كتاب الإيمان (55)

عنوان الدرس: 
كتاب الإيمان (55)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ Ramadan/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يقول: إذا رأى الإنسان في نفسه أنه عاجز عن طلب العلم، أو بمعنى آخر أنه ليس كفؤًا أن يكون طالب علم، فهل له أن يتركه ويتجه إلى طاعات أخرى لينفع الله به؟

أولاً ما دليله على عجزه؟ هل هو يحس بأنه ضعيف الفهم، ضعيف الحفظ، جالس أهل العلم ولم يستفد كثيرًا أو لم يفهم من كلامه إلا قليلاً؟ لا شك أن ضعف الفهم وضعف الحفظ من عوائق التحصيل، لكن هل الأجر مرتب على التحصيل أو على مجرد سلوك الطريق؟

طالب: السلوك.

نعم، كغيره من الأسباب، إذا الإنسان بذل السبب فأجره ثابت حصل أو لم يحصل، مع أنه مع الجد والاجتهاد والصدق والإخلاص وسلوك الطريق مع بداياته والترتيب والتنظيم، كل هذا له دور في جودة التحصيل وتأصيله وتأسيسه، فكم من طالب علم مستواه أقل، لكنه وُفق بمن يأخذ بيده من أول الطريق ويدله على الجادة المسلوكة عند أهل العلم وأدرك خيرًا كثيرًا وفاق ممن هو أذكى منه وأكثر حفظًا، وكم من شخص تميز بالفهم والحفظ وتخبط يمينًا وشمالاً ويومًا في كتاب ويومًا في درس ويومًا في... وما أدرك شيئًا.

فالمهم جدًّا مسألة الإخلاص لله -جَلَّ وعَلا- والصدق معه والحرص وسلوك الجادة المتبعة عند أهل العلم ولزوم المشايخ الذين يرى أنهم ينفعونه ممن استفاض علمه وفضله ودينه وتقواه وورعه ليستفيد منهم.

على كل حال إذا أيس ورأى أنه لا يستفيد مطلقًا، وهذا موجود، يعني مر بنا حتى أنه مر بنا في الدرس هنا، دع الجامعة، الجامعة فيها نوعيات، لكن مر بنا هنا واحد جلس هنا يمكن حدود شهرين حضر الدروس، لكن مشكلته أنه يحضر الكتاب غير الذي يُشرح وماسكه! مثل هذا مشكلته كبرى، صحيح هذا مشكلته كبرى، هذا يُصرف إلى عمل آخر. الدرس في التفسير وماسك شرح النووي على مسلم، هذا تقول له: استمر؟ هذا مشكل هذا، فهذا ينظر له عمل ينفع فيه. لكن الذي عنده ولديه استعداد وقدرة، لكنه أقل ممن يرى ممن حوله من زملائه وكذا، مع الصبر والترتيب والتنظيم والإخلاص يدرك بإذن الله.

وأجر سلوك الطريق هذا ثابت لكل أحد ممن يسلكه بصدق وإخلاص: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وأنا أدركت في أوائل الطلب شخصًا عمره أكثر من ثمانين سنة، توفي -رَحمةُ اللهِ عَليهِ-، لكن يذكر الشيوخ الذين درسوه والذين درسوا لمن درسوه أنه كان زميلاً لهم في الطلب، ومع ذلك شبه خام، لكن يقول: أبدًا، أنا يهمني الحلقات هذه، رياض الجنة وأمشي من مسجد خمسة دروس يحضرها باليوم من مسجد لمسجد، وتوفي- رَحمةُ اللهِ عَليهِ- ويرجى له خير عظيم، ولو لم يدرك.

لكننا نستعجل النتائج ونياتنا ما هي بسليمة، ونريد نتائج مرضية ونشرع بعد إذا سمعنا عن الأئمة كلامًا ما بعد وصلنا له، ما تجيء، لا بد من مقدمات موصلة إلى النتائج، والمقدمة مركبة من أشياء على رأسها الإخلاص لله -جَلَّ وعَلا- وصدق اللجوء إليه والتقوى التي هي من مقومات، من أعظم مقومات التحصيل: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282]. أما أن شخصًا يتعلم ولا يعمل فهذا ما يستفيد، بل علمه وبال عليه. على كل حال هناك أشرطة تعين طالب العلم في هذا الباب وفي هذا المجال، وترسم له السبيل والطريق، فالحريص يأخذها من التسجيلات ويسمعها.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، ففي حديث أبي هريرة في قصة جبريل لما جاء يعلم الناس الدين بطريقة السؤال والجواب، التعليم بطريقة السؤال والجواب، وهي إحدى طرق التعليم الناجحة التي لها هذا الأصل الشرعي، يسمونها طريقة الحوار، من الطرق التربوية المعاصرة يسمونها: طريقة الحوار بين العالم والمتعلم، وأصلها هذا الحديث، وتنفع في التعليم، كما أنها تنفع في التأليف، نفعها في التعليم ظاهر، ونفعها في التأليف أيضًا، وأصلها هذا الحديث. جاء إلى النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأجابه النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وسأله عن أسئلة أخرى: عن الساعة وأشراطها.

