كتاب العلم (18)

عنوان الدرس: 
كتاب العلم (18)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ».

حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ -رَضِيَ اللهُ عنهُم-، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لأَسْمَعُكَ".

إني لا أسمعك.

"إني لا أسمعك تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِني سَمِعْتُهُ".

عندك ولكن أم ولكني؟

طالب: ولكن.

عند أبي ذر: ولكني، ستأتي إن شاء الله.

طالب: "قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

 حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"، وسبق الكلام على الترجمة والحديث الأول من أحاديث هذا الباب، والكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام- من الموبقات، هفوة عظيمة وذلة كبيرة عند عامة أهل العلم، لكنه لا يكفر بذلك، هو متوعد بالنار، وزعم الجويني والد إمام الحرمين أنه يكفر إذا تعمد الكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام-، ونقل عن ابن الجوزي أنه إذا كذب في حلال أو حرام كفر وإلا فلا.

وعلى كل حال الحق مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفِّرون بالذنوب، وهذه معصية كبيرة وعظيمة وموبقة من الموبقات والنصوص فيها صريحة صحيحة. والكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام- ليس كالكذب على غيره: «إن كذبًا علي ليس ككذب على غيري»؛ لأن كلامه شرع، كالكذب على الله -جَلَّ وعَلا- كله شرع، وأما الكذب على غيره وإن كان محرمًا فليس كذلك.

الحديث الثاني، انتهينا من الحديث الأول، قال -رحمه الله-: "حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ" هشام بن عبد الملك الطيالسي، "قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ" وهو ابن الحجاج، "عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ"، يقول ابن حجر: (كوفي تابعي صغير)، قال: (وفي الإسناد لطيفتان: إحداهما أنه من رواية تابعي عن تابعي يرويه صحابي عن صحابي) تابعي عن تابعي اجتمع فيه اثنان من التابعين، واثنان من الصحابة، واجتمع ثلاثة من التابعين في إسناد واحد، وهذا كثير، واجتمع أربعة، وهذا أقل، واجتمع خمسة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وأكثر ما جاء ستة من التابعين يروي بعضهم عن بعض في سند واحد، ستة.

طالب: .......

لا، في النسائي في فضل سورة الإخلاص، وأفرد فيه الخطيب البغدادي مصنفًا: حديث ستة من التابعين بعضهم عن بعض، والصحابة يجتمع اثنان وثلاثة، ولم يرد أكثر من ذلك.

اللطيفة الثانية، قال: (إنه من رواية الأبناء عن الآباء) عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن الزبير قال: قلت للزبير، يعني عامر عن أبيه عن جده: "إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟"، ولعله يعني المكثرين من الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وعائشة وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من المكثرين، وإذا كان الزبير يتورع عن التحديث خشية أن يقع فيما تضمنه الخبر من الوعيد الشديد، فغيره حدَّث خشية الكتمان، وأبو هريرة -رَضِيَ اللهُ عنهُ- يقول: لولا آية من كتاب الله ما حدثتك {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا...} [البقرة: 159] إلى آخره.

(ثانيهما: أنه من رواية الأبناء عن الآباء بخصوص رواية الأب عن الجد) هنا يقول: "عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، قلت للزبير"، من الراوي؟ الراوي عامر الذي هو الحفيد، يقول: "عن أبيه"، من أبوه؟

طالب: عبد الله.

عبد الله بن الزبير. عبد الله بن الزبير يقول: "قلت للزبير".

طالب: .......

 ماذا؟

طالب: .......

جده نعم. وهنا يقول: (بخصوص رواية الأب عن الجد وقد أفردت بالتصنيف) نعم من روى عن أبيه عن جده مصنف ومطبوع.  

قال: (قوله: قلت للزبير أي ابن العوام) وهو أبوه، ما قال: قلت لأبي، (قلت للزبير أي ابن العوام. قوله: تحدث) إني لا أسمعك تحدث (حذف مفعولها ليشمل قوله: كما يحدث فلان وفلان، سمى منهما في رواية ابن ماجه عبد الله بن مسعود).

طالب: .......

ماذا؟

طالب: اسم الأب .......

