شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (535)

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (535)
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
أربعاء 19/ رمضان/ 1438 5:15 م

سماع الدرس

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم مستمعي الكرام في هذا اللقاء في شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، والذي يتولى الشرح فيه معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير -وفقه الله-، عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء.

حياكم الله معالي الشيخ، وأهلًا وسهلًا

حياكم الله، وبارك فيكم، وفي المستمعين.

المقدم: الكلام لا يزال موصولًا في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- وفيه قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، وجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فرددتها على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما بلغت (اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت)، قلت: ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت».

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فقد قال ابن الملقن مما هو متصل بكلامه السابق: فرع هذا الوضوء يتأكد في حق الجنب أيضًا عند نومه، ولعله ينشط للغسل، ولعله ينشط للغسل، وفي سنن أبي داود من حديث أبي ظبية عن معاذ مرفوعًا: «ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرًا يتعار من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه».

المقدم: الله.

وإسناده جيد، «ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرًا يتعار من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه».

قوله اللهم أصله: يا الله، حذف حرف النداء، وعوض عنه الميم، وقد تجتمع الياء مع الميم، كقول الشاعر: إني لما حدث ألما           أقول يا اللهم يا اللهم

والأصل أن الياء ما تجتمع مع الميم إلا مع الله ومحكي الجمل، كما قال ابن مالك. 

قوله: أسلمت وجهي إليك قال الكرماني: استسلمت، أسلمت استسلمت، والإسلام في اللغة الاستسلام، استسلمت، وجعلت نفسي منقادة إليك طائعةً لحكمك، والإسلام والاستسلام بمعنى، والمراد من الوجه الذات.

يكثر الشراح يطلقون ويؤولون الوجه بالذات، ولا شك أن الوجه دال على الذات. 

المقدم: من إطلاق الجزء على الكل؟

لكن ما جاء في نصوص الصفات، الاسم والصفات لا يقال فيه مثل هذا الكلام، وصفة الوجه ثابتة لله -جل وعلا- ثبوتًا قطعيًّا في نصوص الكتاب والسنة.

المقدم: سبحانه.

فيجب أن نثبته على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا نتعرض لتأويله كبعض طوائف البدع، يقول: والمراد من الوجه الذات، الصواب المراد من الوجه الصفة الثابتة لله -جل وعلا-، {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}[الرحمن:27]،  {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}[الرحمن:27].

وقال ابن الملقن: قوله: اللهم أسلمت وجهي إليك جاء في رواية أخرى: أسلمت نفسي إليك، وستأتي عند المصنف، والمراد من الوجه والنفس بمعنى الذات بمعنى الذات كلها، كما نقله النووي عن العلماء، والنووي- رحمة الله عليه- يؤول في مثل هذا الباب.

 وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يراد به الوجه حقيقةً، يعني كما هو معروف من مذهب أهل السنة، حقيقة، لكن على ما يليق بجلال الله وعظمته، ويحتمل أن يراد به القصد، وكأنه يقول: قصدتك في طلب سلامي أو إسلامي.

 وقال القرطبي: قيل: إن معنى الوجه القصد والعمل الصالح، ولذلك جاء في رواية: أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وستأتي عند المصنف في الدعوات، فجمع بينهما، فدل على تغايرهما، فدل على.. 

المقدم: تغايرهما.

تغايرهما؛ لأن العطف يقتدي المغايرة، قال ابن الملقن: ومعنى أسلمت سلمت واستسلمت أي سلمتها لك، إذ لا قدرة ولا تدبير بجلب نفع أو دفع ضر، فأمرها مسلم إليك، تفعل فيها ما تريد، واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه، انتهى.

قوله: وفوضت أمري إليك أي رددت أمري إليك، وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني همه، وتول إصلاحه، وهذا أيضًا من ابن الملقن.

 قوله: وألجأت ظهري إليك وألجأت ظهري إليك، قال الكرماني: أي توكلت عليك، واعتمدتك في أمري، كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يستند إليه، يقول الكرماني: أي توكلت عليك واعتمدتك في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يستند إليه، وفي هذا البراءة من الحول والقوة إلا بالله -جل وعلا-. 

قال الجوهري: ألجأت أي أسندت، قوله: رغبة ورهبة إليك قال ابن الملقن: أي رغبةً في رفدك وثوابك، أي رغبةً فيما عندك يا ربي، وخوفًا منك، رغبةً في المطلوب والخوف من المرهوب، ورهبة إليك وخوفًا منك ومن أليم عقابك، وأسقط من الرهبة لفظ منك ورهبة إليك، وأسقط من الرهبة لفظة منك وأعمل لفظة الرغبة بقوله: إليك على عادة العرب في أشعارهم، في أشعارهم كما في قول الشاعر: وزججن الحواجب والعيون، والعيون لا تزجج، ولكنه لما جمعهما في النظم حمل أحدهما على حكم الأخر حمل أحدهما على حكم الآخر في اللفظ، نبَّه عليه ابن الجوزي، يعني كأنه يقول: وزججن الحواجب، وكحلن العيون، يعني يقدر فعلًا يناسب الثاني.

