كتاب بدء الوحي (102)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (102)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 23 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

ففي آخر درس من دروس الصحيح لهذا الفصل وفي ختام شرح حديث الطويل في قصة هرقل مع أبي سفيان، المخرّجة في بدء الوحي من الصحيح بعد أن أنهينا الشرح، وذكرنا مواضع التخريج للحديث من صحيح البخاري، نذكر تخريجه عند الأئمة عدا البخاري.

 فقد أخرجه الإمام مسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم من أهل العلم، فهو حديثٌ مشهورٌ مستفيض، في دواوين الإسلام، خُرِّج فيها بطوله، واختُصر في بعض الكتب، وننظر ما قاله الأئمة وما خرّجوه من هذه القصة:

 فالإمام مسلم -رحمه الله تعالى- أخرجه في كتاب الجهاد والسير، في كتاب الجهاد والسير، قال- رحمه الله-: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وابن أبي عمر ومحمد بن رافع وعبد بن حميد، واللفظ لابن رافع، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وابن أبي عمر العدني، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد الكَشِّي، واللفظ لابن رافع، مسلم يرويه عن أربعة، وينصّ على صاحب اللفظ، ومعنى هذا أن البقية يروونه بالمعنى، قال ابن رافعٍ وابن أبي عمر: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق، وعرفنا فيما مرّ بنا مرارًا أن الإمام مسلمًا يعتني بذكر الفروق بدقة، وفي هذا يختلف عن الإمام البخاري الذي لا يلتفت لمثل هذه الأمور، إنما همته منصبة إلى نظافة الأسانيد ودِقة الاستنباط، الإمام مسلم -رحمه الله- يُحدِّث يذكر الفروق، ويُدقق فيها سواءً كانت في ألفاظ المتن أو في صيغ الأداء.

 قال: واللفظ لابن رافع. لكن هل نضمن مع قوله: واللفظ لابن رافع أن ابن رافع روى الحديث ولم يروه بالمعنى؟ لا، ما يلزم، ولذا الإخوة الذين يُقدِّمون لفظ صحيح مسلم على لفظ صحيح البخاري فيعتنون بمسلم ويجعلونه هو الأصل، ويزيدون زوائد البخاري معتقدين أن الإمام مسلم يعتني بالألفاظ النبوية، والبخاري لا يعتني بها، هذا الكلام ليس بصحيح، مسلم يعتني بألفاظ شيوخه، وشيوخه كغيرهم ممن يجيز الرواية بالمعنى، ولا يعني أن اللفظ الذي ذُكر في صحيح مسلم هو اللفظ النبوي أبدًا، كون البخاري لا يذكر هذه الفروق الدقيقة مثل ما يعتني بها مسلم الكل من كل من البخاري ومسلم يجيز الرواية بالمعنى، وشيوخ البخاري ومسلم يجيزون الرواية بالمعنى، فلا فرق بينهما إلا أن البخاري لا يُعنَى بذكر الفروق الدقيقة بين الشيوخ، بينما مسلم يعتني بها ويذكرها، ويعتني بألفاظ الأداء، فيفرِّق بين أخبرنا وحدثنا، وهما بمعنى واحد عند الإمام البخاري، لذلك لا تجدونه يفرق بينهما، ويذكر قال: فلان أخبرنا، وقال الثاني: حدثنا، بخلاف مسلم؛ لأن المعنى يختلف عند مسلم، والبخاري لا يرى فرقًا بينهما.

 الإمام مسلم بحسب الاصطلاح الذي استقر أن استعمال حدثنا فيما سمع هو الراوي من شيخه، وأخبرنا فيما قرأه الراوي على شيخه، عند البخاري ما بينهما فرق، وسواء قلنا: إن هذا يوقع في لبس هل الرواية أو التحمل حصل بطريق السماع أو بطريق العرض لا فرق كلاهما مجمعٌ على صحة التحمل به، يعني محل إجماع، على صحة التحمل بالسماع، كما أنه محل إجماع أيضًا على صحة التحمل بالعرض، قال ابن رافعٍ وابن أبي عمر: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن أبا سفيان أخبره من فِيه إلى فِيه.

 وجاء في لفظ عند البخاري: من فِيه إلى فِيَّ، وذكرنا ما في هذا اللفظ من قوله: من فِيه إلى فِي ولم يقل من فِيه إلى أذني؛ لأن التلقي يكون بالأذن، التلقي يكون بالأذن، وعرفنا ما في هذا. قال: انطلقتُ في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بيني وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه رأس في هذه الهدنة في هذا الصلح، ما قال بيننا وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا، بيني وبين؛ لأنه رأس في المسألة، والرأس يسند إليه الأمر ويتبعه أتباعه. بيني وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 قال: فبينا أنا في الشام إذ جيء بكتاب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل يعني عظيم الروم، فذكر الحديث بطوله، بنحو ما جاء عندنا في أول الصحيح.

