كتاب الطهارة من المحرر في الحديث - 21

عنوان الدرس: 
كتاب الطهارة من المحرر في الحديث - 21
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 7:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

"قال -رحمه الله-: وعن عبد الله بن سلمة عن علي- رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه، أو قال: يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة، رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، وابن ماجه والنسائي والترمذي،

 ولفظه: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا، وقال: حديث حسن صحيح، رواه ابن حبان والحاكم، وصححه، وذكر الخطابي أن أحمد كان يوهّن حديث علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة، وقال شعبة بن الحجاج: ما أحدث بحديث أحسن منه.

 وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن»، رواه ابن ماجه والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش، وقد رواه الدارقطني من غير طريقه، وضعفه الإمام أحمد والبخاري وغيرهما، وصوب أبو حاتم وقفه، وقال: إنما هو عن ابن عمر قوله.."

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب أحكام الحدث الأكبر" لما أنهى الكلام -رحمه الله تعالى- عن الحدث الأكبر وما يوجبه، وأنه ما حدث عن جنابة أو حيض أو نفاس وهو موجب للغسل ذكر بعض ما يترتب على الحدث الأكبر من الأحكام، فبدأ بقراءة القرآن الذي هو كلام الله -جل وعلا-، فهل يقرأ القرآن من عليه حدث أكبر؛ كالجنب، والحائض، والنفساء أو لا يقرؤون شيئًا من القرآن بناءً على تعظيم كلام الله -جل وعلا- أن يقرأ حال التلبس بهذا الحدث بخلاف الحدث الأصغر الذي لا يمنع من قراءة القرآن، لكنه يمنع من مس المصحف على ما تقدم هنا؟

 يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب أحكام الحدث الأكبر

 قال: عن عبد الله بن سلمة عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى- عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج من الخلاء، يخرج من الخلاء" متلبسًا بالحدث الأصغر -عليه الصلاة والسلام- "فيقرئنا القرآن"؛ لأن الخلاء المكان الخالي المعد لقضاء الحاجة، المعد لقضاء الحاجة، فيخرج من الخلاء كناية عن كونه -عليه الصلاة والسلام- قد تلبس بما يوجب الحدث الأصغر وما يترتب عليه من الوضوء، تقدم ما يترتب على الوضوء مما يمنع منه الحدث الأصغر على ما سبق الحديث فيه، كان يخرج -عليه الصلاة والسلام- من الخلاء، ويخرج هذه بناءً على أن الخلاء معد لقضاء الحاجة كالبنيان هو الذي يُدخَل معه ويُخرَج منه، ويكون له غلق وباب، وعرفنا أنهم في عهده -عليه الصلاة والسلام- كانوا يقضون الحاجة في الخلاء المكان الخالي البعيد، وأنه ليس عندهم كنف يقضون بها الحاجات، هذا في  أول الأمر، ثم بعد ذلك اتخذت الكنف.

 "كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يحجبه -أو قال-: يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة".

 هذا يدل على أنه يفعل هذه الأشياء من غير وضوء؛ لأنه لم يستثنِ شيئًا سوى الجنابة، فالحدث الأصغر لا يمنع من الأكل، ولا من قراءة القرآن، ولا من النوم على ما سيأتي، ولم يكن يحجبه- أو قال-: يحجزه، قال: يحجزه شك من الراوي هل قال الصحابي يحجبه، أو يحجزه؟

 يحجزه عن القرآن شيء، نكرة في سياق النفي تعم جميع الأشياء إلا ما استثني، ليس الجنابة، ليس الجنابة، هل يمكن أن يستدل بهذا على أن الحائض تقرأ القرآن؛ لأنه لم يكن يحجزه عن القرآن شيء نكرة في سياق النفي، فتعم جميع الأشياء إلا ما استثني، وهو الجنابة، هل نستدل بهذا أن الحائض تقرأ القرآن؟

 لا، لماذا مما يخص الرجال، يعني مما يخص الرجال؟ لم يكن يحجزه عن القرآن شيء يعني مما يخص الرجال شيء ليس الجنابة، وليس أداة استثناء، كما في قوله -عليه الصلاة والسلام- «ليس السن والظفر» فالجنابة تحجز وتحجب عن قراءة القرآن بمقتضى هذا الخبر، والخبر مختلف في تصحيحه وتضعيفه.

 يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه، وابن ماجه والنسائي والترمذي ولفظه: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا".

 هذا لفظ آخر لحديث علي -رضي الله تعالى عنه-: كان يقرئنا القرآن -عليه الصلاة والسلام- على كل حال ما لم يكن جنبًا، وهذا أيضًا مما يختص به الرجال، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أحيانًا يقول عن نفسه شيئًا أو يفعل فعلاً يناسب مقتضى الحال فيقول عن نفسه شيئًا لا يدخل فيه النساء باعتباره رجلًا -عليه الصلاة والسلام-، وأحيانًا يفعل فعلاً أو يقول قولاً يناسب الإمام، ولا يناسب المأموم، وإن كان -عليه الصلاة والسلام- قدوة الجميع، يناسب الإمام ولا يناسب المأموم، فلو قال قائل مثلاً: للإنسان إذا أتى الجمعة أن يدخل المسجد ولا يصلي ركعتين؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو القدوة ما صلى ركعتين؟ نقول: نعم هذا باعتباره إمامًا، وهذا يناسب الأئمة، لكن المأموم يخصهم أمره -عليه الصلاة والسلام- الداخل بأن يصلي ركعتين.

أيضًا استدل بقوله -عليه الصلاة والسلام- بعد الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده استدل به الشافعية على أن هذه الجملة يقولها كل مصلٍّ؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- هو القدوة، وقالها- عليه الصلاة والسلام- نقول: نعم، قالها باعتباره إمامًا، وأما المأموم فله من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»، فالمأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وهكذا، فلا يحمل هذا اللفظ على عمومه بحيث يشمل الرجال والنساء؛ لأن للنساء ما يخصهن على ما سيأتي ذكره، والخلاف فيه إن شاء الله تعالى، لكن ليس في هذا مستمسك لمن قال: إن الحائض تقرأ القرآن؛ لأن هذا فيه وصف خاص وصف مؤثر، وهو الذكورة، بعض أهل العلم يتمسك بأعم عموم الأحوال، فقد يستدل بمثل هذا على أن الحائض تقرأ القرآن، وقد استدل بعضهم بقوله -عليه الصلاة والسلام- لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» قال: الحاج يقرأ القرآن إذًا الحائض تقرأ القرآن نقول أيضًا الحاج يصلي، فهل تصلي الحائض؟ الحاج أيضًا يصوم إذا لم يجد هديًا، فهل الحائض تصوم؟ لكل شخص ما يناسبه من خطابات الشرع.

