كتاب العلم (01)

عنوان الدرس: 
كتاب العلم (01)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يسأل يقول: هل لولي الأمر أن يمنع ابنته التي تدرس من لبس الملابس الرياضية بعد أن أصبحت البدنية حصة رسمية والبنات يلعبن الكرة الآن في المدارس؟

هل تقرر بالفعل؟ يعني فُرض على الجميع؟ ما أظن، إلى الآن ما صار شيء بعد، هم يجهزون ويخططون لكن إلى الآن ما بعد صار شيء.

طالب: .......

نعم، بعض المدارس الناس ذهبوا بأولادهم وبناتهم بطوعهم واختيارهم، الكلام: إذا فُرض عليهم؟ إذا فرض عليهم هنا الكلام.

طالب: .......  

لا شك، لا يجوز إلحاق البنات بهذه المدارس التي تفرض على طالباتها لعب الكرة. الكرة للذكور مختلف فيها، يعني من أجازها قال: لأنها تعين على بناء الجسم من أجل الجهاد في سبيل الله، ومن منعها قال: جميع علل تحريم الخمر موجودة فيها {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]، كل هذه العلل موجودة في الخمر، بهذا يحتج من يقول بتحريمها، هذا بالنسبة للذكور على سبيل التنزل؛ لأنها يستعان بها على الجهاد. وأنت انظر في الساحة الرياضية: هل يُتوقع من هؤلاء أنهم يُعول عليهم في جهاد أو في غيره؟ طيب ما للمرأة وللجهاد فضلاً عن أن يكون لها سبيل إلى الكرة؟ المرأة لا جهاد عليها إلا الحج والعمرة، جهاد لا قتال فيه، والله المستعان.

طالب: .......

ما يريدون أن تشتغل بالمطبخ، يريدونها تشتغل بالمطابخ العامة التي في الشوارع مع الذكور، هذا ما يخطط لها، أما في بيتها فتكون عاطلة إذا طبخت لزوجها وأولادها، تكون عاطلة، لكن إذا طبخت للناس لا، عاملة، عضو فاعل في الناس، مؤثر في المجتمع! على كل حال كل شيء موجود، والتخطيط واسع وقوي جدًّا، وهناك أسباب ضعيفة، لكنها موجودة، يعني لمقاومة هذه الأشياء، نسأل الله أن ينفع بالأسباب، ويدفع عنا الشر، ويرد كيد الكائدين في نحورهم.

نعم.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا وارفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً، واغفر لنا ولشيخنا، واجزه عنا خيرًا.

قال الإمام أبو عبد الله البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "كِتَابُ العِلْمِ. بَابُ فَضْلِ العِلْمِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى".

ما عندك بسم الله؟

طالب: لا، فيه.

نعم.

طالب: قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بسم الله الرحمن الرحيم".

قبل الكتاب أم بعده؟

طالب: قبل.

قبل الكتاب، أنا عندي أول، وسبق فيما سبق وقلنا: إن من قدمها على الترجمة هو الأصل أن يبتدأ بالبسملة، ومن أخَّرها عن الترجمة كأنه جعل الترجمة بمنزلة اسم السورة في المصحف والبسملة بعدها، ولكلٍّ وجهٌ.

طالب: "كتاب العلم. باب فضل الله، وقول الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وَقَوْلِهِ -عزَّ وجلَّ-: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]". أكمل يا شيخ.

اقرأ الباب الذي يليه.

طالب: "بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ.

 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ»، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (كتاب العلم، بسم الله الرحمن الرحيم، باب فضل العلم وقول الله تعالى: {يَرْفَعِ})، نعم.

طالب: .......

{يَرْفَعِ اللَّهُ}، هذه القراءة المثبتة في المصاحف، وفي كثير من الأصول القديمة العتيقة من الصحيح: {يَرْفَعُ}.

طالب: .......

{يَرْفَعِ} على المصحف، فماذا يقال في مثل هذا؟ هل يقال: إن هذه القراءة ثابتة عند الإمام البخاري واعتمدها، أو يقال: إنه خطأ ويصحح على ما جاء في المصحف؟ أنا لا أعرف أحدًا قرأها بالرفع من القراء المعتبرين، فماذا نقول في هذا؟ لا، النسخ موثقة صحيحة ما هي من النسخ، قول الله تعالى، ما يمكن. أنا أقول هل ثبتت عند البخاري وما نقلت إلينا أو نقلت في كتب لم تصل إلينا؟ على كل حال نشوف.

