كتاب التيمم (10)

عنوان الدرس: 
كتاب التيمم (10)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم. 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام البخاري–رحمه الله تعالى-: "بَابٌ: إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ أَوِ المَوْتَ، أَوْ خَافَ العَطَشَ، تَيَمَّمَ: وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ –رضي الله عنه- أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلاَ: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُعَنِّفْ.

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لاَ يُصَلِّي؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ: هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ- وَصَلَّى، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ.

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَانَ يَكْفِيكَ» قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ المَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ، فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد...

فيقول الإمام البخاري-رحمه الله تعالى-: "بَابٌ: إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ أَوِ المَوْتَ، أَوْ خَافَ العَطَشَ، تَيَمَّمَ".

"إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ" لا شك أن الجُنب يلزمه الغُسل من الجنابة، والغُسل من الجنابة إذا كان الجو باردًا لا شك أن له أثرًا يصل إلى الموت أحيانًا إن كان الماء شديد البرودة، والجو مع ذلك شديد البرودة ولم يجد ما يُسخِّن به الماء، وقد لا يجد ما يتقي به ويكتن به عن الأرض فإنه حينئذٍ يخاف على نفسه، فإذا خاف على نفسه المرض يعني أن يُصاب، أو زيادة المرض إن كان مريضًا، أو تأخر البُرء من مرضه، أو خاف الموت من باب أولى، أو خاف العطش بأن يهلك إذا اغتسل بالماء ولم يترك شيئًا لشربه فإنه حينئذٍ "تيمم" هذا جواب الشرط.

هذه الترجمة من الإمام البخاري، وهذا رأيه في المسألة، ويوافقه عليه جمهور أهل العلم، وإن كان بعضهم يذكر عن مالك أنه لا يتيمم إلا إذا خاف الموت، أما المرض فيغتسل ويُعالج ويُشفى، لكن الدين يُسر، ما يأمر بمثل هذا، فإذا خاف المرض، أو زيادة المرض، أو تأخر البُرء، فإنه حينئذٍ يتيمم.

قال: "وَيُذْكَرُ" تعليقٌ بصيغة التمريض، والتعليق عند الإمام البخاري وهو حذف أول الإسناد لحذف شيخه أو مع شيخه أو مع شيخ شيخه ولو إلى آخر الإسناد فإنه يُسمى تعليقًا.

وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ

 

مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعليْقًا عُرِفْ

لأن بعضهم ما يرى صيغة التمريض مثل هذه تعليقًا لا بُد أن يكون بصيغة الجزم.

وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ

 

مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعليْقاً عُرِفْ

ولو إلى آخره، إلى آخر الإسناد.

وَلَوْ إلى آخِرِهِ، أمَّا الَّذِي

 

لِشَيْخِهِ عَزَا بـ (قالَ) فَكَذِي

عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ المْعَازِفِ

 

لا تُصْغِ لاِبْنِ حَزْمٍ المُخَالِفِ

"وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ" هذا تعليق، وإن كان ابن الصلاح ما يرى التعليق بصيغة التمريض (يُذكَر، يُقال، قيل)، أما إذا كان بصيغة الجزم، وهو معروف أنه لا يُختلف في أنه تعليق إذا حُذِف من أول إسناده راوٍ أو أكثر.

والحكم في مثل هذا التعليق إن كان بصيغة الجزم فهو صحيحٌ إلى من عُلِّق عنه، ويبقى بقية الإسناد المحذوف قد ضمنه المؤلف، ويبقى النظر فيمن أُبرِز من رجال الإسناد، ولا يجزم الإمام البخاري بنسبة الشيء إلا وقد ضمنه واطمئن إليه.

وإن كان بصيغة التمريض كما هنا، فهذه الصيغة لا تقتضي صحةً ولا ضعفًا، ففيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وفيها ما هو مخرجٌ في الصحيح نفسه بسندٍ متصل، أما الضعيف الشديد الضعف فلا يتركه البخاري هكذا، بل يُنبِّه على ضعفه، وينص على ضعفه.

ويُذكَر عن أبي هريرة: "لا يتطوع الإمام في مكانه"، ولم يصح، هذه عادته.

 والمعلقات في الصحيح كثيرة ألف وثلاثمائة وأربعة وأربعون حديثًا معلَّقًا كلها موصولة في الصحيح نفسه إلا مائة وستين أو مائة وتسعة وخمسين، أما الموصول في الصحيح فلا يحتاج إلى بحث؛ لأن العبرة بالموصول، وأما ما لم يُوصَل في موضعٍ آخر فمنه كما قلنا: الصحيح، والضعيف، والحسن.