 يقول: "رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه، وابن ماجه والنسائي والترمذي ولفظه: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقرئنا القرآن" الرسول -عليه الصلاة والسلام- أمر بتبليغ ما نزل إليه، أمر بتبليغ ما نزل إليه، فكان -عليه الصلاة والسلام- يتولى إقراء الناس القرآن، يتولى إقراء الناس القرآن امتثالاً للأمر الإلهي؛ لأن هذا هو التبليغ، ونجد مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يستنكف عن إقراء الناس القرآن، ويقول: القرآن له ناس يقرئونه، ونحن نتفرغ لدقائق العلم، هذا موجود، يعني تلاحظون من الكبار من يقرئ الناس القرآن، أو يكلون هذا إلى بعض الحفظة، ويتفرغون على حد زعمهم بدقائق العلم؟

 القرآن أصل العلوم، فلو تصدى أهل العلم لإقراء القرآن وبيان دقائق العلم من خلال القرآن فهذا هو المنهج النبوي، ومع الأسف أننا لا نجد من يقرئ القرآن، وفي كلٍّ خير، فيه حفظة، وفيه مجودة، وفيه من يضبط القرآن، وقد يكون عذر بعض الكبار أنهم ما قرؤوا القرآن على طريقة التجويد وعلى الترتيل المعروف، وهذا لا شك  أنه فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، لكن ينبغي أن يُمرن طلاب العلم على الاهتمام بشأن القرآن والعناية به، واهتمام الكبار بإقراء القرآن وبيان دقائق العلوم من خلال القرآن لا شك أنه تربية للنائشة على تعظيم القرآن؛ لأنه قد يسمع من يقول من الشباب: لو كان القرآن بهذه المكانة وبهذه المثابة من الأهمية رأينا الكبار الذين هم المرجع والمفزع في المسائل العلمية هم الذين يقرئون القرآن، ولو كان في القرآن من الأحكام ومن العلوم ما في السنة أو في الفقه أو غيرها لوجدنا أهل العلم يتصدون له، لكن لا شك أن هذا خللًا في منهجية طلب العلم وتربية طلاب العلم، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يقرئنا القرآن، كان الصحابة يقرؤون من بعدهم، يقرؤونهم على الطريقة التي شرحها أبو عبد الرحمن السلمي، وذكرها عن الصحابة ابن مسعود وغير ابن مسعود، أنهم كانوا يقرئونهم القرآن عشر آيات فقط، لا يتجاوزونها حتى يتعلموا ما فيها من علم وعمل، هذه طريقتهم، وهذا منهجهم بدءًا من النبي -عليه الصلاة والسلام- المبلِّغ عن الله إلى صحابته إلى التابعين لهم بإحسان إلى من أدركنا من شيوخنا الكبار الذين انقرضوا، يقرؤون القرآن.

 وتجد القرآن أول دورة للقرآن تجد الطلاب الحلقة فيها عشرون ثلاثون خمسون أولاً يقرؤون القرآن، ويحفظونه على الشيخ، ثم بعد ذلك يبدؤون بالعلوم الأخرى في كل يوم، فهل يوجد مثلاً الآن على مستوى؟ خلوا الكبار مثلاً الذين انشغلوا بأمور العامة من الأساتذة، من أساتذة الجامعات من يقرئ القرآن في المساجد، يحفظ الناس القرآن؟

 ما فيه، أنا ما أذكر، إلا أنه ذكر لي اثنان بالأحساء دكاترة يقرؤون القرآن على الطريقة المعروفة، هذا أمر لا بد منه، يحفظ الطالب القرآن، ويعلم شيئًا من أحكام القرآن على حسب مستواه وتحصيله، ولو كانوا كبارًا أيضًا من طلاب العلم الكبار يعطون على مستواهم من كتاب الله ما يناسبهم، فلا شك أن تربية طلاب العلم على هذا الأساس أمر لا بد منه، يعني لولا أن النصوص الواردة في تعلم القرآن وتعليمه في غاية القوة لاستدل كثير من طلاب العلم انصراف الكبار عن إقراء القرآن بعدم أهميته، وأن الأحكام إنما تؤخذ من غيره من كتب الفقه ومن كتب السنة ومن غيره، لا شك أن القرآن فيه إشارات إجمالية بينت بالسنة، لكن هذا الإجمال لا بد من بيانه، لا بد من بيانه.

 هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه؛ يقول الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم وابن خزيمة وابن السكن وعبد الحق وجمع من أهل العلم، يقول: "ورواه ابن حبان والحاكم وصححه، وذكر الخطابي أن أحمد كان يوهن حديث علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة"، النووي لما ذكر تصحيح الترمذي قال: وخالفه الأكثرون فضعفوه، لما ذكر تصحيح الترمذي، الترمذي صححه، وصححه غيره ابن حبان والحاكم وابن خزيمة، قد يقول قائل: هؤلاء عرفوا بالتساهل، نعم عرفوا بالتساهل، لكن اجتماعهم على التصحيح يدل على شيء، صححه أيضًا بعدهم ابن السكن وعبد الحق، وله طرق أخرى، هو مضعف بعبد الله بن سلمة، لكن له طرق أخرى، وكلها ضعيفة، فمن نظر إلى مفردات الحديث حكم بضعفه، حكم بضعفه، ومن نظر إلى أن له طرقًا متعددة قال: كثرة هذه الطرق تدل على أن له أصلاً، ولذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: الحق أنه من قبيل الحسن، يصلح للحجة، نعم ضعفه أئمة كبار ضعفوه، وصححه آخرون، والعادة عند المتأخرين أنه إذا وجد حديث بهذه المثابة أي يختلف في تصحيحه وتضعيفه من غير مرجح أنه يحكم له بالتوسط، بالحسن إذا لم نجد مرجحًا، لكن ليست هذه طريقة المتقدمين، لا بد أن يرجحوا، ولذا حكموا بضعفه.

 "قال شعبة بن الحجاج: ما أحدث بحديث أحسن من هذا، ما أحدث بحديث أحسن من هذا" فهو يقوي هذا الحديث. وعلى كل حال الحديث له طرق كما قال الحافظ تدل على أن له أصلاً، لكن الإمام البخاري علق عن ابن عباس أنه لم يرَ بالقراءة للجنب بأسًا، أنه لم ير بالقراءة للجنب بأسًا، فيدل على عدم ثبوت الخبر عنده أو عدم بلوغه إياه.

