كتاب العلم (07)

عنوان الدرس: 
كتاب العلم (07)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا، واجزه عنا خيرًا.

قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً.

 حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً"، قد يقول قائل: إن مثل هذه الترجمة لا داعي لها، لكن الداعي لها؛ لئلا يقال: إن تخصيص يوم بعينه يتكرر في كل أسبوع أو أكثر من يوم أو يوم في الشهر تحديد لأمر شرعي لم يرد تحديده في الشرع، فهل يدخل مثل هذا في الابتداع أو لا يدخل؟ ابن مسعود يتخولهم بالموعظة كل يوم خميس، حدَّد يوم الخميس، والجمعة جاء النهي عن التحلق فيها، وابن مسعود في كل يوم خميس. هل نقول: إن هذا التحديد من ابن مسعود، أو كما هو موجود الآن في الجداول أيام مثبتة: السبت من كل أسبوع تفسير مثلاً، والأحد من كل أسبوع فقه، والاثنين كذا، والثلاثاء كذا، وهو علم يُبتغى به وجه الله ويتعبد به. هل يدخل هذا التحديد في حيز الابتداع؛ لأن تخصيص زمن لم يخصصه الشرع في عبادة من العبادات؟ قد، وهذا مما ذُكر، طالما أنت يوم الأربعاء مثلاً بعد صلاة الظهر من كل أسبوع تصلي ركعتين زائدتين، ماذا تفعل؟ وماذا تقول؟ أو يوم الأربعاء من كل أسبوع تصوم، يجوز أم ما يجوز؟

ابتداع؛ لأنك خصصت العبادة بوقت محدد، بغض النظر عن كونك يوم الأربعاء مثلاً ما عندك عمل أو لأن الاثنين ورد فيه نص أو الأربعاء أنت ما عندك شغل مثلاً أو الخميس؛ لأنك فارغ تزيد في العبادة، ما فيه إشكال؛ لأن هذا معنى معتبر. أيضًا صنيع ابن مسعود الترتيب في مثل هذه الأمور لا لملاحظة اليوم بعينه أو تفضيل هذا اليوم بشيء لم يجعله الشرع خاصًّا به، إنما لأن ظروف الناس في مثل اليوم يوم الخميس ما فيه دوام مثلاً، فتقول: أفضل الأيام للدروس بعض صلاة الصبح يوم الخميس؛ لأن الناس ما يداومون، هذا معنى معتبر. والترتيب أيضًا ما فيه شك أنه يخدم المعلم والمتعلم، يعني لو فُرض أن شيخًا يجلس، يومًا يدرس حديثًا، ويومًا يدرس فقهًا، ويوم يدرس كذا بدون تحديد اضطربت المسألة، ما فيه شك أن هذا يولد الاضطراب، فإذا حُدد من غير تعبد بهذا التحديد لا للزمان ولا للمكان الذي لم يرد تحديده أو تخصيصه في الشرع فهذا ما فيه إشكال إن شاء الله تعالى.

قال الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (قوله: باب من جعل لأهل العلم يومًا معلومًا، في رواية كريمة: أيامًا معلومةً، وللكشميهني: معلومات، وكأنه أخذ هذا من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس، أو من استنباط عبد الله ذلك من الحديث الذي أورده) لكن إذا كان الأمر لا يتأثر، جماعة في المسجد موجودين في كل عصر مثلاً يصلون معك كل عصر، فكونك تحدد يومًا من غيره من سائر الأيام وهو ما يجيئك إلا جماعة المسجد للحديث بعد الصلاة، نحن عندنا الأحاديث بالمسجد ذا السبت والاثنين والأربعاء، مرتبة هذا، وما المانع أنه أسبوع يوم السبت، وأسبوع يوم الأحد، وأسبوع الاثنين؟ لئلا تحدد شيئًا لم يحدده الشرع ولا يترتب عليه مصلحة زائدة، هذا هو المتجه، ألا يُتخذ يوم معلوم إلا لسبب ومبرر مصلحته راجحة. طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

 كيف؟

طالب: .......