العالم عليه أن ينوِّع في طريقته، وهذا ما يُسلك الآن فيما يُسمى باللقاءات المفتوحة، يأتي المعلم إلى مجموعة من طلاب العلم، فلا يشرح لهم شيئًا، ولا يلقي عليهم كلامًا إلا بمقدار ما يفتتح به الجلسة، ثم بعد ذلك تأتي الأسئلة، ويجيب عليها، بهذه الطريقة ونافعة. وأيضًا قد يكون نفعها أعظم من الكلام المرسل الذي يسمعه من يسمعه ممن ليس بحاجة إليه، لكن هذا السؤال السائل محتاج إليه، فيجاب على سؤاله بما ينفعه إن شاء الله تعالى، والتنويع مطلوب: مرة هكذا، ومرة هكذا، والطرق متنوعة، وكلها تصب في صالح العلم وطلب العلم، إن شاء الله تعالى، نسأل الله الإخلاص.

(قوله: "فأتاه رجل" أي ملَك في صورة رجل)، بعضهم يستدل بمثل هذا على جواز التمثيل، أنه جاء جبريل في صورة رجل مخالفًا لحقيقته التي خلقه الله عليها، والله -جَلَّ وعَلا- التي خلقه على خِلقته الأصلية هو الذي أرسله بهذه الصورة، فلا دليل في ذلك. الخصم الذين تسوروا المحراب، قالوا: هذا فيها دليل على التمثيل، جاءوا إلى داود وتسوروا المحراب، وادعى بعضهم على الآخر، وهم في الحقيقة ملائكة. الثلاثة النفر من بني إسرائيل الذين جاءوا بصورة أعمى وأبرص وأقرع، قالوا: هذا تمثيل، لكن من الذي بعثهم بهذه الصفة وبهذه الطريقة وبهذا الأسلوب؟

طالب: الله -جَلَّ وعَلا-.

هو الذي خلقهم، أما أن تأتي فتغير في خلقة الله لك وتظهر نفسك على أنك كبير سن أو صغير سن أو امرأة أو حيوان أحيانًا بعد، أو بصورة مشرك تتلفظ بألفاظ شركية، أو بصورة فاسق يتلفظ بألفاظ بذيئة محرمة، ثم تقول: هذا تمثيل نرجو منه المصلحة الراجحة، ومن أجازه قال مثل هذا الكلام؟ وتكلمنا في هذا الموضوع مرارًا، وبيَّنا أنهم استدلوا بمثل هذه الأدلة. كل خير في اتباع من سلف، هل هذه الطرق موجودة عند سلف الأمة وأئمتها؟ موجود عندهم أنواع ليس من هذا النوع، ليس منها هذا الضرب الذي شاع وذاع واستعمل وكثر. مناظرات عندهم مناظرات، مقامات ألفوا في المقامات. أيضًا بعض الأساليب التي فيها نوع مخالفة للواقع كالمبالغات.

طالب: تصل إلى الكذب أحيانًا يا شيخ.

تصل إلى حد لا يقبله عقل، إلا أنها من باب المبالغة، زيادة على الواقع أضعاف أضعاف، مخالفة للواقع، لكن لها أصل. ما له أصل في الشرع، وما أُثر عن سلف الأمة وأئمتها على العين والرأس، وأما ما يُحدث فالأصل المنع؛ لأن كل ما يخالف الواقع داخل في حيز الكذب.

طالب: .......

قلنا مناظرات هذه، مناظرات موجودة في كلام أهل العلم. قد يقول لك قائل: إن الذي أجاز لأولئك لماذا لا يجيز لنا؟ لأن المسألة كلها مصبها في المصلحة، والعلة المبيحة لهم هي المصلحة، والعلة المبيحة لنا هي المصلحة؟

طالب: تختلف يا شيخ، أولاً هؤلاء ملائكة .......

