كتاب بدء الوحي (046)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (046)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ شعبان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يقول: قرأت كتابًا لأحد أساتذة العقيدة بحث فيه الروايات الواردة في خبر أويس القرني، وانتهى إلى الحكم بتضعيف كل ما جاء في خبر أويس بما فيها الحديث في صحيح مسلم، واستشهد بقول الإمام مالك عندم سُئل عن أويس فقال: لم يكن، وأورد كلامًا للإمام أحمد يصب في هذا المعنى.

أقول ما جاء في الصحيحين الذين تلقتهما الأمة بالقبول، وأجمع على قبولهما وما فيهما أهل العلم حتى قال قائلهم: إنه لو حلف أحدٌ بالطلاق أن كل ما في البخاري ومسلم صحيح لم يحنث، فلا كلام لأحد حينئذٍ، يعني حينما نفاضل بين مسلم وبين الإمام أحمد من جهة، وبين مسلم وبين الإمام مالك من جهة لا نعني أن هذه المفاضلة تمس جناب الصحيح الذي تلقته الأمة بالقبول، نقول: الإمام مالك أفضل من مسلم، الإمام أحمد أفضل من مسلم، لكن أين؟ إذا نُقل عن الإمام مسلم قول بالسند الصحيح ننظر فيه، أما أن يكون في الصحيح فلا مجال للنظر فيه، وإذا تطاولنا على الصحيحين تطاولنا على غيرهما، يعني إذا كان الإمام مالك –رحمة الله عليه- يطعن في الحديث أو يُضعّف الحديث، وكذلك الإمام أحمد فهذان الإمامان قبل أن يتلقى الأمة الكتابين بالقبول، يعني قبل أن يصنف الكتابان أصلاً، واكتساب القطعية للكتابين من تلقي الأمة المعصومة بمجموعها عن الخطأ.

 ما يقال في مسلم يقال في البخاري من باب أولى، نعم نُوازن بين أقوال الأئمة فيما عدا الصحيحين، إذا نقل الترمذي كلامًا عن الإمام البخاري قلنا ننظر في كلامه مع كلام الأئمة كواحد منهم، وإذا نُقل عن مسلم أو قال مسلم في غير الصحيح ولو في مقدمة الصحيح؛ لأن المقدمة لا تدخل في شرطه في الصحيح، فإننا نوازن بين كلام الإمام مسلم وغيره من الأئمة، أما ما أُودع في الصحيحين اللذين تلقتهما الأمة بالقبول فلا كلام لأحد. فلا كلام لأحد. وليست العصمة لمسلم أو للبخاري، لا، النظر في هذين الكتابين اللذين تلقتهما الأمة بالقبول، وصارت أحاديثهما مقطوعًا بها، كما صرّح بذلك جمعٌ من أهل العلم، والخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يفيد القطع، إذا دلّت القرائن على ثبوته ثبت، أفاد القطع، ومن القرائن التي تحتف بالخبر حتى يفيد القطع كما قرر العلماء كون الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، أو يتداوله الأئمة، أو يُروى بطرقٍ متباينة سالمة من العلل، المقصود أن الحديث صحيح، ولا إشكال فيه، ولا قول لأحد مع قول الإمام مسلم.

طالب:...

نعم.

طالب:...

قال: لم يكن، قال أويس لم يكن يعني ما وُجد شيء اسمه أويس.

طالب:...

ترى أقوال الأمة قبل تأليف الصحيحين الأمر فيه سعة، يعني على حسب ما يرِد إليهم الحديث.

طالب:...

لا، هم يضعفون القصة كلها بكاملها ما صارت؛ لأنها لم تردهم بالأسانيد التي وردت لمسلم. قبل مسلم كيف يُضعِّف مسلم وهو قبل مسلم، أنا تكلمت في هذا قلت: لأن الإمام أحمد ومالك قبل وجود الكتابين.

طالب:...

سبحان الله، الذي ضعفها الأستاذ الجامعي هذا الذي يضعف، أما ضعف القصة نعم يُضعِّف القصة، يُضعِّف مسلم ما في ذلك الوقت.

طالب:...

ما أدري إن كان إنك فاهم، ما أدري كيف يكون الفهم غير هذا.

طالب:...

سبحان الله، يا أخي قلت لك: قبل وجود الكتابين، الإمام أحمد والإمام مالك قبل وجود الكتابين ثم بعد ذلك تقول: ضعَّف مسلمًا؟ ما يمكن يا أخي ما يُتصوَر. غيرك غيرك من آحاد الطلاب لا يفهم هذا فضلاً عنك، الآن أنت طالب متميز، ما أتصورك تفهم هذا الفهم.

طالب:...

أنا قلت لك: أنه وردهم من طريق غير طريق مسلم وضعفوه، ما المانع؟ لأنه قبل وجود الكتابين، ترى لو غيرك ما يقول الكلام هذا يعني أنت يعني إذا كنت أنت يشكل عليك هذا الكلام فماذا عن بقية الطلاب وآحادهم.

طالب:...

لا لا، البيان واضح يا أخي، أنا قلت: الإمام مالك وأحمد قبل وجود الكتابين، فكيف يتصور أنهما يُضعِّفان حديثًا في مسلم؟ ما يمكن.

طالب:...

كيف؟

طالب:...

شوف هو يستند إلى إيش؟ أن القصة لم تحصل أصلاً في قول إمامين من أئمة الحديث، ويساوي، هو يغيب عن الباحثين مسألة وهي أنه إذا وُجد كلام للإمام البخاري في صحيحه نفس الشيء، لو وُجد في غير الصحيح، الإمام البخاري ليس بمعصوم، وهو إمام من الأئمة، لكن ما نوازن كلام غيره بكلامه في الصحيح، لكن لو نُقِل...

طالب:...

نفس الكلام أعيد الكلام هذا، الأئمة الكبار، يعني عدد من أئمة الحديث يفضلون البخاري ومسلمًا، يعني يُرَجَّحون عليهما في الاختلاف باعتبار القائلين عند الأئمة، بعضهم أَعرف من مسلم بكثير في علل الأحاديث ممن لا يعرفه طلاب العلم أصلاً، لكن متى نوازن بين هذا العالم الجليل الذي أشاد به العلماء وبين مسلم؟ أو بينه وبين البخاري؟ إذا نُقل عن البخاري وعن مسلم، أما كتاب تلقته الأمة بالقبول، واتفقوا على جميع ما فيه فليس لأحد كلام، يعني هل الشافعي– رحمة الله عليه- يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مالك، هل يمكن أن يقول قائل: إنه أصح من الصحيحين؟ حتى ما نفهم مثل ما قال الأخ أن الشافعي قال هذا وهو إمام، يا أخي قبل وجود الصحيحين، فلا موازنة حينئذٍ.