ثم قال: وحدثناه حسنٌ الحلواني وعبدُ بن حميد قالا: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي عن صالحٍ عن ابن شهاب بهذا الإسناد، وزاد في الحديث: وكان قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيليا؛ شكرًا لما أبلاه الله، وقال في الحديث: «من محمد عبد الله ورسوله»، وقال: «إثم الريسيين»، وقال: «بداعية الإسلام» يعني يذكر فروق الطريق الثاني التي تختلف عما جاء في الطريق الأول، هذا مثل ما ذكرنا آنفًا أن الإمام مسلم يُعنى بذكر هذه الفروق، البخاري له شيءٌ من هذا، لكن ليس بكثير.

 يعني في الحديث الأول بعد الأعمال بالنيات من بدء الوحي حديث عائشة قال: بوادره، يعني يرجف فؤاده قال: بوادره. نعم. «فرعبتُ» نعم، وقال يونس ومعمر: بوادره، يعني بدلاً من ماذا؟ فؤاده، هذه من التنبيه على الفروق، لكنها ليست مثل ما عند مسلم، مسلم لا يخلو منها حديث إلا القليل النادر، بينما البخاري التنبيه عليها نادر.

في المُعلِم للمازري، وهو أول الشروح، ويوازي بالنسبة لشروح البخاري أعلام السنن للخطابي، المُعلِم للمازري قال -رحمه الله-: ذكر حديث هرقل بطوله، وهو مشهورٌ، قال الشيخُ –يعني نفسه- من الرواة قال الشيخ: المراد به المازري المؤلف، والذي استدل به هرقل على نبوته- صلى الله عليه وسلم- مما لا ينتصب دليلاً قاطعًا عند المُحققين، وإنما الدليل القاطع على النبوءة المعجزات الخارقة للعادات المعدوم فيها المعارضات، وقد تقدَّم هذا الكلام في أثناء شرح الحديث. وشرح الحديث شرحًا مختصرًا مقتصِرًا على بعض الجُمل في صفحة وشيء يسير الحديث بطوله علّق عليه المازري بصفحة وشيء يسير، وعرفنا أن هذه هي الجادة عند أول من يتصدى لأمرٍ من الأمور أنه يأتي بما عنده، ويكفيه وحسبه أنه لم يألو جهدًا ولم يقصِّر في ذكر ما عنده، ثم من يأتي بعده يزيد عليه، ولذلك جاء إكمال المُعلِم، ثم إكمال إكمال المُعلِم كما تقدَّم ثم مكمل إكمال الإكمال. كل واحد يكمل على الثاني، إذا كان المُعلِم للمازري هو اللبنة الأولى من شروح مسلم، فإن الذي كمله هو القاضي عياض. قال -رحمه الله-: باب كتاب النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل.

 يعني نذكر التراجم تراجم شروح مسلم؛ لأنه يكون فيها بعض التنبيهات، لكن مثل هذا الحديث ما ذكروا شيئًا مما يستنبط من الحديث، إنما اقتصروا مثل القاضي عياض: باب كتاب النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وفي إكمال إكمال الإكمال للأُبي قال- رحمه الله-: حديث أبي سفيان مع هرقل، ما فيه استنباط لا الأول ولا الثاني، وفي مكمل إكمال الإكمال للسنوسي مع الأُبي قال -رحمه الله-: بابُ كَتْبِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أو كُتُب؛ لأنه قال: إلى هرقل، لو قال: إلى الملوك قلنا: كُتُب، لكن إلى هرقل كَتَبَ له مرة أو أكثر؟ أكثر من مرة، لكن المذكور في الباب مرة واحدة، ولذلك قلت: باب كَتْب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل ملك الشام يدعوه إلى الإسلام.

وترجم النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه على مسلم: باب –مثل ما تقدم-: باب كَتْب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولعل الأُبِّي أخذها من النووي، باب كَتْب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل ملك الشام يدعوه إلى الإسلام، وفي شرحه فوائد يُرجع إليها، شرح النووي، الجزء الثاني عشر صفحة مائة وثلاثة إلى إحدى عشرة ومائة.

ترجم القرطبي في مختصره مع شرحه المُفهِم: باب كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، مثل ترجمة القاضي عياض، وذكر في شرحه أيضًا فوائد يُرجع إليها، والقرطبي يهتم بالقواعد الفقهية والأصولية، وشرحه متين جدًّا، يعني على اختصاره يُفاد منه. وفي تكملة شرح المُفهِم لمحمد تقي العثماني باب كتْب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل ملك الشام يدعوه إلى الإسلام، ولعل هؤلاء كلهم تابعوا النووي في ترجمته ثقةً به.

يقول: إذا كان الفرق في اللفظ يستنبط منه أو يَستنبط منه؛ لأنه قال يُستنبَط منه أحد الأحكام أو بعض الفوائد، فهل ترك البخاري -رحمه الله- لذِكر مثل هذه الفروق ضياعٌ لبعض الفوائد أو عدم تحصيل مزيدٍ من الفوائد.

