كتاب العلم (20)

عنوان الدرس: 
كتاب العلم (20)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يقول: رجل دخل إلى المملكة بتأشيرة زيارة، فهل يجوز له أن يؤدي فريضة الحج؟ وإذا أراد أن يعتمر؟

إذا كان لا يغلب على ظنه أنه يتعرض لصد بحيث إذا أحرم بالحج صُد عنه فله ذلك، لا سيما وأنه قد لا يتيسر له الحج مرة أخرى وقد دخل بطريقة رسمية ومأذون له بالدخول، فإذا كان لا يغلب على ظنه أنه يُصد؛ لأن الصد أمره ليس بالسهل، إذا تلبس بالحج ترتبت عليه آثار تضرر بتركه من أجل هذا المنع، فإن كان يغلب على ظنه أنه لا يُصد إذا تلبس بالحج، فلا أرى ما يمنع إن شاء الله تعالى.

طالب: .......

والله إن اشترط نفعه إن شاء الله تعالى.

يقول: وإذا أراد أن يعتمر في أشهر الحج من أول شوال إلى آخر ذي القعدة فمتى ينقطع تمتعه إن كان متمتعًا؟

ينقطع تمتعه إذا عاد إلى بلده.

وهل عليه دم أم لا؟

نعم عليه دم المتعة، وإذا لم يستطع الدم فعليه أن يصوم عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

وهل يجوز له أن يأتي بأكثر من عمرة في هذه الزيارة؟

لا مانع إذا تيسر له ذلك.

طالب: حتى لو كان متمتعًا؟

هو جائٍ من أين؟ بلده الذي يسكن؟

طالب: .......

من مصر، إذا رجع إلى الرياض أو ذهب، هو مقيم في الرياض أم؟ مقيم في الرياض؟ المقصود أنه إذا كان محل إقامته الرياض انقطع التمتع، إذا لم يكن فمحل إقامته إذا رجع إليه انقطع التمتع. أما إذا سافر أسفارًا طارئة مثل لو راح المدينة أو راح بلدًا ثانيًا ما ينقطع إن شاء الله.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

مشدد من أجل التوسعات. لا شك أن الحرم ظرفه يختلف سائر ....... الطواف يصير فيه مشقة عظيمة.

هذا يقول: ما رأيكم فيمن يشوش على طلاب العلم أثناء الدرس بكثرة الأسئلة والمجادلة بدون علم وكثرة التحاور بأسلوب لا يتناسب وطلب العلم؟ وهل هذا من مظاهر العجب وحب الظهور؟

يعني لا شك أن الحامل على ذلك هو الحرص على الاستفادة، ولا يظن بطالب العلم غير هذا، لكن إذا كان طلاب العلم لا يرون مثل هذا فلا شك أن الواحد لا ينظر إليه في مقابل الجماعة إذا كان يفوت الفائدة على الجماعة فعليه أن يتقي الله -جَلَّ وعَلا-، وإذا كان عنده أسئلة فيعرضها بالأسلوب المناسب في غير الدرس.

يقول: جاء في حديث جبير بن مطعم -رَضِيَ اللهُ عنهُ- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار»، ألا يدخل فيه منع الناس من الحج إلا بإذن وتصريح، وإن حج بدون إذن هل ارتكب معصية لمخالفته ولي الأمر؟

على كل حال المنع إلا بتصريح هذا مبني على فتوى نُظر فيها إلى المصلحة. الآن الناس يتقاتلون وهم يُمنعون فكيف إذا فتح المجال للجميع بدون ترتيب؟ المسألة مبنية على مصالح.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- في باب كتابة العلم: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ".

 هذا الكلام من أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عنهُ- على حسب فهمه وما تبادر إليه من أن الذي يكتب في الغالب ويدون يكون عنده من العلم، وعنده مما كتب أكثر ممن يسمع فقط؛ لأن المكتوب منظور، والمحفوظ غير منظور، المكتوب منظور يعني وكانت الكتابة على مواد كبيرة ما هو بتخزين في أجهزة صغيرة بقدر الكف ولا شيء، يكتب الحديث يمكن حديث الأعمال بالنيات يحتاج إلى جلد كامل، فإذا أضفت إليه ألف حديث أو ألفًا وكسورًا مما رويت عن عبد الله بن عمرو تحتاج بيوت هذه، فإذا وجدت مثل هذه الكمية الكبيرة من المكتوب على هذه المواد الكبيرة ما فيه شك أنه الواحد يحمل عشرين بعيرًا.

