تدريس القرآن الكريم بمرتَّبٍ شهري

السؤال
ما حكم من يُدرِّس القرآن الكريم بمرتَّبٍ شهري، مع العلم أنه لم يشترط عند بدء التدريس راتبًا شهريًّا؟
الجواب

ثبت في (صحيح البخاري) من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» [5737]، وجاء ما يُشكل على ذلك في (سُنن أبي داود) من حديث الأسود بن ثعلبة عن عُبادة بن الصامت-رضي الله عنه- قال: علَّمتُ ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا فقلتُ: ليست بمالٍ، وأرمي عنها في سبيل الله -عز وجل-، لآتين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلأسألنه، فأتيتُه، فقلتُ: يا رسول الله، رجل أهدى إليَّ قوسًا ممن كنتُ أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمالٍ، وأرمي عنها في سبيل الله، قال: «إن كنتَ تحب أن تُطوَّق طوقًا من نار فاقبلها» [3416]، فحديث القوس مُشكل على قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله».

وحديث ابن عباس في (البخاري)، وحديث عبادة بن الصامت في (سُنن أبي داود)، ولكن يُمكن الجمع بينهما بأن يُحمل حديث الجواز على عدم الاشتراط، وحديث المنع على الاشتراط؛ ولذا قال الشعبي: (لا يَشترط المعلم إلا أن يُعطى شيئًا فليقبله)، فإذا اشترط دخل في المنع؛ لأنه حينئذٍ همُّه الدنيا، وقال الحكم: (لم أسمع أحدًا كره أجرة المعلم).

على كل حال إذا أُعطي المعلم من غير اشتراط جاز له ذلك، وكذلك في التحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومسألة أخذ الأجرة على التحديث مسألة مبحوثة في كتب المصطلح، وإذا جاز ذلك في كتاب الله -جلَّ وعلا- كان ذلك في الحديث من باب أولى، والتعليم عمومًا، والوظائف الدينية.

يقول الإمام أحمد -رحمه الله- في حق من قال: (أُصلي بكم رمضان بكذا)، قال: (هذا رجل سوء، مَن يُصلي خلف هذا؟)، لماذا؟ لأنه اشترط، لكن لو صلى بدون اشتراط وأُعطي جُعلًا من بيت المال أو مِن مُتبرِّع فحينئذٍ لا بأس، وقُل مثل هذا في التعليم.

وكان بعض المحدثين يتورَّع عن أخذ الأجرة، وهذا محفوظٌ عن كثير من الكبار، وبعضهم يُفرِّق بين العلوم، فلا يأخذ أجرة على تعليم العلوم الشرعية بينما يأخذ الأجرة على علوم العربية، والتواريخ، والأدب وغير ذلك، فيشترط، وقد ذُكِر عن بعضهم أنه كان يشرح البيت من (ألفية ابن مالك) بدرهم، مشارطةً: كل بيت بدرهم، فمثل هذا العلم وإن كان وسيلة إلى فهم الكتاب والسُّنَّة ففيه نوع شرعيَّة إلا أنه أسهل من الغايات، وتساهلوا في اشتراط أخذ الأجرة عليه، وإن كان وسيلة للعلم الشرعي ولفهم الكتاب والسُّنَّة، لكنه أخف من الغاية التي هي العلوم الشرعية الثابتة بنصوص الوحيين، لكن ما يخدم نصوص الوحيين من علوم الآلة خفَّفوا فيه.

وأما الغايات التي هي الوحيان وما يُستنبط منهما من علوم الفقه والعقيدة وغير ذلك، فمثل هذا لا تجوز المشارطة عليه، وإذا سمعنا في حديث ابن عباس «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» هان الأمر من غير مشارطة، وقُل مثل هذا في الصلاة، في الإمامة، في الأذان، وفي غيرها من الوظائف الدينية إذا كانت من غير مشارطة فلا بأس، والله أعلم.