طالب:...

ما يكفي، لا لا ما يكفي. كثير من أحاديث السنن والمُسند وأيضًا في المستدرك شيء كثير رُوي بنفس الأسانيد التي خُرجَت بها، لكن لا يُعطى؛ لأن هذه الأحاديث ما تُلقيت بالقبول، فصحة الإسناد وحده ونظافة الأسانيد لا تعني أن هذا االحديث موازن لحديث في الصحيح، ولذلك في ترتيبهم درجات الصحيح جعلوا أعلى درجات الصحيح ما اتفق عليه الشيخان، ثم ما تفرد به البخاري، ثم ما تفرد به مسلم، ثم بعد ذلك ما هو صحيح على شرطهما، ثم ما هو صحيح على شرط البخاري، ثم ما هو صحيح على شرط مسلم، ثم ما هو صحيح على شرط غيرهما، فالمسألة منازل مراتب.

يقول: هل من كلمة عن العلمانيين أو ما يُسمى بالليبرالية التي بدأت تتسرب في المسلمين مفكرين وكُتَّاب وإعلاميين؛ لأن بعض الناس يزعم أن العلماء في بُعدٍ وتقوقع عن هذه المواضيع، وكيف نوجد فِكرًا أو نُوَجِّه فكر الأمة ونعمل على ربطها بالعلماء، وقد لا يتوفر التواصل المطلوب؟

العلم بالكتاب والسُّنَّة بالوحيين، وما يخدم الوحيين هو الذي يُربِّي الناس، وإذا عرفت الحق فما يضاده باطل. فالذي يضاده هو الباطل.

يقول: ما رأيكم في حفظ الموطأ قبل البخاري لضبط أسماء الرجال لقلة الرجال فيه؟ لكن ماذا عن الأقوال التي تُذكر بعد الأحاديث في الموطأ التي تبلغ أحيانًا صفحتين أو ثلاث؟ تترك الأقوال يعني تحفظ الأحاديث المسندة فقط؟ وأحاديث فيها مراسيل، وفيها بلاغات، وفيها مقاطيع كثيرة، فالموطأ فيه علمٌ غزير، لكن ليس مما ينبغي أن يُحفَظ وإنما يُقرأ ويُدرَس ويُفهم وتُراجَع عليه الشروح، ويُنظَر في كلام الإمام  مالك -رحمه الله-.

يقول: هل اشترط مسلم في الصحيح على شرطه لما أورده في مقدمة الصحيح؟

لا، الذي في مقدمة الصحيح ليس على شرطه، ولذا يُنَصّ عليه: أخرجه مسلم في المقدمة، وإن لم يكن قد اشترط فما مقدار الأحاديث المتكلَم فيها في مقدمته؟ أنا لا أدري، يسيرة ليست بالكثيرة، لكن ما حصرتها، ولنا شرح على مقدمة مسلم.

يقول: معلوم أن صحيح مسلم لم يُخدم خدمة تليق به، ولكن هل اطلعتم على شرح الهروي والأثيوبي؟ اطلاع يعني يصدر عنه حكم دقيق عن الكتابين بمعنى أني قرأت الكتابين بكاملهما لا، لكن اطلعت على مواضع من شرح الأثيوبي البحر الثجاج، شرح طيب، وشرح تقدمة شرح للنسائي مُوسع جدًّا، يعني ما في شروح النسائي ما يقاربه وما يدانيه، لكنه فيه تكرار، يعني الكتاب قابل للاختصار.

يقول: في شواهد التوضيح لابن مالك طبعة الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي في أول صفحة من الكتاب: أخبرنا الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن إلى أن قال: أمتع الله ببقائه المسلمين قراءة عليه مني وأنا أسمع. وهو ينظر في أصله كيف يجمع بين القراءة والسماع في وقت آخر؟

أما قراءة عليه وأنا أسمع هذا متصور، قراءة مني عليه وأنا أسمع ما يتصور، الجمع بين القراءة والسماع لا يتأتى؛ لأنه يلزم عليه أنه يقرأ ثم يعيد الشيخ أو يقرأ غيره بعده.

يقول: حدِّثنا –الله المستعان-. هذا مثل إشكال هذا، يقول: حدِّثنا بارك الله فيك عن شيخك الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وكيف كانت طريقته في التدريس؟

من أشهر علماء الحديث في هذا العصر يعني طيب، محمد بن محمد بن سليم توفي –رحمة الله عليه- قبل ولادتي باثني عشر عامًا. قبل ولادتي باثني عشر عامًا. من الطرائف فيه واحد من طلاب الشيخ عمر زرته قبل أشهر، ولما عرفني قال: أنا أتردد أقرأ على الشيخ عبد العزيز العبادي في مسجد، ذكر مسجدًا بجنب بيت الجد والأهل، ولا أشوفك ذاك الوقت، الرجل يقارن يناهز المئة يعني ما يستغرب عليه الإشكال في هذا. قال: أنا ما أشوفك يوم أن أتردد على العبادي هو بجانب بيتكم، العبادي متوفى سنة ألف وثلاثمائة وسبعة وخمسين، قبل ولادتي بسبعة عشر عامًا. هذا الشخص قال: أنا لا أعرف الشيخ عبد العزيز أسمع به من جديد، يعني الشيخ عبد العزيز المفتي الآن الشيخ عبد العزيز بن عبد الله. ولا أعرف أباه وأعرف جده محمد بن عبد اللطيف، قلت: والله ما عليك ما شاء الله.

طالب:...

نعم؟

طالب:...

أنت تريد أن تجعل مسلمًا يُتصوَّر أن الإمام مالك ينتقد حديثًا في مسلم؟

طالب:...

بس.

طالب:...

لا لا، إذا ضعّف القصة، إذا ضعّف القصة ضعّف الحديث، هو إذا ضعّف القصة ضعّف الحديث، هو لو يُضعِّف طريقًا ما يلزم أن يُضعِّف طريقًا آخر، لكن هو ضعَّف القصة برمتها، لم يكن أويس ما معناها؟

طالب:...

لا لا، ما قال الإمام أحمد لم يكن، قال: انظر ماذا قال الإمام أحمد.

طالب:...

نعم، مالك يقول، لحظة لحظة عن أويس فقال: لم يكن، وأورد كلامًا للإمام أحمد يصب في هذا المعنى، ما هو، لم يكن، لا أظن، لم يكن.