وعلى كل حال على القول بصحته، أما على القول بضعه فلا إشكال، لا تقوم به حجة على ضعفه، على القول بصحته يقول بعض أهل العلم: إنه حكاية فعل، حكاية فعل امتناع وترك، والترك فعل، يعني غاية ما يقال عن الترك أنه فعل، وحكاية الأفعال لا عموم لها عند أهل العلم، فلا تدل حينئذ على منع، لا تدل حينئذ على المنع، هذا قول بعضهم، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- مأمور بالتبليغ، مأمور بالتبليغ، فكونه يمتنع عما أمر به لا بد من وجود معارض راجح، لا بد من وجود معارض راجح، ولولا أن القراءة بالنسبة للجنب محرمة لما عورض بها الأمر بالتبليغ.

 الحديث الذي يليه قرأته؟

طالب: نعم.

نعم، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن، لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن»، يقول: رواه ابن ماجه والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش، وقد رواه الدارقطني من غير طريقه".

 هذا الحديث أيضًا كالأول مضعف عند أهل العلم يقول: رواه ابن ماجه والترمذي وقال- يعني الترمذي-: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش، إسماعيل بن عياش ليس بالقوي فيما يرويه عن غير أهل الشام، وهذا منه، هذا مما يرويه إسماعيل بن عياش عن غير أهل بلده، فيرويه عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وهو مضعف فيما يرويه عن غير أهل الشام.

 يقول: "وقد رواه الدارقطني من غير طريقه" من طريق محمد بن إسماعيل الحساني عن رجل عن أبي معشر نجيح السندي عن موسى بن عقبة به، فإسماعيل بن عياش تابعه أبو معشر، أبو معشر السندي، لكنه ضعيف عند أهل العلم، أبو معشر ضعيف، والراوي عنه مجهول عن رجل عن أبي معشر، ففيه علتان: جهالة الرجل الراوي عن أبي معشر، وضعف أبي معشر السندي، وعلى هذا يتقوى أو لا يتقوى؟

نعم فيه علتان، يعني لو كانت المسألة ضعف أبي معشر فقط أو جهالة الراوي عنه لكان الأمر أخف، لكن يجتمع فيه أكثر من علة، هذا لا يصلح للتقوية.

 "وضعفه الإمام أحمد والبخاري وغيرهما" ضعفوه بما ذكر؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن غير أهل بلده، فهو مضعف فيها، وأيضًا المتابع له ضعيف، وهو أبو معشر.

 "وضعفه الإمام أحمد والبخاري وغيرهما، وصوب أبو حاتم وقفه، وقيل: إنما هو عن ابن عمر قوله" يعني من كلام ابن عمر، من اجتهاد ابن عمر، ومن فقه ابن عمر أن الحائض لا تقرأ ولا كذلك الجنب شيئًا من القرآن، أما ما يتعلق بالجنب فله ما يشهد له من حديث علي السابق المختلف فيه، هذا بالنسبة للجنب، ولذا منع الجنب من قراءة القرآن متجه على ضعف ما ورد فيه؛ لأن له ما يشهد له من حديث علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-، وأما منع الحائض فما جاء فيها كله ضعيف، كله ضعيف، «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن»، هما يشتركان في أمور بأن الحدث في كل منهما أكبر، ويختلفان في أشياء بأن الجنب طهارته بيده إذا أراد أن يقرأ فبإمكانه أن يغتسل، لكن هل الحائض طهارتها بيدها؟

 ليست طهارتها بيدها، وقد تطول مدتها كالنفاس مثلاً، فيخشى عليها من ضياع القرآن، وحينئذ رخص جمع من أهل العلم للحائض والنفساء أن يقرآ القرآن إذا خشيا ضياعه ونسيانه، ورخص بعضهم القراءة، قراءة القرآن مطلقًا للحاجة؛ بأن تكون معلمة، أو متعلمة، تقرأ القرآن، ولم يرو الرخصة تشمل من لا يحتاج إلى قراءة القرآن مع أن الخبر الوارد في هذا ضعيف، لكن لعظم القرآن وقوة الحدث، حدث أكبر متلبسة بنجاسة، الحائض والنفساء متلبستان بنجاسة، والقرآن يقرأ على أكمل وجه، وإذا كان الإمام مالك –رحمه الله- يهتم لقراءة السنة، يتنظف، ويتطيب، ويسرح، على أكمل هيئة، ويجلس على هيئة تامة كاملة لإقراء السنة، فكيف بالقرآن، والقرآن أعظم؟

 ولذا الجمهور على منع الحائض والجنب من قراءة القرآن، ما تقرأ ولا حرفًا من القرآن، وإن كان بعضهم أو كل جمهورهم يفرقون بين ما دون الآية والآية الكاملة، فيها تفاصيل ذكروها في كتب الفقه.

 وعلى كل حال الذي يجيز قراء الحائض للقرآن له وجه باعتبار أن ما ورد في الباب كله لا تقوم به حجة، اللهم إلا أن يقال: إنه من حيث المعنى، من حيث المعنى الحدث كبير، بل أكبر، الحدث أكبر، ومتلبسة بالنجاسة، والقرآن كلام الله ينبغي أن يهتم له، ويحتاط له، وإذا كان مس المصحف مع الحدث الأصغر لا يجوز، فكيف بتلاوة كلام الله -جل وعلا- مع الحدث الأكبر؟ والجمهور على منع الجنب والحائض من قراءة القرآن، ومنهم من يرى الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يثبت في الباب شيء.

 ومنهم من يفرق بين الجنب والحائض، فيمنع الجنب، ولا يمنع الحائض؛ لأن طهارة الجنب بيده، بخلاف الحائض التي قد يطول أمدها، وليست بيدها، «إن حيضتك ليست بيدك»، فيفرقون بين الجنب والحائض، ومنهم أيضًا من يفرق بين حائض وحائض، حائض تحتاج إلى القراءة؛ خشية النسيان، تحتاج القراءة؛ لتعلم أو تعليم، فيجوزون ذلك، ولا شك أن الاحتياط احترام القرآن، احترام القرآن.

 قد يقول قائل: هل من الاهتمام بالقرآن أن يعتني الإنسان بجلسته أو بملبسه أو برائحته مثلاً، إذا أكل شيئًا له رائحة يسعى لإزالته، إذا كان لابسًا لباسًا غير مناسب يلبس احترامًا للقرآن؟

 يعني كما يفعل الإمام مالك بالنسبة للسنة، والقرآن أعظم، إذا كانت جلسته غير مناسبة، جلسة غير مناسبة هل نقول له: تعدل واقرأ القرآن على هيئة كاملة، أو نقول: إن القرآن ذكر من الأذكار، وقد قال الله -جل وعلا-: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} [سورة آل عمران:191]، وجاءت أيضًا قراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين في حال النوم، يعني قبيل النوم، فمثل هذا لا بأس به، وهو داخل في عموم قوله -جل وعلا-: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} [سورة آل عمران:191]، لكن كلما استشعر الإنسان عظمة كلام الله -جل وعلا- لا شك أن ثوابه أعظم، ثوابه أعظم، وإذا جاء الأمر بتعظيم شعائر الله، فكيف بكلامه -جل وعلا-؟ والذي يقرأ القرآن كأنما يخاطب الرحمن.

