التعليق على الموافقات (1431) - 07

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1431) - 07
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
اثنين 24/ جمادى الآخرة/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحسن الله إليك، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- تمامًا للمسألة الثانية عشرة: "ومنها: أن يكون العمل القليل رأيًا لبعض الصحابة لم يُتابع عليه، إذ كان في زمانه -عليه الصلاة والسلام- ولم يعلم به فيجيزه أو يمنعه؛ لأنه من الأمور التعبدية البعيدة عن الاجتهاد، كما روي عن أبي طلحة الأنصاري أنه أكل بَرْدًا".

بَرَدًا.

"بَرَدًا وهو صائمٌ في رمضان، فقيل له: أتأكل البَرَد وأنت صائم؟ فقال: إنما هو بردٌ نزل من السماء نطهر به بطوننا، وإنه ليس بطعام ولا شراب. قال الطحاوي: ولعل ذلك من فعله لم يقف النبي -عليه الصلاة والسلام- عليه فيعلمه الواجب عليه فيه، قال: وقد كان مثل هذا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ير ذلك عمر شيئًا، إذ لم يخبر أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وقف عليه فلم ينكره".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد،

فهذه المسألة التي مرت، وهي أكل البَرَد بالنسبة للصائم يسمونه حب الغمام، وهو الذي ينزل من السماء غالبًا ما يكون في الشتاء على شكل كِسَر من الثلج، وجاء ذكره في نصوص كثيرة، «اغسلني بالماء والثلج والبرد» وهو عبارة عن ماء متجمد، فحقيقته ماء، وهو يذوب في الفم، فينقلب من كونه برَد إلى كونه ماءً، وحينئذٍ يكون مفطرًا بالاتفاق، وهذا الاجتهاد من هذا الصحابي الجليل أبي طلحة لم يُوافق عليه لا استدلالاً ولا نظرًا، وهو قولٌ لا حظ له من النظر، وإن كان الذي عمل به صحابي، لكن العبرة بقول العامة من الصحابة، وقول الأكثر وعمل الأكثر، أما ما ينفرد به بعضهم، ويكون البقية على خلافه فهذا لا يلتفت إليه.

 مسألة هل يكتسب الإقرار النبوي، فيكتسب الشرعية حينئذٍ لوجوده في عصر التنزيل، كما قال جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئًا يُنهى عنه لنهى عنه القرآن، هل يكفي أن يكون في وقت التنزيل أو لا بد من اطلاعه -عليه الصلاة والسلام- عليه؟ كأن ما ساقه المؤلف في هذا الباب أنه لا بد من الاطلاع، وأنه لا يكفي أن يكون هذا أصل التنزيل؛ لاحتمال أن الرسول لم يطلع عليه، وحينئذٍ لم يكتسب الشرعية بالإقرار.

طالب:...

شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن.

طالب:...

كيف؟

طالب:...

كنا نعزل والقرآن ينزل.

طالب:...

ما قال: والرسول يرانا أو شيئًا من هذا؛ لأن العزل ما يمكن أن يراهم.

طالب:...

نعم.

طالب:...

وهذا لا يمكن أن يستدل به على حديث أبي طلحة لو كان خطأً لنزل القرآن بضده، لكن كأن المؤلف يميل إلى أن مجرد وجود الفعل في عصر النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يكفي للتقرير، بل لا بد أن يكون مما يعلم وينتشر ويشتهر. أما ما يفعله أفراد الناس، كما يفعلون من مخالفات، هل نقول: إن فعلهم المخالفات لا بد أن ينزل فيها قرآن أو آية شرعية؟

طالب:...

كيف؟

طالب:...

لا، قوله: كنا، دليل على أنه انتشر بينهم، فيحتاج إلى تنبيه ليس عمل واحد.

طالب:...

نعم.

طالب:...

فرد نعم، كما لو خلا إنسان بنفسه، وفعل أمرًا محظورًا، لا يلزم أن ينزل فيه قرآن بخصوصه.

طالب:...

على كلامه في زمن النبوة.

طالب:...

لا، ولعل ذلك من فعله لم يقف النبي -عليه الصلاة والسلام- عليه، وقد كان مثل هذا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ير ذلك عمر شيئًا، لا، واضح، لكن...

طالب:...

هذه مخالفة فردية، ما يلزم أن ينزل فيها قرآن، أما لو كان أمرًا شائعًا منتشرًا بينهم يضاف إليهم أو إلى جلّهم فإن هذا لا بد أن ينزل التشريع به.

طالب:...

سيجيء مثال هذا سيجيء.

"فكذلك ما روي عن أبي طلحة قال: والذي كان من ذلك ما روي عن رفاعة بن رافع قال: كنت عن يمين عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل فقال: زيد بن ثابت يفتي الناس في الغسل من الجنابة برأيه، فقال: أعجِل به علي، فجاء زيد فقال عمر: قد بلغ من أمرك أن تفتي الناس بالغسل من الجنابة في مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام- برأيك؟ فقال زيد: والله يا أمير المؤمنين ما أفتيت برأيي، ولكني سمعت من أعمامي شيئًا فقلت به، فقال: من أي أعمامك؟ فقال: من أبي بن كعب وأبي أيوب ورفاعة بن رافع، فالتفت إلي عمر فقال: ما يقول هذا الفتى؟ فقلت: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لا نغتسل، قال: أفسألتم النبي عن ذلك؟ فقلت: لا، ثم قال في آخر الحديث: لئن أُخبرت بأحد يفعله ثم لا يغتسل لأنهتكه عقوبة.

 فهذا أيضًا من ذلك القبيل، والشاهد له أنه لم يُعَمل به، ولا استمر من عمل الناس على حال، فكفى بمثله حجة على الترك".