طالب:...

لا، يعني هل يُتصوَّر أن الإمام أحمد يبلغه الخبر خبر أويس؟ سؤال: هل يتصور أن الإمام أحمد يبلغه خبر أويس بسند صحيح ثابت ويفضل عليه سعيد بن المسيب؟

طالب:...

نعم ما وصلهم من نفس الطريق، قد يكون وصلهم من طُرق لا تثبت، يعني لا يوجد أحاديث في الصحيح خُرِّجت بأسانيد ضعيفة عند غيرهم؟ الآن الإشكال في ابن الجوزي حينما حكم على أحاديث في الموضوعات بأنها موضوعة وهي موجودة في حديث مسلم، هل يحكم على طريق مسلم أم يحكم على الطريق الذي وصل إليه؟

طالب: وصل إليه.

انتهى الإشكال.

طالب:...

لا لا، ما قلت كذا، لا ما تقصده عندك هذا، الذي في القلوب لا يعلمه إلا علّام الغيوب. أنا لما شددت في الكلام؛ لأن الناس منازل يتفاوتون، أنا أربأ بك أن تقول مثل هذا الكلام، أن ينزل فهمك إلى هذا الحد.

طالب:...

يقول: من أراد حفظ السُّنَّة ومتحير بين حفظ بلوغ المرام وبين الالتحاق بدورات حفظ الصحيحين، ثم يواصل بعد الصحيحين حتى يحفظ الكتب العشرة، فبأي الطريق؟

الكاتب هذا، هذا الكتابة ما أدري والله إذا كانت الكتابة تنفك عن العلم فهي منفكة تمامًا هنا، كتابة رديئة جدًّا، ويُذكر عن بعضهم، ولعله ابن عبد الهادي خطه رديء جدًّا جدًّا أنه في سوق الورّاقين كتاب غاية في رداءته، يعني لا يكاد يُقرأ، فاشتراه من أجل إذا قيل له خطك رديء قال تفضل، فلما ذهب به إلى بيته وتأمله فإذا هو خطه.

طالب:...

نعم؟

طالب:...

لا لا، اقرأ ما كتب عن ابن عبد الهادي، هو الذي ما يكاد يُقرأ، يقول: من أراد حفظ السُّنَّة ومتحير بين حفظ بلوغ المرام وبين الالتحاق بدورات حفظ الصحيحين، ثم يواصل بعد الصحيحين حتى يحفظ؟

الجادة المعروفة عند أهل العلم أن تحفظ الأربعين؛ لأن فيها أحاديث ليست في الصحيحين وأحاديث كُلية جوامع، ثم تحفظ العمدة، أحاديث أحكام مجموعة من الصحيحين أنت بأمس الحاجة إليها، وهي صحيحة، فأنت تتدرج من حديث جوامع إلى أحاديث أحكام صحيحة، ثم بعد ذلك تترقى في المرتبة الثالثة إلى أحاديث أحكام تحتاج إليها وعلى طريقة حفظ الصحيحين وزوائد الكُتب في البلوغ أحاديث يمكن ما تمر عليك؛ لأنها مأخوذة من كتب ليست في منهجهم الذي يحفظون عليه، فليس من العبث أن يؤلف مثل البلوغ أو مثل المُحَرر أو مثل المنتقى. فتحفظ على الجادة، وتدرس على الجادة، ثم بعد ذلك لا تحتاج إلى المختصرات، اقرأ في المُطولّات، مثل ما ذكرنا مرارًا يكون قراءتك بحث.

ما هي مدة النفاس وهي هي محددة بأربعين يوم؟ يعني أكثر النفاس لا حد لأقله كما هو معلوم، وأما أكثره فالجمهور على أنها أربعون يومًا، وهذا هو المرجَّح، إذا زاد على ذلك إن لم يقترن به عادة أن يكون وقت الحيض فهو دم فساد.

في آخر الدرس الماضي ذكرنا أن ابن الملقن انتقى من شرح مختصر ابن أبي جمرة له فوائد وسمّاها دُررًا، مختصر ابن أبي جمرة مطبوع مع شرحه له لابن أبي جمرة في مجلدين، هذا واحد منهما، اسمه بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها، شرح مختصر صحيح البخاري المُسَمَّى: جمع النهاية في بدء الخبر والغاية أو الخير والغاية، مكتوب لكن الظاهر أنه الخبر، للإمام المحدِّث الوَرِع أبي عبد الله محمد بن أبي جمرة الأندلسي المتوفى سنة تسع وتسعين وستمائة، الشُرَّاح كلهم ينقلون، يعني من جاء بعده كلهم ينقلون عنه، ويستفيدون منه، لكن عنده هفوات، عنده سقطات كثيرة؛ لأنه صوفي، وعنده شيء من الإغراق في الصوفية، وختم الكتاب بمرائٍ بأحلام ورؤى ومنامات شيء لا يقبله عاقل، على كل حال الكتاب فيه فوائد، والعلماء استفادوا منه ونقلوا منه دُررًا، يوافق على بعضها ويُخالف في بعضها.

نقل ابن الملقن كلامًا طويلًا لابن أبي جمرة في هذا الباب، لكن ابن الملقن يقول: وحين انقضى الكلام على حديث عائشة وجابر في بدء الوحي، فلنختمه بدُرر التقطتُها من بحر سيدي أبي محمد عبد الله بن سعد بن أبي جمرة، هنا إيش ابن أبي جمرة، ما في ذكر ورِع.

طالب:...

نعم، يصفونه بالقدوة، قال الإمام القدوة. حتى ابن حجر يقول هذا، الأزدي الأندلسي، بلديُ والدي، ابن الملقن ذهب إلى الأندلس أو ابن أبي جمرة انتقل إلى مصر، محل بحث. تغمدهم الله برحمته، وهو حديثٌ اشتمل على أحكام وآداب وقواعد من أصول الدين والسلوك والترقي.

الدُرّة الأولى: أن الهداية منه لا بسبب؛ يعني من الله -جل وعلا-، أن الهداية منه لا بسبب؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- جُبِلَ على الخير ابتداءً من غير أن يكون معه من يحرضه عليه؛ فحُبِّبَ إليه الخلاء؛ لأنها عبادة. الهداية مِنة من الله -جل وعلا- لا يلزم أن يكون لها سبب إلا ما في علم الله -جل وعلا- أن هذا الإنسان قد يفعل أفعالاً تكون سببًا، قد لا يطلع عليها الناس، وقد يكون هكذا بدون سبب؛ لأنه أفضل الموجودين.