أولًا: اعلم أن هذه الفروق نجزم بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما قال جميع هذه الألفاظ هذا هو الأصل، النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لفظًا واحدًا، قال لفظًا واحدًا، ثم رواه الرواة من الصحابة فمن دونهم بألفاظٍ متعددة كل يرويه على حسب ما ترجح عنده، بناءً على جواز الرواية بالمعنى، فإذا كانت هذه الألفاظ لم تثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- جميعها، وإنما ثبت واحد وبعضها بالمعنى، وترجَّح عند البخاري هذا اللفظ وخرّجه في صحيحه، ولم يشر إلى غيره، هذا اختيار، هذا اختياره، ولا يعني أنه ضيَّع؛ لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما ذكر إلا لفظًا واحدًا، فلا يُقال: إن البخاري في صنيعه ضياعٌ لبعض الفوائد. نعم هناك من الفروق ما يترتب عليه فائدة، ومن الفروق مما يُذكر لا فائدة ولا طائل تحته، فكونه يستنبط منها فائدة، يستنبط بناءً على أن هذه اللفظة هي الراجح عند البخاري، وتلك اللفظة هي الراجح عند مسلم، فكل يُرجِّح ما لاح له، والكل صحيح ثابت، لكن يبقى أن هناك راجحًا ومرجوحًا.

طالب:...

نعم.

طالب:...

ما نجزم؛ لاحتمال أن يكون الصحابي رواه بالمعنى، الذي هو مخرج الحديث، لكن إذا كان الحديث مرويًّا عن جمعٍ من الصحابة، ثم يرويه عنهم جمعٌ من التابعين، ثم يرويه عنهم جمعٌ من أتباعهم إلى آخره جزمنا كما جزم الأئمة بحديث: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» رواه أكثر من ستين صحابيًّا بهذا اللفظ، ثم رواه عنهم جموع غفيرة من التابعين إلى آخره.

طالب:...

إذا اتحدوا على لفظ واحد مثل حديث: «ونبيك الذي أرسلت» ورسولك الذي أرسلت هذا معروف أنه باللفظ؛ لأنه جاء في الخبر الرد على الراوي.

طالب:...

نعم؟

طالب:...

إذا اختلفوا عرفنا أنه يجوز أن تذكر جميع الألفاظ؛ لأن هذا عمل السلف، بدليل أنهم رووه على هذا، إذا اختلف السلف في لفظ أو في معنى أو شيء اتسع فيه الأمر.

طالب:...

الغالب أن الألفاظ التي يختلفون فيها.

طالب:...

نعم الأذكار نادرًا.

طالب:...

اتخذ اتحد المخرج الذي هو الصحابي، لكن من بعده يروونه بالمعنى أيضًا، يجوز لهم أن يرووا بالمعنى.

طالب:...

نعم.

طالب:...

إذا لم يتحد المخرج فالمظنون أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قاله في مناسبة واحدة وسمعه أكثر من واحد، فنقله كل على ما لاح له ما ترجح عنده ولو اختلف المخرج. إذا اختلف إذا اختلف المخرج وقاله النبي -عليه الصلاة والسلام- في خطبة في جمع مرة واحدة ما نقول إذًا احتمال، واحتمال أن يكون في مواضع متعددة كلٌّ سمعه في موضع، لكن يبقى أنه لو سمعوه في موضع واحد ثم كلٌّ رواه على ما لاح  له فهذا يكون التغيير من المخرج، احتمال أن يكون الرواية بالمعنى من المخرج، احتمال أن يكون الرواية بالمعنى ممن دونه، لكن إذا اتحد المخرج قلنا: المجزوم به أن التغيير تغيير اللفظ ممن دونهم؛ لأن الصحابي سمعه فحدث كما سمعه أو رواه بالمعنى، ثم بعد ذلك تُلقي عنه.

 المقصود أن المسألة فيها مجال واسع للنظر، مجال واسع للنظر، لا سيما وأن رواية الأحاديث عند الأئمة حتى حديث أبي ذر: «يا عبادي إني حرمت على نفسي» يعني أعظم حديث في الدنيا يروى بألفاظ متعددة أيضًا، وهو حديث قدسي، يروى فيه ألفاظ، والأحاديث القدسية التي تنسب إلى الرب -جل وعلا- تروى بالمعاني، المقصود أن مثل هذه الأمور أمرها واسع؛ لأن جماهير أهل العلم على جواز الرواية بالمعنى بشرطه، بالشرط المعروف، أن يكون الراوي بالمعنى عارفًا بمدلولات الألفاظ وما يحيل المعاني، وألا يحذف من اللفظ شيئًا يُحتاج إليه في معنى اللفظ المذكور.

طالب:...