يقول: (وقول الله تعالى: وقول الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وَقَوْلِهِ -عزَّ وجلَّ-: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]).

 أهل العلم يختلفون إذا وقع مثل هذا في كتاب هل يصحح، إذا وقع الخطأ في كتاب هل يصحح أو ينقل كما هو ويعلق عليه، يعني يصحح في أصل الكتاب ويشار إلى الخطأ في الحاشية، أو يذكر الخطأ في أصل الكتاب ويصحح في الحاشية؟ العلماء من أهل الحديث يختلفون في هذا إذا وقع في الرواية خطأ، وكأنهم يتفقون على ما إذا كان الخطأ في القرآن أنه يصحح، أما إذا كان الخطأ في غيره ولو كان في الحديث أنه لا يصحح، يبقى على وجهه؛ لأنه قد يكون خطأً من وجهة نظر هذا القارئ وهذا المصحح ويكون له وجه يخفى عليه عند غيره.

(قوله: كتاب العلم، بسم الله الرحمن الرحيم، باب فضل العلم، هكذا في رواية الأصيلي وكريمة وغيرهما، وفي رواية أبي ذر تقديم البسملة، وقد قدمنا توجيه ذلك في كتاب الإيمان).

 يعني نستحضر ما قيل في أول الأمر أنها إذا قدمت البسملة فعلى الأصل أن البسملة يبدأ بها، وإذا أُخرت فتكون الترجمة بمنزلة اسم السورة في القرآن والبسملة بعدها في السور، (وليس في رواية المستملي لفظ باب ولا في رواية رفيقه) المستملي والأصيلي (وليس في رواية المستملي لفظ باب ولا في رواية رفيقه لفظ كتاب العلم) من رفيقه؟ الأصيلي.

(فائدة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته؛ وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف) نعم. لأن ما جرى عليه السلف والمتقدمون من أهل العلم أنهم لا يتعرضون للتعاريف، يبدءون بالترجمة ثم يذكرون ما ورد فيها من نصوص ويفرعون عليها، أما التعاريف فلا يعرجون عليها، ما تجد في كتب الأئمة، ما تجد في الأم للشافعي ولا المدونة ولا في غيرها من كتب المتقدمين، فضلاً عمن كان قبله من الموطأ والمصنفات، ما تجد تعريف العلم، تعريف الطهارة، أمور معروفة عند الناس. لكن لما اختلط الناس بغيرهم، وكثر الجهل بالأمة، وطال الأمد، وبعد العهد، احتاج الناس إلى هذه التعاريف التي في كثير منها تعقيد قد يساهم في خفاء المعنى أكثر مما لو تُرك، وفي كتاب الإجارة من مختصر الخرقي أحضرنا كتاب الحدود لابن عرفة، وعرفنا كيف عقدوا التعاريف، وهو موجود الآن كتاب الحدود، كيف عقدوا الحدود بحيث ساهمت في خفاء الأمر على المتوسطين من طلاب العلم فضلاً عن المبتدئين فضلاً عن عامة الناس.

قال: (بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته) يعني العلم يخفى معرفته على الناس؟ (وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعاريف) عرفوا الماء بذكر أجزائه.

كتاب الإجارة في كتاب الحدود لابن عرفة، يعني هذا مثال، من ينظر كيف تكون البراعة في تعقيد الأمور، يعني ما له نظير، فقال الشيخ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: كتاب الإجارة بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعيضها، انظر!!

لو ما عندك إلا هذا المتن وأنت تشرحه للناس ماذا تقول؟ هو مشروح هذا، هذا شرح الحدود لابن عرفة، وهذا التعريف من هذا الكتاب هو الذي جعل الشيخ سيد سابق يؤلف فقه السنة: بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعيضها. تصور!! وفيه مناقشات وفيه أشياء في الشرح تزيدها غموضًا، ما هو بسهل، العقول متقاربة يعني العلماء في هذا الوقت فهمهم ما هو ببعيد عن فهم العلماء في الوقت السابق، عرفوا أشياء، ما توقفوا عند أشياء في مختصر خليل على تعقيده.

(وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف) والمقصود بالعلم الذي تُرجم به هنا: العلم الذي جاءت النصوص بالحث عليه والموروث عن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، هذا معروف. لكن العلم قسيم الظن والشك والوهم يُعرفونه لأنه أمر اصطلاحي يختلف عن هذا، ليس هو المراد، قالوا: العلم الذي لا يحتمل النقيض، والظن الاحتمال الراجح، والشك المساوي، والوهم الاحتمال المرجوح. يعني هذه أمور معرفتها طيبة تنفع للتفريق بين المصطلحات، لكن العلم الذي جاءت به النصوص والحث عليه الموروث عن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- تستطيع أن تقول: إنه لا يحتمل النقيض ليدخل في التعريف العام للعلم؟ لا لا، يحتمل النقيض باحتمال الأدلة؛ لأن الأدلة قد تكون قطعية، نصية ما تحتاج إلى.. هذا ما يحتمل النقيض، لكن هل أكثر الأدلة من هذا النوع؟ لا.