لا لا، يقول لك: أهل العلم أجازوا مناظرات، عقدوا مناظرة بين علوم: قال علم التفسير، قال علم الحديث. وما الذي يجيز له هذا النوع؟ متى صار علم الحديث .......؟

طالب: ليس القصد أنه يتكلم بلسانه، وإنما من واقع الحال.

طالب: .......

طالب: نعم.

حتى فهم السامع للتمثيليات المقصد غير صحيح.

طالب: أحيانًا أخبر عن أنها قصص واقعة.

هم يقولون، يعني مثل ما جاء عن علي -رَضِيَ اللهُ عنهُ- أنه دخل المقبرة وخاطب القبور وأجابته القبور. يمكن أن تجيب؟ يعني يا أهل القبور كنتم بالأمس كذا وكذا، واليوم أنتم كذا وكذا. ما فيه أحد يرد عليه، رد هو على نفسه: كنا وفعلنا وتركنا ووجدنا، يعني يخبر بما جاء في النصوص أنهم وجدوا. فيه شيء يقال له: لسان المقال، وآخر يقال له: لسان الحال، والقائل يقول: علمك بحالي يكفي عن مقالي، يعني لو جاء واحد عليه سمة الفقر ثم جلس في مكان وتصدق عليه الناس، هذا بلسان حاله يسأل، لا بلسان مقاله، بلسان الحال يسأل. وفيه كتاب لمعاصر، لكنه مطبوع ممكن من أربعين أو خمسين سنة اسمه: لسان الحال في المواعظ والأمثال، وكلام أهل العلم في كتب الوعظ يتحدثون أحيانًا إلى أموات في كتب الوعظ، ويجيبونهم، من هذا الباب بلسان الحال لا بلسان المقال، ثم يأتي من يقول -ومعه حق- إذا أراد أن يتحرى ويتثبت وعنده غيرة على التوحيد أن نقول: هذا يطلب من الأموات، لكن إذا عرفنا من حال هذا العالِم أنه معروف بتحقيق التوحيد ما يمكن أن نحمله على أنه يخاطب ميتًا ويطلب منه شيئًا، أو أنه قادر على إجابته.

يعني في بعض كلام ابن رجب في لطائف المعارف، ونحن نعرف ابن رجب من أهل التحقيق، في كلام له لو عاملناه معاملة من لا يُعرف بتحقيق التوحيد، وأخذناه على كثير من كلامه.

المقصود أن مثل هذه الأمور تُقدر بقدرها، وأن الناس يُنزلون منازلهم، أُمرنا أن ننزل الناس منازلهم. لا يستوي قبوري يستغيث بالأموات ويطلب منهم المدد، ثم إذا أُحرج أو أُلزم بحجة قال: لا، لسان حال، ولسان مقال! هذا ديدنك، وهذا أنت تطلب بالفعل، تزعم أن صاحب هذا القبر ينفع ويضر.

طالب: .......

القصص الكرتونية، الأفلام، والله أنا عندي التوسع في هذه الأمور غير مرضي، ويكفينا، وأنا ذكرت في وسائل الإيضاح التي هي الآن لها شأن عند التربويين، وتكلمت فيها أكثر من مرة؛ لأن الطلاب يتعلمون كما تعلموا في السابق، لا يلزم أن تكون نفس الأدوات، أجيء بلوح وطلو وفحم وما أدري أيش، ما يلزم هذا، نقول: نقتدي بهم؟ لا، لا مانع أن نكتب بوسائل حديثة، لكن يبقى أنها على الطريقة المعروفة، التي هي موصلة إلى التحصيل بأقرب طريق. كان كتاب الحروف الهجائية ورقتين أو ثلاثًا مرسومة على أشكال وهيئات ومشكلة ومكتوبة على جميع ما يحتمله الحرف من هيئة، ويحفظها الطلاب، وترسخ في أذهانهم، الآن كتاب الهجاء لعله في كبر مجلد فتح الباري!

وفي النهاية ردد: قاف قاف، ثم الطاء يقول له: درس ثانٍ للطاء، والدرس الثالث يقول: كذا! ما استفدنا يا إخوان، يعني المسألة فقط تضييع جهود وأموال وتصوير محرم، وفي النهاية ما يدرك الطالب شيئًا، وانظر الهزل في التعليم. والله إنا أدركناهم ونحن ندرس من كان في الصف الخامس لعلهم يدرسون، يصلحون لكي يدرِّسوا؟

طالب: .......

