كتاب الإيمان (44)

عنوان الدرس: 
كتاب الإيمان (44)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ Ramadan/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ»".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ- في شرحه: (بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ")، "إلا بالشرك" يُشكل هذا على القول المعتمد عند أهل السنة أن من المعاصي ما يكفر به صاحبها من المعاصي العملية، فإذا ارتكب مكفرًا كترك الصلاة مثلاً فإنه يكفر، إذا ترك جنس العمل ولم يعمل أي عمل، فالترك معصية، والتعميم: "وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ" معناه أنه إذا سلم من الشرك ولو لم يعمل شيئًا، يسلم، فإنه لا يكفر، هذا مشكل على القول باشتراط جنس العمل على ما تقدم. ولعل في الشرح ما يثير بعض المسائل التي نستفيد منها في هذا الباب.

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: ("بابٌ" هو منون)؛ لأن الجملة التي بعده تامة فهو مضاف إلى الجملة أو مقطوع عن الإضافة، فالجملة بعدها تامة: "المعاصي من أمر الجاهية"، "المعاصي" مبتدأ، و"من أمر الجاهلية" متعلق بمحذوف كائنة "من أمر الجاهلية"، هو خبره. (وقوله "المعاصي" مبتدأ، و"من أمر الجاهلية" خبره، والجاهلية ما قبل الإسلام)، الجاهلية ما قبل الإسلام منسوبة إلى الجهل المطبق العام الشامل، ولا يراد بها الجهل الذي هو نقيض العلم؛ لأن كثيرًا من عوام المسلمين يصدق عليهم هذا الوصف. لكن الجاهلية بهذا الإطلاق إذا عمت وشملت وطبقت في الأرض صارت جاهيلة. وقد تتكرر الجاهلية، يعني ما قبل الإسلام؛ لأن الحافظ ابن حجر يقول: (والجاهلية ما قبل الإسلام)، وهل تطلق على العصور المتأخرة إذا طبق الجهل على أهلها؟ وطبق الشرك والكفر على أهلها، ولو في بلد أو في جهة من الجهات؟ يعني كما كُتب في جاهلية القرن العشرين. لكن هذا التعبير صحيح أو غير صحيح؟

طالب: لا ينطبق عليه الوصف الشرعي.

لا، إطلاق الجاهلية، يقول: لما كنا في الجاهلية. بعض الناس لما كان في وقت فسق ثم مَن الله عليه بالتوبة والالتزام والاستقامة يقول: لما كنت في الجاهلية، يعني لما كنت جاهلاً. لكن الجاهلية كذا بهذا الإطلاق تنصرف إلى ما قبل الإسلام، وتقييدها في مكان أو في زمان أو ما أشبه ذلك بهذا القيد ما فيه ما يمنع. لكن بالإطلاق لا تنصرف إلا إلى ما كان قبل الإسلام؛ لأن الجاهلية منسوبة إلى الجهل، فالجهل قد يكون مطبقًا في بعض البلدان أو في بعض العصور، فتكون جاهلية، لكنها نسبية.

(والجاهلية ما قبل الإسلام، وقد يطلق في شخص معين أي في حال جاهليته)، (في حال جاهليته) يعني قبل أن يُسلم ولو كان بعد الإسلام، يعني قبل أن يسلم في جاهليته لما كان كافرًا ثم أسلم، ما قبل إسلامه جاهليته، فهي جاهلية نسبية بالنسبة لهذا الشخص. (أي في حال جاهليته.

وقوله: "ولا يُكفَّر" بتشديد الفاء المفتوحة، وفي رواية أبي الوقت بفتح أوله وإسكان الكاف)، يعني: ولا يَكْفر. (وقوله: "إلا بالشرك" أي أن كل معصية تؤخذ من ترك واجب أو فعل محرم فهي من أخلاق الجاهلية)، يعني ودليلها حديث أبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ولا يصلح أن يقال في مثل هذا: إنك جاهلي. هو مسلم، لكن فيه خصلة من خصال الجاهلية، كما يقال: فيه نفاق وهو مسلم، لكن فيه خصلة من خصال النفاق، كما يقال: فيه شرك وإن لم يكن مشركًا، لكن فيه خصلة يشابه فيها المشركين.

طالب: .......

لا لا، أميين، كانوا أميين، بالنسبة للجهل جهال.

طالب: .......

