كيفية الوصول إلى تذوُّق الحلاوة في العبادة

السؤال
لا أكاد أجد في قلبي تذوُّقًا لحلاوة الطاعة والعبادة، أُمارس بعض العبادات، وأُكثر من الذكر، لكن لا أُخفيكم لم أستطع أن أصل إلى تذوُّق ما يُذكر في الأحاديث وفي أقوال السلف من هذه الحلاوة في العبادة.
الجواب

المسلم وهو يعبد الله –جلَّ وعلا- في بداية أمره لا شك أنه في مرحلة جهاد، يجاهد نفسه لأداء ما أَمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، وقد لا يجد هذه اللذة لهذه الطاعة، ولا يتذوَّق هذه الحلاوة، لكنه مع طول المجاهدة والصدق والإخلاص فإنه يصل -بإذن الله-، وهذا أمرٌ معروف في جميع العبادات في أول أمرها تكون شاقة على النفس، ولذا فهي في الأصل تكليف، والتكليف: إلزام ما فيه كُلفة، والكلفة مما لا تهواه النفوس والطبائع في أول الأمر، ثم إذا استمر على هذا وجاهد نفسه وصل إلى مرحلة التلذُّذ، ويُذكر عن بعضهم أنه قال: (جاهدنا أنفسنا في قيام الليل عشرين سنة، ثم تلذَّذنا به عشرين سنة)، وهذا موجودٌ في جميع العبادات، فبعض الناس يشق عليه الصيام، ثم بعد ذلك لا يلبث أن يتأَقلم -كما يقولون- مع الصيام، ويأَخذ عليه، ويتلذَّذ به، ويرى فوائده الحاضرة، ويقرأ ما جاء فيه من الفضل.

وقُل مثل هذا في العلم، وهو من أشق الأمور على النفس في أول الأمر، ثم بعد ذلك يتلذَّذ به إذا تتابع على التحصيل ووصل إلى ما يبحث عنه من فوائد، فإنه يتلذَّذ بذلك، والتعليم في أول الأمر شاق، ويحتاج إلى جهاد، ثم بعد ذلك يتلذَّذ به، ويبذل الساعات، ووجدنا وسمعنا وعرفنا مَن يقرأ في اليوم الساعات الطوال المتواصلة وهو متلذِّذ في سرورٍ وحبور وهو يقرأ في كتب العلم، بينما لو تُعطي الكتاب شخصًا آخرَ ما صبر عليه دقائق، وهذا يجلس الساعات! بل منهم مَن يقرأ الخمس ساعات والست ساعات، بل العشر ساعات، وأكثر من ذلك.

 وذُكِر عن بعض شيوخ مشايخنا أنه في ليلة زفافه كان قد أشكل عليه آية في الدرس في معناها، فنزل إلى مكتبته ومازال يُطالع التفاسير؛ لكشف معناها، وينتقل من تفسيرٍ إلى آخر، فلم يشعر إلا بأذان الفجر! يتلذَّذون بذلك.

ومسألة الاكتشاف في كل مناحي الحياة مسألة لها وقع في النفس، ومن ذلك اكتشاف المسائل العلمية، واكتشاف الأحكام على الأشياء من خلال كتب أهل العلم بأدلتها، وهذا شيءٌ يعرفه من جرَّبه، وهو معروف لدى جُلِّ المتعلمين الذين وصلوا إلى هذه المرحلة، والله أعلم.