هو الكتاب الذي من قام يقرؤه


 

كأنما خاطب الرحمن بالكلم


وبعض الناس يقيس الغيب على الشهادة، هذا تجده إذا تحدث عن الخشوع في الصلاة وعدم الحركة في الصلاة قال: هذا يناجي ربه، وواقف بين يدي ربه، فكيف لو وقف بين يدي ملك أو أمير أو وزير أو كبير؟ تجده لا يتحرك منه شيء، هذا القياس مناسب أم غير مناسب؟ يعني الخبر ليس كالعيان، الخبر ليس كالعيان، الله -جل وعلا- لما أخبر موسى أن قومه عبدوا العجل ماذا صنع، ألقى الألواح، أو ألقاها لما رآهم؟

لما رآهم، لما رآهم، ليس الخبر كالعيان، ولا شك أن القلب يغفل، ولكن كلما استحضر الإنسان عظمة الرب -جل وعلا- وعظمة جميع ما يتعلق بالله- جل وعلا- من أحكامه وشرعه وشعائره، فضلاً عن كلامه لا شك أن هذه دلالة على التقوى، هذه تقوى القلوب.

 ولذلك تجدون في آداب حملة القرآن وآداب القرآن أشياء ينص عليها أهل العلم ويستحبونها من غير دليل، لكنها داخلة تحت هذا الأصل العام، داخلة تحت هذا الأصل العام، يستحبون التسوك لقراءة القرآن، يستحبون التنظف، أيضًا يكرهون أن يترك القرآن منشورًا هكذا نصوا على كراهية ترك القرآن منشورًا؛ لأنه يدل على عدم الاهتمام بشأنه، يعني لو أن عندك كتابًا نفيسًا بذلت فيه أموالًا، كتاب أصل، دعونا من المصورات التي إذا تلفت تذهب إلى المكتبة وتأتي ببدلها، كتاب نفيس يمكن ما يوجد، تتركه منشورًا هكذا أم تحافظ، تغلقه وتجعله في مكان آمن؟ ومع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يستحضر هذه العظمة، بعض الناس وشاهدناهم يأتي بطفل لا يميز في السنتين والثلاث إلى المسجد، ويجعله بجواره، فيأخذ مصحفًا ويعبث به، ووجدنا طفلًا يمزق القرآن وأبوه يراه، ولا يحرك ساكنًا، لكن لما تقدم الطفل إلى المروحة، مروحة الهواء التي قدامه قطع صلاته وذهب إليه، لماذا؟

يخشى أن تدخل أصابعه في شباك المروحة فتسيء إليه، هل في هذا شيء من تعظيم شعائر الله؟ يعني هل في مثل هذا القلب الذي يقر مثل هذه التصرفات احترام لكلام الله -جل وعلا-؟ أبدًا، ومع الأسف أن هذا حال كثير من الناس، تجد المصحف؛ لأنه رخيص يمكن يجاب بدله ما يلاحظه الأب، الأب المصاحف لو الآن إذا انتهى الطلاب من الدراسة وأتوا بمصاحفهم إلى المساجد تجد العجب العجاب في هذه المصاحف من الرسوم والتمزيق، نعم أطفال، لكن أطفال ينبغي أن يربوا على احترام كلام الله -جل وعلا- من قبل أولياء أمورهم.

 وعلى هذا من منع الحائض من قراءة القرآن، ومنع الجنب من باب أولى قال: لأنه كلام الله، وكلام الله ينبغي أن يقرأ على أكمل وجه، وهذا حدث أكبر، وإذا كان مس المصحف لا يجوز من قبل من أحدث حدثًا أصغر، فلا يجوز أن يقرأ من باب أولى، وهذا له وجه بلا شك، وهذا فيه تعظيم لهذا الكلام العظيم، ومن لم يمنع باعتبار أن النص لم يثبت فله وجهه، ومن فرق بين المحتاج وغيره فله أيضًا وجه.

 صوب أبو حاتم وقفه، وقال: إنما هو عن ابن عمر قوله، هل مثل هذا يخضع للاجتهاد؟ للرأي فيه مجال؟ هل لابن عمر أن يقول: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن من تلقاء نفسه، أو له حكم الرفع؟ يعني هل يمكن أن يجتهد ابن عمر ويقول بمثل هذا القول: لا تقرأ؛ لأن أبا حاتم صوب وقفه؟

 قد يقول قائل: هذا حكم شرعي، والحكم الشرعي لا يثبت إلا بتوقيف من الشارع، فكيف يمنع ابن عمر الجنب والحائض من قراءة القرآن إلا أن عنده مستندًا شرعيًّا؟ نقول: قد يقول الصحابي حكمًا شرعيًّا من استنباطه هو، من عمومات مثل ما قلنا، لعل ابن عمر استشعر عظمة القرآن، وأن الحدث أكبر، وأنه يناسب المنع فمنع، فمثل هذا خاضع للاجتهاد، وللرأي فيه مجال، ولذا صوب أبو حاتم وقف الخبر.

"قال -رحمه الله-: وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا» رواه مسلم، وقد أُعِلّ، وزاد الحاكم بإسناد صحيح: فإنه أنشط للعُود، وقال الشافعي.."

العَوْد العَوْد.

"فإنه أنشط للعَود، وقال الشافعي: قد روي فيه حديث، وإن كان مما لا يثبت مثله، وأراد حديث أبي سعيد هذا، وقال البيهقي: لعله أراد حديث ابن عمرٍ في ذلك."

ابن عمرَ.

"ابن عمرَ في ذلك.

 وعن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد»، متفق عليه. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة، رواه البخاري.

 ولمسلم كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة.

 وعن أبي إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ينام وهو جنب من غير أن يمس ماءً، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وقال: يغلب أن هذا غلط من أبي إسحاق، وقال يزيد بن هارون: هذا الحديث وهم، وقال أحمد: ليس صحيحًا، وصححه البيهقي وغيره، وقال بعض الحذاق من المتأخرين: أجمع من تقدم من المحدثين ومن تأخر منهم أن هذا الحديث غلط منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تلقوه منه وحملوه عنه، وهو أول حديث أو ثاني مما ذكره مسلم في كتاب التمييز، مما ذكره مسلم في كتاب التمييز له، مما حمل على الحديث من الخطأ، وروى أحمد من حديث شُرَيك."

شَرِيك.

"من حديث شَريك عن محمد بن عبد الرحمن عن كريب عن عائشة قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجنب ثم ينام ثم ينتبه ثم ينام، ولا يمس ماءً، وإسناده غير قوي."

