالبًا لا يرد إلا بعد وصف له بما لا يليق به، فيأتي  التفصيل في نفي هذا الوصف، ينزه الله -جل وعلا- عن عيوب جاء التنصيص عليه لماذا؟ لأنه وصف بها -جل وعلا- فينزه عن الولد لم يلد؛ لأنه وجد من يصفه بأنه له ولد، وينزه أيضًا عن الوالد؛ لأنه وجد من يتساءل عن أصله، فنفى الله -جل وعلا- عنه الفرع والأصل لم يلد ولم يولد، ونفى عنه الشريك؛ لأنه وجد من يثبت الشريك لله -جل وعلا- ونفى عنه الصحابة ونفى عن نفسه الند، والضد، والجهل، والعجز، والنسيان، والسِّنَة، والنوم، كل هذه إنما نفيت؛ لأنه وجد من يقول بها، فجاء التفصيل في نفيها أو علم الله -جل وعلا- أنه يوجد أو سيوجد من يقول بهذا، أو يتساءل عن هذا، فالأصل ألا يذكر، يذكر النفي المجمل ولا يذكر شيء من التفصيل إلا إذا وُجد ما يدعو إلى ذكره بعينه تفصيلاً نظير ما يقول أهل العلم: من كفر بشيء لا يدخل في الإسلام إلا بإثبات ما أنكره إذا كان نفيًا أو بنفي ما أثبته إذا كان مثبتًا إياه؛ فمثلاً اليهود والنصارى كفرهم بأن جعلوا لله ابن ﮤﮥ  لا بد أن ينص اليهودي إذا أسلم، أو النصراني على مثل ما أثبتوه لله -جل وعلا-, يعني من كفر بإثبات شيء معلوم نفيه بالضرورة من دين الإسلام لا بد أن ينفيه، وإذا كفر بنفي ما إثباته معلوم بالضرورة من دين الإسلام لا بد أن ينص على إثباته وهكذا.

طالب: ...........

لا، لأن هذا مقتضاه، ولذلك هم يفهمون هم عرب يفهمون مثل هذا؛ ولذا لما قال: قولوا: لا إله إلا الله، أنكروا وقالوا: {أجعل الآلهة}، كل الآلهة التي نعبدها إلهًا واحدًا! علمًا بأنه لا يوجد في الكتاب والسنة نفي محض؛ لأنه لا مدح فيه يعني إذا قيل: فلان لا يجهل، لا بد أن يتضمن هذا النفي أنه يعلم، وإلا فمجرد النفي المحض لا مدح فيه، وإنما يراد من هذا النفي الإثبات إثبات ما يضاد المنفي من الكمال، وأما الإثبات المجمل والمفصل، فالإثبات المجمل فمثل إثبات الكمال المطلق لله -جل وعلا- الكمال المطلق، والحمد المطلق، فإذا قلنا: الحمد لله رب العالمين، و(ال) هذه جنسية تشمل جميع أنواع المحامد لله -جل وعلا-، وأيضًا المجد المطلق فعندك مثل {الحمد لله رب العالمين}، مطلق الحمد لله -جل وعلا-، ولله المثل الأعلى، الأكمل من كل وصف كمال، وأما الإثبات المفصل فهو الكثير الغالب، وهو متناول لكل اسم أو صفة وردت في الكتاب والسنة مما يعسر حصره وإحصاؤه، وأمثلته كثيرة جدًا في الكتاب والسنة، وفي هذا الكتاب جملة أثبتها الشيخ -رحمه الله تعالى- للإثبات المفصّل لهذه الأسماء والصفات، وما ذكره الله -جل وعلا- في كتابه وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- بعض ما يتصف به ويتسمى به، لا جميعه وفي الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد» يعني هل التسعة والتسعين هي جميع ما لله من أسماء؛ ولذلك جاء في الحديث: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» فدل على أنه له -جل وعلا- أسماء لم يخبر بها ولم يعلم بها أحدًا بل استأثر بها، فأسماؤه وأوصافه لا تحصى «سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، وجاء في الحديث: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، فدل على أن ما اطلع عليه الناس من الأسماء والصفات بعض ما له -جل وعلا-، الحديث الذي أثبت الأسماء الحسنى إجمالا وبين عددها ورتب على إحصائها الثواب «من أحصاها دخل الجنة» أحصى هذه التسع والتسعين، أما إحصاء الجميع فلا يمكن؛ لأنه ليس لنا طريق إلا ما جاء عنه -جل وعلا- وعن نبيه -عليه الصلاة والسلام- وقد أخبرنا بأنه استأثر بشيء منها مما لا وصول لنا إليه، فمثل هذا يستحيل إدراكه ومعرفته؛ لأنه يدرك بالقياس؛ لأنه لا يقاس بخلقه على ما تقدم ولا تستعمل فيه الأقيسة اللهم إلا قياس الأولى على ما تقدم، فالإحصاء للتسعة والتسعين أولاً لم يرد فيها خبر ملزم صحيح جاء بيانها عند ابن حبان وعند الترمذي، لكن المرفوع لا يثبت؛ ولذا اجتهد العلماء في حصر التسعة والتسعين، واختلفوا في ذلك اختلافًا كبيرًا، وهناك أُلِّفت في الأسماء الحسنى ومنها المطول ومنها المختصر الذي شرح معنى الاسم ووضحه، ومنها ما هو على معتقد السلف، ومنها ما فيه نوع مخالفة، المقصود أن الكتب في الأسماء الحسنى كثيرة، ومن أعظم ما يستفاد منه في هذا الباب تتبع ما جاء في ذلك عن الله في كتابه وعن نبيه -عليه الصلاة والسلام- في سنته بقدر الإمكان، وهناك ما يتجاذبه أقوال أهل العلم هل يثبت أو لا يثبت؟