لو أن شخصًا واحدًا يذكر الناس كل يوم ملوا، وكونهم يأتي مجموعة واحدة بعد الآخر من غير الترتيب بينهم وكل واحد هذه وظيفته يذكر الناس، هذه وظيفته المنوطة به أو من أهل العلم يريد أن ينفع الناس، ما أحد يقول لك شيئًا، الأمر فيه سعة، لكن يبقى أن إملال الناس «عليكم من الدين ما تطيقون».

طالب: .......

لا، هو الخميس ابن مسعود رتب لكي يجتمع الناس، ولظرف قد يخفى علينا، الآن لو أنت تقول الناس يجتمعون الخميس قبل أربعين سنة، الخميس مثل الأربعاء ما فيه إجازة، الخميس فيه دوام قبل خمسة وتسعين، أما بعد ذلك صار الخميس والجمعة يرتاح الناس. وقد يقول قائل: إن الأربعاء أولى من الخميس؛ لأن الأربعاء رابطهم الدوام، الخميس يتفرقون. على كل حال النظرة بين المعلم والمتعلم أو الواعظ والموعوظ يعني على حسب ما جرت به العادة ومن خلال الاستقراء للأيام يُنظر إلى أولى هذه الأيام بالتخول.

يقول: (وكأنه أخذ هذا من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس، أو من استنباط عبد الله ذلك من الحديث الذي أورده.

قوله: جرير، هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر. قوله: كان عبد الله، هو ابن مسعود وكنيته أبو عبد الرحمن. قوله: فقال له رجل، هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعي، وفي سياق المصنف في أواخر الدعوات ما يرشد إليه.

قوله: لوددت، اللام جواب قسم محذوف أي والله لوددت، وفاعل يمنعني أني أكره بفتح همزة أني) يعني أن وما دخلت عليه تؤول بمصدر هو الفاعل. (وأُملكم بضم الهمزة أي أضجركم، وإني الثانية بكسر الهمزة، وقد تقدم شرح المتن قريبًا، والإسناد كله كوفيون، وحديث أنس الذي قبله بصريون).

نعم.

طالب: قال -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.

 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ»".

يقول -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"، الفقه هو الفهم، يفهمه، والفقه أعم من أن يكون الأحكام العملية؛ لأن الدين شامل للاعتقاد والأحكام من العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات وغيرها، وشامل أيضًا للأبواب الأخرى من التفسير والرقاق، وغيرها من أبواب الدين التي أُلفت فيها الجوامع، وليس خاصًّا بالفقه بمعنى الأحكام، وإن كان الفقهاء يرون ذلك، ويصدرون به كتبهم من باب ما يسمى ببراعة الاستهلال، يصدرون كتب الفقه: الحمد لله الذي فقه من شاء، عملاً بقوله: «من يرد الله به خيرًا يفقهه بالدين» إلى آخره.

المقصود أن تنزيله على الفقه بالأحكام هو من الفقه بلا شك، من الفقه بالدين، لكنه باب من أبوابه، وليس هو جميع الدين.

«من يرد الله به خيرًا» هل مفهومه أن من لم يتفقه في الدين قد أراد الله به شرًّا؟ شخص أمي لا يقرأ ولا يكتب آتاه الله الأموال الطائلة وصرفها وأنفقها في أبواب الخير، لا زال ينفق بسخاء على أبواب الخير، نقول: هذا أراد الله به شرًّا؟ يعني هل الخير والشر ضدان أو نقيضان؟ بمعنى إذا ارتفع الخير يحل محله الشر، أو يكون شخص لا خير فيه ولا شر، ثم بعد ذلك يكتسب الخير من جهة أخرى، وهذا هو الظاهر، وإلا أكثر المسلمين لا يعدون من الفقهاء فيدخلون في هذا الحديث، مع أن منهم المجاهد في سبيل الله الذي لا يضع سيفه عن عاتقه، نقول: هذا ما أراد الله به خيرًا؟ أو المنفق في سبيل الله أو غير ذلك من أبواب الخير. عامي ما يقرأ ولا يكتب، لكنه على فرسه في سبيل الله، أو مثل التجار الموجودين الآن ينفقون ما يوجد باب من أبواب الخير إلا طرقوه، نقول: هؤلاء أراد الله بهم شرًّا؟ نقول: ما أراد الله بهم خيرًا من هذه الجهة، وإن أراد الله به خيرًا، وإن كان الخير هنا عام؛ لأنه نكرة في سياق الشرط.