هذا كان في أول الأمر «الماء من الماء» يعني الغسل من الإنزال، كان سُنة في أول الأمر، ثم نُسِخت، كما بيّن الترمذي في جامعه أن هذا كان أول الأمر، وأما بعد ذلك فبمجرد التغييب يجب الإنزال، ولو لم ينزل «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ولو لم ينزل»، وبعضهم يقول: إن هذا النص ليس بمنسوخ «الماء من الماء» ليس بمنسوخ، إنما هو محكم، وهو محمول على الاحتلام، فإذا وجد الماء في الاحتلام وجب الغسل، وإن وُجد الاحتلام دون إنزال ولا ماء فلا غسل. كما في حديث أم سلمة، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: «نعم، إذا هي رأت الماء».

طالب: كأنه المثال، هذا ما يستقيم للمؤلف.

لا يستقيم، هذا كان مفعولًا به في أول الأمر، ما هو بعمل فرد أو شيء شاذ مثل أكل البرد نعم.

"فهذا أيضًا من ذلك القبيل، والشاهد له أنه لم يُعمل به، ولا استمر من عمل الناس على حال، فكفى بمثله حجة على الترك، ومنها: إمكان أن يكون عُمل به قليلاً، ثم نُسخ، فتُرِك العمل به جملة، فلا يكون حجة بإطلاق، فكان من الواجب في مثله الوقوف مع الأمر العام".

مثل، وهذا منه، الماء من الماء من هذا النوع.

"ومثاله حديث الصيام عن الميت، فإنه لم ينقل استمرار عملٍ به ولا كثرة، فإن غالب الرواية فيه دائرة على عائشة وابن عباس، وهما أول من خالفاه، فرُوي عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، فقالت: أطعموا عنها، وعن ابن عباس أنه قال: لا يصوم أحدٌ عن أحد، قال مالك: ولم أسمع أن أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا من التابعين بالمدينة أمروا أحدًا أن يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، وإنما يفعل ذلك كل أحدٍ عن نفسه".

هذا إذا قلنا: إن الأمر بالصيام على الميت على الإطلاق، وإذا قيدناه بالنذر كما جاء في بعض طرقه لم يكن هناك تعارض بين الرواية والرأي، فيكون قول عائشة: أطعموا عنها، هذا في الصوم المفروض، الذي أوجبه الله -جل وعلا- على عباده، وأما ما أوجبه المكلف على نفسه فهذا يقبل النيابة، وعليه يُحمل حديث: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه».

"فهذا إخبارٌ بترك العمل دائمًا في معظم الصحابة ومن يليهم، وهو الذي عوّل عليه في المسألة كما أنه عوّل عليه في جملة عمله، وقد سئل عن سجود القرآن الذي في المفصل وقيل له: أتسجد أنت فيه؟ فقال: لا، وقيل له: إنما ذكرنا هذا لك لحديث عمر بن عبد العزيز فقال: أحب الأحاديث إلي ما اجتمع الناس عليه، وهذا مما لم يجتمع الناس عليه، وإنما هو حديثٌ من حديث الناس، وأعظم من ذلك القرآن، يقول الله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}[سورة آل عمران: 7] فالقرآن أعظم خطرًا، وفيه الناسخ والمنسوخ، فكيف بالأحاديث؟ وهذا مما لم يجتمع عليه".

لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، النسخ لا يثبت بمجرد احتمال، النسخ إنما يصار إليه إذا لم يمكن الجمع، فإذا أمكن الجمع، إذا أمكن لم نلجأ إلى النسخ، إذا أمكن الجمع، والعمل بالنصوص كلها، لم نلجأ إلى القول بالنسخ؛ لأنه عملٌ بنصّ، وتركٌ لآخر، أما إذا لم يمكن الجمع، وعرفنا المتقدِّم من المتأخر قلنا بأن المتأخر ناسخ للمتقدِّم، وإذا لم نعرف التاريخ لجأنا إلى الترجيح.

"وهذا ظاهرٌ في أن العمل بأحد المتعارضين دليلٌ على أنه الناسخ للآخر، إذ كانوا إنما يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

نعم إذا عُرِف الأحدث وانتفى وامتنع الجمع بعد تحقق التعارض؛ لأن بعض النصوص يُتوهَّم فيها التعارض، لكن إذا تحقق التعارض، ولم نستطع الجمع، ولا عرفنا المتقدِّم من المتأخر فإننا نلجأ حينئذٍ إلى الترجيح، فنعمل بالراجح؛ لأنه هو المحفوظ، ونترك المرجوح، ونحكم عليه بالشذوذ، مما يستدل به أهل العلم على النسخ، ولو لم يقفوا على ناسخ، الاتفاق على عدم العمل بالنصّ، اتفاق أهل العلم على عدم العمل بالنصّ دليلٌ على أنه منسوخ، ولو لم نقف على ناسخ، هذا مسلكٌ ومنهج لبعض أهل العلم، ومعلومٌ أن الأمة معصومة من أن تخالف النصّ الصحيح الصريح المحكم، ولا يعمل به أحد، لكن إذا عمِل به أحد، فالحكم للنصّ حينئذٍ.

"ورُوي عن ابن شهاب أنه قال: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناسخه ومنسوخه، وهذا صحيح، ولما أخذ مالكٌ بما عليه الناس، وطرح ما سواه انضبط له الناسخ من المنسوخ على يسر، والحمد لله".

لكنه كثُر عنده القول بالنسخ تبعًا لهذا الأصل، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لكن إن اتفقوا على ترك العمل به ما وجد من يعمل بالنص ولو واحد من أهل العلم المعتد بقولهم، فيتجه القول بأنه منسوخ، ولو لم نطلع على الناسخ، وإذا وجد من يعمل به ولو كانوا ندرة وجمعًا يسيرًا فالحكم حينئذٍ للنصّ.

