لبس الحذاء في المسجد الحرام

السؤال
ما حكم لبس الحذاء في المسجد الحرام؟
الجواب

الأصل في حكم هذه المسألة أن المسجد الحرام كغيره من بيوت الله، وغاية ما في ذلك أن الإنسان إذا وطئ بخفيه الأذى فطهورهما التراب، فليمسح هذا الأذى ويتأكَّد من نظافتهما قبل دخوله المسجد، هذا الأصل.

وجاء عنه –عليه الصلاة والسلام- في (البخاري) من حديث أبي مَسلمة سعيد بن يزيد الأزدي، قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي –صلى الله عليه وسلم– يُصلي في نعليه؟ قال: "نعم" [386].

وفي (سنن أبي داود) عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إن جبريل -عليه السلام- أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا» وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذىً فليمسحه وليصلِّ فيهما» [650].

وجاء أيضًا في (سنن أبي داود) عن شداد بن أوس –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم» [652] فقد أُمرنا بمخالفة ذلك، إذ هم ينزعون الخفاف والنِّعال عند الصلاة ويأتمون فيما يُذكر عنهم بموسى –عليه والسلام- حين قيل له في وقت المناجاة: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 12]، فنُهينا عن التشبُّه بهم، وأُمرنا أن نُصلي في خِفافنا ونعالنا، وإن كان بهما أذىً فمسحناهما بالأرض لِما تقدَّم. يعني إذا أراد الإنسان أن يدخل المسجد ليُصلي في نعليه؛ لمخالفة اليهود، وللاقتداء به –عليه الصلاة والسلام- في الصلاة بالنعال فإن عليه أن ينظر في نعليه أو في خُفيه، فإن كانا فيهما أذىً فليمسح ما بهما من أذى وليتأكَّد من ذلك، فليُمط ما بهما من أذىً بمسحهما بالتراب.

لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يلتفت إلى ذلك ولا يتفقَّد نعليه، ولذلك جاء التنبيه على عدم الصلاة بالنعال والدخول فيها في المساجد؛ لأن أسواق المسلمين الآن مملوءة بالمخلفات والمياه، وبعضها طاهر، وبعضها نجس، وكثُرتْ القاذورات في الشوارع، فالاحتياط للمسجد ولنظافة المسجد من باب درء المفاسد، نعم في الدخول فيها والصلاة فيها تحقيق مصلحةٍ وتحقيق حكمٍ شرعي، لكن إذا غلب على الظن أن الإنسان لا يلتفت إلى ذلك كما هو حال كثير من الناس عند دخول المسجد لا يلتفتون إلى ذلك، فإذا تعارضت المصالح والمفاسد مع التساوي، أو مع ترجيح المفاسد فإن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، فتُترك هذه السُّنَّة؛ لما يترتب على فعلها من المفاسد.

وبعض الناس يقتدي ببعض، ولو جاء منع بعض الناس وترك بعضهم؛ لأنه صاحب تحرٍّ أو يُظَن فيه التحرِّي ما تنضبط الأمور، ونحن نرى الناس يدخلون ولا يلتفتون إلى نعالهم ولا يرون ما وطئوا فيها، فالأولى تنزيه المسجد عن ذلك؛ لأن هذه المفسدة غالبة على الظن، ودرءُ المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح. وأيضًا قد يُوجِد إشكالًا بين الناس ويُوجِد أيضًا خصومةً وشجارًا، هذا يقول: (اخلع نعليك)، وهو يقول: (أنا أريد أن أُطبِّق السُّنَّة، وأريد كذا).

على كل حال إذا أُمِنت المفسدة بأن تأكَّد من نظافة نعليه ومَسَحَهما بالتراب، وتأكَّد من أنهما ليس فيهما شيء من القاذورات، ودُرِأت المفسدة من الشجار والنزاع الذي جاء الشرع بحسمه، فإنه لا مانع حينئذٍ من الدخول فيها بالمسجد الحرام وغيره من المساجد من باب أولى، والصلاة فيهما هي السُّنَّة، والله أعلم.