ومنها ما يُعلِّقه الإمام البخاري لنكتة؛ وهي أن الإسناد عنده فيه نوع خلل أو للاختلاف في سماع راويه من شيخه أو لأمرٍ من الأمور، ومع ذلك فالإمام البخاري من أشد الناس احتياطًا لما يُدخله في صحيحه، ولو كان معلقًا، لكن فيه الضعيف وهو قليل، وقلنا: إن ما كان ضعفه شديدًا يُنبِّه عليه الإمام البخاري كما ذكرنا في المثال.         

"وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ" أجنب يعني: أصابته جنابة

"فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ، وَتَلاَ قول الله –جلَّ وعلا-: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]" لا شك أنه إذا تسبب في قتل نفسه فقد قتل، والماء البارد مع برودة الجو قد يصل به الأمر إلى الموت، والموت هو القتل: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29].  

"فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" ذكر له هذا الاجتهاد من تلقاء نفسه لنفسه.

"فَلَمْ يُعَنِّفْ" يعني أقره على ذلك.

طالب:........

"أَوْ خَافَ العَطَشَ" يعني إذا معه قليل من الماء يكفيه للاغتسال، لكن ليس معه غيره ليشرب، والجو يحتاج إلى شُرب مثلاً في جوٍّ حار، وليس بقريبٍ من ماء ولا حوله الماء، فإنه حينئذٍ إذا اغتسل به مات من العطش، والعطش يقتل.

طالب:.......

الوجود للماء والعدم أمور نسبية، قد يكون موجودًا حسًّا معدومًا حكمًا إذا خاف على نفسه إذا ذهب إلى هذا الماء من غرق إذا كان في نهر أو قتل إذا كان فيه لصوص أو شيء من هذا فإنه يتيمم.

في مسألة ما إذا خاف على نفسه بأن أجنب في ليلةٍ مظلمة، ولا نتصور أن جميع الأوقات أو جميع الأزمان يعيشون في مثل ما نعيش فيه من النور والكهرباء والليل كالنهار يخشى إذا خرج من بيته بالليل ليبحث عن الماء أن يُصاب، وبعضهم يخشى من الإصابة الحقيقية بأن يكون هناك وحوش، وهذا بلا شك معذور، وقد يكون هناك وهم، بعض الناس من مجرد الظلام يخاف، أو يمشي في ظلام ويعترضه دابة، أو يسمع صوتًا غريبًا خطر على قلبه أنه جن، فمثل هذا لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها.

طالب:........

إذا كانوا في مكانٍ لا يجوز لهم تركه بحيث يتركون فرصة للعدو فإنهم يتيمموا.

فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُعَنِّفْ" سيأتي بالشرح اقرأ الشرح.

"قوله: "بَابٌ: إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ" إلى آخره، مراده إلحاق خوف المرض، وفيه اختلافٌ بين الفقهاء بخوف العطش ولا اختلاف فيه".

"وفيه اختلافٌ بين الفقهاء بخوف العطش ولا اختلاف فيه" ما معنى هذا الكلام؟ يعني لا يُلتف إليه، يعني مما ينبغي ألا يُختلف فيه.

"قوله: "ويذكر أن عمرو بن العاص" هذا التعليق وصله أبو داود والحاكم من طريق يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبيرٍ، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك".

يعني خاف على نفسه الهلاك إن اغتسل.

"فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: «يَا عَمْرُو صَلّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يقل شيئًا".

«صَلّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» سمَّاه جنبًا، فيه حُجة لمن يقول: إن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يُبيح الصلاة، فسمَّاه النبي –عليه الصلاة والسلام- جنبًا مع أنه تيمم.

والقول الآخر: أنه يرفع رفعًا مؤقتًا، ومن أهل العلم من يقول: إنه كالماء يرفع رفعًا مطلقًا كما تقدم.

طالب:........

"وفيه اختلافٌ بين الفقهاء بخوف العطش، ولا اختلاف فيه"، "مراده إلحاق خوف المرض، وفيه اختلافٌ بين الفقهاء" يعني هذه كلمة اعتراضية في الجملة؟

طالب:.........

لا، خوف المرض فيه اختلاف.

طالب:.........

إلحاق خوف المرض بخوف العطش.

طالب:.........

"وفيه اختلافٌ بين الفقهاء بخوف العطش ولا اختلاف فيه" يعني خوف المرض، لكن لو رتب الكلام بغير هذه الطريقة لكان أولى.

طالب:.........

لأنه تقديم المرض على الموت ماذا يعني؟ يعني أنه أهم؟ ما فيه ترتيب بدليل أنه لو كان مرتبًا على سبيل التدلي لقال: بابٌ إذا خاف الجُنب على نفسه الموت أو المرض أو العطش، المقصود أنه ما هو على سبيل التدلي من الأعلى إلى الأدنى. 

"وروياه أيضًا من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، لكن زاد بين عبد الرحمن بن جبير وعمرو رجلاً، وهو أبو قيس مولى عمرو بن العاص، وقال في القصة: فغسل مغابنه وتوضأ ولم يقل: تيمم، وقال فيه: لو اغتسلت مُت.