ابن مسعود لما يقول: أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، لا شك أنه يريد بذلك التحري والخروج من العهدة، لكن غيره ما قال هذا، غيره ما قال هذا، مما يدل على جواز الرواية بالمعنى، ولولا وجود هذه التصرفات في الكتب الصحيحة التي تلقاها الأمة بالقبول لقلنا لازم يروى الحديث بالمعنى باللفظ، لا بد من الرواية باللفظ، وهو منهج ابن سيرين ونفرٌ يسير من أهل العلم، لكن مشقة عظيمة، قد لا يثبت شيء.

طالب:...

ما يلزم، ما يلزم.

طالب:...

ما يلزم، ما يلزم أن نقول: هذا لفظ النبي -عليه الصلاة والسلام- أو واحد لا بعينه هو لفظ الرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنها إذا أجزنا لهذا الراوي أن يروي بالمعنى أجزنا لهذا أن يروي بالمعنى ما يلزم، لا سيما وأن القول بجواز الرواية بالمعنى هو قول جماهير أهل العلم.

طالب:...

هو مثل الأحاديث، الألفاظ مثل الأحاديث فيها راجح وفيها مرجوح، فيعمل بالراجح ويترك المرجوح. الألفاظ عند التعارض في المعاني تعامل معاملة الأحاديث فيها الراجح وفيها المرجوح. مثل ما يقال: أكثر أو كثيرًا أو كبيرًا وأكبر، لكن إذا جاء اللفظان في أمرٍ مقطوع به كالقرآن مثلًا كانت الفتنة أشد، وجاء الفتنة أكبر من القتل هل نقول إننا، هذه كلها متواتر ما يحتاج، ولو كان اللفظان مختلفين ومعناهما مختلف؛ لأن هذا محفوظ من الزيادة والنقصان، لكن ربي إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وفي رواية كبيرًا، هل نقول: إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال اللفظين فنجمع بينهما، كما يمشي عند النووي وأمثاله؟

النووي لمجرد الاختلاف في الخبر الذي مرده إلى اختلاف الرواة يقول: تعدد اللفظ، ما عنده مشكلة، وتعددت القصة، إذا تعددت إذا اختلفت الألفاظ، وكثير من هذه الاختلافات مردها إلى اختلاف الرواة، ولا يجرؤ النووي -رحمه الله- أن يُخطئ الثقات، هذا ما فيه شك أن فيه صيانة لهذا العلم، لكن يبقى أن هناك قصصًا يجزم الإنسان أنها لم تحصل إلا مرة واحدة كما في صلاة الكسوف، صلاة الكسوف المتفق عليها أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، وجاء في مسلم ثلاث ركوعات وأربعة، وجاء عند غيره خمسة، النووي ما فيه مانع أن تعدد القصة؛ لأنها كلها صحيحة، لكن من عنده الجرأة على توهيم الثقات؟ وهذا منهج أيضًا معروف عند أهل العلم، ويصحح واحد لفظًا واحدًا، ويحكم على البقية بالوهم؛ لأنه مرجوح شاذ، ولا مانع من أن يوجد الشاذ المرجوح في الصحيح عندهم؛ لأن عندهم ما يسمى بصحيح وأصحّ.

 ومن قوة شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذا الباب وجرأته المبنية على علمٍ متين وسعة اطلاع ومعرفة تامة بمقاصد الشريعة يقول: صلاة الكسوف لم تحصل إلا مرة واحدة، وإبراهيم لم يمت إلا مرة واحدة. يعني هل يجرؤ إنسان أن يقول هذا والحديث مُخرّج في صحيح مسلم؟ أو يجرؤ إنسان أن يقول: إن الحائض تطوف يعني أبدى احتمالات كثيرة، وعند الضرورة تطوف والرسول- عليه الصلاة والسلام-، ولا تحبس الرفقة والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «أحابستنا هي؟»؟ لكن مَن مثل شيخ الإسلام في سعة حفظه للسُّنَّة؟ سعة حفظه للسُّنّة، إمام من أئمة حتى قال بعض المحدثين: إن كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، مع سعة اطلاعه على أقوال السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومعرفته بمقاصد الشريعة وإحاطته إحاطة بها إحاطة تامة بها.

ولذا لم سُئل عنه الشيخ محمد رشيد رضا: هل ابن تيمية أعلم أو الأئمة الأربعة؟ قال: من جهة أن ابن تيمية تخرّج على كتب الأئمة الأربعة وكتب أتباعهم فلهم الفضل عليه، وباعتبار أنه أحاط بما كتبه الأئمة الأربعة وأتباعهم فهو أوسع علمًا من هذه الحيثية. شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- صاحب إحاطة، إضافة إلى استحضاره للاستنباط من الكتاب والسُّنَّة ينزع ببراعة من الآيات والأحاديث، وكأن لسانه يجري عليه القرآن كجريان الماء على المنحدر من الأرض، ولذا لما قيل: إن شيخ الإسلام في بعض كلامه ما يدل على شيء من الترفُّع قال مفتي حضرموت عبيد الله السَّقاف قال: وحاشاه من الكِبر؛ لأن القرآن يجري على لسانه وعلى أسلة بنانه والله- جل وعلا- يقول: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} [سورة الأعراف: 146]، يعني مسألة تحتاج إلى عناية بالنصوص، ثم بعد ذلك إذا اتضحت له الصورة متكاملة استطاع أن يعرف الأحاديث كما يقول الأئمة بالشَمّ، ويعرف عللها الخفية التي لا تلوح لعلماء الحديث، أو لكثير من علماء الحديث فضلاً عن المتعلمين.