(أو لأن النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب، وكل من القدرين ظاهر؛ لأن البخاري لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها، بل هو جارٍ على أساليب العرب القديمة، فإنهم يبدؤون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه، إذا كانت حقيقته مكشوفة معلومة، وقد أنكر ابن العربي في شرح الترمذي على من تصدى لتعريف العلم، وقال: هو أبين من أن يُبين.

قلت: وهذه طريقة الغزالي وشيخه الإمام أن العلم لا يُحد؛ لوضوحه أو لعسره)، (وهذه طريقة الغزالي وشيخه) الإمام إمام الحرمين هو الجويني، (أن العلم لا يحد لوضوحه أو لعسره) الكلام متقارب أم متباين؟ متباين جدًّا، كيف يقال (لعسره)؟ لا، لوضوحه قسيم لعسره. لو قرأتم في كتب الأصول المطولة في تعريف الفقه لتبين لكم كيف يعسر حصر معنى العلم؛ لأنك تقول: علم الأصول، علم الفقه، ومفرداته غالبها علم أم ظن؟ على الاصطلاح، نعم. ظن، فكيف تسميه علمًا؟ كلام طويل لهم في هذا.

 وعلى كل حال المقصود بالعلم: ما جاء عن الله وعن رسوله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان، ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فلان. وبعض الناس إذا قيل له: قال الله قال رسوله، قال: لا، قال الإمام فلان، والجهل داء قاتل، وشفاؤه أمران في التحقيق متفقان، نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني.

(قوله: وقولُ الله -عزَّ وجلَّ- ضبطناه في الأصول بالرفع عطفًا على كتاب أو على الاستئناف.

قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم، ورِفعة الدرجات تدل على الفضل؛ إذ المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة) يعني درجات الجنة، بين كل درجة والتي تليها مسيرة مائة عام.

(وفي صحيح مسلم عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي، وكان عامل عمر على مكة) نافع بن عبد الحارث .......

طالب: .......

نعم، يحتمل أن أبوه مات قبل أن يسلم، وإلا كان غيره النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ لأنه صحابي، والنبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ما غيَّر أسماء الأموات، وإنما غير أسماء الأحياء. (وكان عامل عمر على مكة، أنه لقيه بعسفان فقال له: من استخلفت؟ قال: استخلفت ابن أبزى مولًى لنا، فقال عمر: استخلفت مولًى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين». وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83]، قال: بالعلم).

قال: (قوله: وقوله -عزَّ وجلَّ-: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم.

 والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلَّف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه، وقد ضَرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب، فرضي الله عن مصنفه، وأعاننا على ما تصدينا له من توضيحه بمنه وكرمه).

 هل اقتصر على الأنواع الثلاثة التفسير والحديث والفقه؟ جميع أبواب الدين طرقها الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ-، وأتى فيها بأصح ما يوجد -رَحمةُ اللهِ عَليهِ-.

(فإن قيل: لِم لَم يورد المصنف في هذا الباب شيئًا من الحديث؟ فالجواب أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإما بيَّض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر، وإما أَورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد باب رفع العلم، ويكون وضعُه هناك من تصرف بعض الرواة)، لكن لا يمكن أن يقال هذا في كل إشكال أو في أدنى إشكال أن يقول: تصرف الرواة أو تصرف النساخ؛ لأن هذا يُفقد الثقة بالكتاب.

(وفيه نظر على ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى، ونقل الكرماني عن بعض أهل الشام أن البخاري بوَّب الأبواب، وترجم التراجم، وكتب الأحاديث، وربما بيَّض لبعضها ليلحقه، وعن بعض أهل العراق أنه تعمد بعد الترجمة عدم إيراد الحديث إشارةً إلى أنه لم يثبت فيه شيء عنده على شرطه.