 إذا رأى أبو هريرة مثل هذا المكتوب على هذه المواد الكبيرة أكيد أن عنده أشياء في مقابل المخزون في القلب المحفوظ الذي لا يُرى. فهذا فهم أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ تعالى عنهُ- أنه ظن أن عبد الله بن عمرو أكثر منه حديثًا؛ لأنه يكتب، وأبو هريرة لا يكتب. وفي هذا دليل على جواز كتابة الحديث؛ لأن عبد الله بن عمرو يكتب ما يسمع من النبي -عليه الصلاة والسلام-، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يراه ويقره على ذلك. ومر بنا في الدرس الماضي حديث أبي سعيد ذكرناه في الدرس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الكتابة، وذكرنا سبب النهي أنه بعد ذلك أُذن فيها: «اكتبوا لأبي شاه» وعبد الله بن عمرو يكتب، وفيه أدلة أخرى مما يدل على جواز الكتابة وأن النهي في مرحلة أو في وقت أو لظرف ما خشية أن يختلط بالقرآن، وما عدا ذلك فالكتابة جائزة ثم أجمع عليها أهل العلم، وتتابعوا على ذلك، وصاروا يكتبون أحاديثهم من غير نكير.

(قوله: حدثنا عمرو هو ابن دينار المكي. قوله: عن أخيه هو همام بن منبه بتشديد الموحدة المكسورة، وكان أكبر منه سنًّا، لكن تأخرت وفاته عن وهب، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين من طبقة متقاربة أولهم عمرو) ووهب وهمام، كلهم تابعيون، وهم متقاربون في الطبقة. وقد يوجد أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، قد يوجد خمسة وهذا قليل جدًّا، وفي حديث واحد فرد ستة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، في حديث يتعلق بفضل سورة الإخلاص، ستة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب البغدادي في رسالة، وقال عنه النسائي: إنه أطول إسناد في الدنيا، ستة من التابعين في طبقة واحدة يروي بعضهم عن بعض هذا أنزل إسنادًا، لا يوجد إسناد أنزل من هذا.

 (قوله: فإنه كان يكتب ولا أكتب، هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو -أي ابن العاص- على ما عنده، ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- منه إلا عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة) أقل من الثلث ويمكن أن يكون الربع.

 (فإن قلنا: الاستثناء منقطع فلا إشكال، إذ التقدير: لكن الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه العادة أم لا، وإن قلنا: الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات) لماذا قال أبو هريرة إنه أكثر منه، وفي الواقع أن أبا هريرة أكثر. (أحدها: أن عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلَّت الرواية عنه) فيكون كلام أبي هريرة على حقيقته، وهو أن عبد الله بن عمرو عنده أحاديث كثيرة جدًّا، لكنه اشتغل عنها بالعبادة فقلَّت الروايات عنه، ولا يظن أنه ضاع على الأمة شيء من دينها، وأن عبد الله بن عمرو فرط في رواية الحديث وتبليغه للناس، إنما رأى أن غيره بلغ، فاكتفى به. (ثانيها: أنه كان أكثر مُقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة).

 يعني فرق بين من يسكن المدينة أو يسكن مكة التي يتردد عليها الناس ويلتقون بعلمائها وبين من يسكن الأقطار الأخرى، مع أن الأقطار الأخرى صار لها نصيب في بعض العصور أكثر مما صار لمكة والمدينة؛ لأن الحركة العلمية تتبع الولايات، فإذا وُجد الحاكم أو الوالي تبعه الناس، ومثل ما تشوفون صارت الدولة لبغداد زمنًا طويلاً ثم أو قبلها لدمشق ثم القاهرة ثم الرياض الآن ما له نظير في الدنيا ولله الحمد.