التصريح باسم الأب، ما فيه شك أن انتسابه إليه، وذكره بالأب بوصف الأب: {يَا أَبَتِ} [مريم: 42] كما قال إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- لا شك أن هذا هو المتوجه، والتصريح قد يحتاج إليه أحيانًا، وإذا رُفعت الكلفة وزال ما في نفس الأب وتعامل مع أبنائه برفع الكلفة ونجده إلى الآن موجود، يتعامل الأب مع ابنه كأنه زميل والعكس، وما فيه شك أن الأصل تعظيم الأب واحترام الأب وتقديره، لكن أحيانًا تزول الكلفة بينهما، فيسميه أو يكنيه أو إن كان له لقب يلقبه من باب رفع الكلفة، مثل هذا في الحالات، وهي قليلة، الأصل العكس، الأصل أن تبقى المهابة، تبقى المحبة والمودة مع المهابة.

طالب: .......

لا، قلت للزبير.

طالب: الآن يا شيخ جامع بن شداد رواه عن أبيه؟

أين؟ جامع بن شداد رواه عن عامر.

طالب: لا غير عامر ....... الشيخ يقول: إحداهما أنه من رواية تابعي عن تابعي، ثم قال: من رواية الأبناء عن الآباء.

نعم.

طالب: مخصوصة لكن بـ.......

عامر عن أبيه عن جده الزبير.

طالب: .......

ما هو بداخل، داخل في اللطيفة الأولى، حتى ما هو بداخل في اللطيفة، داخل باعتباره...

طالب: تابعيًّا عن تابعي.

تابعيًّا.

(قلت للزبير أي ابن العوام. قوله: تحدث حذف مفعولها ليشمل قوله: كما يحدث فلان وفلان، سمى منهما في رواية ابن ماجه عبد الله بن مسعود. قوله: أمَا بالميم المخففة وهي من حروف التنبيه) مثل ألَا من حروف التنبيه.

"أما إني -بكسر الهمزة- لم أفارقه"، يقوله الزبير، "لم أفارقه" يعني الرسول -عليه الصلاة والسلام- (زاد الإسماعيلي: منذ أسلمت، والمراد في الأغلب وإلا فقد هاجر الزبير إلى الحبشة، وكذا لم يكن مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حال هجرته إلى المدينة) يعني في الغالب غالب الأحوال، (وإنما أورد هذا الكلام على سبيل التوجيه للسؤال؛ لأن لازم الملازمة السماع)، يعني أنت عندك أحاديث كثيرة، سمعت من النبي -عليه الصلاة والسلام- أحاديث كثيرة، يقوله لأبيه، فما لك لا تحدث؟ يعني إذا كان للزبير عذر في استدلاله بهذا الحديث، قد يتوجه اللوم من جهة الكتمان، ولذلك قال له ابنه ما قال.

طالب: .......

 لا، هي مسألة الكتمان متى تكون؟ متى يكون عدم التحديث كتمانًا؟ إذا تفرد به، أو لم يعلم أنه بُلغ من قبل غيره.

طالب: أو سُئل.

أو سئل عن حديث ولم يُجب.

طالب: .......

خلاص انتهى، يعني هل نؤثِّم الصحابة الذين حضروا خطبة النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما خطب بحديث «إنما الأعمال بالنيات» وما نقله إلا عمر، كلهم أثموا؟ كلهم كتموا؟ خلاص وصل، بلغ.

(لأن لازم الملازمة السماع، ولازمه إعادة التحديث، لكن منعه من ذلك ما خشيه من معنى الحديث الذي ذكره، ولهذا أتى بقوله: لكن) استدراك، (وقد أخرجه الزبير بن بكار في كتاب النسب من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: عناني ذلك) يعني أهمه أن أباه لا يحدث مما حدث الناس، هل هناك علة؟ هل هناك ضعف في الحفظ؟ يسأل يبين.

 (قال: عناني ذلك يعني قلة رواية الزبير فسألته أي عن ذلك، فقال: يا بني كان بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمت) الزبير ابن صفية عمة النبي -عليه الصلاة والسلام-، (كان بيني وبينه من القرابة والرحم) وهو أيضًا زوج أسماء، أخت عائشة -رضي الله عن الجميع-.