نظرًا للسياق الذي ورد فيه، المقصود أن مثل هذه ينبغي أن يحرص عليها وتجمع من نصوص الكتاب والسنة، وابن القيم -رحمه الله تعالى- جمع قدرا مما وقف عليه على سبيل الاستقراء عنده ذكر أسماء كثيرة جدًا أودعها في نونيته وبين معانيها والفائدة من معرفتها ﭷﭸ  فادعوه بها، ولا أشك أن معرفة معاني الأسماء الحسنى ودعاء الله -جل وعلا- بها وتنزيلها في منازلها لا شك أنه من أنفع الأمور والأشياء للقلب، ومن أعظم ما يعين الإنسان على شدة الاتصال بربه والوثوق به؛ لأنك إذا عرفت هذا الاسم عرفت أن الله -جل وعلا- رقيب، حرصت ألا يطلع عليك إلا على ما يحب، وإذا عرفت أن الله -جل وعلا- طيب ولا يقبل إلا طيبًا، حرصت على أن تطيب مطعمك ومشربك وموردك ومصرفك، المقصود أن مثل هذه الأمور؛ ولذا جاء الحث على إحصائها وليس المراد إحصاءها أو تنظم في أبيات، عشرة أبيات أو عشرين بيتًا، وتردد صباح مساء كما يردد القرآن فقط مع الجهل بمعانيها وعدم تنزيلها في منازلها، هذا لا يفيد شيئًا؛ لأنها ليست مما يتعبد بلفظه كالقرآن؛ إنما المقصود بها إدراك هذه المعاني، ودعاء الله -جل وعلا- بها طيب، إذا كان دعاء -جل وعلا- بهذه الأسماء مطلوب بعض أهل العلم يرى أنك تأتي من الأسماء الحسنى بما يناسب المقام؛ فإذا كنت ترجو من الله -جل وعلا- المغفرة والرحمة، فهل يناسب أن تقول: يا عزيز يا عظيم، أو تقول: يا غفور يا رحيم.

طالب: ...........

نعم مناسب، لكن ماذا عن قوله -جل وعلا- في سورة المائدة: ﯲﯳ     .

طالب: ...........

لأنه مشتمل.

طالب: ...........

لكن أليس فيه الأمران معًا؟ إن تعذبهم..، هذا يناسبه إنك أنت العزيز الحكيم، يناسبه هذا وهم أحق بذلك، فيه أيضًا قوله -جل وعلا- في سورة التوبة من يذكرنا بعض الآيات.

طالب: ...........