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتى أحدكم أهله»" إذا أتى يعني جامع، وهذا لفظ تكنية عن الجماع بالإتيان لا شك أنه من الأدب النبوي، وجاءت الكناية عنه باللمس والمس والدخول، ولم يذكر بصريح اللفظ إلا عند الحاجة إلا عند الحاجة حينما يحتاج إليه في الحكم التصريح، الأصل التكنية عن الألفاظ المستقبحة المستقذرة، لكن إذا اقتضاها الحال فلا بد من التصريح بها، والإنسان لا ينسب إليه شيء من المكروه في قصة أبي طالب حينما حضرته الوفاة آخر ما قال: كيف؟ ماذا قال؟

هو على ملة عبد المطلب، يعني هل أبو طالب قال: هو على ملة عبد المطلب، أو يتحدث عن نفسه بضمير المتكلم، يتحدث عن نفسه، يخبر عن نفسه بضمير المتكلم، أنه على ملة عبد المطلب؟ لأن مثل هذا غير مستقذر عندهم، لكن من يروي الخبر من المسلمين هل يحسن به أن يقول مثل ما قال أبو طالب؟

لا؛ لأن هذا الكلام شنيع قبيح أن ينسبه الإنسان لنفسه، وإن كانت حكاية الكفر ليست بكفر، حكاية الكفر ليست بكفر، يعني فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، لماذا؟ لأن مثل هذا يختلف به الحكم، إذا اختلف الحكم فلا بد من نقله بحروفه.

 الآن إذا قال الراوي: هو على ملة عبد المطلب؛ خشية أن ينسب إلى نسبه الكفر، وحرف كلام كافر ما فيه إشكال، لكن هل يستطيع أن يحرف كلام الله -جل وعلا- فيقول: هو ربكم الأعلى؟ لا يمكن، إذًا حكاية الكفر ليست بكفر، لكن على الإنسان أن يتأدب في ألفاظه، ولا ينسب إلى نفسه إلا ما يليق به إذا اقتضى الأمر التصريح، لا بد من التصريح.

 في حديث ماعز جاء التصريح باللفظ الذي يستحيى من ذكره، لماذا؟

 لأنه لو لم يصرَّح به لقلنا: إن الحد يثبت بمثل هذه الألفاظ غير الصريحة، والحد لا يثبت إلا بصريح، إذًا كيف ننقل قصة ماعز بألفاظ غير صريحة ونقول: إن الحد لا يترتب إلا على اللفظ الصريح، إذًا لا بد أن ننقل اللفظ الصريح؛ لأن الحكم يختلف، فعند الحاجة لا مانع من التصريح باللفظ وإن كان مستقذرًا، وإذا استغني عنه، وكانت الحاجة غير داعية إلى نقله بلفظه كنينا عنه، ولذا جاء في الحديث: «إذا أتى، إذا أتى أحدكم أهله» هل يمكن أن يفهم أحد أنه إذا أتاهم يعني فتح الباب ودخل عليهم؟ يعني جاءهم من محله، من وظيفته، من سفره؟ المعنى واضح، لكن هذه كناية عن لفظ مستقذر، وجاءت التكنية عن الجماع باللمس والمس والدخول وغير ذلك.

 «إذا أتى أحدكم أهله» يعني زوجته، فالزوجة داخلة في الأهل دخولاً أوليًّا، وهي من الآل، وجاء في بعض الروايات «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته»، وجاء في آية أمهات المؤمنين {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [سورة الأحزاب:33]، وهي خاصة بأمهات المؤمنين.

 ومع الأسف أنه يوجد من يخرج الزوجة من لفظ الأهل والآل، وهؤلاء قوم من المبتدعة؛ ليخدموا مذهبهم بتحريف النصوص، بتحريف النصوص؛ لتخرج عائشة من أهل البيت، والله المستعان، مع أن النص تدخل فيه دخولاً أوليًّا.

 «إذا أتى أحدكم أهله» يعني جامع أحدكم زوجته ثم أراد أن يعاود، يعني يجامع مرة أخرى «فليتوضأ بينهما وضوءًا، فليتوضأ» اللام لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، الأصل في الأمر الوجوب، لكن صرف عن الوجوب بالعلة، العلة هي إيش؟ منصوص عليها، «فإنه أنشط للعَود» أقوى على معاودة الجماع مرة أخرى، هذه علة تجعل الحكم واجبًا أم مستحبًا؟ مستحب، الأمر الثاني ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه يغشى نساءه، ولم يحدث وضوءًا بين الفعلين، وهذا متفق عليه، في الصحيحين أن النبي -عليه الصلاة والسلام- جامع نساءه وغشاهن من غير فاصل بوضوء، ثم أراد أن يعاود أهله فليتوضأ وضوءًا، في رواية ابن خزيمة وضوءه للصلاة، والتأكيد بقوله: وضوءًا لنفي الوضوء اللغوي؛ لأن بعضهم قد يقول، بعضهم يقول: إن المراد بالوضوء هنا الوضوء اللغوي، فيغسل فرجه وما لوثه، وينتهي، ويرجع، ويعاود، لكن التأكيد بالمصدر بقوله: وضوءًا، ورواية ابن خزيمة وضوءه للصلاة تنفي الوضوء اللغوي الذي هو مجرد التنظف، فليتوضأ وضوءًا بينهما.

 هذا الحديث "رواه مسلم وقد أعل" لكن لم يصب من أعله، لم يصب من أعله، الشافعي- رحمه الله تعالى- يقول: "روي فيه حديث، وإن كان مما لا يثبت مثله، وأراد حديث أبي سعيد هذا" كلام المؤلف، وأما البيهقي، وهو أدرى بتصرفات الإمام الشافعي وأنفاس الإمام الشافعي، ولم يخدم مذهب الشافعي أحد على الإطلاق مثل ما خدمه البيهقي فيقول: "لعله أراد حديث ابن عمر في هذا، لعله أراد حديث ابن عمر في هذا" وحديث ابن عمر مروي عند البيهقي، وعند ابن عدي في الكامل، لكن فيه المسيب بن واضح، وهو ضعيف، فإن كان الشافعي أراد هذا فلا شك أن مثل هذا لا يثبت، وأما حديث أبي سعيد فهو ثابت؛ لأنه مخرج في مسلم، ولا يمكن حمل كلام الشافعي على حديث أبي سعيد؛ لأنه ثابت، لكن هل يحج الإمام الشافعي بما رواه مسلم؟ لعل حديث أبي سعيد بلغ الشافعي من طريق لا يثبت؛ لأن الشافعي ماذا يقول؟

يقول: روي فيه حديث، وإن كان مما لا يثبت مثله.