طالب: عديل للرسول .......

عديل.

(وعمته أمي، وزوجته خديجة عمتي، وأمه آمنة بنت وهب، وجدتي هالة بنت وهيب ابني عبد مناف بن زهرة، وعندي أمك وأختها عائشة عنده، ولكني سمعته يقول) «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»، («من كذب علي» كذا رواه البخاري وليس فيه متعمدًا، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة، وكذا في رواية الزبير بن بكار المذكورة، وأخرجه ابن ماجه من طريقه وزاد فيه: «متعمدًا»، وكذا للإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة، والاختلاف فيه على شعبة، وقد أخرجه الدارمي من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ: «من حدث عني كذبًا» ولم يذكر العمد.

وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليلٌ للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدًا أم خطأً) إذا أخطأ إذا خالف الواقع فقد كذب ولو لم يتعمد، بدليل أنه أطلق الكذب، وقيده بالتعمد، مما يدل على أن هناك كذبًا ليس بعمد، فالخطأ كذب: «صدق الله وكذب بطن أخيك»، وهذه لغة قريش، إطلاق الكذب على الخطأ، (والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع، لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ فحُمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يُعمل به على الدوام للوثوق بنقله) مع أنه إذا كثر الخطأ في حديثه ولو لم يتعمد عرَّض نفسه للتضعيف الذي يُرد بسببه حديثه، فيحرم الناس من حديثه وهو في الأصل ثقة.

(والثقة إذا حدث بالخطأ فحُمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يُعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع) وبالمقابل إذا كثر في حديثه الخطأ رُدت أحاديثه وإن كانت محفوظة، فيعرض نفسه لترك العمل بمرويه وإن كان صحيحًا محفوظًا. (فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يُؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار، فمن ثَم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان -رضي الله عنهم-.

 قوله: «فليتبوأ» أي فليتخذ لنفسه منزلاً، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا) «فليتبوأ» (وهو أمر بمعنى الخبر)، وقد يأتي الخبر بمعنى الأمر عكس هذا: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228]، (وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا أو بمعنى التهديد) {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]، (أو بمعنى التهكم) {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 7] (أو بمعنى التهكم أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك) وهو الأول: أمر بمعنى الخبر، ويكون حينئذٍ بلفظ الخبر بلفظ الأمر. الدعاء: «فليتبوأ» (أو دعاء على فاعل ذلك أي بوَّأه الله ذلك) هنا اللام لام الأمر، والدعاء قد يأتي بلفظ الأمر: اللهم اغفر لي، ولتغفر لي ذنوبي، وما أشبه ذلك. (وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من كذب فليأمر نفسه بالتبوء، ويلزم عليه كذا قال: وأولها أولاها) يعني أنه أمر بمعنى الخبر، (فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ: «بني له بيت في النار») بعكس من يبنى له بيت في الجنة. (قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب) وهي رواية «متعمدًا» (وجزائه، كما أنه إذا قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء) الجملة شرطية.

ثم قال -رحمه الله-: "حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ" وهو ابن سعيد، "عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ" ابن صهيب، "عن أَنَسٍ" ابن مالك -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»"، وهي حجة الزبير في الحديث السابق.

(قوله: حدثنا أبو معمر هو البصري المقعد، وعبد الوارث هو ابن سعيد، وعبد العزيز هو ابن صهيب، والإسناد كله بصريون. قوله: حديثًا المراد به جنس الحديث ولهذا وصفه بالكثرة) يعني يشمل الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- عن غيره "حديثًا كثيرًا"، لكن الاستدلال بالحديث يدل على أنه لا يُحدث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-.

(قوله: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، هو وما بعده في محل الرفع؛ لأنه فاعل: يمنعني) أي يمنعني قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا، (وإنما خشي أنس مما خشي منه الزبير، ولهذا صرح بلفظ الإكثار؛ لأنه مظنة) مظنة وقوع الخطأ، والخطأ كذبٌ بلغة قريش. (وما بعده في محل الرفع؛ لأنه فاعل: يمنعني، وإنما خشي أنس مما خشي منه الزبير؛ لأنه مظنة، ومن حام حول الحمى لا يأمن وقوعه فيه، فكأن التقليل منهم للاحتراز).