نعم خامس من الخامس والسادس يدرسون. والله امتحان عقد لنا في السادسة، وجاؤوا بمقابلات لبعض أقراننا من المناطق الأخرى، يقولون: نذهب بسيارات ....... لبلدان ثانية نختبر، اللجان تختبر ما تختبر ببلدك، تذهب لبلد ثانٍ بقرية ثانية، ونحن بنفس البلد، لكن بمدارس ثانية ولجان تجيء من الرياض وأسئلة من هناك وتصحّح بالرياض وإعلان بالجرائد، يعني شيء له وزنه، ما هو مثل التعليم الآن أن تكتب اليوم أربعة ومن يجيء يراجعك يكتب له واحدًا، هذا تعليم؟!

ما أدركوا شيئًا، ونحن رأيناهم في عيالنا، والعلام قاصر ....... ليسوا بأقل ممن قبلهم، لكن الطريقة فيها خلل كبير، ولذلك هذا نتاجها.

 شخص يدرس دراسات عليا في قسم القرآن، ويختبره من يقابله يقول له: ماذا تعرف من التفاسير؟ قال: أعرف الجلالين، قال: كتاب طويل يقف عليك عمرك ما قضيته لو بغيت تفسير آية؟ قال: هذا صحيح طويل، لكني إذا أردت الاختصار رحت للضلالين! هل مثل هذا يعول عليه في تعلم أو في تعليم أو أدرك شيئًا؟ ما هذا؟ هذا النتاج الهزيل الذي نجنيه الآن سببه الطرق، طرق التعليم، نعم لا ينبغي أن يُسلك المسلك القديم الذي فيه تنفير وجلد، يُجلدون أكثر من الحدود وهم أطفال صغار، صحيح أن الذي يصمد ويثبت يتخرج رجلًا يشب عن الطوق ويهتم، ما هو مثل الآن. لكن يبقى أن المسألة تسديد ومقاربة وحرص على الإيجابيات وتلافي السلبيات، وأيضًا مسألة التدليل هذا تضييع، لا بد من الجد والحزم، لكن بقدر ما يحقق المصالح، والله المستعان.

طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ.

طالب: .......

ماذا تقول أنت؟

طالب: .......

تريد شيخًا أنت؟

طالب: .......

كم لك تطلب العلم؟

طالب: .......

عشرين؟ ثلاثين؟ ما سمعت فتاوى في المسجد؟

طالب: .......

ما استفدنا، منهم من أجازها، ومنهم من لم يجزها. الأفلام الكرتونية معروف أنها الآن يجيزونها ويرونها نافعة للشباب وللأطفال، لكن رأينا الأطفال يشاهدونها ليل نهار، وماذا استفادوا؟

طالب: دمرت عقولهم يا شيخ.

ما النتيجة؟

طالب: ضيعت عقولهم.

لا، ويدس فيها أشياء.

طالب: نعم يا شيخ.

فيها أشياء مدسوسة ما يدركها الأطفال إلا فيما بعد.

طالب: .......

قصة موسى، الخير كل الخير في اتباع من سلف.

طالب: .......

كيف تريد أن تعيش أنت وأطفالك؟

طالب: .......

والله مثل ما ذكرنا، نحن ذكرنا سابقًا أن السلامة لا يعدلها شيء، والذي وسع الأمة خلال أربعة عشر قرنًا يسعنا. لكن- والمهم ما بعد لكن- إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يسيطر على بيته ولا على أولاده ولا على نسائهم، يتفلتون ويروحون للجيران ويروحون للأقارب ويشاهدون شيئًا ما يرضاه مما يفسد أخلاقهم وعقولهم وأديانهم، فارتكاب أخف الضررين مقرر في الشرع، وهذه الخلاصة.

طالب: .......

ويجيء من يأتي بجريدة عنوان: [الخضير: لا للقنوات الدينية، وفلان: وجودها في البيوت ضروري] هذا أنا ما أسميه، وكلامه الذي قلته أنا هو الموجود بالجريدة، ويقول: لا للقنوات الدينية، يحرفون! والله المستعان.

طالب: جزاك الله خيرًا.

طالب: بعض دور النشر الآن الإسلامية بعضها حريض أن يخرجوا القصص سواء كانت قصص صحابة أو ....... في صورة ....... أحداث ما هي .......

يرون هذا وجوده للربط وتسلسل القصة.

طالب: استيقظ إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- وقالت له: انظر .......

يعني ما هو موجود في أصل القصة، لكن يحتاجونه للربط وتسلسل القصة وكذا.

طالب: .......