(وكان أبو هريرة متصديًا فيها للفتوى) يعني في المدينة (والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة) يعني من روى عنه (فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره.

ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بأن لا ينسى ما يُحدثه به كما سنذكره قريبًا.

رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحِمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويُحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين، والله أعلم) لكن لا يعني هذا أن ما عنده مما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه يضيع بهذا السبب، ولا يظن به أنه قصر في التبليغ، يعني هو يروى عنه ويحدث بأحاديث من هاتين الزاملتين التي وقف عليهما من كتب أهل الكتاب، فكيف يظن به أنه لا يحدث بما رواه عن النبي -عليه الصلاة  والسلام-؟ والذي يظهر لي أن معنى الحديث أن أبا هريرة كان يظن أن عبد الله بن عمرو أكثر منه حديثًا، والواقع العكس؛ لأن المكتوب محسوس ومنظور، بينما...

طالب: .......

 نعم؟

طالب: .......

لا، هذا ما فيه أحد قاله، أبو هريرة حافظ الصحابة إجماعًا ما فيه خلاف، ولا يوجد أحد يقاربه، ولا يدانيه من الصحابة من رواة الحديث.

الآن تجد بعض طلاب العلم، بعض طلاب العلم مكثرًا من التصنيف، نعرف منهم من وصل إلى مائة مؤلف وما زال شابًّا، وفي الأسواق وتداول الناس كتبه، واسمه يتردد كثيرًا ولو قورن ببعض الكبار قال بعضهم: كأن هذا أكثر وأشهر، والحقيقة والواقع العكس، إن كان هذا كثيرًا بمصنفاته فهذا كثير بطلابه، بنشره للعلم بطرق أخرى، لكن الناس ما لهم إلى الظاهر. طالب: .......

نعم؟

طالب: .......

لكن هذا خبر، هو يخبر عن واقع.

ثم قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (تنبيه: قوله: ولا أكتب، قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال: تُحدِّث عند أبي هريرة بحديث، فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبًا من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: هذا هو مكتوب عندي، قال ابن عبد البر: حديث همام أصح) يعني نفي الكتابة؛ لأنه مخرج في الصحيح، حديث همام يقول: أنا لا أكتب، وهذا يقول: أدخلنا في بيته وأرانا كتبًا مكتوبة، ولا شك أن ما في الصحيح أصح وأرجح.

(قال ابن عبد البر: حديث همام أصح، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي ثم كتب بعده.

 قلت: وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا عنده أن يكون بخطه) يكون بخط غيره. (وقد ثبت أنه لم يكن يكتب) بحديثه عن نفسه، ولا يقدم قول غيره عليه. (وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتعيَّن أن المكتوب عنده بغير خطه.

قوله: تابعه معمر، أي ابن راشد، يعني تابع وهب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همام، والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن معمر، وأخرجها أبو بكر بن علي المروزي في كتاب العلم له عن حجاج بن الشاعر عنه، وروى أحمد والبيهقي في المدخل من طريق عمرو بن شعيب عن مجاهد والمغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه وكنت أعي ولا أكتب، استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الكتاب عنه فأذن له. إسناده حسن) وقريش قالوا لعبد الله بن عمرو: أنت تكتب عن محمد كل شيء وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فذهب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال له ذلك، فقال: «اكتب، والله لا أنطق إلا حقًّا» أو «لا أقول إلا حقًّا» عليه الصلاة والسلام.

(وله طريق أخرى أخرجها العقيلي في ترجمة عبد الرحمن بن سلمان عن عقيل عن المغيرة بن حكيم، سمع أبا هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب، استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكتب بيده ما سمع منه، فأذن له، الحديث.

وعند أحمد وأبي داود من طريق يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو: كنت أكتب كل شيء سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنهتني قريش، الحديث، وفيه: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق») يعني فمه، يشير إلى فمه: «فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق». (ولهذا طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو يقوي بعضها بعضًا، ولا يلزم منه أن يكونَا في الوعي سواءً لِما قدمناه من اختصاص أبي هريرة بالدعاء بعدم النسيان).

