كتاب العلم (21)

عنوان الدرس: 
كتاب العلم (21)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- "بَابُ العِلْمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيْلِ.

حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ العِلْمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيْلِ"، جاء الحث على النوم بالليل وعدم السهر، كان يكره النوم قبلها، يعني صلاة العشاء والحديث بعدها، لكن حصل منه -عليه الصلاة والسلام- بعض الكلام مع بعض أصحابه، وبعض السهر في المصالح العامة، فترجم الإمام البخاري هذه الترجمة: "باب العلم والعظة بالليل"، والترجمة التي تليها: باب السمر في العلم، مما يدل على أن الكراهية للسهر أو الحديث بعد صلاة العشاء إنما هو فيما لا ينفع، أما ما ينفع فهذا أمر مشروع فعله النبي -عليه الصلاة والسلام- والمصلحة فيه راجحة، أما ما لا ينفع لا سيما وأنه قد يعوق عن قيام الليل المرغَّب فيه، بل قد يحول دون القيام لصلاة الصبح، ووصل الأمر من بعض من يسهرون إلى الفجر أو ما يقرب من الفجر منهم من يسهر إلى أن يصلي ثم ينام، هذا أمره أخف، لكن الإشكال من يسهر إلى قرب صلاة الصبح ثم ينام إلى الظهر، هنا يقع الإشكال حينما يفوت صلاة الصبح، وهي أثقل الصلاة على المنافقين ولا يقوم لأدائها حتى يدخل وقت الأخرى، مع أن وقتها يخرج بطلوع الشمس.

 فالسهر في هذه الصورة حرام بالإجماع؛ لأنه يؤدي إلى فوات واجب من أوجب الواجبات، وإذا تعمده ما الفتوى؟

 عن بعض أهل العلم أن من الشباب من يضبط التوقيت على الدوام، ولا يقوم لصلاة الصبح هذا متعمد بلا شك لتأخير الصلاة إلى خروج وقتها، وقد أفتى جمع من أهل العلم أنه إذا وصل الأمر إلى هذا الحد لا يصلي، خلاص ما تنفع الصلاة، إذا تعمد تأخيرها عن وقتها فكمن صلاها قبل وقتها، هذا لا يصلي خلاص انتهى، ترتب عليه أنه ترك الصلاة، هذا خطر عظيم، بل بعضهم صرح بما هو أعظم من ذلك فأعطاه حكم تارك الصلاة، وصرَّح بكفره إذا تعمد ذلك، بل بعضهم نقل الإجماع على أنه إذا أخرجها عن وقتها لا يصلي كابن حزم، مع أنه من غرائب المسائل هذه على أنه نقل الإجماع على أنه يلزمه القضاء. نعم هذا قول الجمهور بلا شك أنه لو فوتها عن وقتها أنه يلزمه القضاء وأثم إثمًا عظيمًا، لكنه ليس كمن تركها.

 المقصود أن السهر مذموم، والناس مبتلون به، والله المستعان، لا نستطيع أن نقول أكثر من هذا.

يقول: "العلم والعظة بالليل"، الوعظ ضرب من العلم، ويكون هذا من عطف الخاص على العام، العلم أشمل، يشمل الوعظ، ويشمل الأحكام، ويشمل أبواب الدين كلها.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لا، ويعلم غيره.

قال -رحمه الله-: "حَدَّثَنَا صَدَقَةُ" ابن الفضل، "قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ" يعني سفيان، "عَنْ مَعْمَرٍ" ابن راشد، "عَنِ الزُّهْرِيِّ" الإمام المعروف، "عَنْ هِنْدٍ" وبعض النسخ كما أشار إليها في اليونينية: عن امرأة، "عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ"، لكن هل يسمون هذا النوع من المهمل: "عن هند" أو مبهم، امرأة، ولا شك أن المهمل، الإهمال أخف من الإبهام، فهل تم تعيينها وسميت في بعض الروايات أم ما سميت؟

طالب: .......

من؟

طالب: .......

هند بنت من؟ يعني عينت؟

طالب: .......

ماذا قال؟

طالب: .......