قال الشارح -رَحِمَهُ اللهُ-. نعم، المهم أنه يتفقه يفهم العلم ويتردد على الحلق؛ ليكون سلك الطريق ليسهل الله له به طريقًا إلى الجنة. كونه أدرك أو ما أدرك هذا ما بيده، عليه أن يبذل السبب.

قال الشارح -رَحِمَهُ اللهُ-: (قوله: باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ليس في أكثر الروايات في الترجمة قوله: في الدين، وثبتت للكشميهني)؛ لأن أكثر الروايات: باب من يرد الله به خيرًا يفقهه. (

قوله: حدثنا سعيد بن عفير، هو سعيد بن كثير بن عفير نُسب إلى جده وهو بالمهملة مصغرًا. قوله: عن ابن شهاب، قال حميد في الاعتصام للمؤلف) يعني من كتاب الاعتصام (من هذا الوجه أخبرني حميد، ولمسلم حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وزاد تسمية جده.

قوله: سمعت معاوية، هو ابن أبي سفيان. قوله: خطيبًا، هو حال من المفعول) حال يبين هيئة المفعول. (وفي رواية مسلم: والاعتصام، سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو يخطب، وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام: أحدها فضل التفقه في الدين، وثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله) «إنما أنا قاسم والله المعطي» ولذلك قد يوجد شخص غني باذل ثم يدخل عليه شخص فيعطيه ما يريد، ثم يدخل عليه شخص آخر هو أكثر حاجة من الذي قبله فلا يعطيه، وقد يكون العكس: يدخل صاحب الحاجة الشديدة أولًا فلا يعطيه، ثم يدخل الثاني وهو أقل حاجة فيعطيه، {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، المال لله، كما قال في الحديث: «إنما أنا قاسم والله المعطي» يعني ما يلام هذا التاجر أنه ما أعطى، لكن إذا بخل بما أوجب الله عليه لا شك أنه يلام، والمعطي والمانع هو الله -جَلَّ وعَلا-. وكذا في العلم، في العلم حلقة واحدة، الشرح واحد، والكتاب واحد، والمعلم واحد ثم يخرج هذا بالفائدة التامة من الدرس، ويخرج الثاني بتسعين بالمائة، ويخرج الثالث بخمسين بالمائة، ويخرج الأخير بلا شيء. «الله هو المعطي»، المعلم ما خص فلانًا ولا علانًا، «إنما أنا قاسم الله المعطي». (وثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله، وثالثها: أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا، فالأول لائق بأبواب العلم) فضل التفقه في الدين، (والثاني لائق بقسم الصدقات) أن المعطي في الحقيقة هو الله، (ولهذا أورده مسلم في الزكاة والمؤلف في الخمس، والثالث لائق بذكر أشراط الساعة).

 الثالث وهو أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.

(وقد أورده المؤلف في الاعتصام لالتفاته إلى مسألة عدم خلو الزمان عن مجتهد، وسيأتي بسط القول فيه هناك)، (إلى مسألة عدم خلو الزمان عن مجتهد)؛ لأنه قال: «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» يعني حتى تأتي الريح التي تقبض أرواح المؤمنين. أما في الزمان الذي يعقبه قيام الساعة، «الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق»، و«لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله». (وقد تتعلق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم، بل بترجمة هذا الباب خاصةً من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط؛ بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا حتى يأتي أمر الله).

 يعني مع الملهيات والصوارف في بعض الأزمنة إلا أنه يوجد فيها نوابغ وعلماء وأئمة؛ لأنه قال: «حتى يأتي أمر الله»، وإلا أحيانًا بعض الأزمنة تقول: خلاص انتهى العلم، الناس كلهم انصرفوا، ثم تجد شخصًا يطلع يضاهي بعض المتقدمين في علمه وفهمه وحفظه.

(وسيأتي بسط القول فيه هناك، وأن المراد بأمر الله الريح التي تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان، ويبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة، وقد تتعلق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم، بل بترجمة هذا الباب خاصة من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا حتى يأتي أمر الله، وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار) يعني أهل العلم بالحديث، ليسوا بأهل الرأي، فهم المحدثون، يعني هذه الطائفة التي لا تزال قائمة على أمر الله.

(وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، وقال القاضي عياض: أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وقال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقةً من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد وفقيه ومحدث وزاهد وآمر بالمعروف وغير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد؛ بل يجوز أن يكونوا متفرقين). قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (قلت وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى).

 في مناظرة لبعض من ينتسب إلى قسم السنة مع بعض من ينتسب إلى قسم القرآن وعلومه، يعني في باب التفسير، فقال الفريق الذي من قسم القرآن: نحن أهل الله وخاصته، نحن أهل القرآن، لكن لو نظرت في واقعهم وحقيقة أمرهم وتعليمهم للتفسير وجدتهم على طريقة التفسير بالرأي، ما يفسرون القرآن بالأثر، هذا الجاري في الجامعات كلها، يقررون كتبًا ليست من كتب التفسير بالمأثور، والمدرسون يدرسون التفسير على هذه الطريق. قال له الآخر: أنتم أهل الرأي؛ لأن معولهم على التفاسير المعروفة كالزمخشري والرازي وأمثالها، يعني هل تجدون تفسير الطبري يدرس في الجامعات؟ ما يدرس في الجامعات، لأنه كله آثار. فقال من ينتسب إلى قسم الحديث: أنتم أهل التفسير بالرأي، وأما أهل التفسير وأهل القرآن الذين لهم عناية بكتاب الله على طريقة العلم الموروث فهم نحن، لا أنتم؛ لأن أهل الأثر من اهتمامهم التفسير لكن بما ورد عن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وعن الصحابة، فهم الحقيقون بذلك. وأهل الفقه، نأتي إلى العلوم كلها، إذا كان هذا في القرآن أهل الأثر هم الأسعد به فالحديث معروف مفروغ منه ما يحتاج لبحث. طيب الفقه؟ الفقه بلا أحاديث ماذا يساوي؟ لا شيء، فقه بلا دليل لا شيء، وهذه عمدة العلوم. والعقائد إن لم تستند إلى ما في كتاب الله وسنة نبيه لا. علم الكلام الذي حذر السلف منه، ثم بعد ذلك يأتي الوسائل التي تتحقق بها هذه العلوم وكيف نتعامل مع النصوص لنستنبط منها سواء كان من القرآن أو من السنة نستنبط منها الفقه والعمل والأحكام والآداب، هذه معينة للتحصيل من المصادر الأصلية.

طالب: .......

 «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم» الأمة المقصود بها أولاً أمة الإجابة، فأمة الدعوة الذين عندهم مخالفات كبيرة أو بدع مكفرة أو شيء من هذا هؤلاء لا يقومون بحق، قيامهم لا بد أن يوجد طائفة، قيام الأمة المقصود به من اللفظ العام والمقصود به خاص، ما هو كل الأمة تقوم بهذا الأمر أو يقوم به طائفة كما جاء في أحاديث أخرى: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق»، فالمراد الطائفة، والطائفة تطلق ولو على واحد، ما يلزم؛ لأن الأمة مبثوثة في الأرض، والخير في أمة محمد في كل مكان وفي كل زمان، ويبقى أن التنصيص على الشام أو على بيت المقدس هذا من باب التخصيص الذي يكونون هم أولى الناس به؛ لأنه قد يوجد في بعض الأوقات ما في الشام أحد، ماذا تقول: الحديث ما هو بصحيح؟ لا، وليس هذا من باب الخبر بقدر ما هو من باب الأمر، أن يكون أهل الشام هم أولى الناس بهذا الأمر، فهو حث لهم، وأمر لهم بأن يقوموا بهذا الأمر.

طالب: .......

 يعني مثل «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، هذا حث لأهل العلم وأمر لأهل العلم بأن يكونوا عدولًا.

طالب: .......

 نعم، ماذا؟ كيف إمام؟ إمام هدى أم إمام حاكم؟ إما حاكم المقصود الذي يتحقق به هذا الخبر «لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله»، «على أمر الله»؛ لأنه قد يوجد حاكم، لكن لا يقوم بأمر الله، والمقصود أنه يقوم بأمر الله، ولن يقوم بأمر الله على مراد الله إلا إذا كان مجتهدًا.