 قلت: والذي يظهر لي أن هذا محله حيث لا يورِد فيه آيةً أو أثرًا، أما إذا أورد آيةً أو أثرًا فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه) ....... لا، تفسير تلك الآية، (أما إذا أورد آيةً أو أثرًا فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية) يعني إشارات بعيدة، أحيانًا يترجم بشيء ويورد بعض حديث لا دلالة فيه على الترجمة؛ لبيان أن ما يدل على الترجمة في بقية الحديث الذي لم يذكره، أو في رواية من روايات الحديث التي لم يذكرها، وهذا من دقائقه -رَحِمَهُ اللهُ-، يجعل طالب العلم يبحث.

(وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كاف في الباب، وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع وإن لم يصل في القوة إلى شرطه) وين الأثر؟ (وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع وإن لم يصل في القوة إلى شرطه. والأحاديث في فضل العلم كثيرة صحح مسلم منها حديث أبي هريرة رفعه: «من التمس طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة»، ولم يخرجه البخاري؛ لأنه اختلف فيه على الأعمش، والراجح أنه بينه وبين أبي صالح فيه واسطة، والله أعلم).

 على كل حال فضل العلم جاءت به النصوص الكثيرة من نصوص الكتاب والسنة، فلا يماري أحد في فضله وشرف المتصف به، ولابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- كلام طويل في هذا في مفتاح دار السعادة، ولابن عبد البر أيضًا في جامع بيان العلم وفضله، وأيضًا الخطيب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وغيرها من كتب العلم، والحافظ ابن رجب في فضل علم السلف على الخلف بين منزلة العلم والعلماء، والآجري أيضًا له كتاب في بيان فضل أهل العلم.

(قوله: باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه وأتم الحديث ثم أجاب السائل.

 قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ). يعني لم يجب السائل؛ لأنه كره السؤال فأعرض عنه، هذا التمسه بعض القوم؛ لأن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ما أجابه مباشرة.

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ)؛ لأنه لو سمع أجاب كالمعتاد، وهذا لا شك أن فيه نوع عجلة من هؤلاء الذين ذكروا الاحتمال الأول أو الاحتمال الثاني.

(حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ») «أين السائل عن الساعة»، أراه يعني أظن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قال: «أين السائل»، أراه يعني أظنه قال: «السائل عن الساعة».

(قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»)، وهل هذا يحتاج إلى استدلال ليوقع هذا الأمر وأن الساعة قد أزفت، والله المستعان.

(قوله: باب من سئل علمًا وهو مشتغل، محصله التنبيه على أدب العالم والمتعلم)؛ لأنه يعترض فجأة طالب علم يسأله، هذا مشغول بغيره، يكلم واحدًا ثانيًا أو تكمل أذكارًا يفوت محلها، ثم يجيء ينزل عندك، لازم تقول له: انتظر قليلًا، وهذا كثير في طلاب العلم، ما كملت أذكار الصلاة ويجيء يسألك سؤالًا أو معك واحد على سؤال أو شيء، ثم يجيء ويدخل بينكم، لا بد من الأدب.

قال: (محصله التنبيه على أدب العالم والمتعلم) يقال مثل هذا؛ لتتسع صدور طلاب العلم لمثل هذه التصرفات من المشايخ، يعني حينما قال لك: انتظر يا أخي قليلًا، لحظة، دعني أكمل أذكاري، لا يصير بنفسك عليه شيء، ما معناه أنه ردك، أو لا يريد إجابتك، أو يريد إهانتك، أو التنقيص من قدرك، أبدًا. 

(أما العالم فلما تضمنه من ترك زجر السائل، بل أدبه بالإعراض عنه أو لا حتى استوفى ما كان فيه) قد يكون التأديب بالإعراض أشد وأوقع من التأديب بالكلام. طالب في حلقة شيخ من كبار أهل العلم تأخر عن الدرس في المرة الأولى نصف ساعة، وجلس في الأخير، وكان كل واحد بيده كتاب، ما هم عندهم كتاب واحد يسمعونه، لا، كل واحد بيده كتاب، ويقرءون على الشيخ ويمشون، من قرأ مشى. جلس في الأخير وصله الدور قرأ. تأخر المرة الثانية كذلك، تركه يقرأ لما وصل. الثالثة وقف عليه الدور ما لقيه، قام الشيخ وتركه ما جعله يقرأ. بعد ذلك صار يصلي الفجر مع الشيخ في المسجد؛ لأنه يصلي قريبًا من البيت، ثم يأتي إلى المسجد الذي فيه الدرس. ولو تعلمون أن هذا الطالب الذي يتأخر أسبوع زواجه الأول وهو شباب، لكن كان هناك يعني أهل العلم يحصرون على الطلاب، ويجلسون لهم في كل الأوقات الخمسة، والله المستعان.