 وأنا ذكرت مثالًا تقريبيًّا في الموافقات قلت: كأن التوسع في معرفة علوم الشريعة مع عدمه عندك رجل متوسع في العلوم كلها المتكاملة، وشخص آخر متخصص في فن، وشخص أيضًا يطرق متفننًا، لكن عنده خلل، مثله كمن جاء إلى خريطة العالم هذا مثال تقريبي، فمُزقت على قدر الأنملة، وذُريت في الهواء، الذي يستطيع أن يجمع جميع الأوراق ويجعل كل قطعة مع صاحبتها إلى أن يخرج التصور كاملًا هذا صاحب الإحاطة، لكن الذي يضيع عليه بعض القطع يبقى في تصوره شيء من الخلل، نقول: هذا مثال تقريبي. يعني الإنسان الذي يستطيع أن يجمع جميع هذه الأمور هذه القطع الصغيرة، ويضع كل واحدة في موضعها، ويلصقها بجانب بعضها تكتمل عنده الصورة، يصير فيها خلل؟ لا ما يصير فيها خلل، لكن الذي تحصيله أقل ممن لا يستطيع أن يُحصل جميع هذه القطع المتناثرة لا بد أن يكون عنده شيء من الخلل، أو يستطيع أن يجمع خريطة دولة؛ لأنه تخصص في فن يصير تصوره كاملًا عن هذه الدولة، لكن بقية الدول، وأنا أقول: هذا مثال تقريبي لمن عنده إحاطة في نصوص الشريعة، ولا يوجد شخص يستطيع أن يحيط بجميع الشرع لا، لكن هذا مثال تقريبي  يقرب الأكمل فالأكمل.

الحديث خرّجه أبو داود في كتاب الأدب في باب: كيف يكتب إلى الذّمي؟ قال -رحمه الله-: حدثنا الحسن بن علي، ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى هرقل: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى» قال ابن يحيى: عن ابن عباس أن أبا سفيان أخبره قال: فدخلنا على هرقل فأُجلسنا بين يديه ثم دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد».

 وأخرجه الترمذي في الاستئذان في باب: كيف يكتب إلى أهل الشرك؟ قال -رحمه الله-: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباسٍ أنه أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في نفرٍ من قريش وكانوا تجارًا بالشام فأتوه. وذكر الحديث، قال: ثم دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقُرئ فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمدٍ عبد الله  ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد» هذا حديث حسن صحيح، وأبو سفيان اسمه: صخر بن حرب.

وأخرجه النسائي في التفسير ومعلومٌ أن التفسير في الكبرى أم في الصغرى؟ في الكبرى، عن أبي داود سليمان بن سيف عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد بتمامه، يعني أبو داود والترمذي اقتصرا على قطعة من الحديث، يستدلون بها على كيفية الكتابة إلى أهل الذمة أو أهل الشرك وهو في تفسيره تفسير النسائي مطبوع في مجلدين، وذكرنا الخلاف فيما سبق هل هو كتابٌ مفرد أو منتزع من السنن الكبرى. قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [سورة آل عمران: 64] قال -رحمه الله-: أخبرنا أبو داود سليمان بن سيفٍ قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي عن صالحٍ عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: أخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارًا في المدة التي كانت بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء فأُدخلنا عليه، فإذا هو جالسٌ في مجلس ملكه وعليه التاج وحوله علماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فذكر الحديث بطوله بنحو ألفاظ البخاري.

وأخرجه أيضًا الإمام أحمد والبخاري في خلق أفعال العباد وغيرهم من أهل العلم، والحديث مستفيض مشهور معروف، ويكفي تخريج الشيخين له.

بهذا نكون أتممنا الكلام على هذا الحديث الطويل وبتمامه نكون قد فرغنا من بدء الوحي من الصحيح، سبعة أحاديث في سبعة أشهر كذا؟

طالب:...

لا لا، الحديث الأخير في سبعة أشهر، هذا يقول: ما أدري هو صحيح أم لا، يقول: أحسن الله إليكم، وأحسن عزاءك في الشيخ الغديان -رحمه الله- هل من كلمة في نهاية هذا الفصل ونهاية الحديث ونحن الآن في الدرس رقم مائة. ما أدري رقم مائة صحيح أم لا؟

طالب:...