هذا فرع، الآن فيه دعوى، وفيها قوة لتخليص السيرة من الأخبار الضعيفة، وفيه محاولات، كُتب فيها أكثر من مصنف، لكنك إذا قرأت هذه المحاولات تجد فيها خللًا في السياق، جاء إلى مقطع وحذفه؛ لأنه ما يثبت بسند صحيح، فجاء بين هذا المقطع وبين الثاني فجوة، حلقة مفقودة، ما فيه صلة، البادي كله صحيح، لكن كيف تفهمه أنت؟ وكتب السيرة التي ألفها الأئمة من السابقين العلماء فيها شيء من الضعيف يُحتاج إليه في تسلسل القصص، ولا يترتب عليه حكم، وهو مروي بالسند، افترض أنه ما ثبت لكنه يُحتاج إليه، والسند قدامك، وحتى لو قيل: إن هذا ضعيف، لكن يبقى أن تصور القصة متكامل.

طالب: لكن هذا ما أجيز يا شيخ؟

طالب: .......

يقولون: هذا مثله، أنت محتاج إلى تسلسل القصة. الآن القصص سواء كانت في القرآن أو في السنة أو في غيرهما ضرورة أن يكون فيها أشياء مطوية ما ذُكرت بالتفصيل، ولذلك حتى يقولون: بعض الألفاظ وبعض الجمل يحذفها الرواة؛ للعلم بها، وإلا وجودها لا بد أنه ما فيه رابط بين هذه الجملة وهذه الجملة إلا بينهما شيء، لكنه معلوم حُذف للعلم به، فمثل هذا يريد أن يُرجع مثل هذا الأمر لإيضاح الكلام؛ لأن الذين يفهمون من قبل مع الحذف قد يوجد ناس ما يفهمون.

طالب: ...

على كل حال الذي يعتمد على خبر مسند، ولا يترتب عليه حكم، معروف أن جماهير أهل العلم يتساهلون في أخبار المغازي، لا سيما ما لا يترتب عليه حكم شرعي، وقد يكون وجوده ضروريًّا للربط بين الأحداث، حتى أحيانًا القصص التي جُرد منها هذه الأخبار أحيانًا ما هي مستساغة، ما تُقبل؛ لأن فيها خللاً في التركيب.

(قوله: "فأتاه رجل" أي ملك في صورة رجل، وفي التفسير للمصنف: إذ أتاه رجل يمشي، ولأبي فروة: فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسنُ الناس وجهًا وأطيب الناس ريحًا كأن ثيابه لم يمسها دنَس، ولمسلم من طريق كهمس في حديث عمر: بينما نحن ذات يوم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وفي رواية ابن حبان: سواد اللحية لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وفي رواية لسليمان التيمي: ليس عليه سحناء السفر وليس من البلد، فتخطى حتى برك بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- كما يجلس أحدنا في الصلاة)، (برك) (كما يجلس)! هناك فرق بين البروك وبين الجلوس، البروك معروف أنه النزول بقوة مثل ما يبرك البعير.

هذا يسأل عن مشكلة قائمة قديمة ومتجددة، وهي موجودة في الدروس وموجودة في الأشرطة، الأسئلة التي يُدلي بها بعض الإخوان من دون مكبر البقية ما يسمعون، ثم يأتي الجواب عليها والسؤال ما يدرى ما هو؟ ولذلك كان الطلب الملح من كثير من الإخوان أن السؤال يعاد، ثم يجاب عليه. لكن طبيعة البشر يعني يسمع سؤالًا ويجيب مباشرة ما يتريث حتى...

طالب: .......

ويدور بين الإخوان.

طالب: .......

طالب: يكون متعددًا في كل جهة.

يعني أعيده أنا؟ صعب، جربت هذا وعجزت.

طالب: تكون لواقط متعددة يا شيخ في كل جهة لاقط مثل بعض دروس المشايخ رأيناهم حتى يُسجل ويسمع الحاضرون ومن بالإنترنت يسمعون.

طالب: .......

وحتى موجود في الأشرطة أيضًا.

طالب: .......

نعم، هو ما فيه شك أنه مهم ويجيئنا يفرغ لنا أشياء، طالب يسأل: فراغ، ثم الجواب ما تدري عنه.

طالب: .......

نعم، ما له معنى، ما له مناسبة، نعم. فلعله يُسعى إلى حل إن شاء الله يحقق المصلحة.

طالب: اللاقط اللاسلكي.

نعم، ما هو بالإشكال، لكن يروح ويذهب لفلان وهات لفلان، الوقت صعب.