طيب الثانية: مداومة العبادة لتحنثه الليالي؛ يعني الليالي، ما يتعبد ساعة ويروح للشغل، بعض الناس الآن يطلب العلم ساعة، ثم بقية يومه في القيل والقال، مداومة العبادة لتحنثه الليالي. الثالثة: أن التبتل الكُلي والانقطاع الدائم ليس من السُّنَّة، التبتل الكُلي والانقطاع الدائم ليس من السُّنَّة، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لم ينقطع في الغار ويترك أهله. ينزل إليهم، يتزود، وتضييع الأمانة التي وُكلت إليه من أهل وولد وعمل هذا لا شك أنه خيانة، الانقطاع عن هؤلاء الذين تحمل أمانتهم لا شك أن هذا تضييع للأمانة، يعني بعض الناس ما يحسب حسابه، يذهب لقضاء شهر رمضان مثلاً كاملاً بمكة، ويترك وراءه زوجته، وهي بأمس الحاجة إليه، يترك بناته الظروف اليوم تساعد على الانفلات، يترك الأولاد في الشوارع، فيهم المراهق، وفيهم من دونه وفيهم من فوقه، يترك الوظيفة التي يأخذ مقابلها أجرًا، هل هذا آثم أم مأجور؟ هذا آثم، هذا آثم، الأمور أولويات، الشرع أولويات يعني يُقدَّم بعضها على بعض.

 ومثله أيضًا لو ذهب بأولاده إلى تلك الأماكن، وفيها مجال للتسرب، يتعذر كثير منهم بأنه يذهب إلى الحرم، ينشغل بطواف، وينشغل بصلاته، والأمر خلاف ذلك، فرعاية الأولاد أفضل بكثير من تضييعهم بهذه الطريقة وإن لزم العبادة، لكن قد يقول قائل: أنا جربت، تركت الذهاب إلى مكة في رمضان من الرمضانات، ولم يكن لي أثر في بيتي، من يريد أن يطلع يطلع ما هم يستشيرون، ومن يريد أن يجلس يجلس، ومن يصلي يصلي، ومن ينام ينام، هذا موجود في بيوت المسلمين مع حرص الأب ومع حرص ولي الأمر، وجودي مثل عدمي، الهادي الله، نقول: ومع ذلك عليك أن تبذل السبب، عليك أن تبذل السبب.

فيه أعمال لا بد من القيام بها، شخص الأمة بأمس الحاجة إليه أن يُوجد في تلك الأماكن لا سيما في المواسم، وينتدب من قِبل الدولة إلى هناك؛ لينفع، ونفعه ظاهر هناك، ويترتب على ذلك أن يضيع من تحت يده، هل الأولى أن يلحظ أمر الخاصة أو أمر العامة؟

طالب:...

هو في الأصل الخاصة أولى بلا شك، لكن إذا حصل موازنة وقال: أنا وجودي مثل عدمي أجرب، يعني تجد كثيرًا من الكبار حاول حاول الإصلاح، حاول أولًا أن يكون أهله من أهل العلم من ذكور وإناث، حاول جاهدًا ما استطاع، تركهم قال: أقل الأحوال الواجبات، ثم حاول في الواجبات وجد تقصيرًا كبيرًا، ثم دبَّ إلى قلبه اليأس قال: الهداية بيد الله، هذا موجود حتى عند كبار أهل العلم، موجود.

لا شك أن الألم يعتصر القلوب في مثل هذه المواطن، لكن ما باليد حيلة، بعضهم من الكبار أدركناه إذا حُدِّث عن الأولاد وعن تربية الأولاد بكى، فإذا بذل السبب استفرغ الوسع، وبذل السبب، وبذل طرقًا متعددة لإصلاحهم، وما نجح، الهداية بيد الله، الأنبياء يأتي الواحد وليس معه أحد، بعض الأنبياء زوجته، بعض الأنبياء ولده ما انتفع به، فالهداية بيد الله -جل وعلا-.

طالب:...

المصلحة العامة إذا تعينت عليه، إذا تعينت عليه قُدِّمت.

قال: الرابعة أن العبادة لا تكون إلا مع إعطاء الحقوق الواجبة، أن العبادة لا تكون إلا مع إعطاء الحقوق الواجبة وتوفيتها؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يرجع إلى أهله إلا لإعطاء حقهم فكذا غيره من الحقوق.

الخامسة: أن الرجل إذا كان صالحًا في نفسه تابعًا للسُّنة يُرجى أن الله تعالى يؤنسه بالمرائي الحميدة إذا كان في زمان مخالفة وبِدع. إذا كان الرجل صالحًا في نفسه تابعًا للسُّنة يُرجى أن الله تعالى يؤنسه بالمرائي الحميدة إذا كان في زمان مخالفة وبِدع، كونه يُرجَى يُرجَى يعني من أجل تثبيته.

السادسة: أن البداءة ليست كالنهاية، أن البداءة ليست كالنهاية؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أول ما بُدئ به في نبوته ثم ترقى حتى جاءه الملَك يقظة، ثم ما زال في الترقي حتى كان كقاب قوسين أو أدنى، كذلك الأتباع يترقون في مقام الولايات ما عدا مقام النبوة، حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، فمن نال مقامًا فدام عليه بأدبه ترقى إلى ما هو أعلى منه، ويشهد لذلك ما حُكي عن بعضهم أنه ما زال في الترقي إلى أن سرى سِرّه من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى، فنُودي. هنا سُري بذات محمد السنيّة حيث سُري بسِرك، الكلام مقبول؟

طالب:...

هذا مردود، يقول المعلِّق: هذا الكلام مردود، وهو من شطحات الصوفية وما يلبسه الشيطان عليهم، فهم يقولون: إنه ينبغي للمريد أن يختلي بنفسه مدة معينة كأربعين يومًا مثل ما واعد الله موسى -عليه السلام-، ثم بعد ذلك يحصل الخطاب والتنزل كما يقولون في غار حراء، حصل بعد نزوله بعده نزول الوحي. الحافظ الذهبي -رحمه الله- ذكر في السير عن بعضهم أنه خلا بنفسه أربعين ليلة من دون طعام ولا شراب، فصار يرى ويكلَّم يقظة، ويرى رجالاً حقيقة على حسب ما يدعي، يقول الحافظ الذهبي: هذه هلوسة من الجوع.

طالب:...

