شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 09

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 09
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم يا شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: في كتاب الصوم -نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا- لا زلنا في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- في باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا، لعلكم تتفضلون باستكمال ما تبقى من مسائل هذا الحديث، فضيلة الدكتور.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا الحديث حديث عظيم، ومباحثه تحتاج إلى حلقات كثيرة، والشراح أفاضوا في شرحه وبيان مسائله، وما تقدم من الإشارات التي بعضها مختصر، لعله يكفي.

وعلى كل حال؛ الحديث خرجه البخاري في هذا الموضع من طريقين، يعني في كتاب الصيام.

الأول: قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة».

والثاني: قال: حدثني يحيى بن بكير قال: حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني ابن أبي أنس مولى التيميين أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين».

وسبق ذكر مناسبة الحديث للباب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى ذلك كله واسعًا.

على كل حال؛ اللفظ الأول: «إذا جاء رمضان» يشهد للشق الأول من الترجمة: هل يقال رمضان؟ واللفظ الثاني: «إذا دخل شهر رمضان» يشهد للشق الثاني، والأمر فيه سعة، وسبقت الإشارة إلى الداعي لهذه الترجمة.

الموضع الثالث: في كتاب بدء الخلق، في باب صفة إبليس وجنوده.

قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة -رضي الله تعالى عنه- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين».

المقدم: أين الصفة؟

كيف؟

المقدم: يعني أين الصفة هنا؟ مجرد أنهم يسلسلون دليل على صفة معينة؟

نعم، مناسبة الحديث للباب ظاهرة، ذكر الشياطين الذين هم جنود إبليس؛ لأنه باب صفة إبليس وجنوده.

المقدم: يعني كونهم يسلسلون هذا دليل صفة معينة؟

نعم، أن لهم ما يقبل التسلسل، وجنوده أيضًا، والشياطين هم جنود إبليس.

ومناسبة ذكر إبليس وجنوده لبدء الخلق ظاهرة؛ لأنهم من الخلق.

والحديث خرجه الإمام مسلم أيضًا، فهو متفق عليه.

المقدم: قال المصنف -رحمه الله-: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» يعني هلال رمضان.

راوي الحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، الصحابي الجليل، تقدم التعريف به.

والحديث ذكره البخاري ضمن الترجمة السابقة: باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا.

هذا الحديث ضمن الترجمة السابقة، وإذا تأملنا في الحديث: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له»، أين الشاهد؟ يعني قبل أن ندخل في المعركة بين ابن حجر والعيني، أين الشاهد؟

المقدم: يعني يمكن يقصد قول ابن عمر إدراجه في قوله: يعني هلال رمضان؟

هذا الذي.

المقدم: يظهر.

هذا واضح، وهو كلام ابن حجر.

قال ابن حجر: أراد المصنف بإيراده في هذا الباب ثبوت ذكر رمضان بغير لفظ شهر، ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة.

المقدم: تسمح لنا يا شيخ قبل أن ندخل في كلامهما -أحسن الله إليك- يعني في طبعتنا، وأنتم أشرتم أكثر من مرة إلى أن هذا تصرف من المحقق في إدخال الأبواب إلا أنه هنا كتب الباب مرة أخرى برقم آخر في هذا الحديث، أعطاه رقمًا ثم قال: باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله فقط، وأوقف، قبله أعطى بابًا آخر، أو نفس الباب لكن كله واسعًا، هل هذا من خطأ الطباعة؟

نعم، نعم، بلا شك.

المقدم: وإلا فالباب واحد؟

الباب واحد في الأصل، وأيضًا تكرار الترجمة ما له قيمة، لا قيمة له.

نقول: مجرد النظر في الحديث الموصول والمعلق، تتضح لنا المناسبة، الموصول ما فيه شاهد للترجمة، لكن المعلق: يعني هلال رمضان، وهو موجود في الصحيح، وقال غيره عن الليث: حدثني عقيل ويونس: لهلال رمضان، لهلال رمضان، «صوموا لرؤيته» يعني لهلال رمضان، هذا هو محل الشاهد، وهذا واضح، ما يحتاج إلى تدقيق في النظر، وأنا أقول هذا لنرى عمق المسألة، بعض الناس يغرب في الاستنباط، يغرب جدًّا حتى يأتي بالعجائب مع إغرابه هذا يأتي بالعجائب أحيانًا التي هي في عمق المسألة المطلوبة، وأحيانًا يبعد النجعة، وهذه عادة في الذين عندهم دقة في الاستنباط، أحيانًا يأتي بالعجائب.