طيب، من أين جئت بهذا؟

طالب: .......

نعم الفتح، عن هند هي بنت الحارث الفراسية.

"عن هند، عن أم سلمة" أم المؤمنين، "وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ"، الآن معمر وعمرو ويحيى بن سعيد كلهم عن الزهري عن هذه المرأة هند بنت الحارث، "عَنْ أُمِّ المؤمنين" أم سلمة -رَضِيَ اللهُ عَنها-، "قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ لَيْلَةٍ" يعني من نومه "فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ»" تعجب! "«مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ؟»" وهذا في عصره، في أفضل جيل والرسول -عليه الصلاة والسلام- بين أظهرهم، "«مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ؟»" ويرى الفتن بين منازلهم كمواقع القطر -عليه الصلاة والسلام-: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 126]، فماذا عن الفتن في عصرنا بعد أن تقادم العهد، وبعد العهد بالنبوة، واختلط الحابل بالنابل والمسلم بالكافر، وزعموا أنهم إخوة في الإنسانية، وصار المسلم يستعدي الكافر على المسلم والكافر في بعض الأحوال والبلدان هو المتولي لطرفي العقد، وهو الذي يرجى نفعه والدفاع عن المسلمين في بعض البلدان، وهو الذي يتربص بهم الدوائر، وهذا من استحكام الغربة، وإذا كان ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- في منتصف أو في أوائل القرن الثامن، يعني قبل كم؟

 طالب: سبعمائة سنة.

 سبعمائة سنة. يقول في الميمية: وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا يتحكموا؟ ....... فإذا اختلف الكفار فيما بينهم ماذا يصنعون في بلد من بلدان المسلمين، اختلفوا فيما بينهم ونحن نقول: اللهم سلم سلم، وندعو للجهة التي بتدافع عنا ونقول: اللهم ثبتهم وإنا على رأيهم وقرارهم، ونحن ما بيدينا حل ولا ربط، خير أمة أخرجت للناس، ما الذي أوصلنا إلى هذا الحد؟

تركنا السبب الذي يفضلنا على الناس، تخلينا عن مصدر عزنا.

"«سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟»" اقتران بين انفتاح الدنيا والفتن، والفتنة بالسراء أعظم من الفتنة بالضراء؛ لأنه شوهد في بلاد المسلمين أنهم ابتلوا بالحاجة والفقر وتمسكوا بدينهم وما تنازلوا عن شيء لا عن دين ولا عن عرض ولا شيء، ثم فتحت عليهم الدنيا فما الذي حصل؟ تخلوا عن كل شيء، لكن الله لطيف بعباده، نرجو الله أن يلطف بالمسلمين.

"«وماذا فتح من الخزائن؟ أَيْقِظُوا صواحب الحجرات»" يعني كيف تدفع الفتن وتدرأ الفتن؟ بالاستيقاظ في الليل والانكسار بين يدي الله -جَلَّ وعَلا- والتضرع والخضوع، "«أيقظوا صواحبات الحجر»" وفي الرواية الأخرى: «صواحب الحجرات»، إذا أردنا أن نجمع المركب الإضافي نجمع المضاف أم نجمع المضاف إليه؟

طالب: .......

نجمع المضاف؟ {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} [الفرقان: 63]. وإذا كان المضاف متعددًا والمضاف إليه متعددًا، يعني إذا أضفنا مجموعة إلى فرد نجمع المضاف، وإذا أضفنا فردًا إلى مجموعة نجمع المضاف إليه. إذا قلت: محمد تضيفه إلى مجموعة.

طالب: .......

نعم، كيف؟

طالب: .......

 صح، إذا أضفت ما يحتاج إلى إضافة، نكرة مثلاً، إذا أضفت نكرة: رجل المواقف، إذا أضفت مثنى إلى مثنى؟ في صحيحيهما، تقول: في صحاحهما؟ أو في صحيحهما؟ ما تقوله. {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، ما قال: قلباكما، مع أنه مثنى على مثنى.