 لا شك أن الحافظة عند أبي هريرة أقوى من كل حافظة بالنسبة للصحابة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «ابسط رداءك» فبسطه، يقول: فما نسي شيئًا سمعه من النبي -عليه الصلاة والسلام-.

(ولا يلزم منه أن يكونا في الوعي سواء لما قدمناه من اختصاص أبي هريرة من الدعاء بعدم النسيان. ويحتمل أن يقال: تُحمل أكثرية عبد الله بن عمرو على ما فاز به عبد الله من الكتابة قبل الدعاء لأبي هريرة؛ لأنه قال في حديثه: فما نسيت شيئًا بعدُ) يعني بعد هذا الدعاء، أما قبلُ فيحتمل أنه نسي أشياء. (فجاز أن يدخل عليه النسيان فيما سمعه قبل الدعاء، بخلاف عبد الله فإن الذي سمعه مضبوط بالكتابة، والذي انتشر عن أبي هريرة مع ذلك أضعاف ما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ لتصدي أبي هريرة لذلك، ومقامه بالمدينة النبوية بخلاف عبد الله بن عمرو في الأمرين).

 يعني ما تصدى للنشر مثل ما تصدى أبو هريرة؛ لأنه تفرغ للعبادة عبد الله بن عمرو، وهو مشهور بهذا، وأبو هريرة تصدى لنشر العلم والحديث فانتشر علمه. وإلا بالنسبة للوفاة تأخرت وفاة عبد الله بن عمرو عن وفاة أبي هريرة، وقد يحتاج الناس إلى علم المتأخر فينتشر أكثر من غيره، لكن لا تزال النسبة بينهما بين الثلث والربع، ما عند أبي هريرة من المحفوظ أكثر بكثير مما عند عبد الله بن عمرو.

(ويستفاد منه ومن حديث علي المتقدم)؛ لأنه ما عندهم شيء يختصون به إلا ما كان في هذه الصحيفة، (ومن حديث علي المتقدم ومن قصة أبي شاه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذِن في كتابة الحديث عنه، وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن» رواه مسلم، والجمع بينهما: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك)، وبخاصة وقت التنزيل، وإذا كتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، إذا كُتبا في صحيفة واحدة يُخشى الالتباس، ولذا يكرهون كتابة أي شيء مع القرآن في صحيفة واحدة، ويوجبون تجريد المصحف من كل شيء إلا القرآن، تساهلوا في كتابة أسماء السور وفي كتابة الأعشار والأجزاء والوقوف، ثم تساهل الناس فصاروا يُدخلون بين ثنايا الأسطر أسطر القرآن بعض الإعراب أو بعض التفاسير المختصرة.

 وعلى كل حال القرآن الآن مأمون أن يُدخل عليه ما ليس منه، بل هو محفوظ بين الدفتين، ولله الحمد.

يقول: (أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها مع أنه لا ينافيها) مع أنه لا ينافي ما تقدم، ويبقى أن الكتابة بحيث يلتبس الأمر على الناظر ممنوعة إلى قيام الساعة.

 (وقيل النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أُمن منه ذلك) على كل حال هذه الأجوبة ذكرناها في الدرس الماضي، ولله الحمد والمنة.

(ومنهم من أعل حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد) وهذا الكلام غير مقبول؛ لأن الحديث في صحيح مسلم مرفوع، (الصواب وقفه على أبي سعيد؛ قاله البخاري وغيره، قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا، كما أخذوا حفظًا)، لكن ما حيلة العاجز عن الحفظ إلا الكتابة، من تسعفه الحافظة في حفظ كل ما يريد هذا يتعين عليه ذلك؛ لأنه لا مقارنة بين المحفوظ وبين المكتوب، لا مقارنة بين من زاده في صدره، وبين من زاده في الكتب في الدواليب، خرج من بيته يحتاج إلى أن يعود حتى ينظر في المسألة، أما من كان حفظه في صدره، مثل من زاده التمر، التمر خذ وكل، ما يحتاج لا إلى طحن ولا إلى عجن ولا إلى طبخ، ولا يحتاج إلى شيء أبدًا، بينما من كان زاده البر مثلاً هذا يحتاج إلى مراحل حتى يصل إلى أن يصبح للأكل.