 وقال الكرماني: فإن قلت: الرهبة تستعمل بمن رغبةً إليك ورهبة منك..

المقدم: ورهبة منك.

يقال: رهبة تستعمل بمن يقال: رهبةً منك، قلت: إليك متعلق برغبة، وأعطى للرهبة حكمها، والعرب كثيرًا ما تفعل ذلك كقول بعضهم:

ورأيت بعلكِ في الوغى            متقلدًا سيفًا ورمحا

 والرمح لا يُتقلد. وقول الآخر:

علفتها تبنًا وماءً باردًا، علفتها تبنًا وماءً باردًا، والماء معروف أنه لا يعلف.

المقدم: نعم.

وإنما يسقى، وتقول: علفتها تبنًا وسقيتها..

المقدم: ماءً.

ماءً باردًا، تقدر فعلًا يناسب الماء، وإذا تولنا أو ضمنا علفتها أنلتها، ليصلح للأمرين صح ذلك، علفتها تبنًا وماءً باردًا. قوله: لا ملجأ ولا منجى، قال الكرماني: لا ملجأ بالهمز، ويجوز التخفيف، ولا منجى مقصور مقصور.

المقدم: نعم.

وإعرابه كإعراب عصى لا تظهر عليها الحركات؛ لأنه مقصور، فإن قلت: فهل يقرأ بالتنوين أو بغير تنوين، لا ملجأ ولا منجى ، هل يقرأ بالتنوين ملجأً ولا منجى؟ بالتنوين أو بغير تنوين؟ قلت: في هذا التركيب خمسة أوجه..

المقدم: قلت، من قال؟

ما زال الكلام للكرماني.

المقدم: نعم.

قلت: في هذا التركيب خمسة أوجه، لأنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله، لا ملجأ ولا منجى، يعني مبني؛ لأنه فيه لا النافية للجنس، لا حول ولا قوة إلا بالله، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان في منك، وإن كانا مكانين فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجى إلا إليك.

اللهم آمنت بكتابك قال الكرماني: أي القرآن، فإن قلت: المفرد المضاف مفيد للعموم، فلمَ خصصه بالقرآن؟ آمنت بكتابك الذي أنزلت، ما المانع أن يكون بجميع الكتب؟

 لو قال: بجميع الكتب المنزلة، فإن قيل: لماذا ذكره مفردًا كان الجواب سهلًا؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم، أما أن يقول أي القرآن، فإن قلت: المفرد المضاف مفيد للعموم، فلمَ خصصه بالقرآن؟ أنت الذي خصصته بالقرآن.

 قلت: بقرينة المقام مع أن عمومه مختلف فيه، ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للإيمان بجميع الكتب المنزلة، فلو حملناه على العموم لجاز؛ لأن الإيمان بالكتب كالإيمان بالرسل، والإيمان بالقدر وهو واحد من أركان الإيمان الستة المعروفة التي جاءت في حديث جبريل، وفي الآيات والأحاديث في مواضع كثيرة.

 الآن خصه بالقرآن، آمنت بكتابك يقول الكرماني: أي القرآن، ثم بعد ذلك ذكر أن اللفظ لفظ عموم فلمَ خصصه بالقرآن؟ أنت الذي خصصته بالقرآن.

المقدم: صحيح.

ثم تذهب لتجيب عنه، لو تركته على عمومه؛ لأن المفرد المضاف يفيد العموم، والمراد بجميع الكتب المنزلة، وانتهى الإشكال.

 قلت: بقرينة المقام مع أن عمومه مختلف فيه، ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للإيمان بجميع الكتب المنزلة، فلو حملناه على العموم لجاز أيضًا، وها هنا فائدة، وهي أن المفرد المعرف بالإضافة كالمعرف باللام، يحتمل الجنس والاستغراق والعهد، يقول: وها هنا فائدة، وهي أن المعرف بالإضافة كالمعرف باللام، يحتمل الجنس والاستغراق والعهد؛ لأن الــ (ال) تأتي للاستغراق، تأتي للجنس، وتأتي أيضًا للعهد، الجنس: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2]، جنس الإنسان. 

المقدم: نعم.

بدليل الاستثناء، والعهد: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} [المزمل:15]، يعني الرسول المعهود الذي يعود إلى ما ذكر، وهو موسى -عليه السلام-.

ولفظ كتابك محتمل لجميع الكتب، ولجنس الكتب، ولبعضها كالقرآن، بل جميع المعارف كذلك، يعلم من الكشاف في قوله تعالى -الكشاف الزمخشري- في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتنَا كُلّهَا فَكَذَّبَ}]طه:56[، وفي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة:6]، في أول البقرة.

المقدم: نعم.