"«أيقظوا صواحبات الحجر، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»"، قد يكون الشخص في الدنيا يتقلب في نِعم وألبسة وأكسية، وسمعنا من يفصل ثلاثمائة وستين ثوبًا في السنة، كل يوم يلبس ثوبًا ولا يعود إليه، هذا كاسٍ، لكن ما تدري عنه في الآخرة، الله أعلم.

«رب» وهذه قد تكون للتقليل، وقد تكون للتكثير، {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]. في حديث المتبرجات جاء وصفهن بأنهن كاسيات عاريات، يعني هنا كاسيات في الدنيا، وعاريات في الآخرة متصور، لكن كاسيات عاريات في آن واحد المتبرجات، يعني قد تلبس لباسًا ولكن لا يسترها.

ذُكر عن شخص من الهندوس طريقتهم في ميتهم أنه يُحرق، فجاء بأمه كفَّنها وقذفها في النار، جمع لها من الحطب الشيء الكثير، فأكلت الكفن، وتركت الجسد! ما مسته، وبرزت للناس عارية، وفعلها ثانية، وأخيرًا كفنها وقبرها في قبرها، وأسلم، عرف أن هذا الدين حق، وأن صنيعهم لا يأوي إلى عقل ولا إلى نقل، نسأل الله العافية، أشبه ما يكون بالجنون.

"«فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»".

قال الشارح -رحمه الله-: (قوله: باب العلم، أي تعليم العلم بالليل، والعظة تقدم أنها الوعظ، وأراد المصنف التنبيه على أن النهي عن الحديث بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير.

قوله: صدقة هو ابن الفضل المروزي. قوله: عن هند هي بنت الحارث الفِراسية بكسر الفاء والسين المهملة، وفي رواية الكشميهني بدلها: عن امرأة. قوله: وعمرٌو كذا في روايتنا بالرفع ويجوز الكسر) وعمرٌو يعني وحدث عمرو ويحيى بن سعيد عن الزهري عن هند، أو وعمرٍو يعني عن معمر وعمرو.

(كذا في روايتنا بالرفع، ويجوز الكسر، والمعنى أن ابن عيينة حدَّثهم عن معمر ثم قال: وعمرو هو ابن دينار، فعلى رواية الكسر يكون معطوفًا على معمر، وعلى رواية الرفع يكون استئنافًا كأن ابن عيينة حدث بحذف صيغة الأداء) يعني وحدث عمرٌو، بحذف صيغة الأداء، (وقد جرت عادته بذلك، وقد روى الحميدي هذا الحديث في مسنده عن ابن عيينة قال: حدثنا معمر عن الزهري) وابن عيينة قال: عن معمر في رواية الأصل، وهناك في رواية الحميدي بمسنده: حدثنا معمر، قال ابن عيينة: حدثنا معمر، وصرح بالتحديث؛ لأن ابن عيينة فيه تدليس، ولكنه ممن احتمل العلم ....... تدليسه.

(قال: وحدثنا عمرو ويحيى بن سعيد عن الزهري، فصرح بالتحديث عن الثلاثة. قوله: ويحيى بن سعيد هو الأنصاري، وأخطأ من قال: إنه هو القطان؛ لأنه لم يسمع من الزهري ولا لقيه، ووقع في غير رواية عن أبي ذر: عن امرأة بدل قوله: عن هند في الإسناد الثاني، والحاصل أن الزهري كان ربما أبهمها، وربما سماها، وقد رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري، ولم يذكر هندًا ولا أم سلمة)، وإنما أرسله، والمراسيل في الموطأ كثيرة، وهي مروية عن مالك في الصحيحين موصولة، قد تكون موصولة في الصحيحين من طريق مالك، وهو في الموطأ يرسلها؛ لأنه لا يرى في الإرسال بأسًا، يراه حجة، ما فيه إشكال الإرسال عنده.