يقول ابن حجر: أراد المصنف بإيراده في هذا الباب ثبوت ذكر رمضان بغير لفظ شهر، ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة، وإنما وقع في الرواية المعلقة، يعني التي ذكرها البخاري بعد، بقوله بعد رواية الحديث: وقال غيره عن الليث: حدثني عقيل ويونس: لهلال رمضان، هذا واضح إلى هذا الحد.

وقال العيني: قيل: هذا الحديث غير مطابق للترجمة، وأجاب عنه صاحب التلويح، من صاحب التلويح؟ صاحب التلويح: علاء الدين مغلطاي، وشرحه للجامع الصحيح.

المقدم: اسمه التلويح كذا؟

نعم، التلويح على الجامع الصحيح لعلاء الدين مغلطاي، حنفي من الحنفية، متوفّى سنة (792هـ)، وأجاب عنه صاحب التلويح بأن في بعض طرق حديث ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان، وقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال»، فكأن البخاري على عادته أحال على هذا، فطابق بذلك ما بوَّب له من ذكر رمضان، وصاحب التوضيح تبعه على ذلك.

يعني أن البخاري -رحمه الله تعالى- أحيانًا يأتي بترجمة، ويذكر بعد، تحت هذه الترجمة حديثًا، تتأمل في هذا الحديث ما تجد فيه أدنى مطابقة للترجمة، لكن إذا جمعت طرق الحديث، وجدت في بعض طرقه ما يدل على الترجمة، فكأنه يحيل القارئ إلى طرق الحديث، هذا يفعله البخاري كثيرًا، لكن ما الداعي هنا أن نبحث عن روايات أخرى، وعندنا النص المعلق؟

يقول: وأجاب عنه صاحب التلويح بأن في بعض طرق حديث ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان، وقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال»، فكأن البخاري على عادته أحال على هذا، فطابق بذلك ما بوَّب له من ذكر رمضان، وصاحب التوضيح تبعه على ذلك.

التوضيح لمن؟ التوضيح أيضًا على الجامع الصحيح لسراج الدين بن الملقن، وهو معتمد في أكثره على شرح مغلطاي السابق الذي هو التلويح.

وصاحب التوضيح تبعه على ذلك، وقال بعضهم.

العادة أن العيني إذا قال، كنى بالنقل عن، بالإبهام يعني..

المقدم: يقصد بعضهم، فهو يرد على ابن حجر.

نعم، هو يقصد ابن حجر.

وقال بعضهم: وإنما أراد المصنف بإيراده في هذا الباب ثبوت ذكر رمضان بغير شهر، ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة، وإنما وقع في الرواية المعلقة، قلت -العيني-: قلت: قد ذهل هذا القائل عن حديث قتيبة في أول الباب فإنه موصول، وليس فيه ذكر شهر، والحديث الذي يليه عن يحيى بن بكير فيه ذكر الشهر، والترجمة: هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ فحديث قتيبة يطابق قوله: هل يقال: رمضان؟ وحديث يحيى يطابق قوله: أو شهر رمضان؟ فضاع الوجه الذي ذكره باطلًا.

لكن هل وجود مطابقة بين حديث.

المقدم: في باب.

هم ثلاثة أحاديث في الباب نفسه، توجد مطابقة للحديث الأول واضحة، ومطابقة من الحديث الثاني واضحة، الثالث لا بد أن يطلب له مطابقة، هو رد على ابن حجر بأن الحديث الأول فيه مطابقة، والثاني فيه مطابقة، لكن الثالث..

يقول: والترجمة: هل يقال رمضان؟ فحديث قتيبة يطابق قوله: هل يقال رمضان؟ وحديث يحيى يطابق قوله: أو شهر رمضان؟ فضاع الوجه الذي ذكره باطلًا.

طيب الكلام في الحديث الثالث، أما الحديث الأول والثاني فما فيهما إشكال.