وذكر أبو داود أن الأوزاعي روى عن حسان بن عطية هذه القصة، فقال فيها: فتيمم انتهى. ورواها عبد الرزاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، ولم يذكر التيمم والسياق الأول أليق بمراد المصنف وإسناده قوي، لكنه علَّقه بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره".

نعم من دواعي التعليق عند الإمام البخاري الاختصار، يعني إذا لم يسقه بلفظه تامًّا وساق بعضه فإنه يُعلقه، وليس هذا ملزمًا، وليس هذا بمطرد، فالإمام البخاري يُقطِّع الأحاديث، فيذكر جملةً من الحديث في هذا الموضع لمناسبتها له، ويذكر الجملة الثانية في موضعٍ آخر للمناسبة.

ومن المضحك أن شخصًا سمع في درسٍ من دروسي أن البخاري يُقطِّع الحديث، فعلق على ذلك في النت قال: لو كان يُقطِّع الأحاديث ما بقي الصحيح، إذا كان يُقطّع يعني يمزق، فهمه على أنه يُمزق الحديث.   

"وقد أوهم ظاهر سياقه أن عمرو بن العاص تلا الآية لأصحابه وهو جنبٌ، وليس كذلك وإنما تلاها بعد أن رجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أَمَّره على غزوة ذات السلاسل كما سيأتي في المغازي، ووجه استدلاله بالآية ظاهرٌ من سياق الرواية الثانية.

وقال البيهقي: يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ، ثم تيمم عن الباقي، وقال النووي: وهو متعين".

لأنه لا يخاف على نفسه من الوضوء، وإنما يخاف على نفسه من الغُسل فيلزمه أن يفعل ما يستطيع، وما يقدر عليه، ويترك ما يعجز عنه.

"قوله: "فلم يعنف" حذف المفعول للعلم به أي: لم يلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عمروًا، فكان ذلك تقريرًا دالاًّ على الجواز.

ووقع في رواية الكشميهني "فلم يعنفه" بزيادة هاء الضمير.

وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواءٌ كان لأجل بردٍ أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين، وجواز الاجتهاد في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم-".     

فعمرو بن العاص صلى بقومه وهو متيمم واجتهد في عصر النبي –عليه الصلاة والسلام- وأقره –صلى الله عليه وسلم– على اجتهاده.

طالب:.......

إذا خاف من المرض تيمم، قال: سمعت كلام الله، يعني سمع كلام ربه.

قال-رحمه الله-: "حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ" محمد بن جعفر، "عَنْ شُعْبَةُ" ابن الحجاج، "عَنْ سُلَيْمَانَ" سليمان بن مهران الأعمش؛ لأنه في الطريق الثاني يُصرِّح الذي يليه، قال: حدثنا الأعمش.

"عَنْ أَبِي وَائِلٍ" وهو شقيق بن سلمة المصرَّح به في الرواية الثانية أو في الطريق الثاني.

 "قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى" عبد الله بن قيس الأشعري، "لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ" الهذلي أبي عبد الرحمن.

"إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لاَ يُصَلِّي؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ" كأنه يستفهم من عبد الله بن مسعود، وهو سمع عنه أنه يقول كذا، فقال له أبو موسى: "إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لاَ يُصَلِّي؟".

"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ" وهو صاحب التحري والاحتياط، "لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ: هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ- وَصَلَّى" ولو كان الأمر لا يصل إلى حد المرض أو الموت أو استمرار المرض أو زيادة المرض مجرد ما يحس بالبرد، كما أُثِر عن بعضهم أنه أُصيب في أصبعه فأفطر في رمضان، فقيل له: يا فلان، قال: أنا مريض، من هذا؟

طالب:.......

هذا الأثر يُذكر عن ابن سيرين.

المقصود أنه وهذا موجود في طبائع الناس إلى يومنا هذا، بل زادوا.

طالب:........

الله المستعان، نعم إذا خشي الهلاك.

طالب:........

على كل حال المسألة تترخص؛ لأن هذا سببه رقة الدين، وإلا معروف أن العزيمة هي الأصل، والرخصة متى وجِد سببها مطلوبة، لكن لا يُترخَّص بما ليس بسبب، والله المستعان.

طالب:.......

يلزمه أن يستعمله، ويتيمم من بعده.

طالب:........

أنا قلت: يُذكر عن ابن سيرين، لكن هذا مثال مُطابق لما نحن بصدده؛ لأنه لو تُرك المجال، وبعض الناس يلجون من حديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» إلى التوسُّع الذي لا نهاية له ولا حد له في ترك ما أوجب الله؛ بسبب «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ»، والرخصة إذا وُجِد سببها الشرعي، وانطبق على الحالة فلا أحد يمنع منها، وهناك رخصة وهناك عزيمة، فيه شيء اسمه رخصة، وفيه شيء اسمه عزيمة، فالاحتياط إذا لم يؤدِ إلى فعل محظور أو ترك مأمور فمثله مطالبٌ به؛ لأنه أقل ما فيه اتقاء الشبهة.

كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال؛ خشية أن يقعوا في الحرام.   

"قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لاَ يُصَلِّي؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ: هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ- وَصَلَّى" فأهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم تجد في مناهجهم من هو يحتاط أكثر من بعض، وبعضهم يسلك مسلك التسهيل والتسامح، ويرمي الآخرين بالتشدد، في الأولين ما تجد من يقول بهذا، يتشدد ويُفتي بما فيه شدة، لكن ما يقدح في الآخرين، لاسيما إذا كانوا أهلًا للاجتهاد والنظر، وعندهم من العلم ما يستحقون به أن يُقلَّدوا، وتبرأ الذمة بتقليدهم، لكن عندك الآن الألسنة بلا شك.

قال: "هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ- وَصَلَّى، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ". لكن النبي –عليه الصلاة والسلام- قال: «يَكْفِيكَ»، وقوله –عليه الصلاة والسلام- هو الحجة، وعمر هو الآخر في مسألة التحري والاحتياط، وترك المجال للمتساهلين والمتلاعبين بالدين يحتاطون لهذا، ولكن ليس معنى هذا أنك تزيد على ما شرعه الله.

"قوله‏:‏ ‏"‏حدثنا محمد هو غندر"‏ لم يقل الأصيلي هو غندر كأنها مقولٌ من دون البخاري‏.‏

قوله‏:‏ "‏عن شعبة‏"‏ للأصيلي ‏"حدثنا شعبة‏"‏، وسليمان هو الأعمش‏.‏

قوله‏:‏ ‏"‏فإذا لم تجد الماء لا تصلِّ‏" كذا في روايتنا بتاء الخطاب، ويؤيده رواية الإسماعيلي من هذا الوجه ولفظه، "فقال عبد الله: نعم إن لم أجد الماء شهرًا لا أصلي"، وفي رواية كريمة بالياء التحتانية في الموضعين أي: إذا لم يجد الجُنب‏".

‏"‏فإذا لم تجد الماء لا تصلِّ‏" قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: إذا لم تجد الماء لا تُصلِّ، قال في المعتمد عندنا في الرواية الأولى "إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لاَ يُصَلِّي؟" والرواية الأخرى في رواية كريمة لا، قبلها "من هذا الوجه ولفظه، فقال عبد الله: نعم" إذ قوله: إذا لم تجد الماء لا تُصلِّ، هذه رواية أبي ذر التي اعتمدها ابن حجر.

"كذا في روايتنا بتاء الخطاب، ويؤيده رواية الإسماعيلي من هذا الوجه ولفظه، "فقال عبد الله: نعم إن لم أجد الماء شهرًا لا أصلي" مَن الذي يقول هذا؟ ابن مسعود.

طالب:.......

لكن الذي عندنا في أصل المسألة.

طالب:........

"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ" ما معناه؟ "لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ" السؤال: إذا لم يجد الماء، والجواب: فيما إذا خاف على نفسه.

"إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لاَ يُصَلِّي؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا" يعني لو فتحت لهم الباب "كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ: هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ- وَصَلَّى" فكلام أبي موسى فيما إذا لم يجد الماء لا يُصلي؟ وجوابه في رواية أبي ذر، والجواب الذي عندنا مركَّب في رواية كريمة "لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا" يعني السؤال فيما إذا لم يجد الماء، والجواب فيما إذا تساهل ووجد أدنى برد أو أدنى سبب، قال: هكذا وتيمم، لعل الرواية الثانية توضِّح هذا.

"قوله‏:‏ ‏"‏قال عبد الله"‏ زاد ابن عساكر ‏"نعم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ "‏أحدهم‏" كذا للأكثر، وللحموي ‏"‏أحدكم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏"‏قال: هكذا‏" فيه إطلاق القول على العمل، وقوله: ‏"‏يعني تيمم وصلى‏"‏ شرحٌ لقوله: ‏"‏هكذا‏"‏ والظاهر أنه من مقول أبي موسى".

‏لماذا قال: "والظاهر أنه من مقول أبي موسى"؟ لأن عمر في رواية أبي ذر، قال: نعم، إن لم أجد الماء شهرًا لا أصلي، فهو يختلف مع قوله في المتن، فجعل الذي في المتن كلهم اسمهم عبد الله، عبد الله بن قيس أبو موسى، وعبد الله بن مسعود، "والظاهر أنه من مقول أبي موسى".

قوله‏:‏ "‏فأين قول عمارٍ لعمر" هكذا وقع في رواية شعبة مختصرًا، وبيانه في رواية حفص الآتية، ثم رواية أبي معاوية وهي أتم‏".

قال –رحمه الله-: "‏حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ" سليمان الماضي، "قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ" أبو وائل.

"قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى" ابن مسعود، وأبي موسى.

 "فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ" قال عبد الله: نعم -في شرح الحديث السابق- إن لم أجد الماء شهرًا لا أصلي، لماذا؟

لأنه لا يصلي بدون طهارة، ولا يستجيز التيمم في مثل هذ الصورة، فكونه من مقول أبي موسى فيه بُعد، الظاهر أنه مقول ابن مسعود.

طالب:.......

هذا المؤيَّد في السياق.   

"فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَانَ يَكْفِيكَ»" يعني سواءً استدللنا بفعل عمار في التيمم أو كون عمر لم يوافقه على ذلك، وابن مسعود يميل إلى التشديد في مثل هذا، الحجة في قوله– عليه الصلاة والسلام-: «يَكْفِيكَ» التيمم، وليس مثل ما صنع عمار، وإنما هو يكفيه الضرب على الصعيد.

"فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَانَ يَكْفِيكَ» قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟" {فَتَيَمَّمُوا} [النساء:43] آية التيمم.

"فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ".

طالب:........

ما هي معارضة بقدر الاختلاف في التحقيق، في تحقيق المناط، لو اتفقوا على المناط ما اختلفوا، لكن ابن مسعود يرى أنه لو فُتِح الباب لولج فيه من لا يحتاط لأمره ولا دينه، مثل ما ذكرنا من فسر المرض بوجع الإصبع، فبعضهم من باب الاحتياط ما يُريد أن يفتح للناس ما يُعينهم على الكسل، وأنتم تعرفون أن النصوص إنما هي علاج، يعني لو أنت في مجتمع مثل ما ذكرنا مرارًا في مجتمعٍ فيه تشدد ما الذي تُعالجه به، بأحاديث أو بنصوص الوعد أو نصوص الوعيد؟ بنصوص الوعد؛ لأنك لو أوردت عليه من نصوص الوعيد، وهم متشددون زادوا، وزاد شرهم، والعكس لو أنك في مجتمع متساهل وأوردت عليه من نصوص الوعد زاد انسلاخهم.

طالب:.......

من هو؟

طالب:.......

هو عمر ما اعترض على قول النبي –عليه الصلاة والسلام- ما اقتنع بقول عمار، ما اقتنع بفعل عمار أنه تيمم، لكن الحَكم قول النبي –عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه قال لعمار: «يَكْفِيكَ».

طالب:..........

هي المداولة بين عمار وعمر قبل أن يذهب عمار إلى النبي –عليه الصلاة والسلام- وابن مسعود يُريد أن يستدل لقوله بما يؤيده من قول عمر، من عدم موافقة عمر، وكلٌّ مريدٌ للخير، فهذا يُريد الاحتياط، وهذا يُريد تقرير ما أقره النبي –عليه الصلاة والسلام- ولا شك أن الحجة في قول الأسوة وفي فعله -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:........

ابن مسعود؟

طالب: ........

هو ما يصلي إذا ما توضأ لا يُصلي إلى أن يجد الماء، لو قلنا لهم: تيمموا لتيمموا لأدنى سبب، لكن ليس على إطلاقه أنه ما يرى التيمم، هو ما يُريد أن يفتح بابًا يلج منه المتساهلون، مثل حديث معاذ «أيُّكم أمَّ الناس فليُخفِّف».

يقول أهل العلم: وليس في هذا حُجة للنقارين الذي ما يسمع إلا مثل هذا، ما يسمع إلا «أيُّكم أمَّ الناس فليُخفِّف»، ولا يسمع أن النبي –عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطَّرت قدماه، لكن يسمع هذا وهذا ويوازن، ويضع هذا في موضعه، وذاك في موضعه، ونصوص الوعد في موضعها، ونصوص الوعيد في موضعها؛ لأن النصوص علاج لأدواء الأفراد والمجتمع، كل شخص يُعالج بما يُناسبه منهم.

طالب:........

لا يصلي، وفي صدر الحديث عموم لا يصلي، إذا لم يجد الماء لا يُصلي، عموم له ولغيره.        

"كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ المَاءُ أَنْ يَدَعَهُ، وَيَتَيَمَّمَ، فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ".

يعني وصل الأمر في بعض الجهات أنهم في درس مثل هذا، والمسجد ما هو مفروش، فإذا أُقيمت الصلاة ضرب أحدهم على الأرض وقام وصلى والمواضئ عند باب المسجد، هذا يؤيد كلام ابن مسعود أنه لو فُتِح الباب للناس لولجوا إليه، لكن لو وجدنا موسوسًا مثلاً ماذا نقول له؟ تيمم؛ لأنه لو راح يتوضأ هو ما يرجع حتى يخرج الوقت.

الأمر الثاني: يُنهي الماء عن الناس الذين يأتون بعده، ويقع في محظوراتٍ كثيرة.