ونحن في الدرس رقم مائة وفي وفاة شيخنا -رحمه الله تعالى- تحث الطلبة على الاجتهاد في طلب العلم وعدم استطالة في الطريق، في مكانة العلماء أحياءً وفي الفجوة التي يتركونها أمواتًا.

هذا يقول: أحسن الله عزاءكم في وفاة الشيخ، تعلمون قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعًا»، فما الواجب على طلبة العلم في وقت نرى فيه موت العلماء الكبار متتابعًا؟

يقول هذا: لماذا لم يخرج هذا الحديث ابن ماجه؟

الظاهر أن الجواب عند ابن ماجه، ما هو عندنا، على كل حال ما يتعلق بالشيخ -رحمة الله عليه- وعلاقتنا بالشيخ من سنة ثلاثة وتسعين، وهو أول شيخٍ حضرت له في الرياض لما قدمت الرياض سنة ثلاثة وتسعين في شعبان، ومن توفيق الله أن كان السكن من مسجد الشيخ، وحضرنا عنده الدروس في جميع الفنون، لكن الشيخ يركز على الأصول والقواعد الفقهية، وإذا درّس أي علم من العلوم يشعر السامع أنه يسمع أصول فقه أو قواعد فقهية، مع أنه -رحمة الله عليه- دقيق، يتميز بالدقة المتناهية في جمع العلوم، وما يمشي شيء يمكن لا يفهمه أو لا يفهمه الطالب، يقف عند كل شيء- رحمة الله عليه-.

 وعلى كل حال موته ثُلمة، والموت كتبه الله على بني آدم، وعلى الخلق أجمعين، وكلٌّ له نصيبه منه، وهي أيام وأنفاس معدودة، ومما ذُكر في هذا الباب يقال: إن امرأة مع زوجها من الوافدين سكنوا الرياض، ثم ذهبوا إلى مكة، ذهبت مع زوجها إلى مكة، فحصل لهم حادث، فمات الزوج في أثناء الطريق، وبقيت في أقرب بلد إلى أن جاء أخوها من بلدها، ليذهب بها ثم تسافر إلى أهلها؛ لأنها لن تبقى بدون محرم، المقصود أنهم بعد مسافة بين موضع الحادث الأول وبين مكة حصل حادث فمات أخوها، يعني استدعي هذا الأخ؛ ليموت في هذا المكان، فكل إنسان كُتب عليه الموت، وفي وقتٍ محدد، وفي مكان معين، وكل هذا لا يعلمه إلا الله -جل وعلا-، لا يعلمه لا ملك الموت ولا جبريل ولا غيره، والله المستعان.

فالشيخ إذا ذهب فقد ذهب بعمله، وأفضى إلى ما قدم، وندعو له أن يغفر الله -جل وعلا-، وأن يرفع درجته في المهديين، وأن يخلفه في عقبه في الغابرين، وأن يعوض الأمة خيرًا، وطلاب العلم على وجه الخصوص الذين فقدوه، وإن كان الحضور عند الشيخ ليس على مستوى علم الشيخ ودقة الشيخ وفهم الشيخ، والله إننا نتذكر ألفاظه؛ لأنه- رحمة الله عليه- من أفصح الناس وأوضحهم كلامًا، نتذكر كلامه منذ ما يقرب من أربعين عامًا قلت لكم سنة ثلاثة وسبعين، ثلاثة وتسعين، عنده إلى خمسة وتسعين، إلى أن جاء الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- من المدينة وسكن الرياض لزمته إلى ألف وأربعمائة وبعد ذلك تركت الحلقات، وهذا من الكسل معروف أن الكسل موجود.

المقصود أن الشيخ كلامه يُعد عددًا، لكنه ينقش في القلب، الشيخ ابن غديان -رحمه الله-، فليس ممن يخفي أو يأكل بعض الحروف، وليس له كلامٌ أيضًا فضول، كأنه يقرأ من كتاب، والله المستعان.

فيما يتعلق بكتابنا بعد أن أنهينا هذا الباب الذي هو الباب الأول بدء الوحي، وعرفنا أنه ليس بكتاب، وإن سبق لسان أو قلم الحافظ ابن حجر إلى تسميته كتابًا فيما مرّ بنا، لكنه صراحة قال: إن البخاري لم يستفتح بدء الوحي بكتاب في أول كتاب الإيمان، وقرأناه عليكم فيما تقدَّم.

طالب:...

والله الأصل التعجيل، وجاء الأمر به، وجاء الأمر به، لكن التأخير الذي لا يترتب عليه ضرر بالنسبة لميت لا يترتب عليه ضرر وتترتب عليه مصلحة بالنسبة لأهله وذويه ومحبيه ومعارفه، ويمكن أن يبلغ الخبر من له أو عليه وبينهما معاملة، ويمكن أن يكون بينهما شيء يحتاج إلى تحلل، والإباحة مثل هذا مقصد شرعي، وإذا كان هناك من له عليه حق وتمكن من الحضور والصلاة عليه أيضًا هذا مقصد. وعلى كل حال التأخير الذي يشدد فيه هو التأخير الذي يترتب عليه التغيّر تغيّر الميت، أو حبسه بين أظهر أهله من غير مصلحة.