 واحتج مالك كذا النعمان          به وتابعوهما ودانوا

 يعني المرسل، لذلك مراسيل كثيرة جدًّا في الموطأ ورويت من طريق مالك في الصحيحين موصولة؛ لأن مالكًا، لا يرى في الإرسال بأسًا، واحتجوا به كالموصول، وذكر في مقدمة التمهيد أن منهم من شذَّ فقدَّم المرسل على الموصول، ورجحه عليه، لماذا؟ لأن من أسند لك فقد أحالك، ومن أرسل فقد ضمن لك. لكن هذا قول شاذ، ولا حظ له من النظر، ورده -يعني المرسل- ورده جماهير النقاد للجهل بالساقط في الإسناد. المقصود أن مالكًا في الموطأ أرسل هذا الحديث. (وقد رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن الزهري ولم يذكر هندًا ولا أم سلمة) بل أعضله، يعني ما يكفي أنه أرسله، أعضله فحذف راويين على التوالي، وهذا يسمى عندهم المعضل.

(قوله: «سبحان الله ماذا» ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم، وعبر عن الرحمة بالخزائن كقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص: 9]، وعن العذاب بالفتن؛ لأنها أسبابه. قال الكرماني: ويحتمل أن تكون ما نكرةً موصوفةً. قوله: «أنزل» بضم الهمزة، وللكشميهني: «أنزل الله» بإظهار الفاعل، والمراد بالإنزال إعلام الملائكة بالأمر المقدور أو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوحي إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن فعبر عنه بالإنزال) لكن الفتن في كل وقت بحسبه: «فتنة الرجل في أهله وماله»، {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]، قال: هذه تكفرها الصيام والصلاة وغيرها من العبادات. الإشكال بالفتن التي تموج كما قال حذيفة، التي تجتاح الناس، وتجتالهم عن دينهم، ولذا قال: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191]، وفي الآية الأخرى: {أَكْبَرُ} [البقرة: 217].

(قوله: «وماذا فتح من الخزائن؟» قال الداودي: الثاني هو الأول، والشيء يعطف على نفسه تأكيدًا؛ لأن ما يفتح من الخزائن يكون سببًا للفتنة) لا شك أن الابتلاء بالسراء قد يكون سببًا للفتنة، فلا يوفق للشكر، وقد يستعمله فيما لا يرضي الله، وقد يلهث وراءه ويفتتن به ويترك ما أوجب الله عليه ويرتكب ما حرم الله عليه.

طالب: .......

 ماذا؟

طالب: .......

كيف؟

نعم، نوع من الفتن، لكن هو قال: (والثاني هو الأول) {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فتنة} [الأنبياء: 35] فالخير فتنة.

طالب: .......

على كل حال هو فتنة، من هذه الحيثية هو الأول.

(وكأنه فهم أن المراد بالخزائن خزائن فارس والروم وغيرهما مما فُتح على الصحابة، لكن المغايرة بين الخزائن والفتن أوضح؛ لأنهما غير متلازمين، وكم من نائل من تلك الخزائن سالم من الفتن) صحيح؛ لأنه قد يعطى الإنسان المال، ويوسع عليه، ويستعمله فيما يرضي الله ويتقرب به إلى الله.

(قوله: «صواحب الحجر» بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة وهي منازل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما خصهن بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات حينئذ، أو من باب ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) نعم على الإنسان أن يبدأ بنفسه ثم الأقرب فالأقرب؛ لأنه إذا ائتمر بنفسه، وأمر من قرب منه سهل عليه أمر من بعد، لكن إذا لم يأتمر بنفسه أو ائتمر ولو يأمر من حوله وأمر الناس لا يمتثل الناس أمره، ولذلكم في خطبة حجة الوداع وضع الربا، ووضع الدماء، وأول ربا وضعه هو ربا العباس أقرب الناس إليه عمه، وأول دم أهدره من دماء الجاهلية دم ابن ربيعة بن الحارث ابن عمه -عليه الصلاة والسلام-.

(قوله: «فرب كاسية» استدل به ابن مالك على أن رُب في الغالب للتكثير) على أن المشهور المعروف عند أهل العربية أن رُب للتقليل، وقد تأتي للتكثير. مثل قد إذا دخلت على المضارع، إذا قلت: قد ينجح الكسلان فهذا ما فيه شك أنه تقليل، لكن {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ} [الأحزاب: 18] هذا تحقيق وليس بتقليل، مثل دخولها على الماضي.