قال العيني: يجوز أن يكون العهد هو أن يراد به ناس بأعيانهم، كأبي جهل وأبي لهب، يعني في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}[البقرة:6]، يقول العيني: يجوز أن يكون العهد يراد به ناس بأعيانهم كأبي جهل وأبي لهب والوليد بن المغيرة وأزرابهم، وأن يكون للجنس متناولًا، متناولًا كل من صمم على كفره، انتهى من الزمخشري.

قلت -القائل العيني-: التحقيق أن الجمع المعرف، التحقيق أن الجمع المعرف تعريب الجنس معناه جماعة الآحاد جماعة الآحاد، وهي أعم من أن يكون جميع الآحاد، جميع الآحاد أو بعضها، فرق بين الجميع والمجموع، التحقيق أن الجمع المعرف تعريف الجنس معناه جماعة الآحاد، وهي أعم من أن يكون جميع الآحاد أو بعضها، فهو إذا أطلق احتمل العموم، وهو الاستغراق، وهو إذا أطلق احتمل العموم والاستغراق واحتمل الخصوص، والحمل على واحد مما يتوقف على القرينة كما في المشترك، هذا ما ذهب إليه الزمخشري.

 الزمخشري عنده مباحث لغوية نفيسة جدًّا، وفي بعضها غموض، وكثير منها لم يوافق عليه؛ لأنه قد يرجح قولًا من أقوال الأئمة في اللغة؛ لأنه يخدم مذهبه، فيؤخذ على حذر، وتراجع الحواشي عليه؛ لأن العلماء بينوا اعتزاله، واستخرجوه بالمناقيش كما قالوا، هذا ما ذهب إليه الزمخشري، وصاحب المفتاح، وصاحب المفتاح المفتاح هو القزويني، متن مشهور في البلاغة، يصح أن يمرن عليه طالب العلم، يصح أن يمرن عليه طالب العلم؛ لأن فيه التعاريف والحدود والأمثلة والشرح، وهو مخدوم بكثرة الشروح والحواشي.

المقدم: المفتاح

المفتاح الأصل، المفتاح الأصل مفتاح العلوم للسكاكي، المفتاح هو الأصل الذي هو مفتاح العلوم للسكاكي، والذي ذهبت إليه في أول الأمر أقصد به تلخيص المفتاح للقزويني، أما المفتاح مفتاح العلوم للسكاكي وهو أصل التلخيص الذي اشتهر أمره بين العلماء، وقرروه في هذا المجال، وإن كان بعض من ثار على القديم، على الطريقة المعروفة المسلوكة عند أهل العلم، قالوا: إن مثل هذه الكتب التلخيص، شروح التلخيص، حواشي التلخيص، هذه ما تخرِّج طالب علم سليفي، إنما تخرج طالب علم يحفظ تعاريف، ويحفظ أمثلة، ويدور في فلكها، ما تخرج طالب علم سلفي يحاكي المتقدمين، فعليه أن يقرأ في كتب المتقدمين أمثال كتب عبد القاهر، أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، هكذا يتخرج طالب علم، يعني مثل ما قالوا في الفقه أنه يترك التقليد؛ لأنه لا يخرج طالب علم يبحث بنفسه، ويصل إلى نتائج بنفسه، ولا يقلد، بل يأخذ من الكتاب والسنة ويستنبط.

 أو مثل ما قالوا في قواعد علوم الحديث حينما قالوا: إن قواعد المتأخرين لا تخرِّج عالمًا بالحديث، إنما تخرج مقلدًا لمن يبحث في مسائل علوم الحديث، هذه الدعاوى في ظاهرها مقبولة، لكن من يخاطب بها؟ يخاطب بها المتمكن، يعني إذا قرأ طالب العلم المبتدئ في دلائل الإعجاز أو أسرار البلاغة ما أدرك شيئًا، ولم يستطع أن يحاكي، ولا يستطيع أن يحفظ هذه الكتب.

 وقل مثل هذا في الاستنباط من الكتاب والسنة لطالب مبتدئ، طالب علم مبتدئ حكمه حكم العامي، فرضه التقليد يتخرج على كتب أهل العلم، على طريقة أهل العلم، وقل مثل هذا في علوم الحديث، لابد أن يتخرج على قواعد المتأخرين، ويكثر التطبيق عليها، وأيضًا في الفقه والبلاغة وغيرها من العلوم، يتخرج على قواعد المتأخرين، ويكثر التطبيق عليها، ثم بعد ذلك إذا تمكن مع إكثار الأمثلة والنظر في القواعد والتطبيق على هذه الأمثلة فله أن يحاكي المتقدمين، له أن يحاكي من يستطيع أن يحاكي المتقدمين، أما قبل ذلك فلن يستطيع.

المقدم: نعم.

وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول، وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول، ولعلنا في الحلقة القادمة نبين هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقدم: أحسن الله إليكم، ونفع بما قلتم، وجزيتم عنا خيرًا.

 أيها الإخوة المستمعون الكرام بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة، نتقدم في الختام بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير -وفقه الله-، عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء على ما تفضل به.

نسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا بما سمعنا وقلنا، إنه جواد كريم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.