انتشار الكفر والشرك والفسوق والمعاصي كله جهل ولو كانوا علماء، افترض أنهم متعلمون، ومن أقدم أمة متحضرة، وعندها من العلوم والمخترعات ما ليس عند غيرها، لكنهم كفار مشركون وفجار.

طالب: يعني في باب الدين؟

جاهلية نعم.

(والشرك أكبر المعاصي، ولهذا استثناه).

طالب: .......  

هو يطلق على نفسه، ما هو يقال له، هو يقول: كنت في جاهليتي أفعل كذا، الناس تقول على أنفسهم، يعني لما كنت جاهلاً غافلاً عن أوامر الله ونواهيه، هذا قصده. والجاهل يحصل ممن ارتكب المحرم ولو كان عارفًا بالحكم بدليله، يطلق عليه جاهل: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17]، {بِجَهَالَةٍ} يعني الذي يعرف الحكم بدليله، يعرف أن الخمر حرام، ويعرف النص من الكتاب والسنة، فهذا ما له توبة؟ له توبة، لكنه جاهل ولو عرف الحكم بدليله، بدليل الآية.

طالب: .......

فيه ما يمنع؟

طالب: .......

من الذي يمنع؟

ما أقول مثل هذا، أنا أقول لك في مجتمع كامل مثل الأمريكان والإنجليز والصين، دولة جاهلية دون شك.

طالب: .......

شخص بذاته ما يطلق عليه هو، ما يطلق من قِبل غيره، لكن هو إذا قال: كنت في جاهليتي.

طالب: .......

جاهليته هو، وقد تطلق في شخص معين أي في حال جاهليته، وهذه أعم من أن يكون كافرًا قبل الإسلام ثم أسلم، كما حصل لكبار الصحابة، أو يكون شخص غافلاً جاهلاً في بادية لا يتعلم العلم، ولا يلتفت إليه، ولا يأتمر بأوامره، ولا ينتهي بنواهيه، هذا تنطبق عليه الحقيقة العرفية واللغوية.

(والشرك أكبر المعاصي، ولهذا استثناه. ومحصل الترجمة: أنه لما قَدم أن المعاصي يطلق عليها الكفر مجازًا على إرادة كفر النعمة لا كفر الجحود، أراد أن يبين أنه كفر لا يُخرج عن الملة، خلافًا للخوارج الذين يُكفرون بالذنوب، ونص القرآن يرد عليهم، وهو قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48])، ما فيه شك أن الخوارج يُكفرون بمفردات الذنوب، بمفردات المعاصي الكبائر، بمفرداتها، يُكفرون شارب الخمر، يكفرون الزاني، يكفرون المرابي، بمفرداتها. والمعتزلة يوافقونهم في المآل وإن خالفوهم في الوصف، يقولون: هو في الآخرة مخلد في النار، لكنه في الدنيا في المنزلة بين المنزلتين، لا نسميه لا مؤمنًا ولا كافرًا، في المنزلة بين المنزلتين، بالمفردات. أما بالعموم، شخص لا يأتمر بأي أمر، ولا ينتهي عن أي نهي، والعمل شرط في صحة الإيمان، والمراد جنسه، مقتضى هذا أنه يكفر. والمسألة كما تعلمون خلافية، لكن...

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

لكن عموم الآية مخصوص بينهم، «بين المؤمن -أو المسلم- والكفر -أو الشرك- ترك الصلاة» عند من يقول بكفره، عموم الآية مخصوص.

({وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فصيَّر ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة)، يعني هل الآية مطردة منعكسة أم لا؟ يعني مطردة ومنعكسة أم غير مطردة ولا منعكسة؟ غير مطردة لدخول التخصيص، ولا منعكسة باعتبار أن الشرك الأصغر وإن كان لا يغفر عند جمع من أهل العلم إلا أن مآله إلى الجنة، يعني لا يغفر، لا بد أن يُعذب في قول جمع من أهل العلم، ومن أهل العلم من يقول: داخل تحت المشيئة، لكن عموم اللفظ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، الشرك لا يغفر صغيره وكبيره، لا بد من أن يعذب، وهذا مقتضى الآية.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لكنه لا يُغفر {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، عموم هذا، عموم عدم المغفرة التعذيب.

طالب: .......

يدخل.

طالب: .......

لا لا، ما يخرج من الملة الشرك الأصغر.

طالب: .......

لا، لكن دلت الأدلة الأخرى على أن الشرك الأصغر لا يأخذ حكم الشرك الأكبر في التخريج من الملة.

({وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فصيَّر ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة، والمراد بالشرك في هذه الآية الكفر؛ لأن من جحد نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- مثلاً كان كافرًا، ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف)، يعني الخلاف في أهل الكتاب هل يقال: إنهم مشركون أو لا يقال: إنهم مشركون، وإن كانوا كفارًا بالإجماع، حتى قال أهل العلم: إن من شك في كفرهم فهو كافر، وبعضهم نقل الإجماع على ذلك. لكن هل يقال: مشركون أو لا يقال؟

طالب: .......

عند جمع من أهل العلم، والذي رجَّحه ابن رجب أنه لا يقال: مشرك، إنما كفار، وفيهم شرك.

طالب: .......

نعم قالوا هذا في وقت التنزيل بعد، وذكر الله ذلك عنهم. لكن هل يقال: هم مشركون أو فيهم شرك؟

طالب: فيهم شرك.

هذا ما قرره الحافظ ابن رجب، وإن كان كثير من أهل العلم يرى أنهم مشركون.

طالب: .......

هم خصوا هذا بهذا، وأولئك قالوا: هم كفار بالإجماع {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [البينة: 1].

طالب: .......

وأهل الكتاب؟ كفروا. المقصود سنرى ماذا يقول الشارح.

(والمغفرة منتفية عنهم بلا خلاف، وقد يَرد الشرك ويراد به ما هو أخص من الكفر كما في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة: 1])، هذه حجة من يقول: إنهم غير كفار. لكن قد يقول قائل: هم كفار بالإجماع، {الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} كفار، {وَالْمُشْرِكِينَ} يعني من باب عطف الخاص على العام باعتبار أن الشرك نوع من أنواع الكفر.

({لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة: 1]، قال ابن بطال: غرض البخاري الرد على من يُكفر بالذنوب كالخوارج، ويقول: إن من مات على ذلك يُخلد في النار)، أعوذ بالله. (يقول: إن من مات على ذلك يُخلد في النار، والآية ترد عليهم؛ لأن المراد بقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] من مات على كل ذنب سوى الشرك. وقال الكرماني في استدلاله بقول أبي ذر: "عيرته بأمه" نظر؛ لأن التعيير ليس بكبيرة، وهم لا يكفرون بالصغائر.

قلت: استدلاله عليهم من الآية ظاهر)، (استدلاله) يعني البخاري (عليهم) أي الخوارج (من الآية ظاهر، ولذلك اقتصر عليه ابن بطال، وأما قصة أبي ذر فإنما ذُكرت ليستدل بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يَخرج عن الإيمان بها سواء كانت من الصغائر أم الكبائر وهو واضح)، "المعاصي من أمر الجاهلية"، فالتعيير معصية، وهو من أمر الجاهلية سواء قلنا: إنها كبيرة أو صغيرة، لكنها من أمر الجاهلية، فهنا مطابقة.

قال: (وأما قصة أبي ذر فإنما ذُكرت ليستدل بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يَخرج عن الإيمان بها سواء كانت من الصغائر أم الكبائر، وهو واضح، واستدل المؤلف أيضًا على أن المؤمن إذا ارتكب معصيةً لا يكفر بأن الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن)، يعني إذا ارتكب معصية، يعني لا تصل إلى حد الكفر كترك الصلاة. (بأن الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن، فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9])، {اقْتَتَلُوا} القتال من كبائر الذنوب، وسماهم: مؤمنين، (ثم قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]، واستدل أيضًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما» فسماهما مسلمينِ مع التوعد بالنار)، يعني «فالقاتل والمقتول في النار»، توعدهم بالنار وقد ارتكبا كبيرة من كبائر الذنوب، ومع ذلك سماهما مسلمينِ.

(والمراد هنا: إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ)، يعني في مسألة البغي، البغاة معهم تأويل سائغ، على كلامه إذا كانت بتأويل سائغ لا تدخل فيما قرره؛ لأنه قال: (والمراد هنا: إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ).

طالب: .......

نعم، «إذا التقى المسلمان بسيفيهما».

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

.......

طالب: .......

الشرح مدرج، شرح الحديث الثاني مدرج في الأول.

طالب: .......

تقرأ الباب الذي يليه؟

طالب: "بَابٌ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، فَسَمَّاهُمُ {المُؤْمِنِينَ}.