صحيح، الإنسان إذا جاع يتراءى له أشياء ما يكاد يراها، وإن كان جيلنا ما أدرك مثل هذا، لكن أدرك من قبلنا أدركوا مثل هذا، يعني من الجوع يتراءى له أشياء، ومثل ما ذكر الحافظ الذهبي قال: هذه هلوسة من شدة الجوع.

طالب:...

على كل حال حتى على حد زعمه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: وهذا غلطٌ فإن هذه ليست شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، بل شرعة لموسى -عليه السلام- كما شُرع له السبت، والمسلمون لا يسبتون، فهذا تمسك بشرع منسوخ، وكذلك تمسك بما قبل النبوة، وقد جُرِّب أن من سلك هذه العبادات البدعية أتته الشياطين، وحصل له تنزل شيطاني وخطاب شيطاني، وبعضهم يطير به شيطانه، وأعرف من هؤلاء عددًا طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من التنزيل، فنزلت عليهم الشياطين؛ لأنهم خرجوا عن شريعة النبي- صلى الله عليه وسلم- التي أُمروا بها.

السابعة: أن المُربي أفضل من غيره، المُربي أفضل من غيره، قد يكون المُربى يفضُل المُربي، وقد يفضُل الطالب شيخه، وهذا كثير، لكن إذا تعلّم وعلّم وربّى وعمل بما علم صار ربانيًّا. ويقصد بذلك أن المُربي أفضل من غيره، يعني الذي يربي بتعليم الناس، وبعلمه وأدبه وخُلُقه أفضل من الذي يتعلم ولا يُعلِّم.

الثامنة: أن الأولى بالأهل البداءة الخلوة والاعتزال، أن البداءة أن الأولى بأهل البداءة الخلوة والاع،تزال ولما صار مآله -صلى الله عليه وسلم- إلى ما صار كان إذا سجد غمز أهله، فتضم رجلها حيث سجد. طيب، أن الأولى بأهل البداءة الخلوة والاعتزال ولما صار مآله -صلى الله عليه وسلم- إلى ما صار يعني إلى النبوة والرسالة كان إذا سجد غمز أهله فتضم رجلها حيث سجد، يعني البداءة خلوة، ثم بعد ذلك يتعبد مع وجود امرأته عنده بقربه، ما يضر، مع أن الخلوة سواء كانت في هذا أو ذاك، يعني أجمع للقلب الخلوة، وما أي شيء يكون في قبلة المصلي يشوش عليه، مهما كان، كون الرسول -عليه الصلاة والسلام- زوجته تنام في جهة القبلة، فإذا سجد غمزها لضيق المكان، لضيق المكان وإلا لو وُجد مكان يمكن أن يخلو به الإنسان لا شك أن هذا أجمع لقلبه.

طالب:...

هذا إذا كان قصده الرسول -صلى الله عليه وسلم- خاصّة فهذا معروف، مع أنه كادت الخميصة أن تفتنه، كادت الخميصة أن تفتنه -عليه الصلاة والسلام-، ما معنى الفتنة؟ يعني تشغله عن صلاته، الشغل يتفاوت، يعني بعض الناس كمقامه -عليه الصلاة والسلام- مجرد التفات القلب مؤثر، لكن أين الناس اليوم؟ يدخل الإنسان في صلاته ويخرج كأنه لا يصلي، أين مقامه -عليه الصلاة والسلام- من مقام من يسأل يقول: حاولت مرارًا يعني غافل عن صلاته ما كان يصلي، حاول أن يُحدِّث مرارًا وما استطاع، هل هذا يعقل من صلاته شيئًا؟ هل هذا يعقل من صلاته شيئًا؟

يعني ما يخفى عليه أن الحديث يقطع الصلاة، لكن ما يدري أنه في صلاة أصلاً، يعني وصل إلى هذا الحد هل يقاس مثل هذا، الله المستعان، يعني متصورة المسألة هذا جاءني يسأل يقول صلاتي صحيحة أم لا، أما بالنسبة للطهارة إذا تمت فلا تقطعها النية، لا تقطعها النية حاول أن يُحدِّث خارج الصلاة خارج الصلاة حاول أن يُحدِّث ما خرج شيء ما انقطعت طهارته، لكن هذا يحصل في الصلاة يعني في غفلة أعظم من هذه؟ الله المستعان.

طالب:...

بالنسبة للصلاة حتى لو ما فيه نية خروج هذا ما عقل من صلاته شيء ألبتة ولا كأنه في صلاة، هذا منصرف انصرافًا كليًّا، لكن من نوى الإفطار أفطر، هذا كلام أهل العلم من نوى الإفطار أفطر، لكن ما نوى نقض الوضوء ينتقض وضوؤه من غير حدث؟ لا، لماذا؟

طالب:...

الصيام دخوله بنية ينتقض بنية، وهذا عمل لا ينتقد إلا بعمل، الأمر الثاني أن الصيام ينوي النقض في أثنائه، والطهارة ينوي نقضها بعد اكتمالها، يعني لو صام إلى المغرب أذن المغرب وأفطر نوى نقض الصيام الفائت قال: خلاص الصيام هذا ما أنا معتد به، أريد أن أصوم غيره، يتأثر؟ ما يتأثر، لكن قيل له: تبرع بالدم وهو يرى أن الحجامة مفطرة، والتبرع أشد منه، ذهب إلى المستشفى وقال: اكتفينا انتقض صيامه أم ما انتقض؟ على مقتضى قولهم: إن نوى الإفطار أفطر، هو يرى أن الحجامة مفطرة، ويرى أن هذا أشد من الحجامة.

طالب:...

المقصود أنه نوى فعلاً يُفطر به.

طالب:...

لا له في مثل هذه الصورة نوى أن يُفطر نوى أن يُفطر؛ لأنه نوى أن يتناول مفطرًا، لكن يبقى أنه لو جاء به على سبيل التردد فقال: إن احتيج إليّ تبرعت وإلا فلا، وإلا فأنا صائم.

طالب:...

يعني في النفل ابتداء النية من أثناء النهار هذا نصف، هو ما صام من الأصل، إن وجد طعامًا أكل، هو ما بعد صام إلى الآن. ما أنشأ صيامًا ولا نوى صيامًا إلى الآن، نوى الصيام من أثناء النهار، هذه مسألة لا شك أنها مُشكلة، لكن ورد بها النص، هي مُشكلة، لكن ورد بها النص وهو إلى الآن لم يدخل في الصيام، فرق بين المسألتين.

طالب:...

نعم، يجلس. صلاة نافلة يجلس.

طالب:...