المؤلف حمل كلام الشافعي على حديث أبي سعيد، البيهقي حمل كلام الشافعي على حديث ابن عمر، حديث ابن عمر لا يثبت نعم؛ لأن فيه راويًا ضعيفًا، المسيب بن واضح لا يثبت، فحمله على حديث ابن عمر أولى، لكن إذا كان الشافعي، ما موقف الشافعي من حديث أبي سعيد إما أن نقول: إنه لم يبلغه، ويتجه حينئذ كلام البيهقي، أو نقول: إنه بلغه من طريق لا يثبت، ما المانع؟ هل نلزم الشافعي بما رواه مسلم؛ لأنه ثبت بسند رواه مسلم صحيح ما فيه إشكال؟ هل نقول: إن الشافعي لا يقصد حديث أبي سعيد؛ لأن حديث أبي سعيد صحيح رواه مسلم؟ لا يلزم لأنه قبل مسلم، لأنه قبل مسلم، ولا يلزم أن يكون الطريق واحدًا إلى أبي سعيد.

 رواه مسلم، وقد أعل، ومن أعله لم يصب. وزاد الحاكم بإسناد صحيح على شرط مسلم: «فإنه أنشط للعَود»" أي أقوى للجماع مرة أخرى، أقوى للجماع مرة أخرى، التعليل بعلل مثل هذه العلة بأمر من أمور الدنيا، هل يرفع شرعية الحكم؟ يعني هل لقائل أن يقول: هو نشيط، شاب نشيط ما يحتاج إلى وضوء، العلة أنشط للعود، إذًا ما له داعٍ أن يتوضأ مادام شابًّا، هل لقائل أن يقول: مادامت أنشط للعود، أنا لست بحاجة إلى منشط؛ لأنها علة محسوسة ومعروفة، أو نقول: امتثل الأمر وتؤجر على الأمر، ويثبت لك ما وعدت به من النشاط، فيكون فيه أجر ديني أخروي وأجر معجل دنيوي، وهو النشاط؛ لامتثال هذا الأمر، وملاحظة الأمر الدنيوي؟ هل يخل بالامتثال وما رتب عليه من أجر؟

يعني «من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ» ويقول: أنا أريد الحافظ، هذا هل نقول: ليس لك أجر آية الكرسي إذا لاحظت هذا، من جاء بسيد الاستغفار، من صلى الصبح في جماعة، من صلى العشاء في جماعة فهو ذمة الله ويقول: أريد أن أحفظ وأكون في ذمة الله، هل نقول: إنه لا يثبت له الأجر إذا لحظ مثل هذا الملحظ، أو هذا التعليل، أو يحصل له الأمران، يحصل له الأمران؟ لكن هل يخدش في أجر الامتثال ملاحظة الأمر الدنيوي، يخدش أم ما يخدش؟

 يعني لو كان يخدش يذكره النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعني كون النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكره يدل على أن اعتباره لا شيء فيه، لا شيء فيه، فكون الإنسان لا شك أن فيه تشريكًا، أن فيه تشريكًا، طلب أجر من الله -جل وعلا- بصلاة الصبح مع الجماعة، وطلب الحفظ ليكون في ذمة الله، هذا فيه تشريك أمر دنيوي بأمر أخروي، لكن هل مثل هذا التشريك مؤثر أو غير مؤثر؟ غير مؤثر، لماذا؟ لأنه لو كان مؤثرًا ما جاء على لسان النبوة، على لسان النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعني ما قيل عبثًا هو ما قيل عبثًا إلا ليعتد به، ويعتنى به، ويلحظ أيضًا، نعم يكون الهدف الأساسي الامتثال، وما يأتي تبعًا لذلك ملاحظته لا تضر، يعني هل مثل هذا الذي جاء به النص، الذي جاء به النص إذًا كل الأمور فيها تشريك، كيف؟ كل العبادات فيها تشريك من أي وجه.

 يعني في آخر آية في سورة الكهف {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [سورة الكهف:110]، يقول بعضهم: إن الذي يلحظ الجنة يعبد الله -جل وعلا- رجاء الجنة هذا شرك في عمله، ولا يدخل في الآية، نقول: هذا التشريك جاء على لسان الشارع نفسه فهو شرعي، ولا يؤثر في العمل، فالذي يأتي بالنصوص الشرعية هذا لا يقدح في العمل، والإنسان إنما يعبد ربه ملاحظًا المحبة والتعظيم، ملاحظ أيضًا الخوف والرجاء، والخوف والرجاء بالمنظار العام تشريك، لكنه تشريك غير مؤثر؛ لأن الذي جاء به هو الذي شرع الإخلاص وأمر بالإخلاص وحث على الإخلاص.

 نأتي إلى صورة دون ذلك من التشريك، هذا جاء وورد التشريك هنا على لسان الشرع، فلا مانع من ملاحظته، لا مانع من ملاحظته، شخص مريض قال له الطبيب: لا بد أن تمشي في اليوم عشرة كيلومترات فقال: بدلاً من أن أمشي في الأسواق أطوف، أطوف كل يوم عشرة أسباب وتعادل ما يقرب من عشرة كيلومترات، وآخر قال: أسعى، يسعى من دون نسك، وثالث يمشي على الأرصفة حكمهم واحد أم لا؟ حكمهم واحد أم يختلف؟

يختلف الذي يطوف لماذا عدل عن الشوارع والأسواق إلى المطاف إلا ملاحظًا الأجر المرتب على هذا، نعم شرك في الطواف امتثال أمر الطبيب، وأنه بحاجة إلى المشي، فما عدل عن هذا إلا من أجل تحقيق هذه العبادة وإلا فالمشي يتحقق بغيرها، فمثل هذا التشريك لا يقدح في العبادة، لكنه مع ذلك لو جاء يختلف حكمه عن حكم من جاء لذات الطواف؛ لأن مثل هذا لم يرد اعتباره على لسان الشارع، فلا شك أن له أثرًا، لكن ما هو مثل التشريك الذي لو افترضنا مثلاً قال: والله المسعى أفضل طريق ومستقيم وواسع، وأهرول على راحتي، ما هو مثل الطواف، الطواف زحام، نقول: لا، مثل هذا يدخل في حيز البدعة، إن تعبد به، إن تعبد به، يسعى بثيابه؟ هذا غير مشروع، فيمنع منه.

 مثل الذين يطوفون حول المقبرة، المقبرة أربعة كيلومترات مربعة، وما فيه أبنية ولا سيارات وأرصفة واسعة، ومن أحسن ومن أنسب الأشياء للمشي، لكن مثل هذا يطوف على المقبرة مرتين ثلاثًا في الصباح وفي المساء، ووجد من يطوف بنية التخفيف، هل نقول: إن هذا يطوف على القبور؟ هذا لا يطوف على القبور، لكن يخشى أنه في يوم من الأيام أن يقال: كون الناس يطوفون، ولا أحد يمنعهم، فيمنع من هذه الحيثية، فالذي يأتي إلى المسعى ولو كان هدفه المشي يمنع، يبحث عن مكان آخر؛ لئلا يأتي من يتعبد ممن لا يحتاج المش،ي يتعبد بالسعي، فهو من هذه الحيثية يمنع، فلا شك أن المقاصد لها دور، ويثاب الإنسان على قدر نيته.