 (استدل به ابن مالك على أن رُب في الغالب للتكثير؛ لأن هذا الوصف للنساء، وهن أكثر أهل النار)، كما جاء في الحديث الصحيح: «رأيتكن أكثر أهل النار»، قلنا: بمَ يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير». (وهذا يدل لورودها في التنكير) أو للتكثير؟

ماذا عندك؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

يعني داخلة على نكرة.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

ابن مالك يقول: للتكثير.

طالب: .......

وهو يرد عليه؛ لأنه لو قال: (لورودها في التكثير) صار إقرارًا لكلام ابن مالك.

طالب: .......

ماذا

طالب: .......

(لورودها في التكثير لا لأكثريتها) نعم، كونها كثيرة لا يعني أنها أكثر، كونها كثيرة في التكثير لا يعني أنها أكثر، يعني فرق بين كثير وأكثر، إذا قلت: قال به كثير من أهل العلم، هل يلزم منه أن يكون أكثر أهل العلم؟ لا. ماذا عندك يا أبا عبد الله؟ نفس الشيء؟

طالب: .......

نعم، التنكير خطأ، والصواب: التكثير، في الخطأ والصواب.

طالب: .......

هو الأصل أن يقول هذا لورودها يعني في الكثرة لا في الأكثرية.

(لا لأكثريتها فيه) يعني ورودها للكثرة يعني أنها كثيرة لا أنها أكثر، والفرق بينهما واضح؛ لأنه قال: (في الغالب للتكثير) هذا كلام ابن مالك، في الغالب يعني أنها أكثر.

(قوله: «عارية» بتخفيف الياء، وهي مجرورة في أكثر الروايات على النعت، قال السهيلي: إنه الأحسن عند سيبويه؛ لأن رُب عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، قال: ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت، أي هي عارية، والفعل الذي تتعلق به رُب محذوف، انتهى) رُب حرف جر، والجار والمجرور لا بد أن يتعلق ويكون له متعلق.

 (وأشار -صلى الله عليه وسلم- بذلك إلى موجب استيقاظ أزواجه) استيقاظ أم إيقاظ؟ إيقاظ. (أي ينبغي لهن أن لا يتغافلن عن العبادة ويعتمدن على كونهن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-) ولا شك أنهن معه في الجنة، لكن لا يلزم من كونهن معه أن تكون منزلة الفضل والرتبة واحدة، ولو كن معه، وهذا يذكرنا بقول ابن حزم: إن أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- أفضل من أبي بكر وعمر؛ لأنهن معه في منزلته بالجنة، وأبو بكر وعمر دونه. وهذا كلام ليس بصحيح، لا شك أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، هذا محل اتفاق بين أهل السنة، وكونهن معه في المنزلة من باب التبعية لا يعني أنهن يساوينه في الأفضلية، وذكرنا أمثلة في مناسبات متعددة، منها أنه قد يكون خادم عند قوم من علية القوم، وهو مترف أكثر مما يحصل لكثير من أوساط الناس، سائق أو خادم في بيت ثري أو كبير أو أمير، تجده يتنعم بالدنيا أكثر مما يتنعم كثير من الأغنياء، لكن هل يعني أنه أفضل منهم؟ هذا تبع. لو نام في ملحق عند هذا الثري تجد هذا الملحق أفضل من كثير من بيوت الناس، هل يعني أن هذا الخادم أو هذه الخادمة أفضل من أوساط الناس؟ لا، لكنه تبع.

وأنا ضربت مثالًا يفهمه طلاب العلم دون غيرهم، وقلت: إن تفسير النيسابوري وهو مختصر لتفسير الرازي، يعني لو بغيت ترتب التفاسير، عندك عشرة دواليب كلها تفسير، وهذا تفسير النيسابوري -يستغرب بعض الإخوان أول الكلام ثم يبين فيما بعد- تفسير النيسابوري هذا مختصر من الرازي، على هذا الأساس أين تضعه؟ في الدالوب العاشر، هذه منزلته، ما يمكن أن يصير من التفاسير بالأثر ومن تفاسير الأئمة، لكن إذا طُبع على هامش الطبري أين تضعه؟ هو مطبوع على هامش الطبري، تقدر أن تضعه بالعاشر؟ تضعه بالأول، لماذا  استحق الدالوب الأول؟ لأنه تبع. أظنه أن هذا ما يفهمه إلا طلاب العلم، وهو يوضح المطلوب.