أين؟ أنا أدعه نعم، أن أدعه، أجلس وأدعه، هذا يجلس ويدعه ما يدعه قائمًا أو يدعه يصلي ويخرج من صلاته محتملة هذه، وبعد كونه همَّ بعدُ وصل إلى حد نوى أن يقطع الصلاة، الغفلة على حسب ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل، ليس له من صلاته إلا ما عقل، الفقهاء يقولون: ما دامت الأركان والشروط والواجبات متوافرة لا يؤجر على هذه الصلاة ويسقط بها الطلب، على أن الخشوع الذي هو لُبّ الصلاة يختلف فيه أهل العلم في وجوبه واستحبابه، الجمهور يقولون بالاستحباب وجمع من أهل التحقيق يرون أنه واجب.

طالب:...

أين؟

طالب:...

لا، على أي حال لا يؤمر بالإعادة عند الفقهاء، لا يؤمر بالإعادة.

التاسع: أن الخلوة عون الإنسان على تعبده وصلاحه، الخلوة لا شك أن فضول الخلطة فساد للقلب، القدر الزائد على ما يحتاج إليه من أعظم وسائل فساد القلب، سواء كانت الفضول عمومًا فضول الخلطة، فضول الطعام، فضول الكلام، فضول النظر، فضول السماع، يعني القدر الزائد عما يحتاج إليه لا شك أن هذه منافذ إلى القلب تؤثر عليه، الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاحه، جاءت أحاديث في العزلة لا سيما إذا كثُرت الفتن، «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن» هنا تُشرع العزلة. وقبل هذا إذا كان الإنسان يؤثر في غيره ولا يتأثر هذا تتعين عليه الخلطة، فالناس يتفاوتون. يقول: قال شيخ الإسلام في التعليق: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه- عليه الصلاة والسلام- بغار حراء قبل الوحي، وهذا خطأٌ، فإنما فعله -صلى الله عليه وسلم- قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه وإلا فلا، وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون، وقد أقام -صلى الله عليه وسلم- بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح أقام بها قريبًا من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع وقام بها أربع ليالٍ، وغار حراء قريبٌ منه، ولم يقصده، وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية؛ لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التي جاء بها بعد النبوة -عليه الصلاة والسلام-. كالصلاة والاعتكاف في المساجد فهذه تُغني عن إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي.

ثم قال -رحمه الله-: وأصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية، الصيام والصلاة والقراءة والذكر، وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير مشروعة، ثم قال -رحمه الله-: ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية، بل شهر مطلق وجوع مطلق وصمت مطلق مع الخلوة، كما ذكر ذلك ابن عربي وغيره، وهي تولد لهم أحوالاً شيطانية، ثم قال- رحمه الله-: فأما الخلوة والعزلة والانفراد المشروع فهو ما كان مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب، فالأول كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها، وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع وذلك بالزهد فيه فهو مستحب.

يقول: ذكرتم أن المتنفل بالصوم إذا نوى الفطر أفطر، وليس له أن يستأنف الصوم، مع أن حديث عائشة نصٌّ في عزم النبي -صلى الله عليه وسلم- على الفطر هل عندكم شيء؟ حديث عائشة قبل أن يعزم على الصيام ما صام أصلاً، لكنه ما أكل في أول النهار، قبل الزوال أو في الضحى قال: عندكم شيء قالوا: لا، عقد النية من الآن، والنية عند أهل العلم في مثل هذه الصورة وأظننا أشرنا إليها في شرح حديث الأعمال بالنيات، قالوا: من فضل الله -جل وعلا- تنعطف في هذه الصورة هي مُشكلة على حديث الأعمال بالنيات، لكن مع ذلك جاء فيها النص الصحيح، لا بد من تصحيح الصورة، على هيئتها، نقول: إلى الآن ما نوى الصيام، ولا دخل في الصوم، إنما دخل في الصوم لما قيل له ما عندنا شيء نوى وعزم لو نوى الإفطار بعد ذلك أفطر، يعني عزم على الصيام، جاءهم الساعة التاسعة، الساعة الثامنية قالوا: ما عندنا فطور، قال: أنا صائم ما فيع فرق، في أكل نكسب الأجر، قال: أنا صائم صارت الساعة العاشرة جاءهم طعام أو الظهر قال: خلاص أبغى أن أفطر، ثم نظر إلى الساعة قال: ما بقي إلا ثلاث ساعات ما تساوي أن أفطر، نقول: أفطر؛ لأنه نوى الإفطار بعد أن عزم على الصيام ونوى الصيام.

طالب:...

لا ما يأكل.

طالب:...

ما يجيء خلاص نوى الإفطار أفطر يعني قطع نية الصيام، ولذلك لو كان في المتوضئ في المغتسل، وهو يتوضأ غسل وجهه وذراعيه، ثم نوى نقض الوضوء، أحس بشيء في بطنه قال: ننقض الوضوء ونعيد من جديد، ثم خرج شيء ينتقض وضوؤه أم لا؟ ينتقض وضوؤه، لذلك يقولون في النية يستحب استصحاب ذكرها، ويجب استصحاب حكمها، ذكرها يعني لو غفلت عن النية ما هي مشكلة، لكن كونك تتذكر أنك في عبادة وتتوضأ لعبادة فهذا طيب مستحب، استصحاب الحكم بألا ينوي قطعها قبل تمام الطهارة، مفهومه أنه لو نوى القطع بعد تمام الطهارة أن هذا لا يضر، لا يضر، كما لو نوى الفطر بعد أن انتهى الصيام، قال: الصيام هذا اليوم ما هو مجزئ أنا سأصوم غيره وهو ما فيه شيء يبطله، صيامه صحيح ما ينتقض.

طالب:...

 نفل أم فرض؟

طالب:...

لو في المسجد ينتظر الإشراق وقال: أريد أن أصوم اليوم؟ قال: والله ما أدري، إن كان عندهم طعام أفطرت وإلا صمت، نفسها، ما عليه.

طالب:...

المقصود أنه قال: «هل عندكم من شيء».

طالب:...

يدعو له يبركه؟ لا لا واضح، ظاهر اللفظ أنه في أكل فإن وجد شيئًا وإلا صام، ظاهر اللفظ أنه يريد أن يأكل -عليه الصلاة والسلام-.