"وثمَّ أقسام أُخَر يستدل على الحكم فيها بما تقدم ذكره، وبسبب ذلك ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين، فلا يسامح نفسه في العمل بالقليل، إلا قليلاً وعند الحاجة، ومس الضرورة إن اقتضى معنى التخيير، ولم يخفَ نسخ العمل، أو عدم صحةٍ في الدليل أو احتمالاً لا ينهض به الدليل أن يكون حجة أو ما أشبه ذلك، أما لو عمِل بالقليل دائمًا للزمه أمور: أحدها: المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليها، وفي مخالفة السلف الأولين ما فيه".

بلا شك؛ لأنه لو لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لو كان خيرًا لسبقونا إليه، ما دام ما سبقونا إليه عرفنا وجزمنا يقينًا أن الحق والخير كل الخير في اتباع من سلف.

"والثاني: استلزام ترك ما داوموا عليه، إذ الفرض أنهم داوموا على خلاف هذه الآثار، فإدامة العمل على موافقة ما لم يداوموا عليه مخالفة لما داوموا عليه، والثالث: أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه واشتهار ما خالفه، إذ الاقتداء بالأفعال أبلغ من الاقتداء بالأقوال، فإذا وقع ذلك ممن يقتدى به كان أشد، الحذر الحذر من مخالفة الأولين، فلو كان ثمَّ فضلٌ ما لكان الأولون أحق به والله المستعان. والقسم الثالث".

الثالث أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه، واشتهار ما خالفه، وما وجدت المخالفات في المجتمعات الإسلامية حتى إنك لا تكاد مع الأسف الشديد أن تُفرِّق بين بعض مجتمعات المسلمين وبين مجتمعات الكفار، اندرس العلم شيئًا فشيئًا، وانتهى الأئمة الذين يُقتدى بهم، الذين ورثوا العلم والعمل، من مشكاة النبوة، اندرسوا، وصار كل واحدٍ يُعجب برأيه، ويزعم أن له اجتهاده، وأنه رجل وهم رجال، فصار كلٌّ يعمل بما أداه إليه اجتهاده إلى أن اندرست معالم الدين في كثير من الأقطار مع الأسف الشديد، ولو زرت بعض العواصم العربية ما وجدت ما يدلك على أن هذا البلد مسلم، اللهم إلا مناير المساجد، وإلا أشكال الناس ما تُفرِّق، اللباس واحد، والهيئة واحدة، والمشية واحدة، والجلسة واحدة، والصحبة واحدة، ولا تفرق بين رجال ولا نساء، وكلهم سائرٌ في طريق واحد، والله المستعان.

 فكلام المؤلف -رحمة الله عليه- نفيسٌ جدًّا يدلك على السبب، ويضع اليد على الجرح الذي بسببه وصلت مجتمعات المسلمين إلى ما وصلت.

"والقسم الثالث: ألا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال، فهو أشد مما قبله، والأدلة المتقدمة جارية هنا بالأولى، وما توهمه المتأخرون من أنه دليلٌ على ما زعموا ليس بدليل عليه ألبتة، إذ لو كان دليلاً عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين، ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادم".

نعم أين الذين يكتبون الآن في قضايا الأمة الكبرى من المسائل العلمية والعملية؟ هم يزعمون أن هذا المعنى خفي على أهل العلم، وعزب عن أذهانهم، ولم يُعرف الحق حتى جاؤوا، ما عُرف الحق خلال القرون السابقة كلها حتى جاء من ينبِّه إليه، وينبِّش عنه، ويوفق إليه ويُسدَّد، وأئمة المسلمين قاطبة ما عرفوا الحق، نسأل الله العافية، وهذا مفاد بعض كلام من ينشر ويتصدر في وسائل الإعلام، والله المستعان.

"فعمل".

كنا مأطورين، كنا مُضَيَّقًا علينا مُشَدَّدًا علينا، وأقوال لا نتعداها، وكذا، الله المستعان. الآن عرفوا الحق، وبان لهم النور، حتى قال قائلهم: إن الجزيرة لم تر النور منذ خمسة آلاف سنة، نسأل الله العافية، الآن رأوا النور لما اختلطوا بالكفار، وأخذوا ما عند الكفار هذا النور، والله المستعان.

"فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له، ولو كان ترك العمل، فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالفٌ لإجماع الأولين، وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد -عليه الصلاة والسلام- لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السُّنَّة والأمر المعتبر وهو الهدي، وليس ثمَّ إلى صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كافٍ، والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله جارٍ هذا المجرى، ومن هنالك لم لم يَسمع أهل السُّنَّة دعوى الرافضة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نصّ على علي أنه الخليفة بعده؛ لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليلٌ على بطلانه أو عدم اعتباره؛ لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ، وكثيرًا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسُّنَّة يحملونهما مذاهبهم ويغبِّرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة ويظنون أنهم على شيء".