طالب:........

ما هي بجمعة، جنازة، إذا خشي أن تُرفع الجنازة فله أن يتيمم ويُصلي عليه.

قال –رحمه الله-: "قوله: حدثنا عمر بن حفص" أي: ابن غياث.

قوله: "حدثنا الأعمش" في رواية أبي ذر وأبي الوقت عن الأعمش، وأفادت رواية حفصٍ التصريح بسماع الأعمش من شقيق".

لأن الأعمش مُدلِّس، ولكن مادام صرَّح في بعض الطرق أمِنا من تدليسه.

"قوله: "أرأيت" أي: أخبرني يا أبا عبد الرحمن وهي كنية ابن مسعود.

قوله: "إذا أجنب" أي: الرجل.

قوله: "حين قال له النبي –صلى الله عليه وسلم- «كَانَ يَكْفِيكَ»" كذا اختصر المتن وأبهم الآية، وسيأتي المراد من ذلك في الباب الذي بعده.

قوله: "فدعنا من قول عمار" فيه جواز الانتقال من دليلٍ إلى دليلٍ أوضح منه، ومما فيه الاختلاف إلى ما فيه الاتفاق".

نعم؛ لأنهم إذا اختلفوا في الخبر فلن يختلفوا في الآية. 

"وفيه جواز التيمم للجنب بخلاف ما نُقِل عن عمر وابن مسعود، وفيه إشارةٌ إلى ثبوت حُجة أبي موسى؛ لقوله: "فما درى عبد الله ما يقول"، وسيأتي الكلام على ذلك وعلى السبب في كون عمر لم يقنع بقول عمار".

قال الإمام البخاري –رحمه الله تعالى-: "بَابٌ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ-رضي الله عنهما- فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6]، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ، قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا»، فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟

وَزَادَ يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى –رضي الله عنهما- فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ، فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا» وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً".

باب.

"بابٌ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الخُزَاعِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ، فَقَالَ: «يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟» فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»".

يقول الإمام البخاري –رحمه الله تعالى-: "بَابٌ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ" يعني ضربةٌ واحدة، يضرب بيديه على الصعيد، ثم يسمح بهما وجهه وكفيه.

قال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ" أو سلَّام على الوجهين على الخلاف المعروف، والذين نصوا على أن التخفيف في هذا وفي والده عبد الله، ولابن رجب مصنف في هذا -رحمه الله-.

قال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ" أو سلَّام "قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ" الضرير.

طالب:........

محمد بن خازم، أبو معاوية محمد بن خازم الضرير.

"عَنِ الأَعْمَشِ" سليمان بن مهران، "عَنْ شَقِيقٍ" ابن سلمة أبي وائل.

"قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ" مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله أيضًا ابن قيس.  

"فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى" يعني قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ، قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟" يعني إذا وجِد فيمن يسمع أو يرى من المتساهلين الذين إذا فُتِح لهم الباب تركوا ما أوجب الله عليهم، وارتكبوا ما حرَّم الله عليهم، لا يُحدَّثون بمثل هذا، ومثل ما ذكرنا في التنظير لو كنت في قومٍ متساهلين فإنما تُحدثهم بما يشدهم قليلاً، ولا يُخرجهم من التوسط، لكن يُخرجهم من التساهل، والعكس إذا كنت في قوم من المتشددين فإنما تُحدثهم بما يُناسبهم مما يحد من غلوائهم، ولا يخرجهم إلى حد التشديد أو التقليل، بل يكونون في الوسط {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143].

"فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ، قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ".

 يعني ما كرهناه لأنه ليس بمشروع أو لأنه لا ينبغي فعله عند وجود سببه، لا؛ إنما كرهناه لِما قد يتسمك به بعض المتساهلين، فإنهم إذا وجِد أدنى سبب لا يُوجد السبب المُبيح إنما وجِد أدنى سبب ينطلق عليه الاسم، ولا يتفق مع السبب المُبيح.

"فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ"؛ لأنه كان يظن أن التيمم مُشبه للغُسل لجميع البدن.

"فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا»، فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا" ليتساقط ما فيها من التراب الملوث وإنما يبقى ما يعلق باليد من غبارٍ ونحوه.

"ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ".

طالب: ........

 هذا الترتيب؟

طالب:.......

نعم، التيمم عن الجنابة لا يلزم فيه ترتيب، ولو كان التيمم عن وضوء للزم فيه تقديم الوجه على الكفين.  

"فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟

وَزَادَ يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى –رضي الله عنهما- فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ" عمار وعمر معًا.

"بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا» وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً".

نعم.

"قال –رحمه الله-: "قوله: باب التيمم ضربة" رواية الأكثر بتنوين باب.

وقوله: "التيمم ضربة" بالرفع؛ لأنه مبتدأٌ وخبر، وفي رواية الكشميهني بغير تنوين وضربةً بالنصب".