وجواب صاحب التلويح أيضًا ليس بشيء، يعني كون البخاري أشار إلى رواية ثانية ليس بشيء أيضًا، والوجه في هذا أن يقال: الأحاديث المعلقة والموصولة المذكورة في هذا الباب تدل على أن لشهر رمضان أوصافًا عظيمة، أن فيه غفران ما تقدم من ذنب الصائم فيه إيمانًا واحتسابًا؛ لأنه فيه قول النبي -عليه الصلاة والسلام- معلقًا: «من صام رمضان»، أن فيه غفران ما تقدم من ذنب الصائم فيه إيمانًا واحتسابًا، وهو الذي علق البخاري قطعة منه في أول الباب، وأن فيه فتح أبواب الجنان.

المقدم: لكن معلق في أول الباب، وسيأتي موصولاً في موضع آخر يا شيخ؟

إن شاء الله، لكن إذا، وتقدم، باب صوم رمضان من الإيمان، في كتاب الإيمان.

وأن فيه فتح أبواب الجنان «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة»، وأن فيه غلق أبواب النار «فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم»، وأن فيه تسلسل الشياطين، وقد ثبت بالدلائل القطعية فرضية هذا الصوم الموصوف بهذه الأوصاف، وأورد هذا الحديث «صوموا لرؤيته»، «إذا رأيتموه فصوموا»، وأورد هذا الحديث في هذا الباب؛ ليعلم أن هذا الصوم يكون في أيام محدودة، وهي أيام شهر رمضان، وأن الوجوب يتعلق برؤيته، فمن هذه الحيثية يستأنس لوجه إيراد هذا الحديث فيه، ويكفي في التطابق أدنى المناسبة، فافهم.

يعني رمضان له أوصاف، ذُكرت في الحديثين السابقين، وزمان محدود (من، إلى) ذُكر في الحديث الثالث، لكن تحديد الزمان أليس اللائق به في أول الكتاب؟

المقدم: بلى.

لا، هذا بعد، بعد شديد.

يقول: وأورد هذا الحديث في هذا الباب ليعلم أن هذا الصوم يكون في أيام محدودة، وهي أيام شهر رمضان، وأن الوجوب يتعلق برؤيته، فمن هذه الحيثية يستأنس لوجه إيراد هذا الحديث فيه، ويكفي في التطابق أدنى المناسبة، فافهم.

وأما الحافظ ابن حجر في انتقاض الاعتراض فلم يذكر ما يشفي العليل، يعني ما ذكر شيئًا يمكن أن يرد به مع أن الرد واضح، كلام العيني الذي نقله عن صاحبي التلويح والتوضيح، وإن كان له وجه إلا أنه نقضه، وقال: إنه ليس بشيء، ولم يرتضِ جواب ابن حجر، وجاء بكلام في غاية البعد، لكن ابن حجر لم يذكر شيئًا يمكن أن يعول عليه في رد هذا الانتقاض.

وأما صاحب المبتكرات فأطال الكلام في المسألة، وكأنه لم يدرك وجه المسألة، لم يصوب صوبه، ما أدرك وجه المسألة، وكلام الحافظ ظاهر في الدلالة على مراده، كلام الحافظ في وجه المناسبة في غاية الوضوح.

المقدم: لكن هل إعراض ابن حجر، هل هو، دائمًا هو يعرض إذا رأى أن المسألة ليست قوية بالنسبة؟

يعني ما تحتاج، مثل هذا الكلام ما يحتاج إلى الرد.

المقدم: فيعرض؟

نعم، أما كلامه في الربط أن قوله: إن الرواية الموصولة ليس فيها دلالة، وإنما الدلالة في الرواية المعلقة، واضح، والرواية المعلقة ارتباطها وثيق بالموصولة، جزء منها، هي عبارة عن جزء منها، وأما كلام العيني فلم يربط بين الحديث والترجمة، وإنما حاول الربط بين أحاديث الترجمة المعلقة والموصولة، يعني ابن حجر، العيني لما ذكر مناسبة الحديث الأول والثاني والمعلقات للترجمة أراد أن يربط هذه الأحاديث كلها بهذا الحديث الأخير، ما ربط الحديث الأخير بالترجمة، ربطه بالأحاديث السابقة، والمطلوب، والمطلوب ربط الحديث بالترجمة.