العاشرة قال: مشروعية التسبب في الزاد لدخول الخلوة أو المعتكف، وفيه إظهار لوصف العبودية وفي مخالفته نوع ادعاء. ولهذا كان بعض أهل الطريق إذا دخل خلوته أخذ رغيفًا وألقاه تحت وسادته وواصل أيامًا؛ ولأن في اتخاذ النبي -عليه الصلاة والسلام- يتزود، قال: ولهذا كان بعض أهل الطريق إذا دخل خلوته أخذ رغيفًا وألقاه تحت وسادته وواصل أيامًا، هذا يضحك على نفسه، هذا يريد أن يقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يتزود، ويريد أن يقتدي بشيوخه أنه ما يأكل، يأخذ الرغيف ويضعه تحت وسادته؛ ولأن في اتخاذه أيضًا قطع تشوف النفس والقلق والفيض من الله.

يقول: إذا كان الرغيف تحت الوسادة ما أمد يدي لفلان أو علان هذا معه أكل، لعل فلانًا يأتي بأكل، هو عنده أكل، فيقطع العلائق بالمخلوقين ويتصل بالخالق، فهو أحضر الرغيف اقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، وأيضًا من أجل ألا يلتفت قلبه إلى فلان أو علان عنده رغيف متى ما اضطر إليه أكل، متى ما حدثته نفسه قال: هذا الرغيف، لا تنتظر من أحد شيء، قال: ولأن في اتخاذه أيضًا قطع تشوف النفس وقلقها والفيض من الله. هذا الكلام هذا ليس بشرع، هذا يريد أن يقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في الظاهر، وهو في الباطن هو مقتدٍ بشيوخه. الحادية عشرة: أن المرء إذا خرج إلى تعبده يُعلم أهله، أن المرء إذا خرج إلى تعبده يُعلم أهله؛ لأنه مُعرض هو وهم للآفات، معرض للآفات؛ ليعرف طريقه ليبحث عنه، قد يحتاجه أهله حاجة ماسة فإذا عُرف مكانه تمّ إبلاغه، ولأن فيه إدخال السرور عليهم بإعلامه لهم، وفيه أيضًا الإعلام بموضعه، وفي أيضًا الإعلام بموضعه؛ ليرافق إعلامٌ، وفيه أيضًا الإعلام بموضعه ليرافق في التعبد والانقطاع. يعني أراد أحد أن يلتحق به يكون رفيقًا له في ذلك ما صارت خلوة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ليس معه أحد، وإن كان شيوخهم لهم من يخدمهم، لهم خدم ينقطعون لخدمتهم، ويتعبدون بهذه الخدمة.

 الثانية عشر: أن الشغل اليسير الضروري لا يكون قاطعًا للعبادة، أن الشغل اليسير الضروري لا يكون قاطعًا للعبادة؛ لأنها أخبرت أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتحنث الليالي، ولم تذكر ذلك برجوعه إلى أهله. فدلّ على أن ذلك هو الكثير، يعني لم تذكر أنه يتحنث عند أهله، إنما يتحنث إذا خلا؛ لأنها أخبرت أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتحنث الليالي، يعني التي يخلو فيها، ولم تذكر ذلك يعني التحنث في رجوعه إلى أهله، فدل على أن ذلك هو الكثير، يعني لو أننا افترضنا أن طالب علم انقطع للعلم، أو عالمًا انقطع للعلم والتعليم، فصار وقته كله للطلاب ويرجع إلى أهله، ثم يأخذ كتابًا يطالع هذا ممدوح أم مذموم؟ إن لأهلك عليك حقًّا.

 الثالثة عشر: جواز التورية، وهي إظهار شيء، والمراد خلافه إذا كان فيه مصلحة؛ لأن جبريل كان يعلم أنه -صلى الله عليه وسلم- غير قارئ، ولكن قال له ذلك؛ ليتوصل به إلى ما يريد من الغط كما سلف، كذلك كان -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج إلى جهة ورّى بغيرها، ولو كان غطه له بغير سبب لكان ذلك زيادة في النفور والوحشة، يعني لماذا غطه؟ لأنه قال له: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ» مرتين ثلاث، يعني لو جاء فغطه مباشرة من قبل قول اقرأ الأصل فيه الخوف ورعب، وقد تقدم ذلك الكلام، والكلام لا شك أنه يؤنس، فإذا حصل الفعل هذا الغط مباشرة بدون تقدمة لا شك أن هذا أشد.

الرابعة عشرة: أن أمر السائل إذا كان يحتمل وجهين أو وجوهًا فيجاب بأظهرها ويترك ما عداها، أمر السائل إذا كان يحتمل وجهين أو وجوهًا فيجاب بأظهرها ويترك ما عداها؛ لأن المرجوح لا يحتاج إلى ذكره كما إذا سئلت عن مسألة ما يلزم أن تأتي بالقول الراجح والمرجوح، تأتي بالقول الراجح، وأيضًا لو أردت أن تذكر القول الراجح بدليله لا يلزم بجميع الأدلة، تأتي بأقوى هذه الأدلة؛ لأنه لما كان لغط جبريل -عليه السلام- يحتمل طلب القراءة منه -صلى الله عليه وسلم- ابتداءً، وهو الأظهر، ويحتمل طلبها منه لما يلقى إليه، وهو المقصود في هذا الموضع لما ظهر بعد، أجاب بالأظهر، وهو المعهود من الفصحاء في مخاطباتهم. ما معنى هذا الكلام؟ قال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ» فغطه، قال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ» فغطه، ثلاثًا، قال: «ما أنا بقارئ»، أجاب بالأظهر أجاب بأظهر الأمرين، ما الأظهر من الأمرين؟

طالب:...

من الذي يريد؟

طالب:...

هو الأمر الثاني.

طالب:...

نعم هذا ماذا أقرأ تفيد النفي، إنه لا يحسن القراءة، ما أنا بقارئ لا يحسن القراءة لا أنه يرفض القراءة، لا أنه يرفض القراءة.

طالب:...

ماذا أقرأ.

طالب:...

جاءت في روايات كثيرة في هذا، وبيّناها في وقتها، لكن تطبيق هذا الكلام على كلامه أن أمر السائل إذا كان يحتمل وجهين، الكلام في جبريل، أن أمر السائل إذا كان يحتمل وجهين أو وجوهًا فيجاب بأظهره، المجيب من هو؟ الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويترك ما عداه. يعني يحتمل الرفض، يحتمل النفي؛ لعدم إحسان القراءة، يحتمل الاستفهام على ما تقدم، هذه احتمالات، لكن أيها الأظهر؟

طالب:...

لا الكلام المجيب الآن، انتهينا من كلام جبريل، فيُجاب بأظهرها.

طالب:...

أين؟

طالب:...