 لا شك أن كثرة الكلام مظنة للخطأ، لكن هل بهذه الحجة من عنده علم ويحتاجه الناس أن يقلل من النفع بهذه الحجة من نفع الناس؟ هذه حجة يقول: لا يكثر الخطأ في كلامي؟! لا شك أن الذي عنده من البذل الشيء الكثير لا بد أن يحفظ عليه، سواء كان بذل علم أو بذل غيره، بذل نفسه للشفاعات مثلاً وحصل خطأ، أخطاء يسيرة في هذا أو هذا، أمور نسبية لا شك، ما يقال: فلان ما حُفظ عنه ولا مسألة شذ فيها؛ لأنه ما سُمع عنه ولا علم فلا يحفظ عنه خطأ، وإذا قيل: فلان حفظ عنه كذا وكذا وأفتى بكذا وكذا، لكن انظر إلى الصواب. فهل في هذا حجة أن يكف الإنسان، ويقتصر على نفسه، وينشغل بخويصة نفسه؛ لئلا يحفظ عليه خطأ؟ لو قيل بهذا ما سُمع العلم ولا الخير، ولا نفع الناس، ولا تصدى الناس لنفع غيرهم. وبعض الناس عنده من التحري ما يحمله على حرمان نفسه من كثير من أبواب الخير، زيادة احتياط وتحرٍّ ولا يحصل كذا لئلا يحصل كذا لئلا... «خير الناس أنفعهم لعباده».

طالب: .......

يعني إذا وُجد من يقوم بالأمر غيره.

طالب: .......

على كل حال هذه الأمور من فروض الكفايات، فإذا قام بها من يكفي بقي في حق القدر الزائد سنة.

طالب: ....... الدعوة للمنافسة.

{وَسَارِعُوا} [آل عمران: 133].

طالب: نعم، حصول الأجر.

{سَابِقُوا} [الحديد: 21].

طالب: «بلغوا عني ولو آية».

على كل حال إذا لم يحصل التبليغ أثم الجميع.

طالب: ....... فيها خلل كثير.

في وقتنا؟

طالب: نعم سواء في العقائد .......

هو عندك كثرة في المعلمين، وكثرة كاثرة في المتعلمين، كثير من طلاب العلم ما يجدون من يجلس لهم، والبلد مملوء من المؤهلين، في بعض البلدان ما فيها ولا درس واحد! ما عندهم، لا بد أن يهاجر طالب العلم، وتجد فيها قاضيًا، وفيها معهد علم فيه أكثر من عشرة من طلاب العلم وفيها، وماذا؟

 ما هي بحجة هذه. قد يكون القاضي في أول ما يقدم إلى البلد تأهيله غير تام، لكن يتأهل بالتعليم، لا يعلم إلا ما يعرف، ومع الوقت يعرف ما لم يكن يعرف، الإنسان لا يولد متعلمًا.

(فكأن التقليل منهم للاحتراز، ومع ذلك فأنس من المكثرين؛ لأنه تأخرت وفاته) تأخر بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- ثلاثًا وثمانين سنة؛ لأنه مات سنة ثلاث وتسعين، وعمره مائة وثلاث سنين، عُمر، (تأخرت وفاته فاحتيج إليه)، وكذلك العبادلة الذين تأخرت وفاتهم فاحتيج إلى علمهم فاشتهروا.

(فاحتيج إليه كما قدمناه ولم يمكنه الكتمان) يتعين عليه التبليغ، أقرانه انتهوا. (ويُجمع بأنه لو حدَّث بجميع ما عنده لكان أضعاف ما حدث به)؛ لأن القلة والكثرة نسبية. (ووقع في رواية عتَّاب بمهملة ومثناة فوقانية مولى هرمز: سمعت أنسًا يقول: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتك بأشياء قالها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الحديث، أخرجه أحمد بإسناد) ماذا عندكم؟ ماذا عندك يا أبا عبد الله؟

طالب: .......

فقط؟

طالب: ....... انتهت العبارة (فأشار إلى).

(الحديث، أخرجه أحمد بإسناد) كيف بإسناد؟

طالب: .......