لا هم يقولون التعقيب في الآيات الأصل أنه مطابق، يطابق ما قبله وجبنا آية المائدة وأنها فيها النوعان إن طابقت الشق الأول لم تطابق الشق الثاني، وأهل العلم يرجحون {إنك أنت العزيز الحكيم} في هذا الموضع من أراد أن يطلع على مثل هذا فليراجع القرطبي في آية الممتحنة في آخر الصفحة، المقصود فيه آيات خرجت عن هذه القاعدة، لكن لا يمنع أن الإنسان يستحضر الرحمة والمغفرة من هذا العزيز العظيم الحكيم وأنه بعزته وضعفي..؛ لأنه قد تكون المطابقة من باب الضد وبضدها تتميز الأشياء، فإذا استحضر مثل هذا مع حاجته، مع شدة حاجته، واستحضر عظمة الرب -جل وعلا- طابق من هذه الحيثية؛ لأن المطابقة لا يستحضر العظمة من غير أن ينظر إلى ذله وفقره وحاجته إلى ربه، فإذا نظر إليها من هذه الحيثية فالمطابقة قد تكون بالموافقة وقد تكون بالضدية.

طالب: ..........

من هذه الحيثية يمشي ما فيه إشكال.

طالب: ..........

لا، تدري إيش الإشكال الذي أردناه، من أهل العلم من يقول: إذا دعوت بشيء فأت من الأسماء الحسنى بما يناسبه تطلب مغفرة ورحمة، قل: إنك أنت الغفور الرحيم، ما تقول: إنك أنت العزيز الحكيم، هذا قرره بعض أهل العلم، لكن خرج عليه آيات، يعني انتقض بآيات نقول: يتصور مثل هذا إذا الداعي الفقير المسكين الخاضع الذليل إذا تصوّر عظمة الرب -جل وعلا- مع شدة حاجته وفقره، الله -جل وعلا- لا شك أنه يجيبه، إن لم يكن ثمَّ مانع.

طالب: ..........

معروف سمعناها مرارًا، ينشدونها، هناك إذاعات تبثها يوميًا في كل صباح نظم فيه الأسماء الحسنى، لكن إيش الفائدة من مجرد تلاوتها، المقصود إحصاؤها، وأيش معنى إحصائها؟ فَهْم معانيها والعمل بها العمل بها؛ ولذا جاء في الحديث: «من طاف أسبوعًا يحصيه» هل معناه أنه يعده واحد اثنين ثلاثة سبعة، هذا معنى ما هو بصحيح؛ إنما يستحضر أنه في عبادة، ويأتي بما يليق من هذه العبادة من قول وفعل.

طالب: .............

هذا إجمال ما فيه تفصيل كلامه في التفصيل، وعلى كل حال الأمر سهل، فإذا استحضرنا معاني هذه الأسماء ودعونا الله -جل وعلا- بها أصبنا.

طالب: .............