باب التيمم ضربةً.

"قوله: "حدثنا محمد بن سلام" وللأصيلي محمدٌ هو ابن سلام.

قوله: "ما كان يتيمم ويصلي" ولكريمة والأصيلي.

طالب:........

حال.

"ولكريمة والأصيلي أما كان بزيادة همزة الاستفهام، ولمسلمٍ: كيف يصنع بالصلاة، قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا".

حال من أي شيء؟

طالب:.......

ماذا؟

طالب: ........

باب التيمم ضربةً.

طالب: ........

 حال؟ يعني حالة كونه ضربةً؟ حال صاحب الحال من هو؟

طالب: ........

التيمم، يجوز الحال من المضاف إليه؟

وَلاَ تُجِـزْ حَـالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ

 

 

إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى الْمُضَـافُ عَمَلَهْ

لكن يقتضي المضاف والباب عمله في...

طالب: فيه تقدير.

إذًا خبر كان محذوف، يكون خبر كان المحذوف.

وَلاَ تُجِـزْ حَـالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ

 

إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى الْمُضَـافُ عَمَلَهْ

أَوْ كَانَ جُـزْء مَـا لَهُ أُضِيفَــا

 

أَوْ مِثْلَ جُــزْئِهِ فَـلاَ تَحِـيفَا

من يذكر لنا أمثلة على الوجوه الثلاثة؟

طالب:.......

أو ما لنا دخل بهذا؟

طالب:........

نجد أمثلة عند الإخوان؟ فيه شيء؟

طالب:.........

ماذا؟

طالب: ........

ماذا؟

أنا ما أريد الذي عندنا، أريد منكم، راجعوها أجل.

"قوله: فكيف تصنعون في سورة المائدة" وللكشميهني "فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة" وسقط لفظ الآية من رواية الأصيلي.

قوله: "فلم تجدوا" هو بيانٌ للمراد من الآية، ووقع في رواية الأصيلي "فإن لم تجدوا" وهو مغايرٌ للتلاوة، وقيل: إنه كان كذلك في رواية أبي ذر ثم أصلحها على وفق الآية، وإنما عين سورة المائدة؛ لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء".

إذا كانت هكذا في رواية أبي ذر "فإن لم تجدوا" بخلاف ما في الآية، ثم أصلحها، وقيل: إنه كان كذلك في رواية أبي ذر بأن يكون من البخاري، ثم أصلحها على وفق الآية، هي سبق قلم وليست قراءة مثل ما جاء في قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ} [المجادلة:11] في روايات صحيحة وموثَّقة ونُسخ قديمة عتيقة (يرفعه الله) من البخاري.

"قال الخطابي وغيره: فيه دليلٌ على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة الجماع؛ فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا لكان يقول له: المراد من الملامسة التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلاً من الوضوء لا يستلزم جعله بدلاً من الغُسل".

لكن التمرغ كما تتمرغ الدابة هذا بديل من الوضوء؟

طالب: ........

لا.

طالب:........

نعم، ما يخالف، المسألة خلافية معروفة {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] بعضهم يقول: هو من لمس اليد.

طالب:........

نعم وإلا لكان يُمكنه أن يقول: أن هذا التيمم بدل منه، ما هو ببدل من الجنابة.

"قوله: إذا برد بفتح الراء على المشهور، وحكى الجوهري ضمها.

قوله: "قلت: وإنما كرهتم هذا؛ لذا" قائل ذلك هو شقيق، قاله الكرماني، وليس كما قال: بل هو الأعمش، والمقول له شقيق كما صرح بذلك في رواية حفصٍ التي قبل هذه.

قوله: "فقال أبو موسى: ألم تسمع ظاهره" أن ذكر أبي موسى لقصة عمار متأخر عن احتجاجه بالآية، وفي رواية حفصٍ الماضية احتجاجه بالآية متأخر عن احتجاجه بحديث عمار، ورواية حفصٍ أرجح؛ لأن فيها زيادة تدل على ضبط ذلك، وهي قوله: "فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية؟

قوله: "كما تمرغ الدابة بفتح المثناة وضم الغين المعجمة، وأصله تتمرغ فحُذِفت إحدى التاءين.

قوله: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ» فيه أن الكيفية المذكورة مجزئةٌ، فيُحمل ما ورد زائدًا عليها على الأكمل.

قوله: "ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه" كذا في جميع الروايات بالشك، وفي رواية أبي داود تحرير ذلك من طريق أبي معاوية أيضًا، ولفظه "ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه"، وفيه الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ في التيمم، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، واختاره، وفيه أن الترتيب غير مشترطٍ في التيمم.