ما الطبعة التي معك؟

طالب: .......

ارفعها خلني أراها.

طالب: .......

أنا أعرفها من نظري إليها.

طالب: .......

خلاص، خلاص.

(فأشار إلى أنه لا يحدث إلا ما تحققه ويترك ما يشك فيه، وحمله بعضهم على أنه كان يحافظ على الرواية باللفظ فأشار إلى ذلك بقوله: لولا أن أخطئ، وفيه نظر، والمعروف عن أنس جواز الرواية بالمعنى، كما أخرجه الخطيب عنه صريحًا، وقد وُجد في رواياته ذلك) يعني الخطأ (كالحديث في البسملة وفي قصة تكثير الماء عند الوضوء وفي قصة تكثير الطعام.

قوله: «كذبًا» هو نكرة في سياق الشرط، فيعم جميع أنواع الكذب) «من تعمد علي كذبًا» نكرة في سياق الشرط فيعم أنواع الكذب، وهو في جميع أبواب الدين، سواء كذب في الأحكام، كذب في العقائد كذب في الفضائل؛ لأن «كذبًا» نكرة.

"حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ" يعني ابن الأكوع، "قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»"، هذا هو أول ثلاثيات البخاري، وعدتها اثنان وعشرون حديثًا من الثلاثيات، وهي أعلى ما في الصحيح، وبهذا الإسناد: "مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة" سبعة عشر حديثًا من الثلاثيات، أكثر الثلاثيات بهذا الإسناد. وأطول ما في البخاري أنزل ما فيه التساعي، وفيه ثماني، يعني بين البخاري وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- تسعة، وهنا ثلاثة. هذه عوالي البخاري الاثنان والعشرون، والنازل التساعي والثماني والسباعي كثير يعني أكثر من .......، والسداسي كذلك أكثر، إلى آخره.

المقصود أن هذا الإسناد أعلى ما في البخاري، وهي مجموعة في رسائل، وسهل يعني، وهي مشروحة أيضًا مفردة ومشروحة ثلاثيات البخاري. والتساعي حديث زينب: «ويل للعرب من شر قد اقترب»، ما فيه إلا هذا الحديث.

(قوله: حدثنا المكي هو اسم وليس بنسب كما تقدم، وهو من كبار شيوخ البخاري سمع من سبعة عشر نفسًا من التابعين، منهم يزيد بن أبي عبيد المذكور هنا، وهو مولى سلمة بن الأكوع صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهذا الحديث أول ثلاثي وقع في البخاري، وليس فيه أعلى من الثلاثيات، وقد أُفردت فبلغت أكثر من عشرين حديثًا) هي على التحرير اثنان وعشرون حديثًا.

(قوله: «من يقل» أصله يقول وإنما جُزم بالشرط. قوله: «ما لم أقل» أي شيئًا لم أقله فحذف العائد وهو جائز) العائد على الموصول، (وذَكَر القول؛ لأنه الأكثر) يعني من الفعل والتقرير والوصف، أكثر الأحاديث قولية، (وحكم الفعل كذلك؛ لاشتراكهما في علة الامتناع، وقد دخل الفعل في عموم حديث الزبير وأنس السابقين؛ لتعبيرهما بلفظ الكذب، ومثلهما حديث أبي هريرة الذي ذكره بعد حديث سلمة، فلا فرق في ذلك بين أن يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا وفعل كذا إذا لم يكن قاله أو فعله، وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى) الذي منع الرواية بالمعنى يقول ما قال الرسول هذا الكلام، هذا من عندك، وإنما قال كذا.

 وأيضًا أدخل فيه بعضهم اللحن في الحديث، إذا قلت: «إنما الأعمالَ بالنياتُ» دخلت في الحديث؛ لأن الرسول ما قاله، وقال: «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار»، الرسول ما قال كذا، فأدخل فيه اللحن في الحديث.