 الشخص الذي جاء ليطوف غير ملاحظ للعبادة، يقول: المطاف مناسب، وفيه ناس كثير يشجعون على المشي، يعني وجدنا من يطوف بلباس الكرة، ترنقات وكنادر وكرة، ومع الأسف من الجنس الثاني، يعني تحت العباءة التكميلة هذي، هؤلاء جاؤوا للطواف، ما الذي يغلب على الظن؟ الذي يغلب على الظن أنهم ما جاؤوا لطواف، فمثل هؤلاء ينبغي أن يمنعوا؛ لأن المسألة مسألة قرب وبعد من العبادة، كلما يقرب الإنسان من العبادة يحقق الهدف الشرعي، إذا بعد يا أخي انظر لك مكانًا ثانيًا، ما أحد يمنعك، والله المستعان.

 أقول: ملاحظة الأمور المرتبة على التكاليف الشرعية سواء كانت دينية أو دنيوية، الدينية لا إشكال فيها، أما الدنيوية فلا أثر لها إذا جاء اعتبارها على لسان الشرع كما هنا، ولا أثر لها. قوله: «فإنه أنشط للعود» قد يستدل به، بل فيه دليل على جواز استعمال المنشطات، على جواز استعمال المنشطات، مع ملاحظة عدم الضرر فيها، مع ملاحظة عدم الضرر فيها.

 وقال الشافعي: "وقد روي فيه حديث، وإن كان مما لا يثبت مثله"، وعرفنا هل مراد الشافعي حديث أبي سعيد أو حديث ابن عمر، كما قال البيهقي في الحديث الذي يليه يقول: "وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيرقد أحدنا وهو جنب؟" أينام أحدنا وهو جنب؟ ما الحكم؟ ما الجواب؟ قال: «نعم» بإطلاق أو بشرط؟

بشرط، قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد»، وهذا الحديث في الصحيحين، فجواز نوم الجنب مشروط بالوضوء، «إذا توضأ أحدكم فليرقد».

 والحديث الذي يليه حديث "عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة"، الحديث السابق حديث ابن عمر مجمل «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد»، الوضوء هذا محتمل لأن يكون الوضوء الشرعي أو الوضوء اللغوي، بغسل الفرج فقط، الحديث الذي يليه حديث عائشة بينه بأن المراد به الوضوء الشرعي.

 كان النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان تدل على الاستمرار، إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة، وضوءه للصلاة، يعني الوضوء الشرعي.

 "ولمسلم: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة"، وهذا أيضًا مبين للحديث السابق حديث عائشة: كان رسول كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة، وهذا لا شك أنه حكاية فعل، كان يفعل هذا، وحكاية الفعل بمفردها لا تدل على الوجوب، بل صرح كثير من أهل العلم، بل هو المذهب المختار أن هذا مندوب فقط، وبعضهم يطلق الكراهة على من ينام أو يأكل دون أن يتوضأ، بعضهم يطلق الكراهة؛ أخذًا من هذا، أصرح ما في الباب وأقوى ما في الباب الحديث الأول «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد»؛ لأنه اشترط لجواز النوم نوم الجنب الوضوء، لكنه حديث مجمل، فهل نقول: إن الحديث المفصل المبين بوضوء الصلاة هو فعله -عليه الصلاة والسلام- فقط، والوضوء المطلق الذي يدخل فيه الوضوء اللغوي هو اشتراطه للنوم، أو نحمل هذا على هذا، على نحمل المطلق على المقيد، نحمل المطلق على المقيد من باب إطلاق وتقييد عموم وخصوص إجمال وبيان؟

 هنا «إذا توضأ أحدكم فليرقد» يشمل الوضوء الشرعي والوضوء اللغوي، هو من جهة عموم خص بالوضوء الشرعي بالحديث الذي يليه، أو نقول: إجمال بين بالذي يليه، ويعم أكثر من شيئين، أكثر من واحد، يطلق على أكثر من واحد؟

 يعني الوضوء يطلق على إيش؟ أصل الوضوء يطلق على التنظف، يطلق على التنظف، فتنظيف ما تلوث وضوء، وإن لم يكن وضوءًا شرعيًّا، لكنه وضوء لغوي، يطلق الوضوء ويراد به الوضوء الشرعي، وقد بين اللفظ المجمل بالذي يليه، فهذا بيان للشرط، وبيان الشرط شرط، كما أن بيان الواجب واجب، وعلى هذا هل يجزئ، ويكفي غسل ما تلوث للنوم والأكل، أو لا بد من الوضوء الشرعي ثم بعد ذلك الحكم الشرعي هل هو على سبيل الوجوب والإلزام، وتحريم الأكل والنوم دون الوضوء، أو نقول: إن هذا حكاية فعل عنه -عليه الصلاة والسلام-، وحكاية الفعل لا تدل على الوجوب، بل هي الأكمل والأولى، وإن كان بعضهم يطلق الاستحباب، وبعضهم بالمقابل يطلق الكراهة، هذه أحاديث صحيحة لا إشكال فيها، حديث أبي إسحاق، ويحتاج إليه في بيان الحديثين، حديث ابن عمر وحديث عائشة.

 قال: "وعن أبي إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينام وهو جنب" حال كونه جنبًا، "من غير أن يمس ماءً، من غير أن يمس ماءً، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وقال: يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق"، لم يسمع من الأسود، وقال البيهقي: إن أبا إسحاق سمعه من الأسود، ولذا صححه، ولذا صححه.

 "وقال يزيد بن هارون" فيما نقله عنه أبو داود في سننه: "هذا الحديث وهم، هذا الحديث وهم، وقال أحمد: ليس صحيحًا، وصححه البيهقي وغيره" باعتبار أن أبا إسحاق سمعه من الأسود. "وقال بعض الحذاق من المتأخرين" هو أبو طاهر بن المفوِّز معروف، هو الذي نظم:

عمدة الدين عندنا كلمات


 