بعد العيد إن شاء الله تعالى نبدأ بشرح كتاب الإيمان، وتعرفون أننا في الدروس كلها إذا استفتينا على شيء فإننا لا نخرج بنتيجة؛ لأن كل طريقة لها جمهور، ولها أتباع، وكل طريقة لها وعليها، فإذا استمر الشرح على هذه الطريقة سبعة أحاديث في مائة درس.

طالب:...

سنتين وأربعة أشهر، يعني شرحنا في سنتين وأربعة أشهر نصف الموطأ أو أكثر من نصف الموطأ، مجلدًا كاملًا من الموطأ؛ لأن الموطأ تمّ في أربع سنوات وشهرين وعشرة أيام، فإذا استمر الشرح على هذه الطريقة معناه إيش؟ يترتب على ذلك أننا، والعلم عند الله -جل وعلا- أننا لن نصل إلى كتاب الوضوء، فضلاً عن تكميل الكتاب؛ لأنه إذا كان بدء الوحي في سنتين وزيادة وأربعة أشهر، سنتين وثلث وسبعة أحاديث، فماذا عن مائتي، عن مئات الأحاديث؟ ومع ذلك يقول: لم أحضر درس الأحد فيكون رقم الدرس مائة وواحدًا، براءة للذمة.

الخطب سهل. الأمر سهل. الله المستعان. كل هذا مُدوَّن، لكن نرجو أن يكون في كفة الحسنات؛ لأن الإنسان قد يعمل عملاً يحسبه مما يقربه إلى الله، ثم يجده عكس ما أمّل، وكان كثيرٌ من السلف يحسب ألف حساب في مثل هذه المواقف لقول الله -جل وعلا-: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [سورة الزمر: 47] مثل هذه الأمور ينبغي أن يحسب لها ألف حساب، واحد يتعب يتعلم ويُعلم السنين الطوال، وفي النهاية وإن لم يُصرِّح بذلك أنه تعلّم وعلّم ليقال، فيكون أحد الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، نسأل الله السلام والعافية. والحافظ الذهبي- رحمه الله- يقول: والله إن العيش خلف أذناب البقر خيرٌ من علم ابن عربي وأمثاله، ونقول أيضًا: العيش خلف أذناب البقر خيرٌ من أن يتعلم ويُعلم الناس عقودًا؛ ليقال: عالم.

ومن يكن ليقول الناس يطلبه             أخسِر بصفقته في موقف الندم

 أستغفر الله، أستغفر الله.

طالب:...

ماذا فيه؟

طالب:...

نعم صحيح.

طالب:...

يقول: المتون التي تحفظ في أصول العلم، ما هي أفضل المتون التي تُحفظ في النحو وأصول الفقه والفقه والمصطلح والحديث والفرائض والقواعد والعقيدة؟

كررنا مرارًا أن مثل هذه الأسئلة يجيب عنها سماع مجموعة من الأشرطة خمسة أو ستة سُميت: كيف يبني طالب العلم مكتبته؟ وفيها التدرج في هذه الفنون، من كتب للمبتدئين، إلى المتوسطين، الله المستعان.

يقول: ذهبت مع الشيخ عبد الله؛ ليلقي محاضرة، فلما وصلنا المجلس أعطيته البِشت ليلبسه قبل الدخول فقال لي: لأجل أن يقولوا إني شيخ! الشيخ معروف أنه شيخ الموجودين كلهم، هو شيخ للموجودين، ودرَّسهم في كلية الشريعة، ولم يبق من أقرانه الذين هم معه في أول تشكيل هيئة كبار العلماء الذين أمضوا أربعين سنة الآن.

طالب:...

لا، بالنسبة للجديد سبعة عشر، المقصود الذين ذكروا في أول تشكيل للهيئة سنة واحد وتسعين ما بقي إلا سعيدان وعبد الله بن منيع فقط، كان الشيخ هو ثالثهم، مات -رحمة الله عليه-، وما بقي إلا الاثنان، والله المستعان.

 على كل حال الشيخ أفضى إلى ما قدم، لكن العبرة بمن تخلّف في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، من الشباب حريص وحافظ، وعنده إقبال على العلم يقول: ما شاء الله عليهم الذين وصلوا الستين والسبعين، لكن المشكلة أننا نحن الفتن، ما عليك هذا زمن العمل، يعني قدرك أن وُجدت في هذا الوقت، ليعظم لك الأجر، فاعمل بقدر استطاعتك، العامل في مثل هذه الأوقات كما جاء في الحديث له أجر خمسين من الصحابة، نعم المكدرات كثيرة، والخبث كثُر، ويخشى من عقوبة، لكن يبقى أن على الإنسان أن يعمل، فإذا عمل يبشر، ووجود مثل هذه، وجود مثل هذا التدافع بين الشر والخير والحق والباطل كل هذا؛ لتعظم الأجور، وتعظم الأوزار، من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.