نعم دعوى الرافضة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- نصَّ على الخلافة من بعده لعلي- رضي الله عنه- هذه باطلة، لماذا؟ لإجماع الصحابة على خلافها، والأمة لا تجتمع على ضلالة، ولو كان هناك نصّ صحيح صريح في النصّ على ولايته بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- ما اتفقت الأمة، يعني قد يخالف من يخالف، ويبقى الناس على الأصل مع النصّ، لكن لما أجمعوا على عدم اعتباره دلّ على أن لا نصّ، وإن زعم بعضهم ممن هو محسوب على أهل السُّنَّة، وعاش في بعض البيئات الشيعية، يعني زعم وأداه اجتهاده إلى تصحيح ما جاء في الوصية، لكنه مع ذلك يقول: الوصية ثابتة لعلي، وعلي تنازل عنها لأبي بكر، بطوعه واختياره، يعني هذا قول مع أنه ضعيف ومتهافت، لكن أحسن من كون الأمة كلها أجمعت وأخطأت على خلاف النصّ، يعني هذا قول فيه شيء من التكايس للجمع بين ضغوط البيئة؛ لأن البيئة تضغط وتؤثر سواء شعر الإنسان أو لم يشعر، ثم بعد ذلك يلتمس الخروج من معطيات ومقدرات هذه الضغوط، قالوا؛ لأنهم عاشوا في بيئة فيها تشيُّع، فأثبتوا الوصية، وقالوا: إن عليًّا -رضي الله عنه- تنازل لأبي بكر بطوعه واختياره، وحينئذٍ لا يخلو إما أن يكون علي -رضي الله عنه- تنازل لكفء وتولى وهو كفء، وبرئت الذمة بولايته، إن اعترفوا بهذا فلا بأس، إن تنازل لغير كفء فقد غشَّ الأمة وهو معصومٌ عندهم، وقد برأ -رضي الله عنه- وأرضاه من الغش، لأنه لا وصية.

طالب: إثبات التنازل كإثبات الوصية.

كيف؟

طالب:...

على كل حال أنت تأخذ المسألة تدريجًا، الذي ما عاش في بيئاتهم يعرف أن الوصية باطلة، ولا فيه شيء يضغط عليه، لكن هناك ضغوط بيئية وأدبية ومجالس وتأثير من المجالس، تجده يستروح إلى ثبوتها، لكن يوجِد مخرجًا، على كل حال حتى على قول بأنها ثبتت الوصية، وأن عليًّا -رضي الله عنه- تنازل لأبي بكر فهذا التنازل إما أن يكون لكفء أو لغير كفء، فإن كان كفأً فذلك المطلوب تحقق به الخير الكثير، وإن لم يكن كفأً فهذا تنازل من غشّ من المتنازل، وحاشاه أن يغشَّ، وهذا أمر متفق عليه بين الأطراف.

لذلك أمثلته كثيرة كالاستدلالات الباطنية على سوء مذهبهم بما هو شهير في النقل عنهم، وسيأتي منه أشياء في دليل الكتاب إن شاء الله، واستدلال التناسخية على صحة ما زعموا في قوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}[سورة الانفطار: 8] وكثيرٌ من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب".

القول بالتناسخ موجود عند بعض الفرق الضالة الذين يرون أن الإنسان إذا مات تنتقل روحه إلى جسدٍ آخر، ولذلك يسهل عليهم القتل؛ لأنه لن يعدم، يقتل الآن ويخرج بعد قليل في جسدٍ آخر، ولا شك أن هذا ضربٌ من الجنون، ضرب من الجنون، وإنكار للبدهيات من المعقولات، فضلاً عن الشرعيات، وإلا فكيف؟ إذا مات الأب سيجيء مرة ثانية، يسئل الابن مات أبوك من كم سنة؟ عشرة عشرين سنة؟ أين؟ تقول: تناسخ وسيأتيكم بجسد ثانٍ، كيف سيجيء؟ وهذا الجسد من أين جاء؟ وأين روحه؟ تزاوج ينتقل من هذا الجسد إلى الجسد الآخر، مثل ما يباع السيارات مثلاً كل يوم قادم بسيارة؟ ما بقي إلا هذه.

 هذا ضلال، نسأل الله السلامة والعافية، وفساد في الرأي والعقل، {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}[سورة الانفطار: 8] اليوم مركبك بهذه الصورة وغدا بالصورة وبعده بالصورة، وبعد؟ سبحان الله! الإنسان الذي الذي وفقه الله -جل وعلا- لسلوك الجادة وسلوك الصراط المستقيم يحمد الله -جل وعلا-، ويلهج بالثناء عليه، ويسأله دومًا الثبات على الحق.

"وكثير من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسُّنة في تصحيح ما ذهبوا إليه مما لم يجر له ذكرٌ ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين، وحاشا لله من ذلك، ومنه أيضًا استدلال من أجاز قراءة القرآن بالإدارة، وذكر الله برفع الأصوات وبهيئة الاجتماع بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم» الحديث، والحديث الآخر: «ما اجتمع قوم يذكرون الله» إلى آخره، وبسائر ما جاء في فضل مجالس الذكر".

القراءة بالإدارة، يجتمع ثلاثون شخصًا، ثم يقرأ الأول جزءًا من القرآن، ثم يقرأ الثاني على نفس الطريقة الجزء الثاني، والثالث إلى الثلاثين، كثيرًا ما تفعل هذه في رمضان، من أجل أن يُختم القرآن في يوم، وعلى كل حال هذا مُحدَث، واجتماع الناس في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، واجتماع القوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ليس على هذه الطريقة، كلٌّ يقرأ لنفسه، وإذا اجتمع اجتماعًا من أجل التدارس فإنهم يدرسون قدرًا من القرآن يقرؤه واحد أو يعيده الثاني والثالث وهكذا، ثم يتدارسون ما فيه من حكم وأحكام وآداب وتوجيهات وعبر وعظات، ولا يعني هذا أن كل واحد يقرأ آية، والثاني التي تليها وهكذا أو جزءًا والثاني الذي يليه.

 والذكر الجماعي ما اجتمع قومٌ الذكر الجماعي مبتدع، ومثله التكبير الجماعي وما يذكر من أن عمر -رضي الله عنه- كان يكبر في خيمته في منى فيكبر الناس بتكبيره فترتج منى، يعني لا يلزم أن يكونوا على صفة واحدة وعلى هيئة واحدة، يبدؤون جميعًا وينتهون جميعًا، المساجد في أيام الجُمع ترتج بقراءة القرآن، وكل واحد منهم يقرأ من سورة، لا يوافق الذي بجنبه، ومع ذلك باجتماع الأصوات يحصل هذا الارتجاج لهذا المكان.