«إذا رأيتموه» أي الهلال، لا يقال: إنه إضمار قبل الذكر، الضمير لا بد أن يعود على شيء، ولم يذكر له ما يعود عليه، إضمار قبل الذكر؛ لدلالة السياق عليه؛ كقوله تعالى: { وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } [النساء: 11]، الضمير يعود على ماذا؟

المقدم: في الآية يعني؟

نعم، { وَلأَبَوَيْهِ } [النساء: 11].

مداخلة: الميت.

مذكور الميت؟ أي: لأبوي الميت، قاله العيني، وصرح في الرواية المعلقة بعده: «إذا رأيتموه» صرح بذكر الهلال، لهلال رمضان، وسيأتي في الأصل بعد خمسة أبواب ترجمة بلفظ: باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»، فصرح بمرجع الضمير، بل صرح به بدلًا من الكناية عنه بضمير.

قال ابن حجر: هذه الترجمة لفظ مسلم من رواية إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة، ومفهوم الشرط «إذا رأيتموه فصوموا»، مفهومه..

المقدم: إذا لم تروه فلا تصوموا.

نعم، لا تصوموا حتى تروه.

مفهوم الشرط صرح به في رواية مالك عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- يعني بعد خمسة أحاديث أو ستة في الكتاب، في الأصل، فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه»، فعلق الصيام بالرؤية.

قال الحافظ ابن حجر: ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وُجدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرق بين ما قبل الزوال أو بعده، يعني إذا رُؤي الهلال نهارًا، فهو لليلة الماضية أو الليلة الآتية؟

المقدم: إذا رؤي؟

نهار.

المقدم: لا زال في الشهر الماضي، هذا هو الأصل، في أواخر يعني يا شيخ؟

يقول: ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وُجدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل.

إذا رُؤي الهلال -هلال رمضان- في النهار، هل يكون لليلة الماضية أو المستقبلة؟ عندهم للمستقبلة، بعضهم يفرق بين ما إذا كانت الرؤية قبل الزوال فيكون للماضية، وبعد الزوال يكون للرؤية المستقبلة.

يقول: وخالفت الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقًا، يجب عليهم أن يصوموا، لكن الأمة لا يصومون؛ لأنه يكون لليلة القادمة، عامة أهل العلم على هذا، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال.

وجاء النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، فيدخل فيه، يعني في النهي، صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الرواية -يقول ابن حجر-: لو وقع الاقتصار على هذه الرواية، أو على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، يعني ما فيه صيام إلا بالرؤية، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة، وهو قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له»، فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر؛ لأنه نص على قوله: «فإن غم عليكم»، يعني «صوموا لرؤيته»، لو اقتصرنا على هذا، و«لا تصوموا حتى تروا الهلال» لو اقتصرنا على هذا فما فيه أدنى إشكال.

المقدم: تضم الصحو وغير الصحو؟

نعم، لكن لما جاء قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له»، تبين أن وقت الغيم يختلف عن وقت الصحو، «فاقدروا له»، فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويحتمل ألا تفرقة، ويكون الثاني مؤكدًا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة -الذي هو التفريق بين الغيم والصحو-، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله: «فاقدروا له»، أي: انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد.

المقدم: «أكملوا العدة».

نعم.

وهي ما تقدم من قوله: «فأكملوا العدة ثلاثين»، ونحوها، وأولى ما فُسر الحديث بالحديث.

المقدم: هذا يقول: إن الروايات المتقدمة عنده هو على ما تقدم؟

عنده، نعم، رواية في الصحيح.

«فأكملوا العدة ثلاثين» هذه تفسر بها رواية «فاقدروا له»، هذا قول الجمهور، أنه يكمل شهر شعبان ثلاثين، إن كان صحوًا ولم ير الهلال، هذا ما فيه إشكال، وإن كان غيمًا ولم ير الهلال، فلا بد من إكماله للنص على ذلك، وهذا قول الجمهور.

في المقنع للإمام الموفق ابن قدامة: يجب -يقول- يجب صوم شهر رمضان برؤية الهلال، فإن لم ير مع الصحو، أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صاموا، وإن حال دون منظره غيم أو قطر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب، وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب، وعنه لا يجب، وعنه الناس تبع للإمام فإن صام صاموا.