أربع من قول خير البرية


أبو طاهر بن المفوز يقول: "أجمع من تقدم من المحدثين ومن تأخر منهم أن هذا الحديث خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تلقوه منه" مع أنه خطأ، "تلقوه منه وحملوه"، مع أنه خطأ حملوه للعمل به، أو لبيان خطئه، يعني يعرفون أنه خطأ، وأجمعوا على أنه خطأ، وحملوه وتلقوه عنه، وعلى ذلك تلقوه، على ذلك على كونه خطأً "تلقوه منه وحملوه عنه، وهو أول حديث أو ثاني حديث مما ذكره مسلم في كتاب التمييز له"، كتاب التمييز طبع منه قطعة ما وجد منه طبعت، "مما حمل من الحديث على الخطأ"، فحكاية الإجماع أجمع من تقدم المحدثين ومن تأخر منهم أن هذا الحديث خطأ، مع أنه صححه البيهقي من غير أن يمس ماءً ظاهر الإسناد لاسيما إذا أثبتنا أن أبا إسحاق سمعه من الأسود، ظاهره الصحة، ظاهره الصحة، فكيف نوفق بين هذا الحديث وبين ما تقدم من قوله -عليه الصلاة والسلام- «نعم إذا توضأ»؟

 بعضهم يجمع بين الماء المنفي هنا وبين ما أثبت من الوضوء في الأحاديث السابقة بأن يحمل قوله: من غير أن يمس ماءً للغسل، من غير أن يمس ماءً للغسل، وأما الوضوء فثابت بما تقدم الوضوء، ثابت بما تقدم، والماء المنفي هنا هو ماء الغسل، وسيأتي ما في هذا الكلام.

 "قال بعض الحذاق من المتأخرين" عرفنا أنه أبو طاهر بن المفوز: "أجمع من تقدم من المحدثين ومن تأخر منهم أن هذا الحديث خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تلقوه منه وحملوه عنه، قال: وهو أول حديث أو ثاني حديث مما ذكره مسلم في كتاب التمييز له، مما حُمل من الحديث على الخطأ، روى الإمام أحمد من حديث شريك" شريك بن عبد الله القاضي سيئ الحفظ.

 "عن محمد بن عبد الرحمن" مولى آل طلحة وهو ثقة.

 "عن كريب عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجنب ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام ولا يمس ماءً، إسناده غير قوي" نعم؛ لأن في إسناده شريكًا، يعني كما قال المصنف -رحمه الله تعالى-: إسناده غير قوي، لكنه يقوي الحديث السابق، يعني فيه متابعة أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة، وهنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن كريب عن عائشة، فيه متابع للأسود من قبل كريب، والأسود ثقة، ومحمد بن عبد الرحمن ثقة لولا ما فيه من ضعف في حفظ شريك بن عبد الله القاضي.

 "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجنب ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام، ولا يمس ماءً، ولا يمس ماءً" من غير أن يمس ماءً، وهذه نكرة في سياق النفي فتعم الماء الشامل لماء الغسل وماء الوضوء، ولا يمس ماءً إذا قلنا بعمومها، إذا قلنا بعموم النكرة هنا لا يمس ماءً، يعني ولا للشرب أو ماء الشرب لا يُمَس؛ لأنا نحتاج إلى نكرة في سياق النفي عامة، هل هي من العام المطلق العموم المحفوظ أو من العموم المخصوص أو العموم الذي أريد به الخصوص ولا يمس ماءً نكرة في سياق النفي تعم؟ هل نقول: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يشرب، لا يمس ماءً، لا يغتسل، لا يمس ماءً، لا يتوضأ، لا يمس ماءً باعتبار أنها نكرة في سياق النفي، والماء يشمل جميع المياه، أو المقصود هنا المسيس هل المقصود عموم النكرة الماء أو عموم المسيس لا يمس ماءً؟

 لو قلنا: إن هذه نكرة في سياق النفي، والمقصود الماء نقول: إنه يشمل ماء الشرب، ويشمل أنواع المياه كلها، يشمل جميع أنواع المياه كل ما يطلق عليه ماءً ما يمسه لا ماء ورد ولا ماء زعفران، ولا كذا، ولا كذا إلى آخره هذا إذا قلنا: إن العموم المراد به عموم الماء أو عموم المسيس، فلا يمس ماءً لا للغسل ولا للوضوء، بغض النظر عن الماء الممسوس، وعلى كل حال مثل هذا يضعف التأويل السابق يضعف التأويل السابق، وهو أنه لا يمس ماءً للغسل، وإن مس الماء للوضوء فضلاً عن الشرب ونحوه كلام ابن مفوز ذكره ابن القيم في تهذيب السنن، وابن حجر في التلخيص الحبير، ووصفوا ابن مفوز بأنه من الحذاق من الحذاق، ولا شك أنه من الحذاق، لكن يبقى أن نقل الإجماع أجمع من تقدم من المحدثين، ومن تأخر منهم، البيهقي صحح الخبر، وصححه أيضًا غيره، فهو مختلف فيه، فلا إجماع مع وجود هذا الاختلاف، لا إجماع مع وجود هذا الاختلاف، أقل الأحوال أن يكون قول الجمهور تضعيف الخبر.

 هنا المخرِّج بعد أن خرج الحديث قال: قلت: إسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الشيخين، وأبو إسحاق وإن كان مدلسًا مخلطًا فقد صرح بالسماع في رواية أحمد والبيهقي، وقد روى عنه هذا الحديث الثوري والأعمش، وقد سمعا منه قبل الاختلاط، والثوري أثبت الناس في أبي إسحاق، وللحديث طرق أخرى تؤيده، فأخرجه أحمد كما ذكره المصنف من طريق شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن كريب وعن عائشة به.

 قلت: وهذا حديث حسن في الشواهد والمتابعات، فإن شريكًا القاضي سيئ الحفظ، ومحمد بن عبد الرحمن إلى آخره ثقة.

قال: وأخرجه أحمد أيضًا من طريق الحجاج بن أرطاة عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة به، قلت: وسنده في المتابعات حسن فيه ضعف، الحجاج بن أرطاة معروف عند أهل العلم.

 قال: ووجدت للحديث طريقًا أخرى تزيده قوة، وتنفي الوهم الذي قيل في أبي إسحاق، فقد أخرج أحمد في المسند وابن أبي شيبة في المصنف عن طريق مطرف عن الشعبي عن مسروق عنها بلفظ: كان يبيت جنبًا فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة، فيقوم فيغتسل، فأنظر إلى تحدر الماء من رأسه.. الحديث سنده صحيح، كان يبيت جنبًا فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيقوم فيغتسل، لكن هل في هذا ما ينفي الوضوء؟

 ليس فيه ما ينفي الوضوء، وسنده صحيح، ويشهد له أيضًا ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وعنه مسلم في صحيحه عن ابن عمر أن عمر استفتى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء» قال: وبالجملة فالحديث صحيح رواية ودراية إلى آخره.

 وعلى كل حال الأمر بالوضوء مستحب لا على سبيل الوجوب ولا الإلزام، فلو نام من غير أن يمس ماءً لم يأثم، لكن لا شك أنه إذا توضأ أولى، وأولى من ذلك أن ينام طاهرًا على كمال الطهارة، بأن يغتسل، هذا أولى، لكن لا يعني أنه على سبيل الإلزام.

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.