(أما العالم فلما تضمنه من ترك زجر السائل، بل أدبه بالإعراض عنه أولاً حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إلى جوابه فرفق به؛ لأنه من الأعراب وهم جفاة، وفيه العناية بجواب سؤال السائل ولو لم يكن السؤال متعينًا ولا الجواب) يعني إذا سأل عن شيء مثل الساعة، وسئل -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- لا يعلم وقال لجبريل: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، فالسؤال غير متعين من قبل السائل، ولا الجواب متعين من قبل المجيب. (وأما المتعلم فلما تضمنه من أدب السائل أن لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره؛ لأن حق الأول مقدم)؛ لأن الأولية لها نصيب في الأولوية كما يقرر ذلك أهل العلم.

(وأما المتعلم فلما تضمنه من أدب السائل أن لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره؛ لأن حق الأول مقدم)، وأحيانًا يخرج الطلاب بعد الدرس مع الشيخ، ويحبسونه عند الباب وهم ما يدرون ما ظروف الشيخ، وكنت ألوم بعض المشايخ من تصرفهم من الطلاب إذا مشوا معهم وصرفهم، إذا وصل البيت صرفهم، الناس ما يدرون ما ظروف الشيخ الذي جلس ساعة وساعتين أو أكثر أو أقل وجمع بين صلاتين، ما تدرون عن ظروفه، لعله يحتاج دورة، يمكن عنده شيء مستعجل، شيء يفوت. فينبغي لطلاب العلم أن تتسع صدورهم لمثل هذا التصرف، وأيضًا على الشيخ أن يرفق بطلابه، وأن يعاملهم بالحسنى، ويرحب بهم، ويشجعهم؛ لأنه هو المستفيد من تلقيهم عنه؛ لأنه ينوي بذلك أنه يدلهم على الخير، والدال على الخير له مثل أجر فاعله، وهؤلاء الطلاب يُتوقع أن يستمر عطاؤهم، ويكون لهم طلاب أيضًا، ويشركهم في تعليمهم وتوجيه الناس إلى الخير.

 فالمسألة مسألة تعاون بين الشيخ والطالب، ما هي مسألة تعالٍ، التعالي هذا ليس عند أهل العلم، وإذا وُجد من بعضهم فليس من أهل العلم حقيقة، الذي يعتبر نفسه كبيرًا بين طلابه ما هو بصحيح، هم زملاء، كلهم يبحثون مسائل علمية يتوصل بها إلى الحق وإلى الخير.

(ويؤخذ منه أخذ الدروس على السبق) يعني الذي يقرأ الأول الذي يحضر الأول، (وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها) جاء واحد يسأل قبل هو الأول، وكذلك الخصومات والحكومات كلها على هذا الأساس.

(وفيه مراجعة العالم إذا لم يُفهم ما يجيب به حتى يتضح) كيف إضاعتها؟ «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، ما فهم السائل، كيف إضاعتها؟ فبين له النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وإضاعة الأمانة أعم من هذا، لكن هذا أعظم أفرادها؛ لأن الولايات أمانة في عنق الوالي، وإذا عيَّن غير الأكفاء فقد ضيع هذه الأمانة، «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».

(لقوله: وكيف إضاعتها؟ وبوَّب عليه ابن حبان: إباحة إعفاء المسؤول عن الإجابة على الفور)؛ لأنه ما أجابه؛ لأنه منشغل بغيره، فتأخر في الجواب، (ولكن سياق القصة يدل على أن ذلك ليس على الإطلاق) يعني لولا هذا المانع من وجود السابق يمكن ما حصل التأخير هذا الذي تم الاستدلال لابن حبان.

(وفيه إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب) وهي طريقة من طرق التعليم بالسؤال والجواب، كما جاء في حديث جبريل، وهو أصل في التعليم على طريقة، يسميها التربويون الحوار، سؤال وجواب، وكذلك التصنيف، لو وضعت مؤلفًا مبنيًّا على أسئلة وأجوبتها انتفع به طلاب العلم.

(وفيه إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب، ومن ثَم قيل: حسن السؤال نصف العلم)، لكن على السائل أن يتقن السؤال، ويحسن السؤال، وعلى المسؤول أن ينتظر حتى يفهم السؤال ويجيب بالجواب المطابق؛ لأننا نرى ونسمع بعض من يتصدى للفتوى مع كل أسف أنه يتلقف السؤال قبل أن يتم، ويجيب عليه بما يخالف قصد السائل، هذا موجود، سئل شخص وهو من المكثرين في هذا الشأن، جاءه سؤال قال: إن ابني يضربني، فكان الجواب: الأدب شرعي، وجاءت النصوص بأن الأب يضرب ابنه على الصلاة وغيرها، والأدب محمود وكذا... انقلبت القضية عليه.