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»".

الأحنف ذهب لينصر عليًّا -رَضِيَ اللهُ عنهُ-، ولا شك أن عليًّا -رَضِيَ اللهُ عنهُ وأرضاه- معه الرجحان في هذه القضية، ومعه الحق؛ لأنه إمام شرعي، ومن خرج عليه ومعه تأويل سائغ، هاتان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، يجب الإصلاح بينهم، وبعد الإصلاح والاتفاق إذا بغت إحداهما على الأخرى، فيجب أن تُقاتَل: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات: 9]. ولا شك أن ما حصل بين الصحابة أمر محير مذهل! كل منهم يعترف للآخر بالفضل، يعني عائشة لما خرجت إلى علي -رَضِيَ اللهُ عنهُ- هل يُظن بها أنها لا ترتضيه خليفة؟ لا، هي التي أشارت به لما استُشيرت بعد قتل عثمان، وإن كان في نفسها عليه شيء، فلما استشاره النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في قصة الإفك قال: النساء غيرها كثير، لذلك لما روت حديث مرضه- عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: فخرج -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- بين العباس وآخر، يعني ورجل آخر، ما سمته، وهو علي -رَضِيَ اللهُ عنهُ-؛ لما في نفسها. لكن هل منعها أن تقول الحق، وتقضي بالحق؟

اشتُشيرت فقال: علي. علي -رَضِيَ اللهُ عنهُ- هل عاملها على أنها باغية ويجب أن تُقاتَل؟ لما أقبلت قال: والله إنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم. يعني هذه الأمور شيء يُحير، وهذا شأن الفتن إذا وقعت «تدع الحليم حيران». وهذا الصحابة متوافرون، والنبي- عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يعني ربع قرن بعد وفاته، ما بالعهد من قِدم. فكيف بالحال وقد طال الأمد؟

فعلى الإنسان أن يحرص على حفظ نفسه وحفظ لسانه، ولا يقول شيئًا إلا إذا اضطر إليه بعد تحرٍّ شديد؛ لئلا يتسبب قوله في قتل مسلم: «ومن أعان على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة»، قد يقول كلامًا يلقيه على عواهنه، أو يفتي بفتوى يترتب عليها إراقة دم. وسعد بن أبي وقاص وهو من العشرة المبشرين بالجنة، اعتزل الفتنة، وجاء ابنه عمر فقال له في ضيعته، قال: الناس يقتسمون الملك وأنت جالس هنا؟ فضربه في صدره ودفعه، ولما أقبل قبل ذلك يقول: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. السلامة لا يعدلها شيء. لكن أيضًا إذا بان رجحان أحد الطرفين فيجب الإصلاح، فإن لم يحصل فلا بد من كف الطائفة الأخرى التي ينطبق عليها الوصف بالبغي، يعني لو تُركوا يتقاتلون من غير نصر لصاحب الحق.

طالب: يهلكون جميعًا.

يهلكون، وكون واحد أو اثنين أو عشرة من أهل التحري يطلبون السلامة وينعزلون فهذا وجهة نظرهم، وحصلت من بعض الصحابة.

طالب: .......

الذي يأمر...

طالب: بالقتل.

على كل حال إذا كان القاتل مكلفًا فهو المباشر، والآمر متسبب.

طالب: .......

في مثل أي ظرف؟ ظرف عادي يعني؟ أنت أو زيد من الناس أعطى شخصًا مسدسًا قال: اذهب اقتل فلانًا.

طالب: .......

على كل حال هذا عندهم، هي أمور عامة تحتاج إلى فتوى عامة، ما تحتاج إلى فتوى فردية.

(واستدل أيضًا بقوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر: «فيك جاهلية» أي خصلة جاهلية، مع أن منزلة أبي ذر من الإيمان في الذروة العالية، وإنما وبَّخه بذلك على عظيم منزلته عنده تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك)؛ لأنه قد يواجَه شخص بما لا يواجَه به غيره بحسب منزلته ورسوخ قدمه، يعني مثل ما قلنا في مناسبات وفي دروس: إن الإمام قد ينصرف إلى المأمومين، ويرى شخصًا يقضي ركعة، وآخر يقضي أربعًا، يمكن أن يتجه باللوم على من يقضي ركعة ويشكر هذا الذي يقضي أربعًا؛ لأن المنازل تختلف.