طالب: .......

نعم، لا بأس إن شاء الله، وإلا فهو طلب ملح وقديم ووجيه.

طالب: ....... في آخر الدرس مكتوبة ورقية .......

لا، تفوت مناسبتها أحيانًا، أحيانًا السؤال متعلق بها الجملة.

طالب: .......

فيه تنبيه لي مثلاً أنني أخطأت في فهم هذه الجملة، نحتاجه أحيانًا. أما السؤال الذي ما له علاقة بالدرس هذا ممكن أن يؤجل.

يقول: (فتخطى حتى برك بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبي -صلى الله عليه وسلم-)، (يده) يعني يد نفسه (على ركبيي النبي -صلى الله عليه وسلم-).

وفي بعض الروايات الضمائر في تحريرها غموض، فوضع يديه على ركبتيه، وإلى آخره. هل هي على ركبتي نفسه أو...؟

طالب: .......

البروك في لغة العرب النزول بقوة، يقال: برك البعير إذا أثار الغبار وفرق الحصى، فالنزول بقوة هو الذي جاء النهي عنه.

طالب: لكن يا شيخ المغايرة بين اللفظين ما توحي بشيء، يقول: (فتخطى حتى برك) كما .......؟

يعني نزل بقوة، عمر -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في كتاب العلم -وسيأتي- برك بين يدي النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-. هذه طريقة الذي... أما بالنسبة لجبريل -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فأراد أن يخفي نفسه، من تمام الإخفاء، من تمام الإخفاء أن يأتي ولا يعرفه أحد، وليس من أهل البلد، وليس عليه أثر السفر، هذا إخفاء. كونه يبرك ثم يجلس ويضع يديه على فخذيه، ويسند ركبيته إلى ركبتيه، هذا شيء من باب الإخفاء.

طالب: .......

يقول: (حتى برك بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- كما يجلس أحدنا في الصلاة).

طالب: غاير ....... أو ما لها أثر يا شيخ؟

والذي في الصلاة جلوس، (كما يجلس أحدنا في الصلاة).

طالب: .......

النزول بروك، لكن ما هو بالصلاة.

طالب: (ثم بعد ذلك جلس)، فهيئة الجلوس .......

طالب: سبب المغايرة بين اللفظين هذا سؤالي يا شيخ؟

نعم. ما يتعلق بالصلاة هو الجلوس ليس البروك.

(ثم وضع يده على ركبتي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذا في حديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري: ثم وضع يده على ركبتي النبي -صلى الله عليه وسلم-. فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: "على فخذيه" يعود على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثًا؛ لأنه نسق الكلام خلافًا لما جزم به النووي، ووافقه)، من يضبطه؟

طالب: ...

 بكسر الراء (التُّورِبِشْتي)، نعم، هذا له شرح المشكاة.

طالب: ...

 (لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرًا من السياق، لكنْ وضعُه يديه على فخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- صنيع منبِّه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع والصفح عما يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه من جفاة الأعراب).

 لكن من جفاة الأعراب شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، ما عليه أثر سفر؟!

(ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد، وجاء ماشيًا ليس عليه أثر سفر.

فإن قيل: كيف عرف عمر أنه لم يعرفه أحد منهم؟ أجيب بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين)، يعني إذا نظروا نظرات دهشة واستغراب، ووضعه يقتضي ذلك، القرائن تدل على أنهم ما عرفوه.

(أو إلى صريح قول الحاضرين. قلت: وهذا الثاني أولى، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: فنظر القوم بعضُهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا. وأفاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سلوني» فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل. ووقع في رواية ابن منده من طريق يزيد بن زريع عن كهمس: بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب، إذ جاءه رجل فكأن أمره لهم بسؤاله وقع في خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذَكر ذلك القدر جالسًا، وعبر عنه الراوي بالخطبة.

قوله: "فقال" زاد المصنف في التفسير: يا رسول الله "ما الإيمان؟"، فإن قيل: فكيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟

أجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغةً في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلَّم فلم ينقله الراوي.