(يفقهه، أي يفهمه كما تقدم، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط، يقال: فقُه بالضم إذا صار الفقه له سجيةً، وفقَه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقِه بالكسر إذا فهم، ونكَّر خيرًا ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حرم الخير. وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره: ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به، والمعنى صحيح).

 قد يقول قائل: إن ما ذكرناه من الأمثلة من مجاهد أو غني منفق لوجوه الخير أن هذا تفقه، ولولا أنه فقه عن أمر الله ما يريد في هذا الباب ما حمله ذلك على العمل لا الجهاد ولا الصدقة والنفقة، فيكون داخلاً. ولذلك قال: (إن خيرًا نكرت لتشمل القليل والكثير، وزاد في آخره: ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به، والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم، وسيأتي بقية الكلام على الحديثين الآخرين في موضعهما من الخمس والاعتصام إن شاء الله تعالى) أين الحديثين؟ نعم «وإنما أنا قاسم والله المعطي»، هما حديثان أم جملتان من حديث؟

طالب: .......

هذه واحدة، «وإنما أنا قاسم والله المعطي»، و«لن تزال هذه الأمة» هذا الثاني. هل هما حديثان وفي حقيقة الأمر أنها ثلاثة أحاديث جمعها الإمام البخاري لاتحاد السند، أو هي حديث واحد فُرقت في مواضع أخرى؟ يعني مثل «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» و«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» و«من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، تروى مجموعة، وتروى مفرقة، لكن هل هي بالفعل ثلاثة أحاديث أو حديث واحد فُرقت؟ كأن كلام الحافظ هنا يدل على أن ما معنا ثلاثة أحاديث، لكن الآن المخرج واحد، الذي معنا مخرج واحد، ولذلك جمعها البخاري، والبخاري -رَحِمَهُ اللهُ- له طريقة في الجمع والتفريق، القصة الواحدة يخرجها في عشرين موضعًا لما تقتضيه.

(وسيأتي بقية الكلام على الحديثين الآخرين) ما قال على بقية الحديث (في موضعهما من الخمس والاعتصام إن شاء الله تعالى. وقوله: «لن تزال هذه الأمة» يعني بعض الأمة، كما يجيء مصرحًا به في الموضع الذي أشرت إليه إن شاء الله تعالى) يعني في كتاب الاعتصام.

طالب: .......

الخير أشمل من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، فالخير المندوب إليه يشمل، والخير الواجب يختص بالواجب.

طالب: .......

نعم، لكن عندك ممن عُرف بالخير ويجزم بأن الله أراد به خيرًا من مجاهد ومنفق، ما يعرف شيئًا من الأحكام، ما عنده ولا الواجب.

طالب: .......  

نعم، لكن الواضح من كلامه أنه يريد الجمل الثلاث في جعلها ثلاثة أحاديث.

طالب: .......

والله لا بد من الاطلاع على الطرق، ما نجزم بهذا.

نعم.

طالب: قال الإمام -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ.

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «هِيَ النَّخْلَةُ»".

يقول -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ"، ومناسب جدًّا للباب الذي قبله؛ لأن معنى الفقه في الأصل هو الفهم، {يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 28] يعني يفهموه.

(قوله: باب الفهم، أي فضل الفهم)، والفهم ركن من أركان التحصيل إضافة إلى الحفظ لمن أخلص لله -جَلَّ وعَلا- في طلبه للعلم وحرص عليه. (في العلم أي في العلوم) والمراد العلم الموروث.

(قوله: حدثنا علي، في رواية أبي ذر بن عبد الله وهو المعروف بابن المديني. قوله: حدثنا سفيان قال: قال لي ابن أبي نجيح، في مسند الحميدي عن سفيان: حدثني ابن أبي نجيح) بما يدل على أن الصيغتين بمعنى واحد، فقول المحدث: حدثني أو قال لي، لا فرق بينهما، خلافًا لمن يرى أن صيغة قال لا تقال إلا في حال المذاكرة لا في حال الرواية.

طالب: .......

لا لا ما فيه نجيح. أي طبعة معك؟

طالب: .......