طالب: .......

نعم، واضح، والأول واضح. السائق عند هذا الثري والكبير ماذا يركب من السيارات وفيها أنواع التكييف وأنواع الراحة، وتجد أوساط التجار عندهم من الثراء ما عنده لكن ما يركب مثل هذه السيارة.

قال -رحمه الله-: (وفي الحديث جواز قول سبحان الله عند التعجب) يعني وليست خاصة في التنزيه خلافًا لمن قال: إنها لا تقال إلا في التنزيه فلا تقال عند ذكر الله -جَلَّ وعَلا- إلا إذا اقتضى المقام للتنزيه، ولذا دعوة ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ} [الأنبياء: 87].

(وندبية ذكر الله بعد الاستيقاظ) قال: «سبحان الله»، وكان يقرأ إذا استيقظ الآيات من آخر سورة آل عمران.

 (وندبية ذكر الله بعد الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لا سيما عند آية تحدث) وجاء مدح الرجل يقوم من الليل ويوقظ أهله، فإذا ثقل عليهم النوم ومنعهم من القيام نضح في وجههم الماء، والعكس: يعني قد تكون المرأة أطيب من الرجل في هذا، ويحصل منها ما جاء الحث عليه من نضح الماء في الوجه. وبعض الناس ينزعج من أقل من الماء، وخطر بعض الناس إذا رششت عليه الماء ....... الله المستعان.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......  

(وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى، وفي هذا الإسناد رواية الأقران في موضعين: أحدهما ابن عيينة عن معمر، والثاني عمرو ويحيى عن الزهري، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض في نسق، وهند قد قيل: إنها صحابية، فإن صح فهو من رواية تابعي عن مثله عن صحابية عن مثلها، وأم سلمة هي أم المؤمنين، وكانت تلك الليلة ليلتها.

وفي الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر) وكان -عليه الصلاة والسلام- إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، لكنها قرة عينه -عليه الصلاة والسلام-.

(وفي الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]) ونُعي لابن عباس بنت له ماتت وهو في طريقه في سفر، فوقف وصلى، والصبر هذا أمره في القلب، وتلا الآية: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45].

(وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وأمر من رأى في منامه ما يكره أن يصلي، وسيأتي ذلك في مواضعه، وفيه التسبيح عند رؤية الأشياء المهولة، وفيه تحذير العالِم من يأخذ عنه من كل شيء يتوقع حصوله).

 لكن مع الأسف أن الناس يأخذون هذه الأمور عمن لا صلة لهم بالعلم، الأمور المتوقعة يأخذونها عمن لا صلة له بالعلم، وقد لا تكون له صلة بالدين أصلاً، ماذا يتوقعون؟

 ثم يأتون بمحللين سياسيين ومحللين في الأخبار، ويتصلون على فلان وعلان وما رأيك؟ وهذا أيضًا في الاقتصاد كثير: وما رأي فلان في الأسهم؟ يبدي برأيه إما أنها تنزل أو ترتفع، ولا يسلم من حظ نفس، أو دعم جهة من أجل أن ترتفع الأسهم بسببها وتنخفض، ولا يعلم ما في غد إلا الله -جَلَّ وعَلا-. فالناس يتلقون هذه الأمور المغيبة عن أناس لا صلة لهم بالعلم، فأهل الكلام في هذا الباب وفي غيره من أبواب الدين هم أهل العلم الذين لهم عناية بالوحيين، وإلا فهناك من ينتسب إلى العلم، وتجدونه في هذه الأبواب صفرًا ما عنده شيء، هذا مثل العامي.

(وفيه تحذير العالم من يأخذ عنه من كل شيء يتوقع حصوله، والإرشاد إلى ما يدفع ذلك المحذور، والله أعلم)، (والإرشاد إلى ما يدفع ذلك المحذور) يعني والحل، تأتي بالمشكلة لكن حلها ....... تأتي بالمشكلة ثم ما توجد حلًا؟ إذا وجدت الحل تنفست، والله المستعان.

