قطع الصفوف في المسجد الحرام أثناء صلاة الجنازة وبعضهم يصلي الراتبة

السؤال
قطعتُ الصفوف أثناء صلاة الجنازة في المسجد الحرام، ولكن بعض الناس لم يكن يصلي الجنازة، وإنما يصلي السنة الراتبة التي بعد الصلاة، فهل علي إثم في ذلك؟
الجواب

المصلي لا يخلو إما: أن يكون إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، والمأموم سترته سترة إمامه، فيجوز المرور بين يديه، وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في مِنى دليل على ذلك، وهو أنه جاء على أتان فمرَّ بين يدي الصف، فنزل عنها، والتحق بالصف، وتركها ترتع [البخاري: 76]، ومعلوم أن الحمار يقطع الصلاة، لكنهم يصلون خلف النبي -عليه الصلاة والسلام-، فالمأموم لا يؤثِّر عليه ذلك.

وأما بالنسبة للإمام والمنفرد فإن صلى أحدهما إلى سترة فلا يجوز المرور بينه وبين سترته، وإذا كان أحد الثلاثة: الكلب، والحمار، والمرأة، فإنه يقطع الصلاة كما جاء في الحديث الصحيح [مسلم: 510]، وأما ما عدا ذلك فإنه لا يقطع الصلاة، بل ينقص أجرها، وعلى المصلي أن يحتاط لنفسه، ويتَّخذ سترة، «إذا صلى أحدكم فليصل إلى شيء يستره» [مسند أحمد: 7461 / ومسند إسحاق: 295]، وفي حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» [البخاري: 509]، وفي رواية: «فإن معه القرين» [مسلم: 506]، فلا يجوز المرور بين المصلي وسترته، وإذا كان ليس لديه سترة فليبتعد عنه قليلًا مسافة ثلاثة أذرع -كما يقول أهل العلم- ويَمر بلا حرج، وهذا تفريط من المصلي الذي يصلي إلى غير سترة، وجاء في الحديث: «استتر ولو بسهم» [مسند أحمد: 15340 / وصحيح ابن خزيمة: 810]، فعلى هذا إذا لم يستتر بسترة فلا يجوز له أن يدفع الناس؛ لحديث أبي سعيد «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه...» إلى آخر الحديث الذي ذكرناه آنفًا.

وهذا الذي مرَّ بين يدي الذين يصلون الجنازة هم خلف الإمام، فلا يضر، وأما الذين يصلون الراتبة التي بعد الصلاة فهؤلاء إذا لم يستتروا فليس لهم الحق في الرد والمنع، وإذا استتروا فلهم أن يمنعوا كما في حديث أبي سعيد.

يبقى أن المسألة في المسجد الحرام، والمسجد الحرام استثناه جماعة من الفقهاء، فرخَّصوا في المرور بين يدي المصلي فيه؛ للمشقة وعدم تيسُّر السترة، وهناك أوقات يتعسَّر ردُّ الناس فيها، وقد صلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وبين يديه الطائفين في بعض الأخبار [سنن النسائي: 758]، وإن كان ضعيف الإسناد إلا أن له نظائرَ وشواهدَ، فاستثنى مجموعة من أهل العلم المسجد الحرام، وبعضهم يستثني المسجد النبوي؛ لأنه يشابهه في المشقة، لكن مع ذلك حديث أبي سعيد جاء في المسجد النبوي، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أين قال هذا الحديث: «فليدفعه فإن معه القرين»؟ قيل في المسجد النبوي، فاستثناء المسجد النبوي وإن كان في قواعد أهل العلم أن المشقة تجلب التيسير، فإذا وُجدت المشقة والزحام الشديد بحيث لا يستطيع دفع الناس فالمشقة عند أهل العلم تجلب التيسير، وأما الاستثناء ابتداءً: أنه يُستثنى المسجد النبوي، بحيث يتساهل الناس في ذلك، ولا يدفعون ولا يستترون، فمثل هذا لا يمكن أن يَرد والحديث قيل في المسجد النبوي.