بأظهر الأجوبة عن هذا السؤال، بأظهر الأجوبة عن هذا السؤال، السؤال يحتمل إجابات، يحتمل أجوبة، هذا السؤال يحتمل أكثر من جواب، فأنت تجيب بأظهر الأجوبة؛ لأن بعض الأجوبة لها دلالات، ولها قرائن ترجحها في هذا الموقف، وإن كانت الأجوبة كلها محتملة، لكن أنت تجيب بأظهر الأجوبة المناسبة للسؤال في هذا الظرف. فيُجاب بأظهرها ويُترك ما عداها. لو قال لك مثلاً: تحدّث عن كتاب السنن، تحدّث عن كتاب السنن، هناك قرينة تدل على أن المراد سنن البيهقي مثلاً؛ لأن السائل رأى جزءًا منه بيد واحد من الطلاب، وما فيه ما يدل على غيرها من السنن، هل نقول: إن الأظهر سنن أبي داود، باعتبار أنها أقوى السنن؟ أو نقول: الاحتمال أن المراد سُنن الترمذي؛ لأنها أنفع السنن لطالب الحديث؟ أو نقول: إن المراد سنن البيهقي؛ لأن فيه ما يدل عليه؟

الجواب يحتمل كل هذه، لكن القرينة دلت على أن المراد البيهقي، فيكون هو الأظهر، فأنت تجيب على البيهقي.

الخامسة عشرة: فيه دلالة لمن ذهب من العلماء أن أول الواجبات الواجبات الإيمان دون النظر، فيه دلالة لمن ذهب من العلماء أن أول الواجبات الإيمان دون النظر؛ لأن هذا الكلام يختلفون في أول ما يجب على المكلف، فمنهم من يرى أن أول الواجبات على المكلف النظر، ومنهم من يرى القصد إلى النظر، ومنهم من يرى أن أول الواجبات الشك، تشك ثم بعد ذلك تجزم، والنصوص تدل على أن أول واجب على المكلف الشهادة. «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، دون النظر والاستدلال شرط كمال لا شرط صحة؛ لأن قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق:1] تمت به الفائدة، وحصل به الإيمان المجزي، يعني لو كان الاستدلال شرط صحة لقلنا: إيمان كثير من العامة غير صحيح، ما عندهم استدلال؛ لأن قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق:1] تمت به الفائدة وحصل به الإيمان المجزئ، وذلك بعد قول بعده وقوله بعده: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}[العلق2 :1] هو طلب النظر والاستدلال وهو زيادة كمال الإيمان؛ لأنهم أكمل الناس إيمانًا، ويشهد لذلك الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» ولم يشترط نظرًا ولا استدلالاً.

السادسة عشرة: سر نزول هذه السورة أولاً أنها دلت منطوقًا ومفهومًا على ما تضمنه القرآن إجمالاً، فإن كل ما في القرآن من آيات الإيمان والتوحيد والتنزيه دل عليه مضمون اسم الربوبية: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق:1]، وما كان فيه من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والندب والإرشاد والمحكم والمتشابه دل عليه مضمون مقتضى حكمة الربوبية، مقتضى حكمة الربوبية، وما كان فيه من استدعاء الفكر والنظر والاستدلال وما أشبه ذلك دل عليه متضمن قوله: {الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنسَانَ}[العلق:2]، وما كان فيه من المغفرة والرحمة والإيناس والإنعام والترجي والإحسان والإباحة وما أشبه ذلك دل عليه متضمن كرم الربوبية، ثم بعد هذا الإجمال نزلت الآيات مفصلة، ولما كملت قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[المائدة:3].

السابعة عشرة: فيه إشارة للتسلي والصبر عند نزول الحوادث والوعد بالنصر كما في خلقه أولاً علقة ثم طوّره وأخرجه إلى الوجود فالإخراج يقابله الخروج، والتطوير يقابله التغيير في إشارة إلى التسلي والصبر عند نزول الحوادث والوعد بالنصر كما في خلقه أولاً علقة ثم طوّره وأخرجه إلى الوجود، فالإخراج –يعني إلى الوجود- يقابله الخروج من هذه الدنيا.

طالب:...

أو من الشدة عمومًا التي وقع فيها. والتطوير من طور إلى طور يقابله التغيير يعني للحال التي هو فيها.

الثامنة عشر: جواز التأديب المعلم للمتعلم وقد مضى.

التاسعة عشرة: أن كتاب الله أن كتاب الله تعالى لا يؤخذ إلا بقوة، مأخوذ من الغط؛ لأن جبريل ضمه إليه -عليه الصلاة والسلام- ليتلقى الأمر بأهبة ويأخذه بقوة، وقد قال الله تعالى ليحيى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}[مريم:12]، يعني ما يؤخذ بالتراخي.

 العشرون: أن الغط يُحصل في الباطن قوة تعين على حمل الملقى إليه، القول الثقيل يحتاج إلى توطئة مثل هذا الغط يؤهله إلى تحمل هذا القول الثقيل.

 الحادية بعد العشرين: مذهب أهل السُّنَّة أن النوع الإنساني أفضل من الملائكة، مذهب أهل السُّنَّة أن النوع الإنساني أفضل من الملائكة، وإنما حصل لجبريل هذه القوة؛ لأنه كان حاملاً لكلام الله تعالى في ذلك الوقت، يقول: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال نهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقين في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالح البشر أكمل من حال الملائكة، قال ابن القيم -رحمه الله- معقبًا على كلام شيخه كما في بدائع الفوائد: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كلٌّ منهم على حقه.

وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية: وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالح البشر، وينسب إلى أهل السُّنَّة تفضيل صالحي البشر والأنبياء على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولاً ثم قال: وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة؛ لقلة ثمرتها، وأنها قريب من: ومن حسن إسلام تركه ما لا يعنيه. ثم قال: وحاصل الكلام أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول. قال: وكذا الشيخ محمد بن صالح العثيمين كما في المجموع الثمين.

 قلتُ: ولمن أراد زيادة البيان في هذه المسألة فليراجع مجموع الفتاوى وشرح العقيدة الطحاوية، والحبائك في أخبار الملائك للسيوطي، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني، الآن بقي النصف بقي كثير هذه، أو أكثر، السادسة والأربعين بقي خمسة وعشرون يعني تستغرق درسًا إن أردتم أن نكمل، وهو طيب، يعني فيها فوائد، فنكملها في الدرس القادم، ولعلنا نأتي بعد أيضًا على أطراف الحديث، الله يوفقكم.

 والله أعلم.

 وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.