 (وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجيزون عنه بأن المراد النهي عن الإتيان بلفظٍ يوجب تغير الحكم، مع أن الإتيان باللفظ لا شك في أولويته، والله أعلم) إذا أمكن الرواية باللفظ تعينت، ولا تجوز الرواية بالمعنى إلا إذا تعذر اللفظ، إذا تعذر اللفظ جازت الرواية بالمعنى؛ لئلا يفوت أكثر الأحاديث، ما كل الرواة يتمكنون من استحضار اللفظ، والواقع واقع كتب الحديث أنها فيها الرواية بالمعنى واضحة؛ لأن الحديث الواحد والقصة الواحدة التي تتكرر تورد في البخاري بألفاظ مختلفة، تورد في مسلم بألفاظ مختلفة، والرواية باللفظ قد تكون متعذرة في كثير من الأحوال.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

يُرد عليه؟

طالب: .......

إذا كان يعرف لتوقي هذا الأمر العظيم يتأكد عليه، أما اللحن المحيل للمعنى فلا بد من .......

ثم قال -رحمه الله-: "حَدَّثَنَا مُوسَى" وهو ابن إسماعيل التبوذكي، "قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ" الوضاح بن عبد الله اليشكري، "عَنْ أَبِي حَصِينٍ" وهو بمهملتين مفتوح الأول، وأبو صالح هو ذكوان السمان، "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي»"، وله سبب.

قال: (وقد ذكر المؤلف هذا الحديث بتمامه في كتاب الأدب من هذا الوجه، ويأتي الكلام عليه فيه إن شاء الله تعالى، وقد اقتصر مسلم في روايته له على الجملة الأخيرة) «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، (وهي مقصود الباب، وإنما ساقه المؤلف بتمامه، ولم يختصره كعادته؛ لينبه على أن الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- يستوي فيه اليقظة والمنام) يعني من قال: إنه رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- في المنام يكون قد كذب عليه. عموم الكذب في الرؤيا عليه وعلى غيره: «ومن أرى عينه ما لم تر كُلف أن يعقد بين شعيرتين». (والله -سبحانه وتعالى- أعلم.

 فإن قيل: الكذب معصية إلا ما استثني في الإصلاح وغيره) الكذب من أجل الإصلاح جائز، والصدق من أجل الإفساد حرام، النميمة صدق، ينقل كلامًا قاله فلان سمعه منه، وينقله إلى الطرف الآخر على جهة الإفساد، وهو صادق في ذلك، حرام عليه، بل من الكبائر. (إلا ما استثني في الإصلاح وغيره، والمعاصي قد تُوعد عليها بالنار، فما الذي امتاز به الكاذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوعيد على من كذب على غيره؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجويني، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن بعده، ومال ابن المنير إلى اختياره) إلى اختيار أنه يكفر؛ لأنه إذا تعمد صار مشرعًا يزعم لنفسه أنه يشرع شاء أو أبى.

 (ومال ابن المنير إلى اختياره، ووجهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر. وفيما قاله نظر لا يخفى، والجمهور على أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حِل ذلك. الجواب الثاني: أن الكذب عليه كبيرة، والكذب على غيره صغيرة فافترقا، ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحدًا، أو طول إقامتهما سواءً).

 قد يأتي الحكم على أمرين متفاوتين في التحريم يكتفى بمن يقول حرام مثلاً هذا حرام وهذا حرام، لكن بين الحرامين مفاوز ومراحل، هذا أشد بكثير. الآن إذا جاء في الإسبال: «إن ما أسفل من الكعبين ففي النار»، وإذا اقترن بذلك الخيلاء صار أعظم وعليه الوعيد الشديد: «لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب...» إلى آخر ما جاء في الحديث، هذا حرام وهذا حرام، لكن بينهما مفازة، بين هذا وذاك. ولذلك قيل: لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأن الحكم اختلف، وإن كان كله حرام، لكن هذا أشد، هذا شديد يليق به؛ لأنه اقترن به ما يقتضي ذلك، وهذا أخف؛ لأنه خلا من ذلك الوصف الذي يقتضي التشديد.

(بل ظاهره أنه لا يخرج منها؛ لأنه لم يجعل له منزلاً غيره) يعني ما تبوأ مقعدًا من الجنة، إنما تبوأ مقعدًا من النار، (إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين، وقد فرق النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره كما سيأتي في الجنائز من حديث المغيرة حيث يقول: «إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد»، وسنذكر مباحثه هناك إن شاء الله تعالى ونذكر فيه الاختلاف في توبة من تعمد الكذب عليه هل تقبل أو لا؟).