 (لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه، وأول من دوَّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير فلله الحمد)، نعم عمر بن عبد العزيز أمر الزهري أن يدون السنة؛ خشية أن تضيع على رأس المائة، وهذا التدوين الرسمي، أما تدوين الأفراد فهو موجود قبل ذلك بدءًا من عهده -عليه الصلاة والسلام- حين أذن بذلك.

ثم قال -رحمه الله-: "حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا" إن هذا لا شك أنه في مرضه الأخير، وفي أيامه المتأخرة، والمريض يضجر بمثل هذه الأشياء، فعمر -رَضِيَ اللهُ عنهُ- شفقة على النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "إن النبي -عليه الصلاة والسلام- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي»". ولا شك أن الاختلاف سبب لرفع ما يراد ذكره، وقد أراد النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يبين ليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفعت، أي رفع العلم بها، والخيرة فيما يختاره الله -جَلَّ وعَلا-.

 "«قوموا عني، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ»، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ" المصيبة "كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَيْنَ كِتَابِهِ"، لكن الذي حال بينه وبين كتابه هل هو التنازع أو اقتراح عمر؟ التنازع هو محل الـ... لأنه منصوص عليه: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، فالتنازع مذموم، وهو الذي حصل بسببه الرفع هذا.

(قوله: أخبرني يونس هو ابن يزيد) الأيلي. (قوله: عن عبيد الله بن عبد الله أي ابن عتبة بن مسعود.

قوله: لما اشتد أي قوي. قوله: وجعه أي في مرض موته كما سيأتي. وللمصنف في المغازي وللإسماعيلي: لما حضرت النبي -صلى الله عليه وسلم- الوفاةُ) والمراد مقدماتها. (وللمصنف من حديث سعيد بن جبير أن ذلك كان يوم الخميس وهو قبل موته -صلى الله عليه وسلم- بأربعة أيام) لأنه مات يوم الاثنين.

(قوله: «بكتاب» أي بأدوات الكتاب) «ائتوني بكتاب» يعني بأدوات الكتاب، ما يكتب عليه وهو في ذلك الوقت من أي شيء؟ من العظام والجلود والحصى واللخاف، ما عندهم ورق ولا قرطاس، مع أن القرطاس مذكور في سورة الأنعام: {فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام: 7]، أول ما صنع القرطاس في عهد هارون الرشيد، وأما القرطاس المشار إليه المذكور في القرآن فهو ما يُكتب عليه، ما يكتب عليه يسمونه قرطاسًا ولو كان من عظام أو من حجارة، ولذلك سمي القرطاس باسمه؛ لأنه يكتب عليه.

 («بكتاب» أي بأدوات الكتاب، ففيه مجاز الحذف، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم قال: «ائتوني بالكتف والدواة») الكتف العظم الذي في الكتف؛ لأنه من أنسب ما يوجد للكتابة، (والمراد بالكتف عظم الكتف لأنهم كانوا يكتبون فيها. قوله: «أكتب») «ائتوني أكتب» جواب الطلب، مجزوم على أنه جواب الطلب أو جواب شرط مقدر: إن تأتوني أكتب. (قوله: «أكتب» هو بإسكان الباء جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف، وفيه مجاز أيضًا أي آمر بالكتابة) لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يكتب: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48]، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- لا يكتب، وانتشر في الأيام الأخيرة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يكتب، وقوله: «إنا أمة أمية» نسبة إلى أم القرى.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: ....... 

 نعم نسبة إلى مكة، منسوبون إلى أم القرى، وهذا كلام ليس بصحيح، «أمية لا نقرأ ولا نحسب» هذا كلامه -عليه الصلاة والسلام-، {وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48] هذا في القرآن، ولذلك شنع أهل العلم على الباجي الذي زعم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كتب، بل رموه بالعظائم؛ لأنه خالف نص القرآن. طيب النبي -عليه الصلاة والسلام- في صلح الحديبية أخذ الورقة من علي أو ما يكتب عليه من علي ومسح اسمه وقالوا: إنه كتب اسمه؟

طالب: قال «أرني»، كان يسأل: «أرني».