(لأنه وإن كان معذورًا بوجه من وجوه العذر، لكن وقوع ذلك من مثله يُستعظم أكثر ممن هو دونه، وقد وضح بهذا وجه دخول الحديثين تحت الترجمة، وهذا على مقتضى هذه الرواية رواية أبي ذر عن مشايخه، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي، وأما رواية الأصيلي وغيره فأفرد فيها حديث أبي بكرة بترجمة: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الحجرات: 9]، وكل من الروايتين جمعًا وتفريقًا حسن)، يعني سواء كانت رواية أبي ذر أو رواية الأصيلي أو رواية المستملي، (كل من الروايتين جمعًا وتفريقًا حسن) سواء كانت ترجمة واحدة أو ترجمتين.

(والطائفة القطعة من الشيء).

طالب: .......

لا، هو استدل بالآية على أنه الشرك.

طالب: .......

غرض البخاري الرد على من يُكفر بالذنوب كالخوارج: (ولذلك اقتصر عليه ابن بطال، وأما قصة أبي ذر فإنما ذُكرت ليستدل بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يَخرج عن الإيمان بها سواء كانت من الصغائر أم الكبائر، واستدل المؤلف أيضًا على أن المؤمن إذا ارتكب معصيةً لا يكفر). لكن ما الفرق بين الشرك الأكبر والكفر من حيث النتيجة؟ ما فيه بينهما فرق، الشرك الأكبر كفر.

طالب: .......

لكن نص الآية على الشرك، وإطلاق الكفر على الشرك من باب أن المآل واحد، وإن كانت حقيقة الشرك في بعض صورها تختلف عن حقيقة الكفر.

طالب: .......

بينهم نعم. لا شك بينهم.

طالب: .......

لكن مثل اليهود والنصارى، مثل ما قرَّره ابن رجب: يطلق عليهم الكفر، ولا يطلق عليهم الشرك، ومن أطلق عليهم الشرك، ما فيه فرق.

طالب: ....... ثم قال: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38] .......؟

هو قد يُطلق هذا على هذا وهذا على هذا باعتبار أن المآل واحد، النتيجة واحدة، وإن كانت بعض صور الشرك لا تُسمى كفرًا، وبعض الكفر ليس فيه تشريك.

({وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الحجرات: 9]، وكل من الروايتين جمعًا وتفريقًا حسن. والطائفة القطعة من الشيء، ويطلق على الواحد فما فوقه عند الجمهور)، لذا قال: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، يعني: ولو واحد. وفي صلاة الخوف يُقسم الجيش إلى طائفتين؛ طائفة تصلي مع الإمام وطائفة تحرس، وقالوا: أقل ما تنعقد به صلاة الخوف ثلاثة.

(وأما اشتراط حضور أربعة في رجم الزاني مع قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، فالآية واردة في الجلد، ولا اشتراط فيه، والاشتراط في الرجم بدليل آخر. وأما اشتراط ثلاثة في صلاة الخوف مع قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] فذلك لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]، فذكره بلفظ الجمع)، {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} [الجمعة: 9]، كم أقل من ينطبق عليه العدد؟

طالب: ثلاثة.

{فَاسْعَوْا}؟

طالب: ثلاثة.

اثنان مأمور بالسعي، وواحد ينادي، وواحد يخطب.

طالب: أربعة.

صاروا أربعة، لكن لا يمنع أن يكون المنادي هو الخطيب، ما فيه ما يمنع، فيكون أقله ثلاثة.

طالب: .......

يعني القاتل واضح. والمقتول حريص على قتل صاحبه.

طالب: .......

يعني من أجل ألا يؤاخذ؟

طالب: .......

لا، الحديث نص: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه»، وبها يستدل أهل العلم على أن العزم يؤاخذ عليه، هذا عزم، لكنه عزم مقرون بفعل سعي المقاتلة، فهو مؤاخذ على هذا السعي.

(قوله: "حدثنا أيوب" هو السختياني، و"يونس" هو ابن عبيد، و"الحسن" هو ابن أبي الحسن البصري، و"الأحنف بن قيس" مخضرم، وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن قبل إسلامه، وكان رئيس بني تميم في الإسلام، وبه يُضرب المثل في الحلم.