قال ابن دقيقٍ العيد: اختُلف في لفظ هذا الحديث، فوقع عند البخاري بلفظ (ثم)، وفي سياقه اختصار، ولمسلمٍ بالواو ولفظه: "ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" وللإسماعيلي ما هو أصرح من ذلك، قلت: ولفظه من طريق هارون الحمال عن أبي معاوية: "إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ثم تنفضهما ثم تمسح بيمينك على شمالك وشمالك على يمينك ثم تمسح على وجهك".

قال الكرماني: في هذه الرواية إشكال من خمسة أوجه:

أحدها: الضربة الواحدة وفي الطرق الأخرى ضربتان، وقد قال النووي الأصح المنصوص ضربتان، قلت: مراد النووي ما يتعلق بنقل المذهب".

مذهبهم عند الشافعية.

"قوله: "ألم تر عمر؟" في رواية الأصيلي وكريمة أفلم بزيادة فاء، وإنما لم يقنع عمر بقول عمار؛ لكونه أخبره أنه كان معه في تلك الحال، وحضر معه تلك القصة كما سيأتي في رواية يعلى بن عبيد، ولم يتذكر ذلك عمرٌ أصلاً؛ ولهذا قال لعمار فيما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبزى: اتقِ الله يا عمار، قال: إن شئت لم أُحدِّث به، فقال عمر: نوليك ما توليت".

"قال: إن شئت لم أُحدِّث به"؛ لأنه في ولاية عمر، ويرى أنه يلزمه الالتزام بما يأمره به ولي الأمر، "إن شئت لم أُحدِّث به، فقال عمر: نوليك ما توليت" مادام حفظت هذا وضبطته وأتقنته فأنت تتحمل المسؤولية.

طالب:........

ماذا.

طالب: ........

لا، هذا في الاستئذان.

طالب:.......

يتذكر.

"قال النووي معنى قول عمر: "اتق الله يا عمار" أي: فيما ترويه، وتثبت فيه، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك ولا أتذكر شيئًا من هذا.

ومعنى قول عمار: إن رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث به وافقتك وأمسكت، فإني قد بلغته فلم يبقَ عليَّ فيه حرج، فقال له عمر: نوليك ما توليت، أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقًّا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به.

قوله: "زاد يعلى هو ابن عبيدٍ، والذي زاده يعلى في هذه القصة قول عمار لعمر: بعثني أنا وأنت، وبه يتضح عذر عمر كما قدمناه، وأما ابن مسعودٍ فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمار؛ فلهذا جاء عنه أنه رجع عن الفُتيا بذلك، كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسنادٍ فيه انقطاعٌ عنه، ورواية يعلى بن عبيد لهذا الحديث وصلها أحمد في مسنده عنه.

قوله: «إِنَّمَا كان يَكْفِيكَ هَكَذَا»، وللكشميهني: (هذا).

قوله: "واحدة" أي: مسحةً واحدة".

ثم قال –رحمه الله تعالى-: "بابٌ" بدون ترجمة، والذي قرَّره أهل العلم أنه إذا كان الباب بدون ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الذي قبله.

"حَدَّثَنَا عَبْدَانُ" عبد الله بن عثمان العتكي المروزي، وهل هو اسمه أو لقب؟ محل خلاف.

"قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ" هو ابن المبارك، "قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ" هو ابن جميلة الأعرابي، "عَنْ أَبِي رَجَاءٍ" وهو العطاردي، "قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ" الصحابي الجليل، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ"، الناس يُصلون وهو جالس في ناحية المسجد أو في ناحية المكان، "لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ" يعني معهم أو ضمنهم.

"فَقَالَ: «يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟»" يعني: مع القوم.

"فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ» الطَّيبِ فتيممه وتيمم به «فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».

"قوله: "بابٌ" كذا للأكثر بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلاً، فعلى روايته هو من جملة الترجمة الماضية، وعلى الأول هو بمنزلة الفصل من الباب كنظائره.

قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك، وحديثه هذا مختصرٌ من الحديث الطويل الماضي في باب الصعيد الطيب، وليس فيه التصريح بكون الضربة في التيمم مرةً واحدة، فيحتمل أن يكون المصنف أخذه من عدم التقييد؛ لأن المرة الواحدة أقل ما يحصل به الامتثال ووجوبها متيقنٌ، والله أعلم.

خاتمة:

 اشتمل كتاب التيمم من الأحاديث المرفوعة على سبعة عشر حديثًا المكرر منها عشرة، منها اثنان معلقان، والخالص سبعة، منها واحدٌ معلق والبقية موصولة، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عمرو بن العاص المعلق، وفيه من الموقوفات على الصحابة والتابعين عشرة آثار، منها ثلاثةٌ موصولة، وهي فتوى عمر وأبي موسى وابن مسعود.

ومن براعة الختام الواقعة للمصنف في هذا الكتاب ختمه كتاب التيمم بقوله: «فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» إشارةً إلى أن الكفاية بما أورده تحصل لمن تدبر وتفهم، والله سبحانه وتعالى أعلم".

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.