هو قال: «أرني»، لكن كتابة الإنسان اسمه وهو يراه كثيرًا فيما يكتبه الناس يرى اسمه.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

 نعم هو تصوير للاسم وليس بمعرفة للكتابة، يعني عامة الناس تجده ما يقرأ ولا يكتب، يكتب اسمه من كثرة ما يشوفه.

 ومن الطرائف أنه أعلن عن وظائف قبل سنين طويلة قبل أن تنتشر الكتابة في الناس، وظيفة واحدة تقدم لها أكثر من واحد، فأرادوا المفاضلة: الذي يكتب أفضل من الذي ما يكتب، وإلا فالأصل أنهم ما يكتبون، فقالوا: هل فيكم أحد يكتب؟ قال واحد: أنا، وكان عاملاً في محل تجاري وكان يجلس في هذا المحل بجوار صندوق شاي، كرسي بجوار صندوق شاي، وهذا الصندوق عليه كتابات: شاهي باعشي لصاحبه فلان بن فلان بن فلان رباعي أو خماسي، أحمد محمد صالح باعشي، وكتب هذا العامي من أبدع ما يكون، صورها تصويرًا من كثرة ما يراها، فاختاروه دون من سواه.

فالإنسان ما يستغرب أن يكتب اسمه من كثرة ما يراه، ولا يعني أنه يكتب، لو تجيء له باسم ثانٍ ما كتبه. قال: «أرنيه» فمحا رسول الله.

طالب: .......

نعم، ابن عبد الله. كتب محمد بن عبد الله. هذا معول الباجي في ادعائه أنه كان يكتب، الكلام ليس بصحيح. فكتب إما أن يكون كتبها أو أمر بالكتابة، ومن أمر يقال له: كتب.

طالب: .......  

هو على كل حال حنا نجيب على سبيل التنزل لكلام الباجي، على سبيل التنزل، وإلا من أمر فقد كتب. إذا قيل: حفر الأمير بئرًا، فهل هو الذي جاء بالفئوس والمساحي وزاولها؟

طالب: النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى الملوك.

نعم، هو يأمر بكتابته.

(وفيه مجاز أيضًا: أي آمر بالكتابة، ويحتمل أن يكون على ظاهره كما سيأتي البحث في المسألة في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى، وفي مسند أحمد من حديث علي أنه المأمور بذلك ولفظه: أمرني النبي -صلى الله عليه وسلم- أن آتيه بطبق) في الحديث يعني «ائتوني» (أي كتف يكتب ما لا تضل أمته من بعده.

قوله: «كتابًا» بعد قوله: «بكتاب» فيه الجناس التام بين الكلمتين، وإن كانت إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز) ما معنى هذا الكلام؟ «ائتوني بكتاب»، «أكتب لكم كتابًا»؟

طالب: .......

أدوات نعم، الأول المراد به الأدوات، والثاني الكتاب الحقيقي.

(قوله: «لا تضلوا» هو نفي، وحذفت النون في الروايات التي اتصلت لنا؛ لأنه بدل من جواب الأمر، وتعدد جواب الأمر من غير حرف العطف جائز. قوله: غلبه الوجع، أي فيشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتابة) يعني من باب الشفقة عليه -عليه الصلاة والسلام- (وكأن عمر -رَضِيَ اللهُ عنهُ- فهِم من ذلك أنه يقتضي التطويل) فهم عمر أن المسألة تحتاج إلى وقت، وهذا يشق عليه -عليه الصلاة والسلام-.

 (قال القرطبي وغيره: «ائتوني» أمرٌ، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر- رَضِيَ اللهُ عنهُ- مع طائفة أنه ليس على الوجوب وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة، مع استحضارهم قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38])؛ لأنه قال: وعندنا كتاب الله حسبنا، يعني يكفينا. (وقوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء} [النحل: 89]، ولهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله. وظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن يكتب لِما فيه من امتثال أمره وما يتضمنه من زيادة الإيضاح، ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار).

 قال: «قوموا عني».