"وكذلك استدلال من استدل على جواز دعاء المؤذنين بالليل بقوله تعالى:  وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}[سورة الأنعام: 52] الآية، وقوله".

يدعو المؤذن بعد أذان الصبح وبعد أذان المغرب استدلالاً بهذه الآية، ولا شك أن هذا بدعة، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي هم الذين يذكرون الله في أذكار الصباح والمساء، وألسنتهم لهِجَة بذكر الله لسانهم رطبة بذكره وحمده وشكره، هؤلاء لا يلزم من أن يكونوا على صفة وحدة وهيئة واحدة، أو يتقدمهم واحد يذكر وهم يسمعون، والله المستعان.

"وقوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}[سورة الأعراف: 55]، وبجهر قوام الليل بالقرآن واستدلالهم على الرقص في المساجد وغيرها بحديث لعب الحبشة في المسجد بالدَرَق والحراب، وقوله -عليه الصلاة والسلام- لهم: «دونكم يا بني أرفِدَة»".

هذا في يوم العيد، ولتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، سُمح لهم على نطاق ضيق جدًّا في وقت قصير، ولا يتخذ هذا عادة ولا ديدنًا، ومن العجائب، ومن أعجب ما يمكن أن يستدل به من قِبلهم من قِبل الصوفية على الرقص اركض برجلك! ذكره القرطبي في تفسيره، قال: استدلوا به على الرقص، وعلى هذا لا يبعد أن يستدل من يستدل بضرب العود ونحوه يستدل على ذلك بضرب موسى الحجر؛ ليتفجر الماء، وينبع الماء منه، إذا كان مجرد ركض بالرجل، اركض برجلك مرة واحدة يسمى الرقص، كله يؤخذ من هذا الأصل، أو الضرب بالأعواد وآلات الطرب والمعازف، بضرب موسى عصاه، أو الحجر بعصاه، نعوذ بالله من الضلال.

"واستدلال كل من اخترع بدعة أو استحسن محدثةً لم تكن في السلف الصالح بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ككتب المصحف، وتنصيف الكتب، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وسائر ما ذكر الأصوليون في أصل المصالح المرسلة، فخلطوا وغلطوا، واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وهو...".

العجب أن يقال في مثل هذه الأشياء أنها من البدع المستحسنة، ومثَّلوا العز بن عبد السلام والنووي وغيرهما من أهل العلم من شُرَّاح الحديث، ومن كتب في القواعد الذين قسموا البدع إلى خمسة أقسام قالوا: بدع واجبة، بدع واجبة، كالرد على المخالفين، هل تصدى الصحابة للرد على المخالفين؟ لكن القرآن الذي هو دستور هذه الأمة وأصل أصولها وأُس علومها فيه رد على المخالفين، فكيف يقال: هذا أمر مبتدع؟ ومع ذلك مبتدع وواجب يأثم الإنسان بتركه والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «كل بدعة ضلالة».

 هناك بدعة مستحبة عندهم كإنشاء المدارس والرُّبط وتصنيف الكتب وما أشبه ذلك، هذه بدع؛ لأنها لم تكن في عهد السلف، وهي مستحبة؛ لأنه يستفاد منها، مندرجة فيما أمر الله به -جل وعلا- من تعلم العلم الشرعي، وما جاء الحث عليه في نصوص الكتاب والسُّنة، وأما التصنيف وبناء المدارس فهذا مما لا يتم الأمر إلا به، فحينئذٍ يكون له حكمه، فمن الشاطبي- رحمة الله تعالى عليه- في الاعتصام قوّض هذا التقسيم ونقضه وهدمه من أساسه، وقال: إنه تقسيم مخترع لا يدل عليه دليل لا من كتاب الله ولا سنة رسوله، بل الدليل على خلافه، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «كل بدعة ضلالة»، ونحن نقول: لا يا رسول الله ليس كل بدعة ضلالة، بعض البدع ما يأثم بتركه وبعض البدع رشد، ليست ضلالة، تاركها يحرم الأجر العظيم؛ لأنها مندوبة، نقول: لا، هذا القول مردود على قائله، فالتعميم منه -عليه الصلاة والسلام- في ضلال البدع محفوظ، البدع كلها ضلالة، نسأل الله العافية.

"وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين، فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك وعبروا على هذا المسالك إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون وحادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب؛ إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم".

كأنها أو حادوا عن فهمها، لأنه تقسيم. تقسيم إلى قسمين إما أن يكون الأولون ما فهموا، إما أن يكونوا، ما فهم الأولون مراد الشارع، أو يكونوا فهموه وحادوا عنه تركوه، وكلاهما باطل، ولما قال القائل: وإني وإن كنت الأخير زمانه           لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

سمعه صبي فقال له: هم جاؤوا بثمانية وعشرين حرفًا، هات لنا تاسعًا وعشرين، ما أنت تقول أنا آت بما لم تستطعه الأوائل، هات حرفًا، كثير ممن يصل بهم الغرور إلى هذا الحدّ يحصل الردّ عليهم من أضعف الأمور من أضعف الأشياء، قد ترد عليه امرأة، قد يرد عليه مجنون، قد يرد عليه صبي؛ ليتضح له حقيقة أمره وحاله، والله المستعان.

"إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم، ولا عملوا بها، فدل على أن تلك الأدلة لم  تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلاً إجماعيًّا على أن هؤلاء في استدلالهم، وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة، فيقال لمن استدل بأمثال ذلك: هل وُجد هذا المعنى الذي استنبطت في عمل الأولين، أو لم يوجد؟ فإن زعم أنه لم يوجد، ولا بد من ذلك، فيقال له: أفكانوا غافلين عما تنبهت له، أو جاهلين به أم لا؟ ولا يسعه أن يقول بهذا؛ لأنه فتح لباب الفضيحة على نفسه، وخرق للإجماع، وإن قال: إنهم كانوا عارفين بمآخذ هذه الأدلة كما كانوا عارفين بمآخذ غيرها قيل له: فما الذي حال بينهم، وبين العمل بمقتضاها على زعمك حتى خالفوها إلى غيرها؟ ما ذاك إلا لأنهم اجتمعوا فيها على الخطأ دونك أيها المتقول، والبرهان الشرعي والعادي دال على عكس القضية، فكل ما جاء مخالفًا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه. 

فإن زعم أن ما انتحله من ذلك إنما هو من قبيل المسكوت عنه في الأولين، وإذا كان مسكوتًا عنه، ووجد له في الأدلة مساغًا، فلا مخالفة، إنما المخالفة أن يعاند ما نقل عنهم بضده، وهو البدعة المنكرة قيل له: بل هو مخالف؛ لأن ما سكت عنه في الشريعة على وجهين :
أحدهما: أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يشرع له أمر زائد على ما مضى فيه، فلا سبيل إلى مخالفته؛ لأن تركهم لما عمل به هؤلاء مضاد له، فمن استلحقه صار مخالفًا للسنة حسبما تبين في كتاب المقاصد.

 والثاني: أن لا توجد مظِنة العمل به، ثم توجد فيشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله، وهي المصالح المرسلة، وهي من أصول الشريعة المبني عليها؛ إذ هي راجعة إلى أدلة الشرع حسبما تبين في علم الأصول، فلا يصح إدخال ذلك تحت جنس البدع".  

نعم يعني المسائل التي يمكن بحثها إما أن يكون لها وجود في عهد السلف، أو لا وجود لها وهو ما يسمى بالنوازل، ما له وجود في عهد السلف لا بد أن نجد لهم فيه قولًا، نجد لهم فيه قولًا، والذي لا يوجد من النوازل يجتهد فيه أهل العلم من أهله الراسخين فيه، ولا يفتح المجال لكل أحد للمتأهل وغير المتأهل، كما يحصل أحيانًا في الاستفتاءات العامة، يطرح الموضوع للاستفتاء، كشأنهم في أمور دنياهم، تطرح مسألة علمية من عُضَل المسائل التي تهم الأمة فيقال: هذه مسألة نازلة، ولم نجد كلامًا لأهل العلم، أهل العلم هم الذين يوجدون لها الحل من نصوص الكتاب والسُّنة سواء كانت بألفاظها أو بمفاهيمها أو بإلحاقها على سبيل القياس ونحوه، والله المستعان.

"وأيضا فالمصالح المرسلة عند القائل بها لا تدخل في التعبدات ألبتة، وإنما هي راجعة إلى حفظ أصل الملة، وحياطة أهلها في تصرفاتهم العادية، ولذلك تجد مالكًا، وهو المسترسل في القول بالمصالح المرسلة مشددًا في العبادات أن لا تقع إلا على ما كانت عليه في الأولين".

«صلوا كما رأيتموني أصلي»، فالصلاة وجميع العبادات ليس فيها اجتهاد، لا يدخلها الاجتهاد، ولا يدخلها قياس، لا يدخلها القياس؛ لأنها توقيفية والأصل فيها المنع، فلا تعمل شيئًا تتعبد به لله -جل وعلا- إلا بنصّ.

"فلذلك نهى عن أشياء، وكره أشياء، وإن كان إطلاق الأدلة لا ينفيها بناء منه على أنها تقيدت مطلقاتها بالعمل، فلا مزيد عليه، وقد تمهد أيضا في الأصول أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة في غيره".

يعني إذا قُيِّد المطلق حُمل المطلق على المقيد، حمل المطلق على المقيد، فلا يكون حجة في غيره، وكذلك العام إذا خُصِّص يختلف أهل العلم في العمل به في بقية الصور، التي لم يدخلها التخصيص.

"فالحاصل أن الأمر، أو الإذن إذا وقع على أمر له دليل مطلق فرأيت الأولين قد عنوا به على وجه واستمر عليه عملهم، فلا حجة فيه على العمل على وجه آخر، بل هو مفتقر إلى دليل يتبعه في إعمال ذلك الوجه، وذلك كله مبين في باب الأوامر والنواهي من هذا الكتاب، لكن على وجه آخر، فإذا ليس ما انتحل هذا المخالف العمل به من قبيل المسكوت عنه ولا من قبيل ما أصله المصالح المرسلة، فلم يبق إذًا أن يكون إلا من قبيل المعارض لما مضى عليه عمل الأقدمين، وكفى بذلك مزلة قدم، وبالله التوفيق، فصل ".