قلت: وهذا الثالث هو المعتمد، فقد ثبت في رواية أبي فروة، ففيها بعد قوله: كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلَّم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام. قال: أدنو يا محمد؟ قال: «ادنُ»، فما زال يقول: أدنو؟ مرارًا، ويقول له: «ادنُ». ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر لكن قال: السلام عليك يا رسول الله، وفي رواية مطر الوراق: فقال يا رسول الله: أدنو منك؟ قال: «ادنُ» ولم يذكر السلام، فاختلفت الروايات هل قال له: يا محمد أو يا رسول الله، هل سلم أو لا؟

فأما السلام فمَن ذَكره مقدمٌ على من سكت عنه، وقال القرطبي بناءً على أنه لم يُسلِّم وقال: يا محمد، إنه أراد بذلك التعمية فصنع صنيع الأعراب. قلت: ويُجمع بين الروايتين بأنه بدأ أولاً بندائه باسمه لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله، ووقع عند القرطبي أنه قال: السلام عليكم يا محمد، فاستنبط منه أنه يُستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى.

والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه الإفراد وهو قوله: السلام عليك يا محمد).

 المقصود أن رواية الباب ما فيها سلام، وكونه لبيان الجواز هذا وجه أنه ليس بواجب، وأن تركه جائز، وكونه لم يُنقل، إذ لا يلزم أن ينقل في كل مناسبة، هذا أيضًا له وجه، أم هانئ وفاطمة -عليها السلام ورضي الله عن الجميع- سلمتا على النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، فأجاب أم هانئ فقال: «مرحبًا بأم هانئ»، وقال لفاطمة: «مرحبًا بابنتي»، وقال أهل العلم إنه في مثل هذه الصورة إذا قال: مرحبًا يكفي عن رد السلام، أن مرحبًا تكفي عن رد السلام، والقول الآخر أنه رد فلم يُنقل؛ لأنه لا يلزم النقل في كل مناسبة.

في قصة الملائكة مع إبراهيم في سورة الذاريات: {فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [الذاريات: 25]، رد، وفي سورة الحجر فيها رد أم ما فيها رد؟ ما فيها رد. فلا يلزم نقل السلام أو نقل ما يُحتاج إليه في كل مناسبة إذا تم نقله بواسطة من تقوم به حجة.

طالب: .......  

نعم، يستقر على الأرض، لكن بأي طريقة استقر على الأرض؟

طالب: .......

ما يلزم، لا لا، برك فجلس.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

فجلس كهيئة المصلي، برك فجلس، غيرها.

طالب: .......

برك نزل بقوة بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجلس مثل ما يجلس المصلي وضع، جلسة المصلي بين السجدتين ما تفترق عن جلستك هي؟

طالب: .......

هكذا نعم، ووضع يديه على ركبتيه، ما المانع؟

طالب: .......

هذه جلسة الصلاة غير البروك.

طالب: .......

غير البروك، البروك النزول، والجلوس استقرار على الأرض.

(قوله: "ما الإيمان؟"، قيل: قدم السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل)، لكنه لو رتب على سبيل الترقي لبدأ بالإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، ولو رتب على سبيل التدلي لبدأ بالإحسان ثم الإيمان ثم الإسلام.

(قيل: قدم السؤال عن الإيمان لأنه الأصل، وثنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهر مصداق الدعوى، وثلث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما. وفي رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن، ورجح هذا الطيبي لما فيه من الترقي. ولا شك أن القصة واحدة اختلف الرواة في تأديتها وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق فإنه بدأ بالإسلام، وثنى بالإحسان، وثلَّث بالإيمان. فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله أعلم.

قوله: "قال: «الإيمان»")، يعني في جواب "ما الإيمان؟". («أن تؤمن بالله...» إلى آخره، دل الجواب أنه علم أنه سأله عن متعلقاته لا عن معنى لفظه)، والأصل أن يُسأل عن ماذا؟

طالب: .......

عن المعنى، المعنى الذي يرتب عليه ما يذكر بعده، فتصور الحقيققة. لكن إذا كانت الحقيقة ظاهرة ومعلومة فما تحتاج إلى تصوير، يجاب السائل بما هو أمس الحاجة به إليه.

(وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق، وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: «أن تؤمن بالله» مضمن معنى أن تعترف به، ولهذا عداه بالباء أي أن تصدق معترفًا بكذا. قلت: والتصديق أيضًا يُعدى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وقال الكرماني: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي.

 قلت: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيمًا لأمره)، «الإيمان أن تؤمن»، ما قال: الإيمان ثم ذكر متعلقات الإيمان دون إعادة للفظ.

(قلت: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] في جواب {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]؟) {قُلْ يُحْيِيهَا} (يعني أن قوله: «أن تؤمن» ينحل منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي تصديقٌ مخصوص، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق، والإيمان بالله هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص.