ماذا؟ لا، غلط. طلع يا أبا عبد الله. أعطني إياه. ماذا فيه؟ الغالب أنه ابن عيينة، لكن. يعني ما دام ما بينه وبين البخاري إلا واحد فالقاعدة كما قال الذهبي أنه إذا كان واحد فهو ابن عيينة؛ لأن ابن عيينة متأخر.

طالب: .......

كيف؟ اسمه. عبد الله بالأول. الثاني ابن عتاب.

طالب: .......

لا، ما هو ابن عتاب. أقول الثاني يبدأ من عتاب. سيجيئك.

طالب: .......

تقول ابن يسار؟

طالب: .......

ما مثل الطبعة مجلد واحد. لمجلد واحد أحسن. يصير عبد الله بن يسار، أو يجيء ابن أبي نجيح قبل ابن يسار. يجيء بكنيته؛ لأنها أشهر. قبله.

طالب: .......

لا، بعده بعد. حرف النون.

طالب: .......

لا، بعد بعد، هذا حرف العين. هو ابن أبي نجيح عندك عبد الله، آخر أبي عبد الله. طيب بدون ضبط؟ ماذا عندك.

طالب: .......

ما يحتاج نعم. ليضبطه، باب الفهم في العلم.

طالب: ابن نجيح .......

ما ينفع .. يصير فهرس النووي الذي معك لنتأكد.

طالب: .......

....... الحافظ يضبطه.

طالب: .......

أنا أظنه ما ضبط؛ لأنه ما يحتاج إلى ضبط.

طالب: .......

لا لا ما هو بالكرماني الذي يضبط إرشاد الساري الذي ما يفلت.

طالب: .......

نعم، ابن أبي نجيح، الحافظ ما ضبطه؛ لأنه مفروغ منه ما يحتاج إلى، ما يشك فيه، عجبت حينما يضبط بالغلط، والخلاصة للفتح والعمدة، يزيد عليهم أنه لا يترك من الفروق فروق الروايات ولا حرفًا، يعني ابن حجر يشير إلى الفروق بين الرواة عند الحاجة، يعتمد رواية أبي ذر ويشير إلى ما عداها عند الحاجة.

طالب: .......

لا، إرشاد الساري حاجة أو غير حاجة ما عنده مشكلة، يشير إلى كل فرق، ويضبط كل لفظ.

قوله: حدثنا سفيان، قال: قال لي ابن أبي نجيح في مسند الحميدي عن سفيان: حدثني ابن أبي نجيح، مما يدل على أنه لا فرق بين قال لي وحدثني، خلافًا لمن يرى التفريق بينهما، وأن التحديث خاص بالسماع من لفظ الشيخ في حال التحديث، وقال لي في المذاكرة، وهذا القول كما أشاعه الكرماني وغيره نقلاً عن ابن منده، ولكن ابن حجر يقول: لا يوجد ما يشهد له، ولا ما يدل عليه، والبخاري أطلق قال لي وقال بدون لي وفي الموضع الآخر قال: حدثني فلان، مما يدل على أنه لا فرق بينهما عنده.

(قوله: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فيه ما كان بعض الصحابة عليه من توقي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا عند الحاجة؛ خشية الزيادة والنقصان، وهذه كانت طريقة ابن عمر ووالده عمر وجماعة، وإنما كثرت أحاديث ابن عمر مع ذلك؛ لكثرة من كان يسأله ويستفتيه)؛ لأنه تأخرت وفاته، فاحتاج الناس إلى علمه.

(وقد تقدم الكلام على متن حديث الباب في أوائل كتاب العلم، ومناسبته للترجمة أن ابن عمر لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسألة عند إحضار الجُمَّار إليه) يعني قرينة على المراد، الجمار هو شحم النخل كما يقولون، (عند إحضار الجمار إليه فهم أن المسؤول عنه النخلة، فالفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل، وقد أخرج أحمد في حديث أبي سعيد الآتي في الوفاة النبوية حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن عبدًا خيره الله» فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا، فتعجب الناس، وكان أبو بكر فهم من المقام أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المخير، فمن ثَم قال أبو سعيد: فكان أبو بكر أعلمنا به، والله الهادي إلى الصواب).

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.