هنا مسألة معروف أنه إذا اتفق المطلق والمقيد في الحكم والسبب أنه يجب حمل المطلق على المقيد هذا بالاتفاق، لكن جاء في حديث ابن مسعود: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، وجاء في حديث أبي موسى وغيره: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس» فيما يبدو للناس، وعمل كثيرٍ من السلف الخوف المطرد والوجل من سوء العاقبة، ما حملوا المطلق على المقيد لماذا؟ لأن التقييد يتضمن تزيكة النفس، وتزكية النفس منهي عنها، ولا شك أن العمل بالنص المطلق أحوط للإنسان، فرقٌ بين هذا وبين مسألة فرعية يختلف فيها الحكم، لكن إذا عملت بالاحتياط فأنت ما خالفت لا النص المطلق ولا النص المقيد، إنما أنت احتطت لنفسك، فصرت على خوف مستمر من سوء العاقبة، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ويخشى من سوء العاقبة، وهل يُظن أن عمله فيما يبدو للناس؟ إمام المخلصين -عليه الصلاة والسلام-، ومع ذلك يخاف من سوء العاقبة.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

نعم، هل يشترط لحبوط العمل الموت على الرِدَّة أو لا؟ هذا القصد؟ هل يشترط لحبوط العمل الموت على الرِدَّة أم لا؟ جاء التقييد، إنسانٌ حجَّ ثم ارتدَّ ثم رجع، حجه صحيح أم لا بد من إعادته؟ النصّ المطلق يقول: يعيد مطلقًا، يحج حجة الإسلام؛ لأنها حبطت بالردة، والذي يشترط في حبوط العمل الموت على الكفر، وهذا منصوصٌ في كتاب الله، فيموت وهو كافر هذا يقول لا يعيد الحج لأنه ما مات وهو كافر، وبكلٍ منهما قال جمعٌ من أهل العلم.

"فصل: واعلم أن المخالفة لعمل الأولين فيما تقدم ليست على رتبة واحدة، بل فيها ما هو خفيف، ومنها ما هو شديد، وتفصيل القول في ذلك يستدعي طولاً، فلنكِله إلى نظر المجتهدين ،ولكن المخالف على ضربين".

المخالفات سواء كانت في العبادات أو في الاعتقادات من البدع وغيرها منها ما هو شيء يسير، يعني تخالف في رفع اليدين مثلاً، أو في بلوغ رفع اليدين إلى قدرٍ معين، أو في إلصاق القدمين أو في كذا أو كذا من من فروع الصلاة، تخالف ما ترجَّح هذه مخالفة ليست بالكبيرة، لكن تخالف بركن من أركان الصلاة، هذا أمره أعظم، حتى البِدع منها البِدع المغلظة ومنها البدع الخفيفة، فمن المخالفات ما هو مغلظٌ شديد، حتى يصل إلى الخطر على رأس المال وهو الدين بحيث يخرج من الملة، ومنها ما هو أقل من ذلك.

"أحدهما أن يكون من أهل الاجتهاد، فلا يخلو أن يبلغ في اجتهاده غاية الوسع أو لا، فإن كان كذلك فلا حرج عليه، وهو مأجور على كل حال".

يعني سواء أصاب أم أخطأ، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد إذا كان متأهلاً.

"وإن لم يعط الاجتهاد حقه وقصر فيه فهو آثم حسب ما بيّنه أهل الأصول".

نعم وإن كان أهلاً آثم، كما جاء في حديث القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، هذا المتأهِل الذي عرف الحق وعمل به هذا في الجنة، لكن المتأهل الذي حاد عن الحق هذا في النار، وغير المتأهل في النار الذي يتصدى لمثل هذا الاجتهاد في المسائل العلمية وفي القضايا الشرعية في قضايا الحكم وما أشبه ذلك، هذا في النار وإن أصاب، وإن وافق الحق.

"والثاني ألا يكون من أهل الاجتهاد، وإنما أدخل نفسه فيه غلطًا أو مغالطة، إذ لم يشهد له بالاستحقاق أهل الرتبة".

يعني أهل الشأن ما استفاض أمره ولا خبره عند أهل الشأن، ولا شهد له أحد من أهل العلم بأنه أهل للاجتهاد.

"ولا رأوه أهلاً للدخول معهم فهذا مذموم".

وإن قال قولاً يوافق الحق.

"وقل ما تقع المخالفة لقول أحد من المتقدمين إلا من أهل هذا القسم؛ لأن المجتهدين وإن اختلفوا فالأمر العام وإن اختلفوا فالأمر العام في المسائل أن يختلفوا إلا فيما اختلف فيه الأولون أو في مسألة من موارد الظنون لا ذكر لهم فيها فالأول: يلزم منه اختلاف الأولين في العمل، والثاني يلزم منه الجريان على ما ورد فيه عمل، أما القسم الثاني فإن أهله لا يعرفون ما في موافقة العمل من أوجه الرجحان، فإن موافقته شاهد للدليل الذي استدل به، ومصدقٌ له على نحو ما يصدقه الإجماع، فإنه نوعٌ من الإجماع فعلي، بخلاف ما إذا خالفه فإن المخالفة موهنة له أو مكذبة، وأيضًا فإن العمل مخلص للأدلة من شوائب المحامل المقدرة الموهِنة".

نعم؛ لأن الكلام النظري يعتريه من الاحتمالات ما يعتريه، ويُفهَم على وجوه، لكن إذا طُبِّق الفعل يحتمل وجوهًا؟ ما يحتمل وجوهًا، وجه واحد ولا عموم له، فجاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- نصوص في الصلاة وفي الحج اختلف أهل العلم في فهمها، لكن لم يختلفوا في فعله -عليه الصلاة والسلام- ممن رآه.

"لأن المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة لا يستقيم إعمال الدليل دونها في أعمال المتقدمين قاطع لاحتمالتها حتمًا، ومُعَيِّنٌ لناسخها من منسوخها ومبين لمجملها، إلى غير ذلك فهو عون في سلوك سبيل الاجتهاد عظيم، ولذلك اعتمده مالك بن أنس ومن قال بقوله، وقد تقدم منه أمثلة. وأيضًا فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف وهو مشاهد معنا، ولأن تعارض الظواهر كثير مع القطع بأن الشريعة لا اختلاف فيها".