 كل شيء مثبت في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فعلى الإنسان أن يعمل، ويستعين بالله -جل وعلا-، متوسلاً إليه بنوافل العبادات بعد أداء الفرائض «ما تقرب إلي أحد بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» إلى آخر الحديث.

طالب:...

البخاري ما ندري؛ لأن الظاهر أن ما له نتيجة؛ لأن التطويل على هذه الطريقة التي شرحناها إذا ذكرنا في درس من الدروس أننا سوف نعدل ونختصر لحقني جمع من الإخوان، يا شيخ نستفيد، التطويل ليس له لازمة نكمل الكتاب، وبعض الإخوان يأبى إلا اختصارًا، إلا نمشي، وصحيح هذه لها فوائد، وهذه لها فوائد، والخلاف لن ينحسم.

طالب:...

لا، لا، أنت تقصد أني ما أنقل، يعني من علمي أنا فقط.

طالب:...

لأن النقول تطول علينا الطريق، وكون الإنسان يقتصر على ما عنده على ما يختاره صحيح أنه يمشي، لكن هذا بالنسبة لمن؟ يعني يقولون: إن الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- يشرح في الدرس الواحد عشرة أحاديث، عشرين حديثًا، الشيخ ما يعطي إلا علمه، ما ينقل عن فلان ولا علان، والذين حضروا جاؤوا ليأخذوا علم الشيخ، علم الشيخ؛ لأنه في مصاف الأئمة، لكن الذين يحضرون عند طالب علم ماذا يبغون؟ النقول...

طالب:...

وتابعوهم، ومن بعدهم.

طالب:...

لا، يعرفون.

طالب:...

لا يعرفون.

طالب:...

لا لا لا، إلى عصور الأئمة عصر التدوين، عصر تدوين الكتب الأصلية كتب السُّنَّة من الستة وغيرها يفهمون مدلولات الألفاظ وما يحيل المعاني، ولو كانوا ما يفهمون ما اعتمد عليهم الأئمة.

طالب:...

يلحنون، يلحنون، لكن كون الحديث يتداوله الأئمة، كون الحديث يتداوله الأئمة ويروونه في مصنفاتهم، ويتفق على تخريجه أكثر من إمام، يجعل الإنسان في مأمن من أن يقع مثل هذا اللحن المحيل للمعنى.

تريد شيئًا؟

طالب:...

يكتب نعم.

طالب:...

نعم، لكن هل تُلقي عنه بكتاب أو تُلقي عنه بسماع؟ بسماع إذًا خلاص الذي بعده.

طالب:...

ليس الإنسان على جزمٍ من وجودها أو عدمها. المسألة صعبة، مخطوطات القرن الأول ما يوجد منها شيء إلا القليل النادر؛ لأن الكتابة ليست على ورق في ذلك الوقت. عسيب أو حصاة أو جلد، الله المستعان.

طالب:...

هي المسائل الخلافية إن شاء الله تبسط، لكن يبقى أنه هل يكون منهج كل شيء يبسط أو يبسط ما يحتاج إليه، ويختصر ما لا يحتاج إليه؟ وهذه المسألة ضبطها صعب. ضبطها صعب.

طالب:...

يا أخي المسألة بالنسبة لي تفويج، ما معنى تفويج؟ يعني ما أستطيع أن أشرح شيئًا ما تمت مراجعته، والوقت عندي لا يستوعب أن أكتب كثيرًا وألقي قليلاً، لا ما يستوعب، يعني أنت تصور الآن لما تيسر أمر الجمرات انتقل الزحام الشديد إلى الحرم، لو كان هناك تفويج، يعني شيء يكون بقدر هذا، يجب أن يكون المكتوب عندي بقدر ما ألقيه؛ لأن الوقت ما يستوعب، الوقت عندي ضيق جدًّا للتحضير، ثم إذا تعديت المحضَّر عندي رجعت إلى أني ما هو بلازم أحضر أصلاً، صار بعض ما يكون مكتوبًا وبعضه غير مكتوب أو أحتاج إلى أن أكتب مائة صفحة؛ لألقي درسًا مختصرًا، هذا فيه مشقة عظيمة، ما فيه وقت، والوضع الآن أيضًا تعقد زيادة، يمكن أن نجبر على أمور ما كنا نفكر بها، يعني مع الدوام ورصد ما يصل البيت العصر ماذا يفعل؟ العصر الذي هو وقت التحضير يذهب راحة فيما بعد، فالمسألة لا بد أن يكون هناك شيء من التأثر، شيء من الخلل، لكن نسأل الله الإعانة والتسديد، نسأل الله الإعانة والتسديد.

 اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.