 (ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار) بدليل أنه عدل عنه، ولو كان على الوجوب والإلزام ما عدل عنه -عليه الصلاة والسلام-؛ (ولهذا عاش -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك أيامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ؛ لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر) إذا جزم بالأمر وقف، ما دام فيه احتمال فهم يراجعونه -عليه الصلاة والسلام-، (فإذا عزم امتثلوا، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى، وقد عُد هذا من موافقة عمر -رَضِيَ اللهُ عنهُ-) وله موافقات وافق فيها كتاب الله وهي نحو عشرين، وهناك رسالة اسمها قطف الثمر في موافقات عمر.

قال -رحمه الله-: (واختُلف في المراد بالكتاب، فقيل: كان أراد أن يكتب كتابًا ينص فيه على الأحكام؛ ليرتفع الاختلاف) مع أنه هل يتسنى ذلك في هذه المدة اليسيرة؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: ........

نعم، ما فيه شك.

(وقيل: بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده؛ حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عيينة، ويؤيده أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» أخرجه مسلم. وللمصنف معناه ومع ذلك فلم يكتب، والأول أظهر، لقول عمر: كتاب الله حسبنا أي كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده، والله أعلم).

 يعني قوله: كتاب الله حسبنا، كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يريد أن يكتب في هذا الكتاب أشياء يستفاد منها في ترجيح الأحكام في المسائل العلمية، ووضع قواعد وضوابط ممكن، أما مفردات المسائل فيبعد أن تُكتب على كتف.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لا لا يثبتون الوصية، يثبتونها، منتهين وفارغين منها الوصية لعلي، وما فيه أصرح من الذي بين يدينا في تقديم أبي بكر وهذا في صحيح مسلم.

طالب: .......

هذا من كلامه في آخر أيامه -عليه الصلاة والسلام-، وأوصى بالنساء خيرًا، و«الصلاة وما ملكت أيمانكم»، فيه أشياء في آخر حياته، لكن هذا الموجود في هذا الحديث ما يدرى أيش هو، لكنه مجرد التماس من أهل العلم.

طالب: .......

لو قالها بلا شك لأديت، لنقلها الصحابة -رضوان الله عليهم-.

طالب: يا شيخ .......

(والأول أظهر لقول عمر: كتاب الله حسبنا أي كافينا).

طالب: لا يمكن أن يكون شيئًا ابتداءً، تقرير شيء ابتداءً تأكيدًا لما شرعه؟

لا، هو يريد شيئًا واضحًا يرتفع الخلاف بعده، فهل هو جميع مسائل الدين؟ هذا الكلام.

طالب: .......

هل أنكر عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- أو أقره؟ خلاص، انتهى الإشكال.

(فائدة، قال الخطابي: إن ما ذهب عمر إلى أنه لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء وعُدم الاجتهاد، وتعقَّبه ابن الجوزي بأنه لو نص على شيء أو أشياء لم يبطل الاجتهاد؛ لأن الحوادث لا يمكن حصرها، قال: وإنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حالة غلبة المرض، فيجد بذلك المنافقون سبيلاً إلى الطعن في ذلك المكتوب، وسيأتي ما يؤيده في أواخر المغازي).

 يعني لو كتب لقال المنافقون: قال هذا الأمر وعقله ليس بكامل من شدة المرض، يعني مثل ما قال المشركون لعبد الله بن عمرو: إنه بشر يغضب ويرضى ويتكلم في الغضب والرضا، ولا شك أن هذه شبهة. (وسيأتي ما يؤيده في أواخر المغازي).

(قوله: «ولا ينبغي عندي التنازع» فيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلى امتثال الأمر، وإن كان ما اختاره عمر صوابًا إذ لم يتدارك ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدُ كما قدمناه، قال القرطبي: واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنف أحدًا منهم من أجل الاجتهاد المسوغ والمقصد الصالح). يعني الذين صلوا في الطريق لاحظوا حديث المواقيت، وأنه لا يجوز تأخير صلاة العصر عن وقتها حتى تغرب الشمس، هؤلاء الذين صلوا، والذين لم يصلوا عملوا بحرفية النص.