هذه الألفاظ لم يتعبد بها؛ لأنها ليست قرآنًا، ما فيه شيء متعبد بلفظه غير القرآن، يعني لو أن شخصًا يقرأ في البخاري مثلاً من غير قصد استفادة ولا عبادة لا ليتعلم؛ إنما جاز له طبع الكتاب أو إخراج جميل قال: نبي نقرأ ونوسع الصدر، أو مثلما يقرأ في كثير من أقطار المسلمين للبركة فقط، وأما العمل فهو ما كان عليه الأسلاف من التعصب للمذاهب، مثل هذا البخاري ما تعبد بلفظه ما فيه شيء متعبد بلفظه إلا القرآن، الذي يثاب الإنسان على مجرد القراءة، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، لا عدول لهم وأهل السنة لم يعدلوا هذا خبر عن أهل السنة أنهم لم يعدلوا، ويعني بذلك الأسلاف ومن تبعهم، لا بد أن يكون على طريقهم وعلى سبيلهم المستقيم، فلا عدول لهم لا في السابق ولا في اللاحق، ليستحقوا هذا الوصف، وأنهم من أهل السنة والجماعة، لا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فمن عدل عما جاء به المرسلون لم يستحق أن يوصف وأن يتسمى بأنه من أهل السنة والجماعة، وبهذا نعرف أن أهل السنة فرقة واحدة هم الذين عملوا بما جاء عن الله وعن رسوله على مراد الله ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام- فإنه الصراط المستقيم، ما جاء به المرسلون هو الصراط المستقيم، الطريق السوي الذي لا اعوجاج فيه ولا ميل ولا انحراف، الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم في سورة الفاتحة يدعو المسلم في كل ركعة من ركعات صلاته يدعو بها داخل الصلاة وخارج الصلاة، اهدنا الصراط المستقيم، الطريق الواضح البيّن الذي جاء عن الله وعن رسوله لا اعوجاج فيه ولا ميل ولا انحراف، صراط الذين أنعم الله عليهم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وأي نعمة أعظم من هذه النعم، الذين أنعم الله عليهم من النبيين، وأي نعمة أعظم من النبوة على البشر، والصديقين والشهداء والصالحين، هؤلاء أنعم الله عليهم، وأي نعم تحصل للبشر فوق هذه النعم، وأي نعيم من نعيم أهل الدنيا يعادل شيئًا من ذلك، من النبيين الذين هم الطبقة العليا من طبقات البشر، ويليهم الصديقون الذين صَدَقوا وصَدَّقوا وآمنوا بما جاء عن الله وصدقوا به على مراد الله -جل وعلا-، والشهداء الذين قدموا أنفسهم ومهجهم فداء لدينهم لتكون كلمة الله هي العليا، والصالحين وهم كل عبد لله -جل وعلا- قد وفّى حقوقه وحقوق عباده، وإذا كان أدناهم منزلة الصالحون، ولا شك أن الأنبياء صالحون، والصديقين صالحون، والشهداء صالحون، لكن الوصف العام مع عطف الصالحين على ما تقدم من باب عطف العام على الخاص؛ للاعتناء بشأن الخاص من النبيين والصديقين والشهداء، ويبقى من عداهم ممن هو صالح مصلح علاقته بربه وعلاقته بالمخلوقين على مراد الله -جل وعلا- وعلى ضوء ما جاء عنه -سبحانه وتعالى- هؤلاء الذين هم أقل الأربعة الأصناف الذين أنعم الله عليهم، تصور أن الإنسان إذا اتصف بهذا الوصف، كل مُصَلٍّ يدعو له، كلما تشهد المصلي دعا للصالحين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، كل مصلّ يدعو لك إذا صلحت، وما الذي يمنعك من هذا، ولا يتصف بهذا الوصف إلا محروم ما هي المسألة مسألة عملك أنت، عمل غيرك لك نصيب منه، فهم يدعون لك وفيهم الأخيار، وفيهم الأنبياء، وفيهم الصديقون، وفيهم الشهداء، وفيهم الأولياء، فيهم العباد، وفيهم الزهاد، فإذا اتصفت بهذا الوصف تستحق هذا الدعاء، وإذا تخلف هذا الوصف فقد حرمت نفسك من هذا الدعاء، والله المستعان، الصراط المستقيم مفرد، وهو صراط الله الذين أنعم الله عليهم، مفرد؛ لأنه هو الصراط الطريق الوحيد المؤدي إلى الجنة أقرب طريق يوصل إلى الجنة الصراط المستقيم، وما عداه فهي الطرق المنحرفة عنه يمينًا وشمالاً، وقد توصل مع بعد لكن هذا هو أقرب طريق فهو مفرد، {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل}، فالسبل جمع، لكن ماذا عن قول الله -جل وعلا- المائدة: ١٦ ، إذا كانت سبل السلام متعددة وهي سبل توصل إلى السلامة والنجاة من عذاب الله -جل وعلا- وهي متعددة، كيف جاءت هنا بصيغة الجمع والله -جل وعلا- يقول: ؟ يعني روافد هذا الصراط المستقيم، كل عبادة من العبادات سبيل موصل إلى الله -جل وعلا- وفي النهاية الجميع يشملها الصراط المسقتيم، استدل بعضهم بالجمع بين آيتي الفاتحة والنساء على صحة إمامة أبي بكر من أين؟

طالب: ...........

«إنما عليك نبي أو صديق أو شهيد» المقصود أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سماه صديقًا، فهو داخل في آية النساء صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين داخل في آية النساء، وقد أمرنا أن نسأل الله -جل وعلا- أن يهدينا صراط هؤلاء الذين أنعم الله عليهم، صراط الذين أنعمت عليهم وهم المذكورون في سورة النساء، نحن مأمورون بأن نسأل الله -جل وعلا- أن يهدينا صراطهم وطريقهم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم المذكورون في آية النساء، وفيهم الصديقون وأبو بكر واحد منهم، فكيف نسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا على طريقه وعلى سبيل الذي سلكه المبني على ما جاء عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام- ولا تكون إمامته صحيحة؟ إمامته باطلة، ونحن نسأل الله في كل صلاة أن يهدينا صراطه؟!! هذا ليس بصحيح.

طالب: ...........