طالب: "بَابُ السَّمَرِ فِي العِلْمِ.

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما-، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ» أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ".

يقول الإمام -رَحمةُ اللهِ عَليهِ-: "بَابُ السَّمَرِ"، والسمر والسهر بمعنى واحد، وهو الحديث بعد صلاة العشاء وترك النوم، "فِي العِلْمِ"، وعرفنا أن السمر في الأصل مذموم مكروه، كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، لكن إذا كان فيه مصلحة فإنه كما جاء في الباب السابق والذي يليه أنه حصل منه -عليه الصلاة والسلام-.

قال -رحمه الله-: "حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ" وهو ابن سعد، "قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"، يرويانه عن عبد الله بن عمر، "قال: صلى بنا النبي -صلى الله عليه وسلم- العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ»" مائة سنة من آخر حياته، سنة عشر، يعني عهد الصحابة انتهى في مائة وعشرة، ويقولون: إن أبا الطفيل هو آخر الصحابة موتًا، وقد مات سنة عشر ومائة، بعد مائة سنة من مقالته -عليه الصلاة والسلام-، أورد على ذلك أشياء منها الدجال على القول بوجوده، وهو في حديث الجساسة، ومنها الخضر على القول بحياته. على كل حال إيرادات تأتي في ثنايا الشرح، إن شاء الله تعالى.

(قوله: باب السمر، هو بفتح المهملة والميم، وقيل: الصواب إسكان الميم؛ لأنه اسم للفعل) السَّمْر (ومعناه الحديث بالليل قبل النوم، وبهذا يظهر الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها) ما الفرق بينهما؟

طالب: .......

نعم هذا بعد الصلاة، هذا قبل النوم نعم، وذاك في أثناء النوم استيقظ، ولذا قال: "باب العلم والعظة بالليل"، وهنا "السمر في العلم"، هناك علم وعظة، لكنه في أثناء الليل، وهنا في أوله بعد الصلاة.

(قوله: في العلم، كذا في رواية أبي ذر بإضافة الباب إلى السمر) باب السمر (وفي رواية غيره: بابٌ السمر في العلم بتنوين باب) يعني هذا باب، بابٌ بالتنوين، إذا نونَّا الباب ما أضفناه صار ما بعده مرفوعًا بدلاً من أن يكون مجرورًا بالإضافة.

 (قوله: حدثني الليث قال: حدثني عبد الرحمن، أي أنه حدثه عبد الرحمن، وفي رواية غير أبي ذر: حدثني عبد الرحمن، والليث وعبد الرحمن قرينان. قوله: عن سالم أي ابن عبد الله بن عمر. قوله: أبي حثمة بفتح المهملة وسكون المثلثة، واسم أبي حثمة عبد الله بن حذيفة العدوي، وأما أبو بكر الراوي فتابعي مشهور لم يُسمَّ، وقد قيل: إن اسمه كنيته)، وهكذا يغلب على من اشتهر بالكنية أن يضيع الاسم، كما هو الشأن في أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عنهُ-.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

حتى أبي هريرة، تجزم أنه عبد الرحمن بن صخر؟ هذا أبو بكر مرجح أنه عبد الله بن عثمان.

(قوله: صلى لنا أي إمامًا، وفي رواية بنا بموحدة. قوله: العشاء أي صلاة العشاء. قوله: في آخر حياته جاء مقيدًا في رواية جابر أن ذلك كان قبل موته -صلى الله عليه وسلم- بشهر.

 قوله: «أرأيتكم» هو بفتح المثناة؛ لأنها ضمير المخاطب، والكاف ضمير ثانٍ لا محل لها من الإعراب، والهمزة الأولى للاستفهام، والرؤية بمعنى العلم أو البصر) يعني العلمية أو بصرية (والمعنى: أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم)، وتأتي الرؤية بمعنى العلم؛ لأن العلم إذا قُطع بمفاده صار كالمشاهد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1]، وما رأى -عليه الصلاة والسلام-، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر: 6]، مما يدل على أن المقطوع به من الأخبار منزل منزلة المشاهد في القطعية.