كل هذا سببه العجلة في الجواب، وعدم التأني حتى يفهم السؤال ليجيب بالجواب المطابق. وكثيرًا ما يُسأل النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فيسكت ثم يجيب، من أهل العلم من قال: إنه ينتظر الوحي بالجواب، ومنهم من يقول: ليتأدب المفتون من بعده؛ حتى لا يتعجلوا في الجواب، بل يتأنوا فيه.

(وقد أخذ بظاهر هذه القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة فقالوا: لا نقطع الخطبة لسؤال سائل، بل إذا فرغ نجيبه) يعني إذا انتهت الخطبة.

(وفصل الجمهور بين أن يقع ذلك في أثناء واجباتها فيؤخر الجواب، أو في غير الواجبات فيجيب)، كذلك الدرس، يعني تحصل مداخلات كثيرة من الطلاب، مما يترتب عليه تعويق الدرس وقطع تسلسله، وهذا ينبغي أن يفصل فيه: إذا كان السؤال يخدم الدرس، فيه تنبيه للمدرس على أمر ينبغي أن ينتبه له من باب التوضيح للمسألة أو التكميل، هذا لا مانع أن يكون في أثناء الدرس، وإذا كان السؤال عن أمر خارجي يكون بعد الدرس.

(والأولى حينئذ التفصيل: فإن كان مما يهتم به في أمر الدين ولا سيما إن اختص بالسائل فيُستحب إجابته ثم يتم الخطبة، وكذا بين الخطبة والصلاة، وإن كان بخلاف ذلك فيؤخر، وكذا قد يقع في أثناء الواجب ما يقتضي تقديم الجواب، لكن إذا أجاب استأنف على الأصح)، يستأنف الخطبة من جديد؛ لأنها انقطع تسلسلها، لكنه إذا طال الفصل يمكن أن يتجه مثل هذا الكلام، أما إذا كان الجواب بكلام يسير وعاد إلى الخطبة سريعًا فهذا لا يؤثر.

(ويؤخذ ذلك كله من اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك، فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور مهمةً، فيؤخر كما في هذا الحديث، ولا سيما إن كان ترك السؤال عن ذلك أولى)؛ لأنه سأل عن الساعة فتركه النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- حتى فرغ ثم رجع له: أين السائل عن الساعة؟

(فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور مهمةً فيؤخر كما في هذا الحديث، ولا سيما إن كان ترك السؤال عن ذلك أولى، وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأقيمت الصلاة، فلما فرغ من الصلاة قال: «أين السائل؟» فأجابه، أخرجاه، وإن كان السائل به ضرورة ناجزة فتُقدَّم إجابته كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يخطب: رجل غريب لا يدري دينه جاء يسأل عن دينه، فترك خطبته، وأتى بكرسي فقعد عليه فجعل يعلمه، ثم أتى خطبته فأتم آخرها).

 لكن هل مثل هذا التصرف يحتمل من أي شخص؟ خطيب من طلاب العلم، والناس مجتمعون، ويجيء واحد يسأل، ثم ينزل من المنبر يضع كرسيًّا ويشرح له الدين والمسائل، ويشرح له كيف يتوضأ، وكيف يصلي، والناس ينتظرون! ما يحتملون مثل هذا، بعض الناس يُحتمل منه ما لا يحتمل من غيره.

شاب ألقى محاضرة، شاب من الدعاة الذي تخرجوا قريبًا ألقى محاضرة وإذا فيه شيخ كبير شايب على الجدار بدأ ينعس، قال له: قم، يسأله حتى ما ينام، هذا ما يدري ماذا يقول؟ ومثله ثانٍ وثالث، قال له: أنت أحرجت الناس، قال: الشيخ ابن عثيمين يفعل هذا. الناس يحتملون من الشيخ، لكن أنت من أنت؟ صحيح، رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، يصف نفسه للشيخ؟ فيحتمل من بعض الناس ما لا يحتمل من آخرين.

(وكما في حديث سمرة عند أحمد: أن أعرابيًّا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الضب، وكما في الصحيحين في قصة سالم لما دخل المسجد) يقول: كذا في النسخ، وصوابه: سليك الغطفاني المسيء في صلاته. نعم صاحب الركعتين، ترك الركعتين، لا أنا وهمت. (في قصة سالم) وهو في الحقيقة سليك (لما دخل المسجد والنبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب، فقال له: «أصليت ركعتين؟» الحديث وسيأتي في الجمعة).