وقوله: "ذهبت لأنصر هذا الرجل" يعني عليًّا، كذا هو في مسلم من هذا الوجه، وقد أشار إليه المؤلف في الفتن، ولفظه: أريد نصرة ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. زاد الإسماعيلي في روايته: يعني عليًّا. و"أبو بَكْرة" بإسكان الكاف هو الصحابي المشهور، وكان الأحنف أراد أن يخرج بقومه إلى علي بن أبي طالب ليقاتل معه يوم الجَمل، فنهاه أبو بكرة فرجع، وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمينِ التقيا بسيفيهما حسمًا للمادة). الآن إذا وقعت مثل هذه الفتن وأنت تريد أن تنصر طائفة وتقاتل طائفة، الطائفة التي معها الحق تنصرها، والباغية تقاتلها. لكن إذا حصل هذا الاختلاط بين المحق والمبطل، ألا يحتمل أن يكون الاحتمال قائمًا على أن تقتل مسلمًا من الطائفة صاحبة الحق؟

يعني في العراق مثلاً ما حصل قتل سني لسني يوافقه في كل شيء في خضم هذا الاختلاط وهذه الفتن التي تموج؟

طالب: بلى.

ولذلك السلامة لا يعدها شيء، وأيضًا فكون الأمة يطحن بعضها بعضًا من غير فصل من أهل الحل والعقد ممن أُنيط بهم مثل هذا الأمر، هذه أيضًا كارثة، يعني لو تخاذل الناس وتركوا الإخوان في الشام مثلاً ما أفتوهم ولا ساعدوهم ولا نصروهم ولا أيدوهم انتهى، والطريق على غيرهم بعد، والعدو يمشي على الأمة شيئًا فشيئًا ونحن نتفرج. لا بد من وقفة صادقة من أولي الأحلام من أهل الحل والعقد في وقف هذا النزيف الذي أضعف الأمة وكسر شوكتها، وأظهر عليها عدوها، تكون لقمة سائغة لكل من يريد أكلها.

(وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمينِ التقيا بسيفيهما حسمًا للمادة، وإلا فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ كما قدمناه، ويخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي)، يعني في الآية.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

يعرف، نعم، لكن ما يأمن أن يقتل من أصحاب علي الذين خرجوا لنصرته. يعني مع موجان الفتن لا تأمن ألا تسلم من دم مسلم معصوم.

طالب: .......

نعم، وهو راوي الحديث.

طالب: وهو راوي الحديث.

نعم، مثل ما قلت لك: احتمال أنت عندك الحق أبلج قبل أن تصل إلى المعركة، لكن إذا وصلت تغيَّرت حساباتك، عندك نية وعزم على أنك ما تقتل إلا من يستحق القتل، لكن إذا وصلت هناك -نسأل الله السلامة- ما تضمن، هذا الذي جعلهم يعتزلون، وإلا فالآية صريحة.

طالب: .......  

مشكلة أن التطاول على الرب -جَلَّ وعَلا- وعلى نبيه الكريم -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- صار مألوفًا عند المسلمين، ويوجد هناك مقاهٍ واجتماعات مشبوهة تقرر هذا الأمر وتعرض هذه الشبهة على شباب المسلمين بل على الشابات أيضًا. محلات تجلب الناس يسمونها مقهى الكتاب مثلاً، وهذا موجود، مقهى الكتاب، ويجتمعون فيه باستمرار، ويقررون ما يريدون، وعندهم كتب، وكلها كتب مشبوهة التي عندهم، ويخشى أن يستفحل الأمر بحيث لا يُقدر عليه. وأول ما حصل مثل هذا في الأقطار المقاهي والمطاعم، يجتمعون ويقررون أشياء، ثم بعد ذلك ينتشر ويستفحل الأمر ولا يستطاع القضاء عليه، لكنه الآن في بداياته. ولا بد من الحزم في حسم هذه المادة، يعني كفر صريح، نقل كلامًا لا يمكن أن يُتحمل سماعه، نسأل الله العافية.

يقول: (وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع علي باقي حروبه، وسيأتي الكلام على حديث أبي بكرة في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى، ورجال إسناده كلهم بصريون، وفيه ثلاثة من التابعين يَروي بعضهم عن بعض: وهم أيوب والحسن والأحنف.

 قوله: "عن واصل" هو ابن حيان)، يعني الأحدب، (وللأصيلي: هو الأحدب، وللمصنف في العتق: حدثنا واصل الأحدب)، وقد يتصحف إلى عاصم الأحول، في بعض الروايات حصل تصحيفه واصل الأحدب إلى عاصم الأحول، وهذا يسمونه تصحيف سمع؛ لكونهما على وزن صرفي واحد.