(قوله: فخرج ابن عباس يقول، ظاهره أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلاً هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر، بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث، ففي رواية معمر عند المصنف في الاعتصام وغيره قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول، وكذا لأحمد من طريق جرير بن حازم عن يونس بن يزيد، وجزم ابن تيمية في الرد على الرافضي بما قلته) الذي هو منهاج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة القدرية، واسمه الآخر: منهاج الاعتدال في الرد على أهل الرفض والاعتزال، وهذا الكتاب من أنفس ما كتبه الشيخ -رحمه الله-، ففيه من أنواع العلوم والفنون ما لا يخطر على بال أحد، فيه فوائد ما تخطر على بال طالب علم ولا يجدها في مظانها فضلاً عن غيرها.

طالب: .......

صعب نعم، ارقَ قليلًا وترى التفاوت. المقصود فيه كلام منطقي فلسفي، يعني الذي ليست لديه المقدمات قد لا يفهمه، ففي المجلد الثاني ما يقرب من ثلاثمائة صفحة، يعني نصف المجلد، وفي الخامس أيضًا قريب من ذلك، وأما الباقي فسهل، الباقي يُفهم. درء تعارض العقل والنقل أصعب.

 واقرأ كتاب العقل والنقل الذي            ما في الوجود له نظير ثانٍ

 ثم يجينا طالب علم متوسط أو مبتدي ويسمع هذا الكلام، ويشتري الكتاب، ويحاول أن يقرأ فيه، ثم يصدم ويترك، يمكن يترك الطلب.

 وكذلك التأسيس أصبح نقده             أعجوبة للعالم الرباني

 ومن العجيب أنه بسلاحهم       أرداهم نحو الحضيض الداني

أي بمنطقهم وفلسفتهم رد عليهم بصواريخ، -رحمة الله عليه-.

(وكل من الأحاديث يأتي بسط القول فيه في مكانه اللائق به إن شاء الله تعالى، إلا حديث عبد الله بن عمرو فهو عمدة الباب، ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث خرج من المكان الذي كان به وهو يقول ذلك، ويدل عليه رواية أبي نعيم في المستخرج قال عبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول) وجه رواية حديث الباب أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «ائتوني أكتب» والباب في كتابة العلم. (ويدل عليه رواية أبي نعيم في المستخرج قال عبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول إلى آخره، وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأن عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنه وُلد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بمدة طويلة، ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى والله أعلم.

قوله: الرزيئة) أو الرزية، إن الرزية كل الرزية، وهنا كتبها: الرزيئة (هي بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشدد الياء) تسهل الهمزة فتكون ياءً فتدغم في الياء الأولى: رزية، (ومعناها المصيبة، وزاد في رواية معمر: لاختلافهم ولغطهم، أي أن الاختلاف كان سببًا لترك كتابة الكتاب. وفي الحديث دليل على جواز كتابة العلم، وعلى أن الاختلاف قد يكون سببًا في حرمان الخير كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما فرُفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك) تلاحى رجلان فرفعت.

 (وفيه وقوع الاجتهاد بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم-)؛ لأن عمر اجتهد وما أنكر عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-. (وفيه وقوع الاجتهاد بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما لم يُنزل عليه فيه، وسنذكر بقية ما يتعلق به في أواخر السيرة النبوية من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى.

تنبيه: قدم حديث علي أنه كتب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويطرقه احتمال أن يكون إنما كتب ذلك بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يبلغه النهي، وثنى بحديث أبي هريرة وفيه الأمر بالكتابة وهو بعد النهي فيكون ناسخًا، وثلَّث بحديث عبد الله بن عمرو، وقد بينت أن في بعض طرقه إذنَ النبي -صلى الله عليه وسلم- له في ذلك، فهو أقوى في الاستدلال للجواز من الأمر أن يكتبوا لأبي شاه؛ لاحتمال اختصاص ذلك بمن يكون أميًّا أو أعمى، وختم بحديث ابن عباس الدال على أنه -صلى الله عليه وسلم- همَّ أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهمُّ إلا بحق) لا يهم إلا بما يجوز له فعله -عليه الصلاة والسلام- كما هم بتحريق المتخلفين عن الصلاة في المسجد في الحديث المعروف في الصحيحين وغيرهما. والله أعلم.