 هل تقبل توبة من كذب على النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا توافرت شروطها؟ فيه خلاف، والخلاف في قبول روايته بعد ذلك، بعد التوبة هل تقبل روايته أو لا تقبل؟ منهم من يقول: إن التوبة تهدم ما كان قبلها، والتوبة من الشرك تجب ما قبلها، فتوبة الكاذب تهدم ما قبلها ويعود فتقبل روايته، ومنهم من يقول: لا، ما دام تعمد الكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام- مرة سقط حديثه أبدًا، هذا محل الخلاف الذي سيذكره المؤلف.

(ونذكر فيه الاختلاف في توبة من تعمد الكذب عليه هل تقبل أو لا؟

 تنبيه: رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا؛ لأنه بدأ بحديث علي، وفيه مقصود الباب، وثنى بحديث الزبير الدال على توقي الصحابة وتحرزهم من الكذب عليه، وثلَّث بحديث أنس الدال على أن امتناعهم إنما كان من الإكثار المفضي إلى الخطأ لا عن أصل التحديث) لأن واقع أنس يرده؛ (لأنهم مأمورون بالتبليغ، وختم بحديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كانت دعوى السماع منه في اليقظة أو في المنام، وقد أخرج البخاري حديث «من كذب علي» أيضًا من حديث المغيرة وهو في الجنائز، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في أخبار بني إسرائيل، ومن حديث واثلة بن الأسقع، وهو في مناقب قريش).

 أوصل بعضهم الصحابة الذين رووا هذا الحديث إلى ستين، وقال بعضهم: إنه لا يوجد مثال للمتواتر بلفظه ومعناه إلا هذا الحديث، أما التواتر المعنوي فكثير.

 مما تواتر حديث من كذب               ومن بنى لله بيتًا واحتسب

(ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في أخبار بني إسرائيل، ومن حديث واثلة بن الأصقع وهو في مناقب قريش، لكن أليس هو بلفظ الوعيد؟).

طالب: .......

 ماذا؟

طالب: ليس هو.

نعم؛ لأن عندي: أليس.

(لكن ليس هو بلفظ الوعيد بالنار صريحًا، واتفق مسلم معه على تخريج حديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أيضًا، وصح أيضًا في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عمر وأبي قتادة وجابر وزيد بن أرقم، وورد بأسانيد حسان) يعني دون التي قبلها (من حديث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر وعمران بن حصين وابن عباس وسلمان الفارسي ومعاوية بن أبي سفيان ورافع بن خديج وطارق الأشجعي والسائب بن يزيد وخالد بن عرفطة وأبي أمامة وأبي قرصافة وأبي موسى الغافقي وعائشة.

 فهؤلاء ثلاثة وثلاثون نفسًا من الصحابة. وورد أيضًا عن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة.

وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، فأول من وقفت على كلامه في ذلك علي بن المديني، وتبعه يعقوب بن شيبة فقال: روي هذا الحديث من عشرين وجهًا عن الصحابة من الحجازيين وغيرهم، ثم إبراهيم الحربي وأبو بكر البزار فقال كل منهما: إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة، وجمع طرقه في ذلك العصر أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلاً، وقال أبو بكر الصيرفي شارح رسالة الشافعي: رواه ستون نفسًا من الصحابة، وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلاً، وقال أبو القاسم ابن منده: رواه أكثر من ثمانين نفسًا، وقد خرجها بعض النيسابوريين فزادت قليلاً.

 وقد جمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دحية، وقال أبو موسى المديني: يرويه نحو مائة من الصحابة، وقد جمعها بعده الحافظان يوسف بن خليل وأبو علي البكري وهما متعاصران) يوسف بن خليل الصفدي أم غيره؟ ابن أيبك؟

طالب: .......

 (وأبو علي البكري وهما متعاصران، فوقع لكل منهما ما ليس عند الآخر، وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف وساقط، مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص، ونَقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر، ونازع بعض مشايخنا في ذلك قال: لأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودةً في كل طريق منها بمفردها، وأجيب بأن المراد بإطلاق كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كافٍ في إفادة العلم، وأيضًا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم، نعم وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها: إنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحًا، فإن العدد المعين لا يُشترط في المتواتر بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت علوم الحديث) النكت على ابن الصلاح (وفي شرح نخبة الفكر).

 نعم الصفات العلية للرواة؛ لأنهم قالوا: من القرائن التي تجعل الخبر مفيدًا للعلم تداول الأئمة له، فلا يزال يرويه إمام عن إمام عن إمام ولو لم تكثر الطرق. (لوجود الصفات العلية في هؤلاء الأئمة)، والله -جَلَّ وعَلا- وصف إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- بأنه أمة، أيش معنى أمة؟ يعني يقوم مقام أمة؛ لما فيه من الصفات، يعني الشخص الذي برز في وصف واحد وآخر في وصف، هذا في الكرم وهذا في الشجاعة وهذا في العلم وهذا في كذا وهذا في كذا وهذا في كذا، وجاء شخص وجمع هذه الأمور كلها، ابن المبارك مثلاً في علمه وزهده وورعه وجهاده وبذله أمة؛ لأنه عبارة عن أشخاص اجتمعوا في شخص واحد، هذه الصفات العلية تكسب الإنسان قوة.

 يعني من المعاصرين مثلاً الشيخ علي الطنطاوي اشتغل بالقضاء اشتغل أولاً بالتعليم وبدأه من التعليم الابتدائي إلى المراحل العليا من أوله إلى آخره مسك الطريق، وتخلل عمله في التعليم القضاء من ملازم قضائي إلى رئيس محكمة استئناف، واشتغل بالعسكرية من جندي إلى ضابط كبير، هذا ما هو بشخص واحد، هذا ليس بشخص واحد، عُمر الشيخ إلى أن اجتمعت له هذه الأمة، وذكرياته فيها فوائد علمية لا توجد عند غيره، وفيه من تجاربه المفيدة النافعة ما يستفيد منه الخاص والعام، والشيخ بدأها من المراحل المتقدمة من عمره، وأوقف في نصف عمره، قيل: لا، خلاص ثمانية مجلدات تكفي، لو كمل فأين يكفيه؟ رحمة الله علينا وعليه.

(وبينت هناك الرد على من ادعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلا في هذا الحديث، وبينت أن أمثلته كثيرة منها حديث «من بنى لله مسجدًا»، والمسح على الخفين، ورفع اليدين والشفاعة، والحوض) هذه متواترة تواترًا معنويًّا، (ورؤية الله في الآخرة والأئمة من قريش وغير ذلك)؛ لأنه جمع طرق حديث «الأئمة من قريش» في كتاب أسماه لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش.

(والله المستعان. وأما ما نقله البيهقي عن الحاكم) المؤلف -رحمه الله- يقول: (والله المستعان) تحدث عن الأئمة من قريش، والأئمة في عصره مماليك، ولذا قال: (والله المستعان.

وأما ما نقله البيهقي عن الحاكم ووافقه أنه جاء من رواية العشرة المشهورة قال: وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره، فقد تعقبه غير واحد، لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجوزي ومن بعده، والثابت منها ما قدمت ذكره، فمن الصحاح علي والزبير، ومن الحسان طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان، وبقيتها ضعيف وساقط) كم بقي من .......؟ أبو بكر وعمر .......؟

طالب: .......

عبد الرحمن بن عوف. هو قال هنا: (ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان).

تعرفون أن هذا آخر الدروس في هذا الفصل، الله المستعان.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

لا، بعض الناس يدعي أنه رأى الرسول -عليه الصلاة والسلام- في اليقظة، هذا كاذب قطعًا، يزعمون أنهم يرونه في اليقظة.

طالب: .......

نعم موجود، ويسألونه عن أحكام، ويغير لهم أحكامًا مستقرة، ويسألونه عن أحاديث، يصحح لهم أحاديث ضعيفة، موجود هذا! لولا عجائب صنع الله ما نبتت تلك الفضائل في لحم ولا ....... وما فيه ....... أبدًا؛ لأنه أضافه إلى صنع الله، الله المستعان.

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.