وفي حاشيته- حاشية المقنع بخط الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، هذه حاشية وُجدت بخطه على المقنع غير منسوبة لأحد، وأهل العلم يستروحون إلى أنها من جمعه هو، وهي حاشية نفيسة جدًّا، فيها تحقيقات وتحريرات- تعليقًا على ظاهر المذهب، الرواية الأولى، ماذا يقول في الرواية الأولى؟

وإن حال دون منظره غيم أو قطر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب، علق عليها الشيخ بقوله: هذه الرواية اختارها الخرقي، وأكثر شيوخ أصحابنا، والخرقي معروف؟ صاحب ماذا؟ صاحب المختصر الذي المغني شرح عليه، وهو مذهب عمر وابنه وأبي هريرة وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق -رضي الله عنهم وأرضاهم-، وبه قال بكر بن عبد الله المزني وأبو عثمان النهدي وابن أبي مريم ومطرف وميمون بن مهران وطاووس ومجاهد؛ لما روى ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له»، متفق عليه، ومعنى «فاقدروا عليه» أي: ضيقوا عليه، وإذا ضيقنا على شعبان جعلناه تسعًا وعشرين، إذا ضيقنا عليه تسعًا وعشرين؛ لقوله تعالى: { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } [الطلاق: 7] يعني ضُيق عليه، وهو أن يجعل شعبان تسعًا وعشرين يومًا.

في مسائل أبي داود السجستاني للإمام أحمد في باب الصوم يوم الشك، يقول: أخبرنا أبو بكر، من أبو بكر؟ الآجري، الراوي عن أبي داود، قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يوم الشك على وجهين، فأما الذي لا يُصام، فإذا لم يحل دون منظره سحاب ولا قطر، فأما إذا حال دون منظره سحاب أو قطر يُصام.

لكن الذي ليس فيه سحاب ولا قطر يمكن أن يسمى شكًّا؟

المقدم: أبدًا، واضح.

واضح، نعم.

فأما إذا حال دون منظره سحاب أو قطر يصام، وسألت أحمد -يقول أبو داود- في عقب شعبان ليلة الثلاثين منها بعد المغرب عن الصوم، فنظر إلى السماء، فقال: إذا قطر -يعني إذا وُجد قطر-، أو لطخ يصبح صائمًا، فسمعته من الغد سئل، فقال: نحن صيام، فقيل له: إن أفطر الناس؟ فقال: لا، نحن صيام، نحن لا نفطر وإن أفطر الناس، وسمعته قال: أنا أذهب إلى حديث ابن عمر إن حال دون منظره سحاب أو قطر أصبح صائمًا، يعني هذا ثابت عن ابن عمر أنه إذا حال دون منظره سحاب أو قطر يصبح صائمًا.

هذا وجه هذه الرواية اعتمادًا على اختيار ابن عمر وتأويله، وهو راوي الحديث، وهو أعرف بما روى، هذا توجيه لقول الحنابلة، وأما الرواية الثانية عنه: لا يجب، أي لا يجب صومه قبل رؤية الهلال أو إكمال شعبان، ويجزئه عنه صيامه إن صامه، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والشيخ تقي الدين -رحمهم الله تعالى-.

وقال -يعني شيخ الإسلام-: هو مذهب أحمد -رحمه الله تعالى- المنصوص عنه، وقاله أكثر العلماء -هذا كلام شيخ الإسلام-؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا»، متفق عليه.

قلت: الراجح هو القول الثاني؛ لأن صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يحل دون رؤية الهلال قطر أو غبار أو سحاب، لا شك أنه من شعبان، هذا لا يشك أحد أنه من شعبان، وإن حال دونه شيء فهو يوم الشك الذي جاء النهي عنه، يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: وقال صلة عن عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-، وأما تفسير قوله: «فاقدروا له» بالتضييق عليه، فالأولى أن يفسر بما جاء في الروايات الأخرى؛ كما في قوله -عليه الصلاة والسلام- من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «فإن غم فأكملوا العدة ثلاثين»، وفي حديث أبي هريرة قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، وغير ذلك من النصوص التي لا تحتمل التأويل.

وعلى هذا؛ فالراجح هو مذهب الجمهور، فإن حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين غبار أو غيم أو قطر أو سحاب، فإن هذا هو يوم الشك الذي جاء النهي عن صيامه.

المقدم: يصبحون مفطرين؟

نعم، يصبحون مفطرين.

المقدم: أحسن الله إليكم، فضيلة الدكتور نستكمل -بإذن الله- ما تبقى في حلقة قادمة، وأنتم على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.