نعم لا اختلاف ولا اضطراب في الشريعة إنما الاختلاف يقع في الفهوم، بعضهم يفهم هذا من هذا النص وغيره يفهم خلافه من نفس النصّ، يعني مثل ما ذكرنا مرارًا في عُرنة، هل هي من عرفة أو لا؟ عرنة هل هي من عرفة أو لا؟ الجمهور على أنها ليست من عرفة، «انهضوا عن بطن عرنة، وارفعوا عن بطن عرنة» وعند المالكية عرنة من عرفة، يصحّ الوقوف فيها، لكن مع الإثم، ولو لم تكن منها لما استثنيت كما لم تستنثَ مزدلفة ولا منى ولا غيرهما، هذا اختلاف فهوم لنصّ واحد، هذا فَهِم وهذا فَهِم ضد ما قال، لكن النصّ واحد، فسبب الاختلاف ليس في النصّ، ولا يرجع هذا الاختلاف إلى الدين، وإنما يرجع إلى فهوم المجتهدين، ومع الأسف أن عامة الناس الذين لا يفهمون شيئًا وصلت إليهم هذه الأقوال المتعارضة حتى ظن بعضهم أن التعارض وأن التناقض إنما هو في الشرع، ويقال: إذا وصل هذا الأمر للعامي الذي لا يستطيع التوجيه فلا بد أن يطلع على السبب الحقيق؛ لئلا ينسب إلى هذا الدين شيئًا من التناقض، نسمع كثيرًا أن الدين تغيَّر، كثير من العوام كبار السن يقولون: الدين تغيَّر حتى الصلاة تغيرت؛ لأنهم عهدوا علماء أدركوهم على جادة وعلى صراط، ثم وُجِد بعض الاجتهادات ممن تأخر عنهم، وإن كان في بعض هذه الاجتهادات ما هو صواب إلا أن العامي لا يستوعب، عنده ذلك العالم الكبير القدر الكبير السن، الكثير العبادة، وهذا مؤثر جدًّا في العامة، عندهم يصلون على هيئة معينة ثم جاء من جاء، واختلف الوضع عليهم قالوا: تغير، وثقتهم بالأولين أكثر من ثقتهم بالمتأخرين، يقولون: هؤلاء الشباب غيروا الدين، وقد يكون الدليل مع هؤلاء المتأخرين، قد يكون الدليل معهم، لكن العامي ما يستوعب، كان البلد ما فيه إلا عالم واحد، والأمة كلها مطبقة عليه، وهو ملأ السمع والبصر بينهم، ثم كثُر الشباب من طلاب العلم، وكثُرت اجتهاداتهم، فالعامي ما يستوعب مثل هذه الأمور.

 فأقول: إذا وصل الأمر إلى هذا الحد فلا بد من اطلاع العامة على السبب الحقيقي لوجود مثل هذه الاختلافات؛ لئلا يُتهَم الدين.

"ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدًا من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال لمذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مرّ من ذلك أمثلة".

نعم لا يوجد مبتدع إلا ويستدل بالقرآن والسُّنة، الخوارج عندهم نصوص يستدلون بها على الخروج على فعلهم وعلى التدمير والإفساد، من الكتاب والسُّنة، ويقابلهم المرجئة، سواء غلاتهم الجهمية وغيرهم ممن يعطلون الأعمال عندهم نصوص، فيضربون بعض النصوص ببعض، وهؤلاء هم أهل الزيغ، الذين سماهم الله -جل وعلا-، وأهل السُّنَّة وسط بين الفريقين، ووفقوا بين هذه النصوص، ووُفِّقوا للعمل بجميعها.

"بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفي كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة .

وانظر في مسألة التداوي من الخُمَّار". الخُمَّار يا شيخ؟

نعم.

"من الخُمَّار في درة الغواص للحريري، وأشباهها، بل قد استدل بعض النصارى على صحة ما هم عليه الآن بالقرآن، ثم تحيَّل فاستدل على أنهم مع ذلك كالمسلمين في التوحيد، وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل، ولهذا الأمر سبب نذكره بحول الله على الاختصار، وهي..".

بركة، انظر المسألة التي في درة الغُواص في التعليقة رقم خمسة، اقرأ.

"يقول: جاء في صفحة مائة واتنين وعشرين ومائة وثلاثة وعشرين ما نصّه: حُكي أن حامد بن العباس أن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الخُمار وقد علق به فأعرض عن كلامه وقال: ما أنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر فسأله عن ذلك، فتنحنح القاضي لإصلاح صوته ثم قال: قال الله تعالى: {ومَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[سورة الحشر: 7] وقال النبي -عليه السلام-: «استعينوا في الصناعات بأهلها»، والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، وقد قال:

 وكأس شربت على لذة        وأخرى تداويت منها بها

 ثم تلاه أبو نواس في الإسلام فقال".

الحديث الذي أورده لا أصل له.

"ثم تلاه أبو نواس في الإسلام فقال:

 دع عنك لومي فإن اللوم إغراء      وداوني بالتي كانت هي الداء".

ولا يصدر مثل هذا إلا من أهل المجون والفسق، نسأل الله العافية.

"فأسفر حينئذٍ وجه حامد بالجواب وقال لعلي بن عيسى: ما ضرَّك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة؟ وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله -عز وجل- أولًا ثم بقول الرسول -عليه الصلاة والسلام- ثانيًا، وبين الفتيا، وأدى المنعى، وتفصى من العهدة، فكان خجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة" أكمل يا شيخ؟

نعم.

"قال دراز: ولا شك أن هذا مجون مرذول من قاضي القضاة، لا يصدر إلا عن الفساق المستهزئين، قلت: وحديث: «استعينوا في الصناعات بأهلها» ذكره الثعالبي في كتاب اللطائف واللطف، وابن النجار في تاريخه ضمن القصة المذكورة، وهو مما لا سند له".

اللهم صلِّ على محمد.

 يكفي.