 لكن أيضًا من أدب التعليم أن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ما قال له: قم فصلِّ ركعتين، قال له: «أصليت ركعتين؟»، قال: لا، قال: «قم فصلِّ». احتمال أن يقول: قم فصلِّ ركعتين، ويشدد عليه بين الناس ويأمره أمرًا جازمًا، يقول: والله أنا صليت في آخر المسجد وتقدمت. فبهذه الطريقة يتم التأديب من غير مفسدة والتعليم، ولذا ما يحسن أن يقال عند مناقشة العالم إذا أفتى بشيء يظنه السائل ليس بصواب أو عنده علم يكون خفي على هذا الشيخ، ما يصلح أن يقول: لا، الجواب كذا، أو قال فلان كذا، أنت تريد جوابه ما تريد جواب أي شخص، أنت تريد جوابه، هذا جوابه، لكن يمكن أن يناقشه بطريقة العرض، يعرض عليه: ما رأيك في كذا؟ ما رأيك فيمن يقول كذا؟

النفوس لها حظ، إذا أحسنت السؤال انبسط معك، وانشرح صدره وأجابك بما تريد، أما تقول: والله ما هو بصحيح! كتب أدب العالم والمتعلم نحن في غفلة عنها، نحن في غفلة عنها، ولذلك وقع الجفاء في العالم وفي المتعلم، وعلى طالب العلم أن يراجعها ويقرأها.

(لما دخل المسجد والنبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يخطب فقال له: «أصليت ركعتين؟» الحديث، وسيأتي في الجمعة. وفي حديث أنس: كانت الصلاة تقام فيعرض الرجل فيحدث النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى ربما نعس بعض القوم ثم يدخل في الصلاة. وفي بعض طرقه وقوع ذلك بين الخطبة والصلاة)، شاب دخل -في العشرين من عمره- إلى مسجد في مكة، مسجد كبير في أيام الموسم، دخل وتخطى الناس، ووضع حذاءه في المحراب وقال: أقم، وصلى ركعتين وقال للناس: أتموا، في وسط مكة هذا المسجد، فإنا قوم مسافرون. قام الناس يقضون الصلاة! ليست له أي مزية تجعله يقدم أمام الناس، يحرج الناس كلهم يقضون الصلاة كأنهم مسبوقون. يعني الذي لا يعرف قدر نفسه يتعب، ويتعب غيره. ....... يقوم واحد من المقيمين يصلي، لكن المشكلة أن هذا له دلالة بما في نفس هذا الشخص، ابتلينا بالتعالم والترفع من أحداث.

(قوله: فُليح بصيغة التصغير هو ابن سليمان أبو يحيى المدني من طبقة مالك، وهو صدوق تَكلم بعض الأئمة في حفظه، ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه)، مفهومه أنه في غير الأحكام مخرج أحاديث أصالة واستقلالاً، مما يدل على أن البخاري يفرق بين الأحكام وغيرها.

(وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده، وهذا منها، وإنما أورده عاليًا عن فُليح بواسطة محمد بن سِنان فقط، ثم أورده نازلاً بواسطة محمد بن فليح وإبراهيم بن المنذر عن محمد؛ لأنه أورده في كتاب الرقاق عن محمد بن سنان فقط، فأراد أن يعيد هنا طريقًا أخرى، ولأجل نزولها قرنها بالرواية الأخرى. وهلال بن علي يقال له: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، فقد يظن ثلاثةً وهو واحد).

 هلال بن علي، وهلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، وهو واحد، أبوه يكنى بأبي ميمونة، ويكنى بأبي هلال، مرة يكنى ببنته، ومرة يكنى بولده، وأبوه علي. وهذا النوع من الرواة موضعه كتاب موضح أوهام الجمع والتفريق، لأن بعض الرواة يظن عددًا وهو واحد، وبعضهم بالعكس يظن واحدًا وهم عدد، وكتاب الخطيب البغدادي الموضح من أنفس ما كتب، واستدرك على البخاري كثيرًا، وأشار إليه بمقدمته، ولا يظن به أنه ينتقد البخاري، ويتعقب البخاري، أو يتعقب الأئمة الكبار، وقد بيَّن ذلك في مقدمة الكتاب بكلام من أنفس ما يسطر في هذا المجال، فيه من الأدب شيء لا يخطر على البال مع الكبار، مع أنه يستدرك على كبار، لكن لا يعني أنه يستصغرهم ويرد عليهم، وإلا من فتاتهم تعيشنا، ومن علمهم تربينا، فيرجع إلى ما كتبه في مقدمة هذا الكتاب.