(قوله: "عن المعرور"، وفي العتق: سمعت المعرور بن سويد، وهو بمهملات ساكن العين)، مَعْرُور، وفي بعض طبعات التقريب الهندية يسمونه: المعروف بين سويد، وهو خطأ.

(قوله: "بالرَّبذة" هو بفتح الراء والموحدة والمعجمة: موضع بالبادية بينه وبين المدينة ثلاث مراحل)، يعني على مائة وعشرين كيلو من المدينة، وكانوا ينزلون الاسم هذا على الحناكية، وهي قريبة جدًّا من المدينة، إلى وقت قريب، ودراساتهم تنص على أن الربذة هي الحناكية، ثم بعد ذلك دلَّتهم الدراسات على أن الربذة ضعف هذا العدد، ضعف هذه المسافة المذكورة.

طالب: ليست الحناكية.

قالوا: الحناكية إلى وقت قريب، إلى أن طلعت دراسات وأبعدوها قليلًا، أبعدوها لما هو بعد ثلاث مراحل.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

طالب: لكن الجهات تختلف يا شيخ.

هو على كلامهم مائة وعشرون، ثلاث مراحل.

طالب: .......

لكن الذي قرروه أخيرًا أكثر بكثير.

(قوله: "وعليه حلة وعلى غلامه حلة" هكذا رواه أصحاب شعبة عنه، لكن في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة: أتيت أبا ذر فإذا حلة عليه منها ثوب، وعلى عبده منها ثوب)، يعني بينهما حلة واحدة؛ لأن الحلة عبارة عن ثوبين، والمتن يدل على أنها حلة كاملة عليه، وحلة كاملة على العبد.

(وهذا يوافق ما في اللغة أن الحلة ثوبان من جنس واحد، ويؤيده ما في رواية الأعمش عن المعرور عند المؤلف في الأدب بلفظ: رأيت عليه بُردًا، وعلى غلامه بردًا، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حلةً. وفي رواية مسلم: فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلةً. ولأبي داود: فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلةً. فهذا موافق لقول أهل اللغة؛ لأنه ذكر أن الثوبين يصيران بالجمع بينهما حلةً، ولو كان كما في الأصل على كل واحد منهما حلة لكان إذا جمعهما يصير عليه حلتان.

 ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه بُرد جيد تحته ثوب خلِق من جنسه، وعلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك، وأعطيت الغلام البرد الخلِق بدله لكانت حلةً جيدةً)، يعني على أبي ذر، على السيد، والحلة الثانية الرديئة تكون على الغلام.

(فتلتئم بذلك الروايتان، ويحمل قوله في حديث الأعمش: لكانت حلةً، أي كاملة الجودة، فالتنكير فيه للتعظيم، والله أعلم.

وقد نقل بعض أهل اللغة أن الحلة لا تكون إلا ثوبين جديدين يَحلُّهما من طيهما)، وعلى هذا يُشكل أن يكون على الغلام حلة؛ لأنهما ليسا جديدين، (فأفاد أصل تسمية الحلة. وغلام أبي ذر المذكور لم يُسمَّ، ويحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر، وحديثه عنه في الصحيحين، وذكر مسلم في الكنى أن اسمه سعد.

قوله: "فسألته" أي عن السبب في إلباسه غلامه نظير لبسه؛ لأنه على خلاف المألوف، فأجابه بحكاية القصة التي كانت سببًا لذلك. قوله: "ساببت"، وقع بيني وبينه سباب بالتخفيف)، لأن "ساببت" مفاعلة، مساببة مفاعلة بين الطرفين، أي حصل السبب من الطرف الأول، ثم حصل السبب من الطرف الثاني، (وهو من السب بالتشديد، وأصله القطع، وقيل: هو مأخوذ من السُّبة، وهي حلقة الدبر، سُمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشف عورته؛ لأن من شأن السابِّ إبداءَ عورة المسبوب.

قوله: "فعيرته بأمه" أي نسبته إلى العار، زاد في الأدب: وكانت أمه أعجميةً، فنِلت منها. وفي رواية: قلت له: يا ابن السوداء، والأعجمي من لا يُفصح باللسان العربي، سواء كان عربيًّا أو عجميًّا)، (والأعجمي من لا يُفصح باللسان العربي، سواء كان عربيًّا أو عجميًّا). يعني ما الفرق بين الأعجمي والعجمي؟ إذا كان الأعجمي...

