تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز)

الفتاوى الصوتية

عنوان الفتوى: 
تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز)
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 25/ ربيع الأول/ 1440 4:00 م
مصدر الفتوى: 
برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة الرابعة والستون 13/1/1433هـ
تصنيف الفتوى: 
الكتب والطبعات ومناهج المؤلفين
رقم الفتوى: 
8958

محتوى الفتاوى

سؤال: 

هل تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) من أسلم التفاسير وأحسنها؟ وهل تنصحون بقراءته للمبتدئين في طلب علم التفسير؟

الجواب: 

تفسير عبد الحق بن عطية المسمى بـ(المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لا شك أنه تفسير نفيس ونافع، وقد تداوله الناس، وطُبع طبعات متعددة، وإن كان طَبْعُه متأخرًا إلا أن فيه فوائد، وهو أصل من أصول (تفسير القرطبي) وغيره ممن جاء بعده، لكن لا يسلم من شوب ابتداع، وقد رمي ابن عطية بالاعتزال لكن الأمر ليس كذلك، وإنما فيه أشعرية، وشيخ الإسلام أثنى عليه وقدَّمه على كثير من التفاسير حتى قال: و(تفسير ابن عطية) خيرٌ من (تفسير الزمخشري)، وأصح نقلاً وبحثًا، وأبعد عن البدع وإن اشتمل على بعضها، بل هو خيرٌ منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير لكن (تفسير ابن جرير) أصحّ من هذه كلها. وقال أيضًا: (تفسير ابن عطية) وأمثاله أتبع للسنة والجماعة، وأسلم من البدعة من (تفسير الزمخشري)، ولو ذَكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم -يعني كما في (تفسير ابن جرير) أو (تفسير البغوي) أو (تفسير ابن كثير)- يقول: ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرًا ما ينقل من (تفسير ابن جرير)، وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها قدرًا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت المعتزلة به أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا من جملة التفاسير على المذهب. يعني مذهب أهل الكلام، لكنه أسلم بكثير من (الزمخشري) ومن (الرازي)، وهو وإن وقع فيه ما يوافق المتكلمين أو يكون على مذهب الأشعرية أو غيرِهم لكنه لا يكون بمثابة المعتزلي؛ لأن بدعة المعتزلة أغلظ، وليس بمثابة (تفسير الرازي) الذي يعد من منظري المذهب الأشعري، وهو مع ذلك جبري أعني الرازي، على مذهب الجبرية، وفي تفسيره من الطوام ما لا يُنصح معها بقراءته من قبل آحاد المتعلمين إلا للمتمكن، وفيه فوائد لكن فوائده لا تقاوم ما فيه من ضرر على آحاد المتعلمين، المقصود أن (تفسير ابن عطية) مثل التفاسير الأخرى التي اشتملت على شوب بدعة، لكنها ليست من البدع المغلظة مثل (تفسير الزمخشري) أو غيره.

وأما المبتدئ في التفسير فعليه أن يبتدئ بكتب غريب القرآن، ومن أخصر ما كُتب في الباب مع النفع العظيم كتاب (غريب القرآن للسجستاني)، هذا كتاب نافع، وكذلك (غريب القرآن لابن قتيبة)، وكتب الغريب كثيرة جدًا، ومنها (المفردات في غريب القرآن) وهو أطولها، وأنا أنصح كل طالب علم يبدأ بحفظ القرآن أن يقرأ معه كتب الغريب التي لا تعوقه عن تحقيق ما يأخذه على نفسه من الجزء الذي يرتبه لكل يوم يحفظه؛ لأنه لو بدأ بالتفاسير مع القرآن عاقه ذلك، وربما يطول عليه الأمر فيترك، فإذا قرأ مع حفظه للقرآن كتب الغريب أو انتقى منها واحدًا أو اثنين، وواكب حفظُه قراءتَه لكتب الغريب استفاد أيما فائدة، وطالب العلم عليه أن يُعنَى بهذا الشأن؛ ليعينه على التدبر أثناء القراءة وأثناء الحفظ؛ لأنّ التدبر تابع للفهم. فإذا عرف الغريب وأتقنه فإنه بعد ذلك يبدأ بالتفاسير المختصرة التي لا تأخذ عليه وقتًا طويلاً؛ لأن انشغاله بالتفاسير المطوَّلة يعوقه عن حفظ القرآن، فيجمع بين التفاسير المختصرة التي منها (تفسير الجلالين) و(النسَفي) و(تفسير الشيخ ابن سعدي) و(توفيق الرحمن) للشيخ فيصل بن مبارك و(التفسير الميسر) الذي صدر عن وزارة الشؤون الإسلامية، وهذه التفاسير الخمسة كلها لا تعادل تفسيرًا واحدًا من التفاسير المتوسطة؛ لأنه بإمكانه أن يقرأ تفسيرَ ورقة كاملة من هذه التفاسير الخمسة في ساعة، فهذا لا يعوقه، ثم بعد ذلك إذا أتقن هذه التفاسير المختصرة، وجمع بينها، ووفق بينها فإنه ينتقي من التفاسير المتوسطة مثل (تفسير البَغوي) و(تفسير ابن كثير) و(تفسير البيضاوي) على أن يأخذ حِذره مما فيه من مخالفات عقدية كـ(الجلالين)، فـ(الجلالين) أيضًا فيه شيء من الخلل في الاعتقاد، ويضم إلى ذلك (أحكام القرآن لابن العربي)، فإذا أنهى هذه الكتب -وهي تفاسير متوسطة يمكن أن تُقرأ في أشهر- يرتقي إلى ما بعدها مثل (تفسير الطبري) و(تفسير القرطبي) و(تفسير الألوسي) والتفاسير المطولة، لكن هذه تحتاج إلى وقت طويل، لو تركها للمراجعة الآنيّة حينما يشكل عليه تفسير آية من الآيات وأراد أن يتوسّع في معرفتها وفهمها يرجع إلى هذه المطولات فلا بأس، وأما بالنسبة للجرد فلا مانع أن يجرد واحدًا واحدًا من هذه الكتب، فيبدأ بـ(تفسير الطبري) فيجرده، ثم بعد ذلك (تفسير القرطبي) ثم بعد ذلك ما شاء من التفاسير. وعلى كل حال كتب التفسير كثيرة جدًا ولا يمكن أن يحيط بها إنسان، والعمر لو خُصِّص لقراءة التفسير ما أسعف، فإذا تصورنا أن على (تفسير البيضاوي) أكثر من مائة وعشرين حاشية فماذا عن التفاسير الأخرى؟! فالتفاسير كثيرة لكن على طالب العلم أن ينتقي من هذه التفاسير ما يجعله للمرحلة الأولى، ثم يرتقي منها إلى المرحلة الثانية، ثم الثالثة وهكذا، ويكون بمشورة أهل العلم، وقد بيّنا في مناسبات كثيرة كيفية التدرج في القراءة، وفي الحفظ، وفي الجرد، في سائر الفنون، في أشرطة موجودة.