(وهو من صغار التابعين وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم.

قوله: يحدث هو خبر المبتدأ، وحذف مفعوله الثاني؛ لدلالة السياق عليه) كأنه يحدث الناس، (والقوم الرجال، وقد يدخل فيه النساء تبعًا) إذا قيل: القوم دخل النساء فيه، لكن هو في الأصل للرجال: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}، {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} [الحجرات: 11]، فالأصل في القوم أنهم الرجال، لكن إذا أفردوا دخل فيهم النساء من باب التبعية.

(قوله: جاء أعرابي، لم أقف على تسميته.

قوله: فمضى، أي استمر يحدثه، كذا في رواية المستملي والحموي بزيادة هاء، وليست في رواية الباقين) جاء أعرابي، وفي روايته: جاءه أعرابي. (وإن ثبتت فالمعنى يحدث القوم الحديث الذي كان فيه) أين هذا الضمير؟ أي استمر يحدثه، جاء أعرابي.

طالب: .......

جاءه أعرابي، هذه زيادة الهاء. قوله: جاء أعرابي، بدون هاء، وهذه رواية أبي ذر التي اعتمدها الشارح، بدون هاء، قال: (لم أقف على تسميته، فمضى، أي استمر يحدثه، كذا في رواية المستملي والحموي بزيادة هاء) جاءه أعرابي، (وليست في رواية الباقين، وإن ثبتت فالمعنى: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه، وليس الضمير عائدًا على الأعرابي)، نعم. (فمضى يحدثه)، نحن هنا في المتن: جاءه أعرابي، وفي كلام الشارح: جاء أعرابي.

طالب: .......

(فمضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحدث، وفي رواية المستملي والحموي: يحدثه، وليست في رواية الباقين، وإن ثبتت فالمعنى: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه، وليس الضمير عائدًا على الأعرابي)، يحدثه يعني يحدث الحديث.

(قوله: فقال بعض القوم: سمع ما قال، إنما حصل لهم التردد في ذلك؛ لما ظهر من عدم التفات النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى سؤاله وإصغائه نحوه، ولكونه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها، وقد تبين عدم انحصار ترك الجواب في الأمرين المذكورين، بل احتمل كما تقدم أن يكون أخَّره؛ ليكمل الحديث الذي هو فيه، أو أخَّر جوابه؛ ليوحى إليه به)، إما أن يكون أخَّره؛ ليكمل الحديث الذي هو فيه مع من هو بصدد الحديث معهم ثم يلتفت إليه؛ لأنه متأخر، أو ليوحى إليه بما سئل عنه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

(قوله: «أين أُراه السائل؟» بالرفع على الحكاية، وأُراه بالضم أي أظنه، والشك من محمد بن فليح. ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن فليح، ولفظه: «أين السائل؟» ولم يشك.

قوله: «إذا وسد» أي أسند، وأصله من الوسادة، وكان من شأن الأمير عندهم إذا جلس أن تُثنى تحته وسادة.

فقوله: «وسد» أي جعل له غير أهله وسادًا، فتكون «إلى» بمعنى اللام، وأتى بها ليدل على تضمين معنى أسند. ولفظ محمد بن سنان في الرقاق: «إذا أسند») بدل «وسد»، (وكذا رواه يونس بن محمد وغيره عن فليح.

ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم).

 الآن الذي يتولى تعليم الناس كثير منهم ليسوا بأهل ولا أكفاء، إنما مشوا في دراستهم النظامية، وتابعوا الدراسات العليا، وأخذوا الشهادات، ومكنوا من التعليم، بينما من ليست لديه شهادة لا يمكَّن من التعليم، وهذا من إسناد الأمر إلى غير أهله. قد يقول قائل: إنه لا يمكن أن تنضبط الأمور إلا بهذه الشهادات وبهذه الامتحانات؛ لأنه كل يدعي أنه من أهل العلم، لكن إذا استفاض أمر شخص أنه من أهل العلم والعمل، وعرف بين الناس بذلك، يُمكَّن.

(وذلك من جملة الأشراط ومقتضاه أن العلم ما دام قائمًا ففي الأمر فسحة، وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر؛ تلميحًا لما روي عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أشراط الساعة أن يُلتمس العلم عند الأصاغر»، وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في الرقاق، إن شاء الله تعالى).