الصلاح أعم وأشمل من أن يكون دون ما ذُكر، الصلاح أعم؛ ولذا أردف الصالحين بما تقدم من النبيين والصديقين والشهداء من باب العطف العام على الخاص، فالأنبياء صالحون والصديقون صالحون، والشهداء صالحون، ومن عداهم ممن صلحت علاقته بربه وبخلقه على ضوء ما جاء عن الله -جل وعلا- فهو صالح، يعني هذا قلنا: إن العطف يقتضي المغايرة، لكن ما الذي يمنع؟..  الآيات            من باب العطف على الخاص.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول: ذكرت فيما مضى من الدروس أن نثبت ما أثبته الله ورسوله من غير تشبيه -الشيخ قال تمثيل- ذكرت أن من وقع في التحريف والتكييف والتعطيل سببه أنه مر بقنطرة التشبيه؟

نعم ولو تخيلاً ولو في ذهنه، هو توقع أن الإثبات يقتضي التشبيه والتمثيل، تشبيه الخالق بالمخلوق، فتوصل إلى التعطيل.
يقول: أفلا يكفي أن نقول: إثبات ما أثبته الله ورسوله من غير تشبيه فقط دون ما بعدها؛ لأنها شرح لها؟
مادام جاء التحريف ووصف به قوم منحرفون يحرفون الكلم عن مواضعه فلا بد من إثباته والتكييف أيضًا.
طالب: ............
التمثيل هذا، التمثيل جاء النفي ليس كمثله شيء والتحريف جاء وصف قوم منحرفين به، إذًا لا بد من نفيه، والتكييف جاء أيضًا في كلام السلف، والتعطيل معروف عند أهل العلم أن الجهمية وغيرهم معطلة فلا نثبت على طريقتهم؛ لأنهم يثبتون شيئا لا يمكن وجوده إلا في الأذهان لا في الأعيان فلا بد من التفصيل الذي ذكره الشيخ.

هذا يسأل يقول: هل من قارب الثلاثين سنة يستطيع أن يحفظ، أم أنه صعب؟

لا شك أنه أصعب من الحفظ في وقت الصبا، في وقت الصغر، الحفظ في وقت الصغر كالنقش على الحجر، لكن مع ذلك لا يأس فحفظ الناس وهم كبار، ويكفي الإنسان من يأتيه اليقين وهو على هذا الطريق، طريق طلب العلم الذي إذا سلكه سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، والحفظ من أعظم ما يعين على استحضار المعلومات ويفيد طالب العلم؛ لأنه كيف يفهم كلامًا لا يحفظه إذا كان الفهم مطلوبًا، والفهم مرتب على الحفظ، فكيف يستقر في الذهن شيء مرتب على معدوم؟ مرتب على معدوم، نعم من في يده الكتاب ويشرح الكتاب ويفهم الكتاب شيء، لكن مثلوا بالمثال المطابق وهو أن الحافظ وغير الحافظ مثالهما بمن زادُه التمر ومن زادُه البُر، نعم زاده التمر يمد يده وهو يأكل ما يحتاج إلى أدنى تعب، ما عليه إلا أن يخرج النواة ويأكل، هذا الحافظ، متى ما أراد ردد هذا الكلام واستحضره، لكن غير الحافظ الذي زاده البُر، إيش يسوي بالبر؟ لا بد من أن يطحن، لا بد أن يصفى، لا بد أن يعجن، لا بد أن يخبز، لا بد أن يعانى، فيه معاناة وفيه معالجة، وإذا كنت لا تحفظ لا بد أن تذهب إلى المكتبة، لا بد أن تحضر كتابًا، ولا بد تنظر في الفهرس، ولا بد أن تتصفح الكتاب؛ لتستخرج ما تريد، فرق بين هذا وهذا، فالحفظ لا بد منه ولا يأس ولو بلغ من العمر ما بلغ، يحاول ألا يكفيه أن يموت وهو طالب علم، لا يلزم الإنسان أن يكون عالمًا، وقد رتبت الأجور على بذل الأسباب، والنتائج بيد الله -جل وعلا- أنت حينما تطلب العلم هل تجزم بأنك في يوم من الأيام أن تكون عالم الأمة؟ ما يلزم ولو مت وأنت طالب علم يكفيك، وأنت تزاول الدعوة، هل يلزم من ذلك أنك تستحضر أن الناس لا بد أن يهتدوا على يديك؟ ما يلزم، أنت إذا دعوت حصل لك الثواب، إذا تعلمت حصل لك الأجر، إذا أمرت ونهيت حصل لك الأجر، ولو لم يتغير المنكر ليس عليك إلا أن تبذل ما أمرت به.