(والمعنى أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم وهي منصوبة على المفعولية، والجواب محذوف تقديره قالوا نعم، قال: فاضبطوها، وترد أرأيتكم للاستخبار كما في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} [الأنعام: 40] الآية، قال الزمخشري: المعنى أخبروني ومتعلق الاستخبار محذوف تقديره من تدعون، ثم بكتهم فقال {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40] انتهى، وإنما أوردت هذا؛ لأن بعض الناس نقل كلام الزمخشري في الآية إلى هذا الحديث وفيه نظر؛ لأنه جعل التقدير: أخبروني ليلتكم هذه فاحفظوها) أخبروني، معناه ليس بصحيح (وليس ذلك مطابقًا لسياق الآية).

طالب: .......

 ماذا؟

طالب: .......

عندنا الآية، وأظن أنها نبه على أنها خطأ بالجدول. (وليس ذلك مطابقًا لسياق الحديث) نعم لأنه أورد كلام الزمخشري في الآية ليورده موضحًا للحديث مما يدل على التطابق على الإيراد من أجل التطابق وليس مطابقًا لسياق الحديث. ماذا عندك يا أبا عبد الله؟

طالب: .......

لا، (وأورده في سياق الآية) ماشٍ كلام الزمخشري نعم وأراد أن يطبقه الناقل على الحديث؟ لا، هو مطابق لسياق الآية لكن ليس بمطابق لسياق الحديث؛ لماذا؟ لأنه جعل التقدير: أخبروني ليلتكم هذه، تجيء أخبروني؟ ما تجيء، هو ما يسأل عن الآية، يقول: اضبطوا هذه الليلة فاحفظوها، هو ما يقول: أخبروني عنها. في الآية {أَرَأَيْتَكُمْ} أخبروني، لكن في الحديث ما تجيء أخبروني.

(قوله: «فإن رأس»، وللأصيلي: «فإن على رأس» أي عند انتهاء مائة سنة. قوله: «منها» فيه دليل على أن مِن تكون لابتداء الغاية في الزمان كقول الكوفيين) هي في الأصل لابتداء الغاية في المكان، لكن في الزمان إذا قلت: الدروس من السبت إلى الجمعة، لابتداء الغاية في أيش؟ في الزمان، وإذا قلت: سرت من مكة إلى المدينة، في المكان.

 قال: («منها» فيه دليل على أن مِن تكون لابتداء الغاية في الزمان كقول الكوفيين، وقد رد ذلك نحاة البصرة، وأولوا ما ورد من شواهده كقوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108]، وقول أنس: ما زلت أحب الدباء من يومئذ، وقوله: مطرنا من يوم الجمعة إلى الجمعة. قوله: «لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض» أي الآن موجودًا أحد إذ ذاك) يعني ما يمكن يعيش بعد مثل هذه الليلة بعد مائة سنة، (وقد ثبت هذا التقدير عند المصنف من رواية شعيب عن الزهري كما سيأتي في الصلاة مع بقية الكلام عليه، قال ابن بطال: إنما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن هذه المدة تَخترم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم؛ ليجتهدوا في العبادة) لأن الإنسان إذا علم بدنو أجله فإنه يجتهد.

(وقال النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعد هذه الليلة أكثر من مائة سنة سواءً قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مائة سنة)، (وليس فيه نفي حياة أحد) يعني مائة سنة ممن يولد بعد (تلك الليلة) ما هو بنفي أن يعمر الإنسان أكثر من مائة سنة، إنما هو نفي لأن يوجد بعد مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض كما هو صريح الحديث، وقالوا عن الدجال في حديث الجساسة أنه عاش أكثر، وقالوا أيضًا عن الخضر على القول .......، لكن الدجال قالوا: ليس على وجه الأرض، وإنما هو في البحر، وقالوا عن الخضر: الصواب أنه ليس بحي عند تلك المقالة، (والله أعلم).

اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.