قوله: «وملائكته» الإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26]، وقدم الملائكة على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه -سُبحانه وتعالى- أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه متمسك لمن فضَّل الملَك على الرسول).

 يعني قدم الإيمان بالملائكة عن الإيمان بالرسل، قد يقول قائل: إنهم قُدموا لأنهم أفضل، وهذا قول معروف عند أهل العلم، لكن ليس فيه دليل على ذلك؛ لأن الواقع العملي من حيث الزمن الملائكة مقدمون في الوجود على الرسل والكتب.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]، {بِالْغَيْبِ}، الأركان الستة، والإيمان بالغيب بجميع ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان نبيه لا بد من التصديق به.

طالب: .......

قيل هذا، وفيه آثار تدل عليه، لكن النص في سورة الكهف: {كَانَ من الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، والقول بأنه من الملائكة قول معروف عند أهل العلم، ويذكرون فيه آثارًا، لكن المرجح أنه من الجن.

(قوله: «وكتبه» هذه عند الأصيلي هنا واتفق الرواة على ذكرها في التفسير، والإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله، وأن ما تضمنته حق.

قوله: «وبلقائه» كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحق أنها غير مكررة فقيل: المراد بالبعث القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق فإن فيها: وبالبعث بعد الموت، وكذا في حديث أنس وابن عباس، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله -سُبحانه وتعالى-؛ ذكره الخطابي، وتعقَّبه النووي بأن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله).

يعني كأن هذا الذي ذكره الخطابي الإيمان برؤية الله يعني على ضوء ما ثبت عن نبيه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إنكم سترون ربكم»، والإيمان بهذا لا شك أنه واجب، وثبت بالدليل الصحيح، لكن ليس هو الركن من أركان الإيمان؛ لأن كون الشيء واجبًا باعتبار أنه مما يجب الإيمان به مما جاء عن الله وعن رسوله، لا يعني أنه هو المراد بالركن، بل الوجوب قد يكون الأركان الإيمان بها، عدم الإيمان بها ينفي أصل الإيمان، وما عداها مما يجب الإيمان به بحسبه.

 يعني مثل ما يقال في الغسل من الجنابة وغسل الجمعة عند من يقول به، هل هو يجعل هذا مثل هذا؟ الذي يرى وجوب غسل الجمعة ولا اغتسل وصلى الجمعة بضوء صلاته صحيحة أم باطلة؟ صحيحة لكنه آثم، ما هو بمثل لو كان عليه جنابة ولم يغتسل.

 ومثله ستر المنكب واجب، وجاء به الدليل الصحيح في الصحيحين وغيرهما: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، وليس على عاتقه منه شيء»، لكن لو صلى وهو ما ستر، فهل هذا يدخل في حد العورة؟ ما يدخل في حد العورة، هو يأثم، وصلاته صحيحة.

(وتعقبه النووي بأن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بما يُختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟ وأجيب بأن المراد الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة؛ إذ جُعلت من قواعد الإيمان). يعني إذا كان هو المراد بها في أركان الإيمان.

ويقرر هذا النووي، ويقره ابن حجر على هذا، مع أن إثباتهم للرؤية يختلف عن إثبات أهل السنة الذين هم أهل الأثر، أتباع أئمة الإسلام وسلف الأمة، يختلفون إثباتهم عنهم؛ لأنهم يثبتونه لا في جهة، ينفون عنه الجهة.

(قوله: «ورسله»، وللأصيلي: وبرسله.

 ووقع في حديث أنس وابن عباس: والملائكة والكتاب والنبيين، وكل من السياقين في القرآن في البقرة، والتعبير بالنبيين يشمل الرسل من غير عكس، والإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل إلا من ثبت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين).

 يعني من جاءت تسميته بدليل صحيح يجب الإيمان به على التعيين، وأما البقية فبالإجمال.

طالب: .......

لا، على كلام الجمهور أن النبي أعم.

طالب: .......

لا، يقولون: كل رسول نبي ولا عكس.

طالب: .......

هذا كلام جمهور أهل العلم، والأقوال كثيرة يمكن أن نستعرضها.

قال: (وهذا الترتيب مطابق للآية: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 285]، ومناسبة الترتيب المذكور وإن كانت الواو لا تُرتب، بل المراد من التقديم أن الخير والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته أن أنزل كتبه إلى عباده، والمتلقي لذلك منهم الأنبياء والواسطة بين الله وبينهم الملائكة.

قوله: «وتؤمن بالبعث»).

 والله أعلم.

اللهم صل على محمد.