طالب: .......

والعجمي باللسان، العجماء التي لا تنطق.

طالب: .......

ماذا؟

 كون الأعجمي الذي لا ينطق بالعربية منسوب إلى هذا؛ لأن الأعاجم لا ينطقون بالعربية، منسوب إلى الأعاجم، فيكون أعجميًّا. لكن عجمي، ومنه: «العجماء جبار»؛ تشبيهًا لها بالأعاجم الذين لا ينطقون بالعربية، فكون الكلام الذي لا يُفهم وجوده مثل عجمه، وكأنه ما يتكلم.

(والفاء في "فعيرته" قيل: هي تفسيرية، كأنه بيَّن أن التعيير هو السب، والظاهر أنه وقع بينهما سِباب وزاد عليه التعيير فتكون عاطفةً)، يعني سبَّه وعيَّره. (فتكون عاطفة، ويدل عليه رواية مسلم قال: أعيَّرته بأمه؟ فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية» أي خصلة من خصال الجاهلية).

يقول: (ويظهر لي أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقيةً عنده، فلهذا قال كما عند المؤلف في الأدب: قلت على ساعتي هذه من كبر السن)، يعني في جاهلية وأنا كبير السن ودخلت في الإسلام قديم وفي جاهلية. (قلت على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: «نعم»، كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فبيَّن له كون هذه الخصلة مذمومةً شرعًا).

 نعم. قد يخفى الحكم على الكبير، ما فيه ما يمنع؛ لأنه لا يمكن أن يحاط بأحكام الشريعة، ما يُتصور أن يحاط بها من شخص واحد، ولو كبر، ولو تقدم به السن وحرص على العلم، وتلقاه من مصادره، يعني يفوت عليه أشياء، عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء.

(فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعًا، وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذًا بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة)، «يطعمه مما يطعم، يكسيه مما يكتسي»، لكن هل يلزم أن يكون مساويًا له فيما يطعم؟ هو يطعم أنواعًا منها الجيد، والمتوسط، والذي دونه، فهو يطعم الجيد يطعمه من الجيد، يطعم المتوسط، يطعمه من المتوسط، لكن قد يطعم السيد الجيد، ويطعم من المتوسط أو دون المتوسط؛ لأنه من طعامه.

 (لأن المطلوب المواساة لا المساواة، وسنذكر ما يتعلق ببقية ذلك في كتاب العتق حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى. وفي السياق دلالة على جواز تعدية "عيرته" بالباء، وقد أنكره ابن قتيبة وتبعه بعضهم، وأثبت آخرون أنها لغة. وقد جاء في سبب إلباس أبي ذر غلامه مثل لُبسه أثرٌ مرفوع أصرح من هذا وأخص، أخرجه الطبراني من طريق أبي غالب عن أبي أمامة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى أبا ذر عبدًا، فقال: «أطعمه مما تأكل، وألبسه مما تلبس» وكان لأبي ذر ثوب فشقه نصفين فأعطى الغلام نصفه، فرآه النبي- صلى الله عليه وسلم- فسأله، فقال: قلتَ يا رسول الله: «أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون»، قال: نعم).

 ولا يمنع أن تكون هذه هي نفس القصة المذكورة في الباب.

طالب: .......

لا، ما أدري والله، نسيت، ما هي؟

طالب: .......

أين هو؟

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

ساببت؟

طالب: .......

بيني وبين رجل كلام.

طالب: .......

أن الرجل مذكور ....... لكن ليس غلامًا له.

طالب: .......

بلال مولى أبي بكر، والذي في القصة في الحديث مولاه هو غلامه هو.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

سبب ورود الحديث أنه رأى عليه حلة، وعلى غلامه حلة.

طالب: .......

نعم هذا يختلف عن هذا، لكن...

طالب: .......

لا لا، أكثر من سبب، ليس متفقًا عليها، ما يلزم أن تكون نصًّا، وقد يكون أكثر من سبب كما يكون لنزول الآية أكثر من سبب.

طالب: .......

قد تكون قصة ثانية، ما يمنع أن تكون قصة ثانية.

طالب: .......

أكثر الأسئلة عن سب النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وواجب طلبة العلم.

اللهم صل على محمد.

على طلبة العلم بيان مقامه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وبيان حكم من سبه.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك.