التعليق على الموافقات (1432) - 11

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1432) - 11
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
سبت 14/ رجب/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هل يقرأ أحد؟

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

والوجه الثاني..

"أما الثاني وهو..."

لا لا.

طالب: .......

الكلام الذي قبله.

طالب: .......

قبلها بورقة.

"والوجه الثاني: أن كون النعم تئول بأصحابها إلى النقم إنما ذلك من جهة وضع المكلف؛ لأنها لم تصر نقمًا في أنفسها، بل استعمالها على غير الوجه المقصود فيها هو الذي صيَّرها كذلك، فإن كون الأرض مهادًا والجبال أوتادًا".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ما على وجه الأرض الذي خلقه الله للناس منه ما هو بحد ذاته نعمة، يجب شكرها، ونافع، ومنها ما هو ضار، ومع ذلك فالنافع ليس بخير محض والضار ليس بشر محض، فالنافع الذي يجب شكر الله عليه إذا كُفر ولم يُشكر صار ضارًّا، والضار إذا صُبر عليه واحتُمل واحتسب من يصيبه هذا الضرر الأجر عند الله -عزَّ وجلَّ- وعلى صار بدلاً أن يكون نقمة صار نعمة، بخلاف الأول الذي هو في الأصل نعمة بكفرها تصير نقمة. وقل مثل هذا في سائر الأعيان وسائر المعاني، قد تكون بالقصد الأول نعمة، وتنقلب بالقصد الثاني إلى نقمة، والعكس.

 يعني مثل ما يقال عن المأكولات: نِعم من الله -جل وعلا-، يأكلها الإنسان، ويتغذى بها بدنه، ويتلذذ بأكلها، ويستعين بها على طاعة الله -جل وعلا-، ويشكر الله عليها، هذه نِعم من كل وجه. لكن إذا كان لا يتغذى بها بدنه، بل يتضرر؛ لأن بعض الأغذية تكون نافعة في الأصل، لكنها قد تكون ضارة لبعض الناس، فتكون مطلوبة بالقصد الأول، وليست مطلوبة، بل منهي عنها بالقصد الثاني.

الفطور على التمر من الصيام سُنة، مطلوب ومرغوب ومغذي للبدن، هذا الأصل وهو نعمة من أعظم نِعم الله على الخلق بالنسبة لما يأكلون، ومع ذلك إذا كان يضره أكله صار نقمة عليه ومنهيًا عن أكله، يُنهى عن أكله، وإن كان بالقصد الأول مأمورًا به، لكنه بالقصد الثاني منهي عنه.

بعض ما يتعبد به الإنسان؛ الصيام مثلاً مطلوب بالقصد الأول ومرغب فيه وعليه ثواب عظيم: «والصوم لي وأن أجزي به»، لكن قد يتضرر به الإنسان فيُنهى عنه، قد يعوقه عما هو أهم منه فينهى عنه: «ليس من البر الصيام في السفر»، صام قوم فتضرروا بذلك فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أولئك العصاة».

وقل مثل هذا في كثير مما على وجه الأرض من أو ما يُتعامل به أو يُتناول من المحسوسات ومن المعنويات وغيرها.

طالب: "وجميع ما أشبهه نِعم ظاهرة لم تتغير".

يعني من الأمثلة التي ذكرها المؤلف القرآن، القرآن {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26]، لكن هل يكون هل يستطيع الإنسان أن يكون أن القرآن كتاب غواية أم كتاب هداية؟

طالب: كتاب هداية.

كتاب هداية، هذا هو، ليس له وصف إلا هذا. لكن بعض الناس يضل به، لكن ليس هو وصفه الأصلي، إنما هو باعتبار تصرف المكلف، ليس وصفه الذاتي أنه كتاب غواية بل كتاب هداية فحسب. بسبب تصرف المكلف انقلب من كونه هداية إلى غواية، كونه يتتبع المتشابه، يأخذ بجزء ويترك جزءًا، يؤمن ببعض ويكفر ببعض، وهكذا. ولذلك قال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26]، لكن من يهتدي به؟ {هُدًى} لمن؟ {لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26]. هو بحسب تصرف المكلف، نعم. "وأما الثاني".

طالب: "وجميع ما أشبهه نِعم ظاهرة لم تتغير، فلما صارت تقابل بالكفران بأخذها على غير مأخذ صارت عليهم وبالاً، وفعلهم فيها هو الوبال في الحقيقة".

"وأما الثاني، وهو أن المطلوب الترك".

طالب: "وأما الثاني، وهو أن المطلوب الترك بالكل هو بالقصد الأول، فكذلك أيضًا، لأنه لما تبين أنه خادم لما يضاد المطلوب الفعل، صار مطلوب الترك؛ لأنه ليس فيه إلا قطع الزمان في غير فائدة، وليس له قصد يُنتظر حصوله منه على الخصوص، فصار الغناء المباح".

الآن النوم، النوم بحد ذاته رغبة للإنسان يرتاح به من عناء التعب، فهو في الأصل مباح. لكن إذا نوى به الاستعانة على طاعة الله -جل وعلا- واستجمام الجسم ليستعد إلى وظائفه الشرعية والدنيوية التي يستعين بها على طاعة الله فإنه ينقلب عبادة. لكن إذا استعمله -أعني النوم- للخلاص من الواجبات الشرعية، ينام عن الصلاة، ينام عن ما أوجب الله عليه أو ما وجب عليه بالعقد مثلاً، هذا صار ممنوعًا محرمًا. فالأمور بمقاصدها، فقد يكون الشخص الشيء مطلوبًا بالقصد الأول، ممنوعًا بالقصد الثاني وقد يكون بالعكس. فالواجبات والمستحبات مطلوبة بالقصد الأول، لكن قد تكون ممنوعة بالقصد الثاني بحسب تصرف المكلف لا لذاتها، والممنوعات المحرمات والمكروهات ممنوعة بالقصد الأول، وقد تكون أحيانًا مطلوبة بالقصد الثاني إذا كان ارتكابها من باب ارتكاب أخف الضررين، يقي مما هو أعظم منه ضررًا فإنه حينئذٍ يكون مطلوبًا.

طالب: "فصار الغناء المباح مثلاً ليس بخادم لأمر ضروري ولا حاجي ولا تكميلي".

ما الذي يستفاد من الغناء؟ هل يستجم به الإنسان لطاعة الله؟ هل يروِّح به النفس فيستعين بذلك على طاعة الله؟ ما يستعين به، بل يصد عن ذكر الله. طالب العلم الشرعي وهو يديم النظر في الكتب، ويحفظ ويفهم ويقرأ، وقته مشغول بقراءة كتب العلم من كتب التفسير والحديث والعقيدة والفقه، وما يعين على فهمها، قد يمل ويكل، هل يقال له: اقرأ في كتب قد يكون فيها شيء من الضرر، شيء من الباطل، شيء مما نهى الله عنه ورسوله، أو يقال: اقرأ في الكتب المباحة تستجم بها، كتب تواريخ، كتب أدب؟ استجمام للذهن، هذا طيب ينفعك، ويعينك، وبهذه النية تثاب على ذلك. لكن ما يقال: اقرأ في كتب سحر أو كتب تنجيم أو كتب فيها ضرر على عقيدتك أو ضرر على دينك.

فالغناء ليس فيه فائدة أصلاً، وإن كان بعض من يمتهن الطب، سواء كان العضوي أو النفسي، يوصون به أحيانًا، وهذا يعني موجود عند الأطباء المتقدمين ويقولون: إنه يشفى به المريض. نقول: لا؛ لأنه داء وليس بدواء، كل ما حرم الله عليك هو داء، والله المستعان.

طالب: أحسن الله إليك، يقول: "الغناء المباح"؟

"الغناء المباح" هو يلتبس بالغناء المحرم، إلا أنه بدون آلة محرمة ولفظه مباح لمجرد التغني تحسين الصوت، المراد به تحسين الصوت بالشعر، فإذا لم تصحبه آلة وكان لفظه مباحًا وأُدي بلحون العرب، وإن كانت مؤثرة مثل أنجشة الحادي، هذا غناء مباح، لكن صحبته الآلة، أو كان لفظه محرمًا دخل في حيز التحريم.

طالب: "بل قطع الزمان به صد عما هو خادم لذلك، فصار خادمًا لضده. ووجه ثانٍ: أنه من قبيل اللهو الذي سماه الشارع باطلاً، كقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} [الجمعة: 11]، يعني: الطبل والمزمار، أو المزمار أو الغناء.

وقال في معرض الذم للدنيا: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36] الآية، وفي الحديث: «كل لهو باطل إلا ثلاثةً»، فعده مما لا فائدة فيه إلا الثلاثة، فإنها لما كانت تخدم أصلاً ضروريًّا أو لا".

أو لاحقًا به.

"أو لاحقًا به، استثناها ولم يجعلها باطلاً.

ووجه ثالث: وهو أن هذا الضرب لم يقع الامتنان به، ولا جاء في معرض تقرير النعم كما جاء القسم الأول".

«كل لهو باطل»، {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36]، وهذا حصر، الحياة الدنيا أصلها اللهو واللعب، هذا الأصل فيها، لكن مطلوب من المسلم أن يستغل هذه الحياة وهذه الأنفاس وهذه الأيام والشهور والأعوام بما يقربه إلى الله -جل وعلا- وإلا عادت إلى أصلها لهوًا باطلاً.

واللهو ما يستثنى منه إلا الشيء اليسير الذي لا يصد عن واجب ولا مستحب، يقضى به الزمان، فلا يشغل عما أوجب الله عليه، ولذلك يكثر السؤال عما يلعب به بعض الناس ويمضون به الأوقات من الورق وغيرها، يلعبون بها الناس، أو الكرة أو ما أشبه ذلك؟ نقول: إن شغلت عن الواجب، وصدت عن ذكر الله، واجتمعت فيها علل تحريم الخمر فهي محرم، وإن خلت عن ذلك، فاللهو اليسير والعبث اليسير معفو عنه.

المقصود أن هذه صفة الدنيا: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36]، ويستثنى من هذا اللهو ثلاثة أشياء الذي هو: الرجل مع امرأته، ومع ضيفه، ومع فرسه يأنس بهم، وينشغل بهم، هذا لا بأس به على ألا يصد عن ذكر الله وعما أوجب الله عليه.

طالب: "فلم يقع امتنان باللهو من حيث لهو، ولا بالطرب ولا بسببه من جهة ما يسببه، بل من جهة ما فيه من الفائدة العائدة لخدمة ما هو مطلوب، وهو على وفق ما جرى في محاسن العادات، فإن هذا القسم خارج عنها بالجملة.

ويحقق ذلك أيضًا أن وجوه التمتعات هُيئت للعباد أسبابها خلقًا واختراعًا، فحصلت المنة بها من تلك الجهة، ولا تجد للهو أو للعب تهيئة تختص به في أصل الخلق، وإنما هي مبثوثة لم يحصل من جهتها تعرف بمنة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، وقال: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ...} [الرحمن: 10] إلى قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، وقوله: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]، إلى أشباه ذلك. ولا تجد في القرآن ولا في السنة تعرف الله إلينا بشيء خلق للهو واللعب".

يعني ما جاء اللهو واللعب في سياق امتنان، إنما جاء بمجرد إخبار عنها لم يمتن بها الله علينا، لكن امتن علينا بالنعم، يعني سيقت مساق الامتنان لنستمتع بها ونستعين بها على طاعة الله، لكن اللهو الذي هو «كل لهو باطل» ما عدا ما استثني، هذا لم يمتن الله به، ولذلك ليس بمطلوب أصلاً لا بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني.

طالب: "فإن قيل: إن حصول اللذة وراحة النفس والنشاط للإنسان مقصود، ولذلك كان مبثوثًا في القسم الأول، كلذة الطعام والشراب والوقاع والركوب وغير ذلك، وطلب هذه اللذات بمجردها من موضوعاتها جائز، وإن لم يطلب ما وراءها من خدمة الأمور الضرورية ونحوها، فليكن جائزًا أيضًا في اللهو واللعب بالتفرج في البساتين وسماع الغناء، وأشباهها مما هو مقصود للشارع فعله، والدليل على ذلك أمور؛ منها...".

السياحة للاستجمام إذا لم تشغل عن واجب فالأصل فيها الإباحة، لكن إن اقترن بها التفكر والاعتبار والإفادة ممن يلتقي بهم في البلدان، فالأمور بمقاصدها، عشرة يمتطون سيارة واحدة وكل واحد له مقصده، وبينهم في المقاصد والأجور أو الأوزار بون شاسع، كل على قصده، كلهم سافروا إلى بلد واحد، لكن هذا سافر من أجل ماذا؟ وهذا سافر من أجل أي شيء؟ وهكذا. فهي بمقاصدها تنقلب هذه المباحات إلى عبادات أو محرمات. كما قال الأول: دخلنا الكوفة بليل فنزل الأخيار على الأخيار، والأشرار على الأشرار، كل له مقصده، وكل له هدفه، يسافر الرجل وأخوه إلى بلد واحد، هذا يسافر إلى دور العلم، وهذا يسافر إلى دور الخنا والفجور، نسأل الله العافية.

طالب: "والدليل على ذلك أمور؛ منها: بثها في القسم الأول. ومنها: أنه جاء في القرآن ما يدل على القصد إليها، كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 6]، وقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]".

يعني امتن الله -جل وعلا- بهذه الأمور من المركوبات بالركوب والزينة أيضًا، يعني قل مثل هذا في مقامها من السيارات ووسائل الانتقال الحديثة، تجد بين هذه الوسائل في أقيامها أضعافًا مضاعفة، تجد سيارة بخمسين ألفًا، وتجد بخمسمائة ألف، كلها توصل إلى الهدف، لكن تختلف في الراحة في الانتقال والزينة أيضًا.

"{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]"، طيب ماذا عن الأكل؟ يستدل بهذه الآية من قال بتحريم لحوم الخيل؛ لأنه لو كان الأكل سائغًا لامتن به؛ لأنه أعظم وجوه الانتفاع، وما امتن به، إنما قال: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}. لكن بالنسبة للبغار والحمير هذا مفروغ منه، لكن الخيل؟

طالب: .......

كيف؟

طالب: أعظم وجوه الانتفاع بالخيل .......

أعظم وجوه الانتفاع بالخيل الركوب، ولذلك ما تجد في التاريخ ولا مثالًا واحدًا شخص يجد بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم ويعدل عنها إلى خيل يذهب ليشتري خيلًا ليقدمه لضيوفه والإبل والغنم والبقر موجود في الأسواق، لكن قد لا يوجد عنده غير الخيل فيذبحه. فأكله جائز، لكن الامتنان بأكله دون الامتنان بركوبه.

طالب: "وقوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67]".

لكن هل هذا امتنان أم مجرد إخبار عن فعلهم؟ هذه أولاً قبل تحريم الخمر، الآية قبل تحريم الخمر، ومع ذلك ما سيقت سياق الامتنان؛ لأن الخمر لا يُمتن به حتى في وقت إباحته، لكنه مجرد إخبار عن وقوعه.

طالب: "وما كان نحو ذلك، وهذا كله في معرض الامتنان بالنعم والتجمل بالأموال والتزين بها، واتخاذ السُّكْر راجع إلى معنى اللهو واللعب، فينبغي أن يدخل في القسم الأول".

أنه ليس بمطلوب لا بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني، لكنه واقع.

طالب: "ومنها: أن هذه الأشياء إن كانت خادمةً لضد المطلوب بالكل".

ولذلك وصف الرزق بكونه حسنًا، ولم يصف السَّكَر بكونه حسنًا: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} [النحل: 67]، ما قال: حسنًا، بينما قال في الرزق: {حَسَنًا} [النحل: 67].

قد يقول قائل: إن الوصف المتعقب لجمل أو لكلمات هل يعود إلى الأخيرة منها أو إلى جميعها؟ المسألة، ومثله الاستثناء. هذا الوصف هل يعود إلى الأخيرة فقط أو إلى الجميع ويكون تقريره في الذهن: (سكرًا حسنًا ورزقًا حسنًا)، مثل: (نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ)، يعني نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. فالوصف المتعقب لجمل أو متعقب لكلمات يختلف العلماء في كونه يعود على الأخير فقط، أو يعود على الجميع.

ومثله الاستثناء، يعني في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5]، يعني في قذف المحصنات جاء ثلاث جمل: 1- {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، 2- {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4]، 3- {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [النور: 4]، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5]. كونه يعود إلى الأخير هذا محل إجماع، يرتفع وصف الفسق إذا تاب، لكن هل تقبل شهادته أو لا تقبل مع قوله: {أَبَدًا}؟ هذه محل الخلاف، وأما ارتفاع الحد عنه بمجرد التوبة فهذا محل اتفاق أنه لا يرتفع عنه الحد، يُجلد ولو تاب.

ومنها يقرر أهل العلم أن السَّكَر لا يتناوله الوصف بالحسن بخلاف الرزق، ولذلك ما امتُن به وإنما مجرد إخبار أنهم يتخذون من العنب والتمر السَّكَر.

طالب: "ومنها: أن هذه الأشياء إن كانت خادمة لضد المطلوب بالكل فهي خادمة للمأمور به أيضًا؛ لأنها مما فيه تنشيط وعون على العبادة أو الخير، كما كان المطلوب بالكل كذلك. فالقسمان متحدان، فلا ينبغي أن يفرق بينهما.

فالجواب: أن استدعاء النشاط واللذات إن كان مبثوثًا في المطلوب بالكل، فهو فيه خادم للمطلوب الفعل، وأما إذا تجرد عن ذلك، فلا نسلم أنه مقصود، وهي مسألة النزاع، ولكن المقصود أن تكون اللذة والنشاط فيما هو خادم لضروري أو نحوه. ومما يدل على ذلك قوله في الحديث: «كل لهو باطل إلا ثلاثة»، فاستثنى ما فيه خدمة لمطلوب مؤكد، وأبطل البواقي. وفي الحديث أن أصحاب رسول الله ملوا ملةً، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا -يعنون: بما يُنشط النفوس-، فأنزل الله -عزَّ وجلَّ-: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] الآية. فذلك في معنى أن الرجوع إلى كتاب الله".

يعني الأصل أن ينشغل المسلم بكتاب الله، هذا الأصل. "{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]"، فيه ما فيه سلوة للمسلم وغنية عن كل كلام، إلا ما يعين على فهمه، ففيه الأحكام، وفيه العقائد، وفيه القصص، وفيه الأخبار، وفيه الترغيب والترهيب، وأخبار المغيبات، وغير ذلك، ففيه كل ما يطلبه الإنسان.

 قد يحتاج الإنسان إلى ما يعين ويرغب على لزوم كتاب الله، والوسائل لها أحكام الغايات. الإنسان، طالب العلم في أول الأمر تجده الرغبة في كتاب الله أقل، لكن إذا قرأ النصوص الواردة التي تحث على العناية بكتاب الله وإدامة النظر في كلام الله، ثم يأخذ بعد ذلك يفهم ويستنبط ويتلذذ، تجده ما يحتاج إلى ما يحدوه إلى ملازمة كتاب الله، فتجده بنفسه ينقاد إلى ذلك.

ذكرنا القصة قبل يومين التي ذكرها بعض المشايخ: أن شخصًا من أهل العلم قُرر له إجراء عملية جراحية، وهو كبير في السن، ومن أهل العلم، لما أُدخل غرفة العمليات بكى بكاءً شديدًا، فقال الأطباء: يجيئنا شباب ويجيئنا فُساق ونجري لهم عمليات ما خافوا من العملية وأنت كيف تخاف؟ قال لهم: كم تستغرق العملية؟ قالوا: ست ساعات، قال: والبنج؟ قالوا: ما ندري، أنت تحتاج ساعتين ثلاثًا إذا أنت صحيت، قال: هذا وقت وردي ونصيبي من القرآن يروح! فهو يبكي على ما سيفوته من قراءته اليومية، بكى بكاءً شديدًا، ثم طلب منهم أن يقرأ ولو جزءًا واحدًا؛ لأنه يقرأ عشرة في اليوم. طلب منهم قال: أمهلوني حتى أقرأ جزءًا، فقرأ جزءًا على عادته بالترتيل والتخشع والتدبر بصوت حسن، لما أنهى الجزء أعطوه إبرة البنج فاستمر يقرأ على طريقته إلى أن فرغوا، وأكمل العشرة!

يعني الإنسان ينتهي من مرحلة المجاهدة إلى التلذذ بالعبادة، والذي يتلذذ بكلام الله -جل وعلا- لا يعدل عنه إلى غيره، لا يمكن أن يعدل عنه إلى غيره.

كلمة التوحيد التي «من كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة»، يعني يقولها الإنسان لا يلقي لها بالاً، وهو موحد لا يشرك بالله شيئًا، فضلاً عن المشركين أو المبتدعة الذين يطوفون على القبور وهم يقولون: لا إله إلا الله، هؤلاء ما عرفوا معنى (لا إله إلا الله)، فضلاً عن كونهم يتلذذون بها. وقد رُؤي بعض الشيوخ الكبار في منامه فقيل له: ماذا فعل... إلى أن قال: يا فلان -يخاطب الحي- كيف يمل الناس من (لا إله إلا الله)؟

فالمقصود أن الإنسان إذا جعل هواه تبعًا لما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام-، وجعل همه ما خُلق من أجله وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، ما عدل إلى شيء غير القرآن أو إلى غير ما يقربه إلى الله -جل وعلا-.

طالب: "فذلك في معنى أن الرجوع إلى كتاب الله بالجد في غاية ما طلبتم، وذلك ما بُث فيه من الأحكام والحِكم والمواعظ والتحذيرات والتبشيرات الحاملة على الاعتبار، والأخذ بالاجتهاد فيما فيه النجاة والفوز بالنعيم المقيم، وهذا خلاف ما طلبوه".

يعني بالإمكان لو تصدى شخص متفنن بارع أن يفسر القرآن تفسيرًا يغنيه عن جميع العلوم، يغني القارئ في هذا الكتاب عن جميع العلوم، فيمكن أن تُدرج جميع مسائل الاعتقاد في التفسير، ومسائل الفقه والأحكام في التفسير، اللغة في التفسير، بجميع فروعها تدخل في التفسير، وغير ذلك من الفنون. لكن هذا يحتاج إلى عمر، يحتاج إلى وقت طويل، وإلا فهو مطلب.

طالب: "قال الراوي: ثم ملوا ملةً، فقالوا: حدثنا شيئًا فوق الحديث ودون القرآن! فنزلت سورة يوسف، فيها آيات ومواعظ وتذكيرات وغرائب تحثهم على الجد في طاعة الله، وتروِّح من تعب أعباء التكاليف مع ذلك. فدُلوا على ما تضمن قصدهم مما هو خادم للضروريات، لا ما هو خادم لضد ذلك".

نعم، "خادم للضروريات"، يعني يمكن أن تُعلم الطلاب جميع العلوم مثلما ذكرت، وتجعل هذه العلوم كلها خادمة للأصل، فما المانع أن يُعلَّم الطلاب الخط بكتابة آيات وأحاديث، فيحفظ الآيات، ويحفظ الأحاديث، ويتعلمون الخط. في النحو والصرف يقال: أعرب الفاتحة، ما المانع؟ أعرب آية كذا من سورة كذا، أعرب قصار المفصل، فيستفيد الإعراب، ويجعل الإعراب خادمًا لهذا العلم الضروري الذي هو علم الكتاب، وهكذا.

طالب: "وفي الحديث أيضًا: «إن لكل عابد شدة".

شرة.

 «إن لكل عابد شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فإما إلى سُنة وإما إلى بدعة»".

نعم؛ لأن العابد لا شك أنه إذا تلذذ بالعبادة قد يزيد، يزيد، ثم بعد ذلك إذا زاد تعب وفتر، وطالب العلم حينما يتلذذ بالعلم وبالقراءة لا شك أنه يزيد، يعني وُجد من يقرأ خمس عشرة ساعة باليوم!

طالب: الله أكبر.

يعني ما هو بكلام نظري، واقع، يقرأ. ووجد من يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة!

طالب: الله أكبر.

لكن لا شك أن مثل هذا قد يئول به الأمر إلى الانقطاع، فإن كان رجوعه وفترته وملله هذا رجع به إلى حيز السنة، هذا اهتدى، لكن من كانت فترته إلى غير ذلك هلك؛ لأن بعض الناس يمل ويترك بالكلية، يزيد فيما شرع الله له، ويبالغ، ويتوغل فيه، ثم يتعب، فيترك الكل، يترك ما أوجب الله عليه وما زاده عليه، "«ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك»".

طالب: "«ولكل شِرَّة فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك».

وأما آيات الزينة والجمال والسكر، فإنما ذكرت فيها لتبعيتها لأصول تلك النعم، لا أنها هي المقصود الأول في تلك النعم. وأيضًا فإن الجمال والزينة مما يدخل تحت القسم الأول؛ لأنه خادم له، ويدل عليه قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]، وقوله : «إن الله جميل يجب الجمال»، «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». وأما السَّكَر، فإنه قال فيه: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} [النحل: 67]، فنسب إلى اتخاذ السَّكَر ولم يحسنه".

"فنسب إليهم".

طالب: "فنسب إليهم اتخاذ السَّكَر ولم يحسنه، وقال: {وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67]، فحسنه. فالامتنان بالأصل الذي وقع فيه التصرف لا بنفس التصرف".

الامتنان بالتمر والعنب، امتنان بالأصل، وأما ما ترتب عليه فإنه لم يمتن به وإن كان ذُكر في سياق النص، لكنه ما وُصف بكونه حسنًا كما وُصف الرزق.

طالب: "كالامتنان بالنعم الأخرى الواقع فيها التصرف، فإنهم تصرفوا بمشروع وغير مشروع، ولم يؤت بغير المشروع قط على طريق الامتنان به كسائر النعم، بل قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالاً} [يونس: 59]، فتفهم هذا. وأما الوجه الثاني، فإنها إن فُرض كونها خادمةً".

يعني جميع ما يمكن أن يقال فيه بالتعبير المعاصر إنه سلاح ذو حدين، يستعمل في الخير، ويستعمل في الشر، هذه الآلات التي تيسرت، ويسرت لنا كثيرًا من أمورنا، هذه من جهة نِعم ومن جهة نقم، ولبعض الناس نعم محضة، ولبعضهم نقم محضة، والآلة لا ينسب إليها خير ولا شر لذاتها، وإنما هو بحسب تصرف المكلف.

طالب: "وأما الوجه الثالث: إن فُرض كونها خادمة للمأمور به فهي من القسم الأول، كملاعبة الزوجة وتأديب الفرس وغيرهما، وإلا فخدمتهما للمأمور به بالقصد الثاني لا بالقصد الأول، إذا كان ذلك الوقت الذي لعب فيه يمكنه فيه عمل ما ينشِّطه مما هو مطلوب الفعل بالكل كملاعبة الزوجة، ويكفي من ذلك أن يستريح بترك الأشياء كلها، والاستراحة من الأعمال بالنوم وغيره ريثما يزول عنه كلال العمل لا دائمًا كل هذه الأشياء مباحة؛ لأنها خادمة للمطلوب بالقصد الأول.

أما الاستراحة إلى اللهو واللعب من غير ما تقدم، فهو أمر زائد على ذلك كله، فإن جاء به من غير مداومة، فقد أتى بأمر يتضمن ما هو خادم للمطلوب الفعل، فصارت خدمته له بالقصد الثاني لا بالقصد الأول، فباين القسم الأول؛ إذ جيء فيه بالخادم له ابتداءً، وهذا إنما جيء فيه بما هو خادم للمطلوب الترك، لكنه تضمن خدمة المطلوب الفعل إذا لم يداوم عليه، وهذا ظاهر لمن تأمله".

المطلوب بالقصد الأول هو ما كانت مصلحته محضة أو راجحة، هذا المطلوب بالقصد الأول، والمنهي عنه بالقصد الأول ما كانت مفسدته محضة أو راجحة. المطلوب بالقصد الثاني هو في الأصل مصلحة مرجوحة، مصلحته مرجوحة، لكنها اكتمل بها ما يجعلها راجحة؛ لأن هناك أمور تحتف بالمرجوح فتجعله راجحًا ، فيكون مطلوبًا بالقصد الثاني. وقل مثل هذا في المطلوب الترك بالقصد الثاني: كانت مصلحته راجحة، لكن احتف به ما جعل مصلحته مرجوحة، إلى آخره، أو مفسدته راجحة فصار مطلوب الترك بالقصد الأول، ومفسدته يعني مرجوحة، ثم احتف بها ما يجعلها راجحة، فصار مطلوب الترك بالقصد الثاني.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

هو المطلوب بالقصد الأول ما كانت مصلحته محضة أو راجحة، المطلوب بالقصد الثاني ما كانت مصلحته مرجوحة واحتف بها ما يجعلها راجحة.